دَعْوى مَشْرُوْعِيّة مُتْعَةُ النِّسَاء

في قوله تعالى:

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا 24 [النساء]

القائلون بوقوع النسخ في الآية:

قال فيها مكي ابن أبي طالب: “وقال ابن المسيب: نسخت المتعة بآية الميراث يعني: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم) [النساء: 12] لأن المتعة كانت لا ميراث بها. وروي عن عائشة i ها قالت حرم الله المتعة بقوله (والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) [المؤمنون: 5 والمعارج: 29]. وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل معلوم، وشرط (ألا) طلاق بينهما، ولا ميراث ولا عدة. وقال أبو عبيدة: نسخت المتعة بالقرآن والسنة لأن النبي m حرم المتعة يوم الفتح وغيره. [1] انتهى كلامه.

قال ابن حجر رحمه الله: قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) [الآية: 24]، قال مقاتل نزلت في المتعة (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) ثم قال (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) أي: إذا زدتم في الأجر وازددتم في الأجل ثم نسخ ذلك. ويؤيده ما أخرجه الشيخان في “الصحيحين” عن ابن مسعود كنا نغزو وليس لنا نساء فرخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل. الحديث. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج نا إسحاق بن سليمان عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس قال: كانت متعة النساء في أول الإسلام كان الرجل إذا قدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته ولا يحفظ له متاعه فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته لذلك وكان يقرأ {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ} الآية. ; وأخرج أبو عبيد في كتاب “النكاح” وابن المنذر من طريقه عن حجاج بن محمد عن ابن جريج أخبرني عطاء سمعت ابن عباس يقول: يرحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنى إلا شقي قال: وقال: كأني أسمع قوله الآن إلا شقي. عطاء القائل.[2]

القائلون بالإحكام ودرء النسخ:

عن ابن عباس أنه قال: هي محكمة أي: تنسخ وكان يقرأ: فما استمتعتم به إلى أجل مسمى، ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللهمّ إني أتوب إليك من قولي بالمتعة، وقيل: إنها أبيحت مرّتين وحرمت مرّتين {إنّ الله كان عليماً} بخلقه {حكيماً} فيما دبره لهم[3]

معضلة الفهم مرة أخرى:

ادّعوا بأن المتعة في هذه الآية هي النكاح، فلا أدري هل قرئ السياق حين تقرر هذا الفهم؟ فالله تعالى يقول (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) فمن زعم أن الاستمتاع هنا يعني النكاح فقد جاء زوراً عظيماً فالله تعالى قرر أن إيتاء الأجور يتلو الاستمتاع ويأتي بعده، فيقول تعالى إذا استمتعتم بشيء منهن فآتوهن أجورهن، فكان الأجر مقابلاً وتالياً للاستمتاع فلو كان هذا الاستمتاع جماعاً واستحلالا لفروجهن فيكون سفاحاً وزنى لأنه حصل قبل العقد الذي يستلزم دفع الصداق، ذلك أن التراتبية بدأت بالاستمتاع وتلاها الأجر.

والحقيقة أن الاستمتاع والمتعة والمتاع من المشترك اللفظي الذي يستظهره القارئ من السياق، فلو قرأت السياق وان مستحضراً للنكاح مشيراً للمتعة فلن يقبل السياق هذا الفهم لأنه سيكون سفاحاً كما أسلفنا، فالمتعة هي النكاح، والإنفاق، وكل ما يسر النفس والعين متاع، والمال متاع، وكل ما ينتفع به الإنسان متاع.

فالله تعالى يقرر حق من يبتغي النكاح أن يشاهد المرأة قبل النكاح وتشاهده فإن كان استمتاعه بجمالها، أو دينها أو علمها أو بأي أمر يسره منها ومضى في نيته بنكاحها بناء على رآه منها فليؤتيها أجرها وهو الصداق وهو فريضة لا يصح العقد إلا به، أما إن سالت الخاطب أمراً غير الصداق كعطاءٍ لأمها أو مؤخراً للصداق أو شيء من الزينة ونحوه فلا جناح عليكم فيما تراضيتم به بعد تسليم الصداق.

وبذلك ينتفي القول بأن المتعة في هذه الآية النكاح لأنه لا ينبغي أن يسبق الصداق، فإن كان المقصود بالنكاح هو العقد فلا يستقيم ذلك وإن كان الدخول بها فهو أبطل من سابقه وإنما يصرف مفهوم الاستمتاع في هذا الموضع إلى ما يعجب الرجل من المرأة فيدفعه إلى نكاحها.

ومن ذلك نستظهر بطلان القول بأن نكاح المتعة مما شرع في الإسلام ولو سلمنا بوجوده فلا يعدو كونه من أفعال الجاهلية رغم أنه لا يستقيم أن يبدر منهم فعل قبيح كهذا لأنه زنا واضح لا لبس فيه وإن فعلته امرأة فلا شك في أنها من أراذل النساء.


[1] ص1284 – الهداية الى بلوغ النهاية

[2] ص859 – كتاب العجاب في بيان الأسباب – سورة النساء

[3] ج1 ص295 – السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير – سورة النساء

عَسَى ولَعَلَّ، دَلاَلاَتُها واسْتِعْمَالاَتهُا فيْ القُرْآنِ الكَرِيْم

نتتبع في هذه الدراسة الاستقرائية دلالات “عسى ولعل” في القرآن الكريم، وما استفزني لأتوسع في البحث وأتحقق من دلالات هاتين الأداتين هو تكرار عبارة “عسى من الله واجبة” وهي في الحقيقة ليست كذلك، فاتخُّذت هذه العبارة قاعدةً عند جلّ المشتغلين باللغة والتفسير، وعندما تتبعت مواضع عسى في القرآن الكريم وجدت مشتركاً واحداً، ولم أجد فيما يقال بوجوب عسى في حق الله أبداً.

وفي هذه الدراسة سنبدأ بتتبع أقوال العلماء من أهل اللغة والتفسير في مفهومهم لاستخدام (عسى ولعل) ودلالاتها، ولكنا لن نغرق في الدخول في المسائل النحو والصرف بل سنركز على الدلالات اللغوية ووظيفة كل مفردة في السياق، وتأثير عسى على الجملة القرآنية وما هو الثابت فيه وما هو المتغير، وبالتالي فإني أعتقد أن هذا الفهم يعزز فهم السياق القرآني بصورة أفضل وأدق وبالتالي فإن قراءة تلك الآيات التي تحتوي على عسى ولعل بعد استيعاب هذا البحث قد يكون مختلفاً عما قبله.

وسنستقريء ضمن ما نستقرئ آيات القرآن واحدة تلو الأخرى لنرى هل تحمل المفردة نفس التأثير وهل ينتج بوجودها ذات الفهم الذي وصلنا إليه؟

حقيقة استخدامات أفعال المقاربة (عسى، لعل):

من خلال استقراء النص القرآني وتتبع معاني الآيات ومفاهيمها تبين لنا بأن القول بأن “عسى من الله واجبة” قول باطل ويتعارض مع مواضع استثناها القائلون استدراكاً ولكنه استدراك لا معنى له، فمفهوم (عسى ولعلَّ) يجب أن يتسق معناهما في كل مواضع استعمالها في كتاب الله حتى تُعرَّف تعريفاً سديداً.

فنقول في تعريف عسى وبالله التوفيق: هِيَ أدَاةُ إطْمَاعٍ ورَجَاءٍ مَشْرُوْطٌ.

تستعمل عسى في السّياق القرآني للوعد إذا تحققت شروط الوعد ولم تكن أبداً واجبة الوقوع وهذا ما سنراه في استقراء السياقات المختلفة لفعل “عسى”.

ونقول في تعريف “لعل” وبالله التوفيق: أدَاةُ تَعْلِيْلِ وُقُوعِ فِعْلٍ رَجَاءَ وُقُوْعِ فِعْلٍ آخَرْ.

وتختلف (عَسَى) عن (لعلّ) بأن الأولى مناطة بفعل من المخاطَبْ تأتي نتيجته من غير هذا المخَاطَب، بينما (لعلّ) قد تتعدى ذلك بذكر فعل من غير المخاطَبْ تقع نتيجته على المخَاطب.

والتحقق من دقة التعريف يمكن أن يتبين من خلال استقراء النص القرآني لنجد أن التعريف ينطبق في كافة مواضع استخدام المفردة في القرآن، وهنا أود أن أنوه بأن استعمال المفردة في سياقات أخرى في الشعر العربي أو النصوص الأدبية والتاريخية المختلفة أو تأثيرها وتأثرها النحوي والصرفي فهذا لا يدخل في نطاق هذه الدراسة.

نماذج من استقراء مقامات “عسى” في السياق القرآني

وردت عسى بصورتين في كتاب الله الصورة التامة المباشرة والصورة المستترة المقدرة، في الصورة التامة والتي سنبدأ بعرضها يظهر في القرآن الكريم ثلاث عناصر في الآية، الشرط، وعسى، وجواب الشرط، وهذه في معظم مواضع استعمال “عسى”.

وفي الصورة المستترة أو المقدرة، وهذه الصورة في مواضع معدودة في كتاب الله وجد فيها إما الشرط أو جواب الشرط وعسى، فنجد أننا نستدل على الشرط أو نستدل على جوابه من خلال السياق، وسنبدأ بالمقامات في صورتها التامة:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)  [النساء:19]

فاء التعقيب في قوله تعالى (فإن كرهتموهنَّ) فقد يجعل الله فيه خيراً كثيراً إذا تحقق الشرط الذي يسبق التعقيب وهو معاشرتهن بالمعروف، وألا ترثونهن رغماً عنهن وتمنعوا نكاحهن طمعاً ببعض ما آتيتموهن، فكان الخير مشروط بتحقق شروط قبل عسى فكانت عسى مناط تحقق ما بعدها بتحقق ما قبلها.

(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا)  [النساء:84]

أن قتالك في سبيل الله يا محمد وتحريضك للمؤمنين على القتال هو شرط لكف بأس الكافرين فأتت عسى أداة شرطٍ للإطماع بكف البأس والتأييد المشروط بتحقق الشروط السابقة لعسى.

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا 97 إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا 98 فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا 99 [النساء]

فأطمع بالعفو والمغفرة من العذاب من تحققت فيه الشروط السابقة لعسى وهي وقوع الاستضعاف، وانعدام الحيلة والاهتداء للسبيل الهجرة، فإطماع الله بالعفو يتحقق بتحقق الشروط.

(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)  [التوبة:18]

فالدخول في جمع المهتدين مشروط بعمارة المساجد وعبادة الله فيها وبتحقق الإيمان بالله واليوم الآخر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وخشية الله وحدة دون سواه، فإن تحققت الشروط مجتمعة تحقق الوعد وانتفاء شيء منها ينقض هذا الرجاء ويبطل تحققه.

(وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)  [يوسف:21]

أمر العزيز امرأته بإكرام مثوى يوسف، فإكرام مثواه لغرض وهو أن يحصل منه النفع أو يتخذانه ولداً لهما، فكانت عسى فاصلة بين الشرط والرجاء ومفتاح تحقق كل رجاء بعد عسى هو تحقق ما قبلها من شروط، فينطبق تعريف عسى في هذا الموضع أيضاً.

(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)  [يوسف:83]

فالرجاء لدى يعقوب u هو أن يأتي الله بأبنائه جميعاً، والشرط هو الصبر الجميل والفاصلة هي أداة الشرط “عسى” ، فيقول يعقوب أنه سيعتصم بالصبر الجميل رجاء تحقق عودة أبنائه إليه، فتحقق تعريف عسى في هذا الموضع.

(عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)  [الإسراء:8]

فالرحمة مشروطة بعدم العودة لما كان منكم، فإن التزمتم باجتناب ما نهيتم عن العودة إليه فرجاء رحمة الله لكم متحقق، فكان تعريف عسى هنا متفق مع مقتضى الآية.

(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)  [الإسراء:79]      

وهنا أيضاً نجد أن عسى أتت فاصلة إطماع بتحقق رجاء مشروط بحصول فعل ، فبعث النبي e في مقامٍ محمود مرهون بتحقق تهجده بالقرآن نافلة لك يا محمد دون سواك، فيكون معنى عسى متحقق في هذا الموضع.

وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا 23 إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا 24 [الكهف]

فَتَحقُّق هدايةُ الله للرشد هو اصطحاب مشيئة الله دائماً وذكر الله عند النسيان، فإن تحقق الشرط حصل المطلوب وإن لم يتحقق لم يحصل المطلوب فكانت عسى في هذا الموضع متحققة في مفهومها الذي أوضحناه.

(وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)  [القصص:9]

 فنهت امرأة فرعون عن قتله وذلك حتى ينفعهم أو يتخذونه ولداً، فأتت عسى واصلة فعل النهي عن القتل باتخاذه ولداً والانتفاع به.

(فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَىٰ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ)  [القصص:67]        

فالفلاح مشروط بتحقق التوبة والإيمان والعمل الصالح، فلا يتحقق الفلاح بدون تحقق لوازمه، فلا يمكن القول أن عسى من الله واجبة بل مشروطة.

رأينا فيما سبق من نماذج دلالة عسى في صورتها التامة المباشرة التي تشتمل فيها الآية على: عسى، الشرط وجوابه، أما فيما يلي فسنرى الصورة المقدرة المستترة فنقول وبالله التوفيق:

(عَسَىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا)  [التحريم:5]

والآية متعلقة بما قبلها وهو المظاهرة على النبي صلى الله عليه وسلم فإن حدثت المظاهرة فسيترتب عليها طلاقهن ، فإن وقع الطلاق فإن جواب الشرط الذي يتلو “عسى” هو أن يبدله الله أزواجاً خيراً منهن مؤمنات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً ، فطالما لم يتحقق فعل الشرط السابق لعسى فلم يتحقق جوابه ، فكانت تجسيداً لمفهوم عسى وهو التحقق المشروط.

وهنا تزكية عظيمة لنساء النبي فقد قُبض   e وهن في عصمته مما يدل على عدم وقوع ما نهين عنه فبقائهن رضي الله عنهن أمهاتٍ للمؤمنين دل على انطباق صفات ما توعدهن الله من نساء بديلات لهنّ إن هنَّ عصين الله ورسوله فثبت في حقهن أنهن (مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات).

وهذا الموضع أشكل على القائلين بأن (عسى من الله واجبه) فاستثنوه من قاعدتهم التي بينّا بطلانها.

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) [البقرة:216]       

ونجد أن شروط القتال مستترة مقدرة، فالله تعالى يطمع المؤمنين في الخير الذي ينالهم من القتال إذا حققوه بشروطه فلا ينال الشهادة والأجر العظيم كل مقاتل بل إن شعيرة الجهاد والقتال تنال خيراتها ومقام صاحبها إذا قاتل الرجل مؤمناً بالله لأجل أن تكون كلمة الله هي العليا تحقق الخير الذي وعد الله المقاتلين به، وهذا معلوم ولو لم يذكر فذكرت عسى، ونتيجة الشرط وأضمر الشرط نفسه.

وينطبق ذلك على كل ما نحب ونكره، فمدى تحقق الخير فيما نحب ونكره مشروط وليس متحقق على هوى المحب والكاره، فنجد أن مفهوم عسى متحقق هنا بالصورة التي قررناها.

(عَسَىٰ رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ)  [القلم:32]

فالنتيجة (جواب الشرط) هي أن يبدلهم الله خيراً منها، فوُجِد الرجاء ووُجِدت عسى واستتر الفعل وهو توبتهم لله وعودتهم عن الذنب وإيتاء الفقراء والمساكين مما يرزقهم الله وتضرعهم إليه بالقبول، فكانت عسى هنا في صورتها المستترة المقدرة.

عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 7 لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ 8 إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 9 ]الممتحنة[

فالإطماع بحصول المودة بين المسلمين وبين من عادوا من أهل الكتاب مشروط بانتهائهم عن قتال المسلمين ولم يخرجونهم من ديارهم فإن انتفت تلك الموانع فالمودة ممكنة الحصول (ولكنها ليست واجبة).

(وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)  [التوبة:102]

فتوبة الله عليهم ومغفرته لهم مشروطة برجحان العمل الصالح على العمل السيء وانتفاء كافة موانع المغفرة الأخرى وتأدية حقوق الناس بما يبقي في كتبهم ما يشفع لهم بالدخول في رحمة الله، وليس كل من خلط عملا صالحاً وآخر سيء داخل حتماً في المغفرة بلا شروط ولا انتفاء الموانع وبذلك ينتفي القول أن عسى من الله واجبة، ونلحظ هنا بأن فعل الشرط مضمرٌ إلا الاعتراف وهو جزء من التوبة، ونتيجة فعل الشرط ظاهرة وعسى مذكورة في كل الأحوال طبعاً.

استقراء بعض مقامات “لعلَّ” في السياق القرآني

 قلنا بأن تعريف “لعل” وبالله التوفيق: أدَاةُ تَعْلِيْلِ وُقُوعِ فِعْلٍ رَجَاءَ وُقُوْعِ فِعْلٍ آخَرْ.

وتختلف (عَسَى) عن (لعلّ) بأن الأولى مناطة بفعل من المخاطَبْ تأتي نتيجته من غير هذا المخَاطَب، بينما العكس في (لعلّ) فهو فعل من غير المخاطَبْ تقع نتيجته على المخَاطب، وسنبدأ في تتبع نماذج من مواضع (لعل) في كتاب الله:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)  [البقرة:21]           

أن وقوع التقوى علته حدوث العبادة، فكانت “لعلَّ” أداة لبيان نتيجة العبادة وهو تحقق التقوى.

(ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة:52]

فحصل العفو من الله تعالى وعلته تأدية الشكر لله من بني إسرائيل فكانت لعل أداة تعليل للعفو.

(وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)  [البقرة:53]         

علة إيتاء موسى الكتاب والفرقان هي تحقق الهداية ، فكانت لعلّ هنا أداة لتعليل وقوع الفعل.

(إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)  [طه:10]

فكانت علة مُكْث أهله في محلهم هي الإتيان بقبس من النار أو الاهتداء إلى السبيل أو الى ما يطلب موسى من ويحتاج من العلم، وفي موضع آخر (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) ، فعلة المكث أن يأتيهم منها بخبر ، وعلة إحضار جذوة من النار هي ليصطلون منها ويدّفئون من شدة البرد.

عسى ولعل ، مفاهيمها السائدة لدى أهل التفسير و اللغة

سنبدأ في تقصي أقوال أهل العلم في “عسى” ودلالاتها واستخداماتها وبالأخص في السياق والقرآني فنقول، أن عسى أتت عند علماء اللغة على ثلاث صور إما أن تكون فعلا ماضيا ناقصا جامداً من أفعال الرجاء من غير الله أما من الله فهي واجبة، يرفع المبتدأ وينصب الخبر، وخبره جملة فعليّة فعلها مضارع يجوز اقترانه بـ «أن» وعدم اقترانه، والاقتران أكثر، نحو قول الشاعر

عسى الكرب الذي أمسيت فيه      يكون وراءه فرج قريب

أو أن تكون حرفا من الأحرف المشبّهة بالفعل، ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، وذلك إذا اتصل بها ضمير نصب، نحو قول صخر الحصري :

فقلت عساها نار كأس وعلّها    تشكّى فآتي نحوها فأعودها

فعلاً ماضياً تامّا، وذلك إذا أسندت إلى المصدر المؤوّل من «أن» والفعل، نحو الآية: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)” سورة البقرة :216″.

جاء في تفسير الماوردي لقوله تعالى : (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ):

“والثالث: إنما يرغب في عمارة بنائها من آمن بالله تعالى. )وَالْيَوْمِ الأَخِرِ وَأَقَامَ الْصَّلاَةَ وَءَاتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِن الْمُهْتَدِينَ(فيه وجهان: أحدهما: أنه قال ذلك لهم تحذيراً من فعل ما يخالف هدايتهم. والثاني: أن كل {عَسَى} من الله واجبة وإن كانت من غيره ترجياً, قاله ابن عباس والسدي.[1]

أقول تعليقاً على ما تقدم : وهنا يتضح في هذه الآية خلاف ما يقول الماوردي ، فعسى أداة شرط فعلها هو الإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وجوابها حصول الهداية ، فكانت الهداية مشروطة بتحقق ما قبل عسى، وليست واجبة من الله مالم تتحقق شروطها.

 قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَتَأْتِي لِلْقُرْبِ وَالدُّنُوِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ} قَالَ: وَقَالَ الْكِسَائِيُّ كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ عَسَى عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ فَهُوَ مُوَحَّدٌ نحو: {عسى أن يكونوا خيرا منهم} {وعسى أن تكرهوا شيئا}، وَوُحِّدَ عَلَى عَسَى الْأَمْرُ أَنْ يَكُونَ كَذَا وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَلُّ عَسَى فِي الْقُرْآنِ فهي واجبة وقال الشافعي: يُقَالُ: عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ وَحَكَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ عَسَى فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ وَاجِبَةٌ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ:

{عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ فَمَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ بَلْ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْقَعَ عَلَيْهِمُ الْعُقُوبَةَ وَفِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أن يبدله أزواجا خيرا منكن} ،وَلَازَمْنَهُ حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَمَّمَ بَعْضُهُمُ الْقَاعِدَةَ وَأَبْطَلَ الِاسْتِثْنَاءَ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى شَرْطٍ أَيْ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ فَلَمَّا زَالَ الشَّرْطُ وَانْقَضَى الْوَقْتُ وَجَبَ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ فَعَلَى هَذَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ بَابِهَا الَّذِي هُوَ الْإِيجَابُ وكذلك قوله: {عسى ربه إن طلقكن} تَقْدِيرُهُ وَاجِبٌ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ أَيْ لَبَتَّ طَلَاقَكُنَّ وَلَمْ يَبُتَّ طَلَاقَهُنَّ فَلَا يَجِبُ التَّبْدِيلُ.

وَقَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي سُورَةِ التحريم: {عسى ربه} إِطْمَاعٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْجَبَابِرَةِ مِنَ الْإِجَابَةِ بِـ “لَعَلَّ” وَعَسَى وَوُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَوْقِعَ الْقَطْعِ وَالْبَتِّ وَالثَّانِي أَنْ تَجِيءَ تَعْلِيمًا لِلْعِبَادِ وُجُوبَ التَّرْجِيحِ بَيْنَ الخوف والرجاء  [2] .

وَفِي الْبُرْهَانِ: عَسَى وَلَعَلَّ مِنَ اللَّهِ وَاجَبَتَانِ وَإِنْ كَانَتَا رَجَاءً وَطَمَعًا فِي كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ لِأَنَّ الْخَلْقَ هُمُ الَّذِينَ يَعْرِضُ لَهُمُ الشُّكُوكُ وَالظُّنُونُ وَالْبَارِئُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَالْوَجْهُ فِي اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَنَّ الْأُمُورَ الْمُمْكِنَةَ لَمَّا كَانَ الْخَلْقُ يَشُكُّونَ فِيهَا وَلَا يَقْطَعُونَ عَلَى الْكَائِنِ مِنْهَا وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْكَائِنَ مِنْهَا عَلَى الصِّحَّةِ صَارَتْ لَهَا نِسْبَتَانِ: نِسْبَةٌ إِلَى اللَّهِ تُسَمَّى نِسْبَةَ قَطْعٍ وَيَقِينٍ وَنِسْبَةٌ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ تُسَمَّى نِسْبَةَ شَكٍّ وَظَنٍّ فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ لِذَلِكَ تَرِدُ تَارَةً بِلَفْظِ الْقَطْعِ بِحَسَبِ مَا هِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى نَحْوَ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} وَتَارَةً بِلَفْظِ الشَّكِّ بِحَسَبِ مَا هِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْخَلْقِ نَحْوَ: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} وَنَحْوَ: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ حَالَ إِرْسَالِهِمَا. مَا يُفْضِي إِلَيْهِ حَالُ فِرْعَوْنَ لَكِنْ وَرَدَ اللَّفْظُ بِصُورَةِ مَا يَخْتَلِجُ فِي نَفْسِ مُوسَى وَهَارُونَ مِنَ الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ. وَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ جَاءَ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ فِي ذَلِكَ وَالْعَرَبُ قَدْ تُخْرِجُ الْكَلَامَ الْمُتَيَقَّنَ فِي صُورَةِ الْمَشْكُوكِ لِأَغْرَاضٍ. [3]

أقول تعليقاً على ما تقدم ، الموضع جملة شرطية كقوله تعالى :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)  [الأنفال:29]

وتحقق جواب عسى مرهون بتحقق شرطها ، كما سيأتي معنا ، فإن قال الله تعالى (عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا) علمنا بأن الرحمة ليست متحققة مالم يتحقق الكف وعدم العدوان فإن عادوا بالذنب عاد الله عليهم بالعقوبة ، وبهذا النحو نجيب أيضاً على ما يلي.

، {عَسَى رَبُّكُمْ} إطماع من الله لعباده، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة بـ “عسى” و”لعل” ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. والثاني: أن يجئ به تعليما للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء، والذي يدل على المعنى الأول وأنه في معنى البت: قراءة ابن أبي عبلة: (ويدخلكم) بالجزم، عطفا على محل (عسى أن يكفر)، كأنه قيل: توبوا يوجب لكم تكفير سيئاتكم ويدخلكم، {يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ} نصب بـ {ويُدْخِلَكُمْ}، و {لا يُخْزِي}: تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر والفسوق، واستحماد إلى المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم، {نُورُهُمْ يَسْعَى} على الصراط.[4]

يقول ابن حبنكة الميداني “وعلى خلاف الأصل قد يُسْتعمل في التّمنّي: “هل” و”لَعَلَّ” و”عسَى” لغرض بلاغي، وهو إبرازُ المتَمَنَّى في صورة الممكن المطموع فيه، بغيةَ الإِشعار بكمال العناية به، والتلهُّفِ على الحصول عليه، أو تحقيقه.”[5].

ويقول الكفوي في بيان معنى عسى ولعل: “عَسى: هِيَ لمقاربة الْأَمر على سَبِيل الرَّجَاء والطمع، أَي لتوقع حُصُول مَا لم يحصل، سَوَاء يُرْجَى حُصُوله عَن قريب أَو بعيد مُدَّة مديدة، تَقول: (عَسى الله أَن يدخلني الْجنَّة) و (عَسى النَّبِي أَن يشفع لي) وَأما (عَسى زيد أَن يخرج) فَهُوَ بِمَعْنى لَعَلَّه يخرج، وَلَا دنو فِي (لَعَلَّ) اتِّفَاقًا ” [6]

الخلاصة:

أن عسى ولعل تتشابهان في أثرهما على الجملة واستعمالهما ، فعسى أداة شرط وجواب الشرط ، ولعل أداة تعليل لبيان علة قوع الفعل ، وأن قول ” أن عسى من الله واجبة” قول غير صحيح، فعسى مشروطة وليست واجبة الوقوع ، بل تقع في حال تحققت الشروط المشار إليها في الآية ، وهذه الدراسة لا تعنى باستعمالات لعل وعسى في اللغة بعمومها بل مختصة باستعمالها في السياق القرآني من جهة معناها ومفهومها وليس من جهة أثرها النحوي والصرفي.


[1] ص348 ج2- تفسير الماوردي النكت والعيون

[2] ص288 – كتاب البرهان في علوم القرآن – النوع السابع والأربعون في الكلام على المفردات والأدوات

[3] ص242 – كتاب الإتقان في علوم القرآن – النوع الأربعون في معرفة معاني الأدوات التي يحتاج إليها المفسر

[4] ص514 – فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب حاشية الطيبي على الكشاف – سورة التحريم

[5] ص252 – كتاب البلاغة العربية – الفصل الرابع الجملة الإنشائية وأقسامها

[6] ص635 – كتاب الكليات – فصل العين

فُؤادُ مُوسَى (عَليهِ السَّلام) َوأُمّه

فُؤادُ مُوسَى (عَليهِ السَّلام) َوأُمّه

دراسة تطبيقية لمفاهيم القلب والعقل والفؤاد على قصة موسى في القرآن الكريم

مقدمة :

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.

لقد سبق لنا في دراسة سابقة تعريف القلب والعقل والفؤاد على ضوء التعبير القرآني ، وقلنا أن:

تعريف العقل : هُوَ وِعَاَءُ الْفِطْرَةِ وَأدَاةُ ضَبْطِ السُّلُوك البَشَرِيّ المَبْنيّ عَلَى تَحْقِيْقِ فِهْمِ المُحِيْطِ المادّيّ ،وَالعَقْلُ السَّليم هُوَ مَنَاطُ كُلَّ فِعْلٍ حَسَنْ إذا اسْتَعْلَى فِيْهِ عَلَى الفُؤَادِ وضَبَطَ سُلُوكَه.

تعريف الفؤاد : هُوَ وِعَاءُ الحَاَضِرِ الَّذِيْ يَتَلَقَّىَ مَاَ يَلِجُ فِيِهِ مِنْ خِلَالِ الحَوَاسّ وَهُوُ مَنَاَطُ العَوَاطِفِ والشُّعور مِنْ خَوْفٍ وَحُبٍّ وَرَجَاءٍ وَبُغْضٍ وَحِقْدٍ وَرِضًىً وَشَهْوَةٍ وَسَعَادَةٍ وَحُزْنٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ المَشَاعِرِ البَشَريّة ، وَهُوُ مُتَعَلّقٌ بِكُلِّ فِعْلٍ قَبِيْحْ إذا اسْتَعْلَى عَلَىْ العَقْلْ وَتَقَدَّمَ عَلَيْه.

تعريف القَلْبْ : هُوَ جِمَاعُ العَقْلِ وَالفُؤَادِ وقائدهما يُرَجِّحُ ويتبع العَقْل عندمَاَ يعتليْ عَلَى الشَّهْوَةِ (الفُؤَاَدْ) أو العَكْسْ ، وهو مَنَاطُ الإدْرَاكِ وَمَنْشَأ الفِعْلِ والقَرار.

وقلنا بأن موضع تلك الأدوات هو النفس ، فلا يراد بالقلب الشرعي مثلا المضغة التي تضخ الدم والتي طالما زرع بدلا منها قلباً صناعياً أو طبيعياً من متبرع فلم يتغير سلوك صاحب القلب الجديد ولا دينه ولا قناعاته وهو ما نسميه بالقلب العضوي المتعلق بالجسد فهو أداة بالية متعلقة بالحياة الدنيا ، فحقيقة القلب الشرعي هو نواة النفس وقائدها لفعل الخير أو الشر ، وهو كالملك الذي يملك جواداً (الفؤاد) وفارساً (العقل) وصلاح أمر مملكته مرهون بمن يمتطي الآخر ٫ فإما يكون الفارس (العقل) هو الممتطي للجواد (الفؤاد) فيصلح أمر العبد وتستقيم حياته وعلاقاته بربه ومحيطه ، أو أن العكس يحصل فيمتطي الجواد فارسه فتفسد حياة العبد وتسوء حاله مع ربه وذاته ومحيطه.

الفؤاد مشتعل ملتهب متفلت عاطفي متمرد مرتبط بالمشاهد المحسوسة والأصوات المسموعة وتنعكس مشاهداته ومرئياته على هيئة عواطف ظاهرة ، فيأتي دور العقل الذي يعقل ويقيد هذا الاشتعال والانفلات فيضبط سلوك المرء ويحكم وثاق الفؤاد ، ويبقى الأمر مرهونٌ بالقلب فإما ميل للعقل وتعزيز لسلطته ، أو تجاهلٌ لنداءه واتباع للفؤاد وفلتاته.

وأظهر الأدلة على هذا التفصيل حديث النبي :

عن شهر بن حوشب: قُلتُ لأمِّ سلمةَ: يا أمَّ المؤمنينَ ما كانَ أَكْثرُ دعاءِ رسولِ اللَّهِ ﷺ إذا كانَ عندَكِ؟ قالَت: كانَ أَكْثرُ دعائِهِ: يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ قالَت: فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ما أكثرُ دعاءكَ يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ؟ قالَ: يا أمَّ سلمةَ إنَّهُ لَيسَ آدميٌّ إلّا وقلبُهُ بينَ أصبُعَيْنِ من أصابعِ اللَّهِ، فمَن شاءَ أقامَ، ومن شاءَ أزاغَ. فتلا معاذٌ (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا) الألباني (١٤٢٠ هـ)، صحيح الترمذي ٣٥٢٢ • صحيح

فأراد  تقريب الصورة ليتبين لنا القوى التي تتجاذب القلب وهي من خلق الله العقل والفؤاد فمن انقلب قلبه ناحية العقل أقام ، ومن مال قلبه وانحرف الى الفؤاد زاغ والعياذ بالله .

وفي هذه الدراسة سأقدم بمشيئة الله تعالى دراسة تطبيقية على قصة موسى  وتفاعل القلب والعقل والفؤاد في ثنايا هذه القصة ، ومن خلالها نتعرف على التطور التاريخي للنفس البشرية من ميلها للفؤاد والمحسوسات بأنواعها حتى وصلنا للعصر الحاضر والفترة المحمدية التي تحول فيها الإسلام لخطاب عقلي أكثر منه خطاب عاطفي يلامس الأفئدة .

الفؤاد بين الخير والشر

إن الفؤاد ليس شراً محضاً ولا هو خيرٌ محض ، إنما هو أداةٌ تتفاعل مع العقل ومع محيطها الخارجي فإن جرى توظيفها توظيفا صحيحاً سليماً كانت مؤدية لمهمتها على الوجه السليم ، أما إن بقيت منفلتة عن عقال القلب وأعطيت هواها وشهواتها ورغباتها بدون عقل وضبط وربط ولا تقييد كانت على صاحبها شراً قد يحطمه في نار جهنم.

إن الفؤاد عضوٌ نفسيٌ هام لتحقيق قيم بشرية هامة كالعطف والشفقة والخوف والرغبة الشهوة ونحوها من المشاعر التي تنشأ من المشاهدة والسماع ( أي من منافذ الفؤاد) فبدونها يصبح ابن آدم آلة صماء لا تختلف عن الحجر والشجر ، ويبقى القرار بيد القلب فإن كانت العاطفة منضبطة كعاطفة الأمومة ونحوها فإن العقل يؤيدها ويحث عليها لأن عكسها شذوذٌ يقيده العقل ويحاربه.

نطاق الدراسة وقصة موسى

تَتتبَّع الدراسة كافة مواضع ذكر نبي الله موسى  وسرد قصصه في كتاب الله ، إبتداءً من وحي الله لأمه بأن تلقيه في اليم مروراً بحوادث مرت أثناء وجوده في مصر وقتله للقبطي وهروبه تلقاء مدين وبقاءه حتى قرر العودة بأهله إلى مصر ، ثم رؤية النار وتكليم الله تعالى له وتكليفه بالرسالة ثم لقاءه بفرعون وملئِه وخروجه بقومه حتى جاوز البحر وعبادة العجل والتيه في الصحراء بالإضافة لقصة موسى والخضر التي ذكرت في سورة الكهف.

أم موسى الوحي ، الولادة والخطر

عاشت أم موسى وقومها في محيط وبيئة وثنية لا تعترف بالإله العلوي المجهول الذي لم تراه أعينهم وتمسه أيديهم ، فكانت قيمة الفؤاد طاغية في كل ذلك المجتمع فراعنته و أقباطه وأسباطه وكانت هذه الحالة البدائية من التعاطي مع الأحداث والأشياء سمة غالبة كان لها تأثير على مسيرة بني اسرائيل في كل مراحل حياتهم وتحولاتها المختلفة.

لقد كان طغيان الفؤاد وقِيَمهِ من خوفٍ وفرحٍ وشهوةٍ وغضب حالة نفسية غالبة ، فها هو فرعون يتبنى نبوءة الكهنة والسحرة التي تخبر بأن طفلا من بني اسرائيل سيكون على يديه نهاية الحكم الفرعوني ، ونظراً لتجارب الفراعنة في صدق تلك النبوءات فقد تعاملوا معها بكل جدية ، والنبوءة كانت حقيقية لأننا نعلم بأنها تحققت لاحقاً.

ونعلم بأن بعثة النبي  كانت شكلت حداً فاصلاً بين المرحلة السابقة التي كانت الشياطين تستمع للملأ الأعلى وتصب ما تسمعه في أذن الكاهن والساحر ، ثم انتهت تلك المرحلة وحجبت أقطار السماء عن أولئك الشياطين ، ولكن في عصر الفراعنة لازالت النبوءات تتميز باقترابها من الدقة والصدق ، ولذلك فقد اجتاحت المجتمع الاسرائيلي حالة من الهلع جراء ذبح المواليد الرضع فضلا عن استعباد الرجال واستحياء النساء.

لقد كانت أم موسى واحدة من أفراد ذلك المجتمع المستعبد المرتعب ، فأراد الله أن يلد لها هارون في سنة العفو ولكن ولادة موسى كانت في سنة القتل فطار قلبها خوفاً على وليدها ، وهذا الخوف هو قيمة من قيم الفؤاد ولكن كانت له مع موسى وأمه أحوال عديدة:

(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) ﴿7﴾ القصص

فعالج الله تعالى مسألة الخوف بإلقاء الرضيع في النهر بمهده ، فجنود فرعون يجوسون بحثاً المواليد ليقتلونهم فلما تملكها الخوف لم يكن هناك بداً من قذف الرضيع بتابوته (مهده) في اليم طاعة لله ولأن ذلك الفعل أهون من ذبح وليدها أمام عينيها ، وهنا نجد أن فؤاد المرأة أكثر اشتعالا وافتئاداً وتأثراً واحتكاماً على قلب المرأة منه عند الرجال ، وما ذلك إلا لخلقتها التي تتطلب طغيان الفؤاد على العقل في سبيل القيام بوظائف الأمومة التي تقوم في مجملها على العاطفة.

وفي سورة طه يبين الله لعبده موسى تلك الحالة ويسرد محتوى الوحي الذي أوحاه الله لأم موسى والبشارات التي جمعت لها ، بأن الله يرجعه إليها ويجعله من المرسلين:

إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ﴿38﴾ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴿39﴾ طه

فتغلَّب عقل أم موسى على فؤادها ، بفعل توفيق الله ووحيه ووعده لها ، ولكنها ما لبثت أن اشتعل فؤادها مرة أخرى خوفاً وفَرقاً مما قد يحدث للرضيع موسى في النهر وغيابه عن عينها وحاجته لها فافتأدت نفسها وكاد قلبها أن يميل إلى الفؤاد وعاطفته لولا أن ربط الله على القلب فلم يسمح له بالميل تجاه العاطفة وكبح جماح الفؤاد حتى لا تبدي به وتخبر بأنها ألْقَتْه في اليم ، ولو أطاعت فؤادها لَعَلِمَ قوم فرعون بأن الطفل هو طفلها وربما كانوا قتلوه كغيره من أبناء بني اسرائيل ، فيرينا الله تعالى كيف أن طاعة الفؤاد وتجاهل العقل سبب في الفشل والبوار ، يقول تعالى :

وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿10﴾ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿11﴾ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴿12﴾ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿13﴾ القصص

قال المفسرون  ، فارغاً من أي شغل إلا انشغالها بحالهِ وخوفُها الشديد عليه ، فكان موسى وحاله شغل أمه الشاغل وسبب قلقها وترقبها حتى أنها من شدة خوفها واشتعال فؤادها كادت تستميل قلبها لطاعته فتخبر عن رميها للرضيع في اليم لكن الله ثبت قلبها فلم ينقلب عن ثباته ويطيع فؤادها فغالبت فؤادها وصبرت وكانت من المؤمنين بوعد الله تعالى والتزمت أمره وتوجيهه الذي بلغها عن طريق الوحي.

وعندما رد الله موسى لحضن أمه قرت عينها وانطفأت جذوة الخوف في فؤادها وأيقنت بموعود الله تعالى فكانت بذلك من العالِمين.

موسى في قصر عدوه

صورة أخرى من صور تقلب القلب نحو الفؤاد أو تماسكه ومقاومته لرغبات الفؤاد، فقد ألقى الله تعالى محبة منه على عبده موسى فما يراه أحدٌ إلا أحبه ، فلما التقطه آل فرعون ورأته امرأة فرعون ضج فؤادها واشتعل حباً وعطفاً وتعلقاً بهذا الوليد الضعيف :

فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴿8﴾ وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿9﴾ القصص

فكان الفؤاد واشتعاله سبباً في حماية موسى من القتل ، فغلبت محبته رغبة فرعون بقتل غلمان بني اسرائيل وظن بأن التجاوز عن رضيع واحد لن يكون مؤثراً ولا يعلم أنه التقط حتفه بيديه.

والحقيقة التي يجب أن تستقر في أنفسنا بأن الناظر لفعل الله في فرعون وقومه كان غاية في الحلم والرأفة فقد هيأ لفرعون كل أسباب الهداية حتى أنه اسكن نبياً في بيته حتى صار كأحد أبناءه وكأنه من آل فرعون فكانت دعوته أحرى أن تستجاب لمكانته من فرعون وقومه ولكن استكبار فرعون قاده لمهلكه.

اشتعال فؤاد موسى بالغضب

كان موسى  كأبناء عصره يحمل فؤاداً مشتعلا مفتئداً قد يقدم على عقله ونجد أنه  يقدم فؤاده على عقله ويستميل قلبه نحو الفؤاد في مواقف عديدة منها ما يتملك نفس موسى فيها الغضب أو الخوف أو الحزن ومن تلك المواقف ما حصل منه حين قتل القبطي لسرعة غضبه وتأثره بدعوى الاسرائيلي واستنجاده بموسى:

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ﴿15﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿16﴾ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ ﴿17﴾ القصص

فندم على قتله للرجل ، ورأى أنه ظاهر المجرم ضد القبطي وتعهد أن لا يكون ظهيراً مرة أخرى للمجرمين ، ونرى كيف أن فؤاده انفلت من عقاله حتى أفضى لقتل القبطي.

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ ﴿18﴾فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ﴿19﴾وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴿20﴾ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿21﴾ القصص

فتراوح السياق هنا بين الخوف والغضب وكلها حالات من حالات الافتئاد والاشتعال الخارج عن نطاق العقل والحلم ، فبعد قتل القبطي ساوره الخوف والترقب خوفاً من قوم فرعون ، وهنا نرى كيف أن الغضب يفضي لفعل غير محمود ثم يفضي هذا الفعل لحالة من الخوف والخشية ، ثم عاد الغضب ليتملك من قلب موسى حين أراد أن يبطش بالرجل الآخر فلما ذكره بفعلته بالأمس تذكر تعهده لربه أن لا يكون ظهيراً للمجرمين فأحجم عن اتباع فؤاده ، حتى أتاه النذير بأن الملأ يأتمرون به ليقتلوه فانقلب الغضب إلى خوف وخشية ، فنرى كيف تناذرت وتناوبت مشاعر الخوف والغضب عندما طغى الفؤاد على العقل.

مرحلة مدين ، الجد والعمل

لم يذكر القرآن الكريم الكثير عن مرحلة سكن موسى  لمدين سوى مساعدة المرأتين وزواجه من إحداهن بمهرٍ هو الإجارة لدى والدهما ثمان سنين ثم إتمامه للمدة بعشر سنين. ولكن يبين القرآن الكريم طمآنة شعيب لموسى  حين لاحظ خوفه من قصته التي قصها عليه ، فنهاه عن الخوف وبشره بأنه بوجوده في مدين فقد نجا من القوم الظالمين:

فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿25﴾ القصص

التكليم والتكليف

قدر الله قدراً ودبر لعبده أمراً ، وعلم ما هو عليه من البرد الشديد والظلام فأراه ناراً وهو تعالى أعلم بما سيكون منه تجاه هذه النار وأنه سيأتيها ويقترب منها فجعل من هذا الموضع محلاً لتكليم عبده ، ولو تتبعنا الحال بمجمله لرأيناه يأخذ بمجامع الفؤاد فيسمعه الله كلامه تعالى الله بأذنيه ، ويريه النار التي كانت ليست كأي نار بعينيه، وبرغم هذا كله فإن فؤاد موسى يتشوق للمزيد من الأدلة المادية فطلب الرؤية التي وإن تعذرت ولكنه رأى أثرها بعينيه يقول تعالى:

فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى ﴿11﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿12﴾ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴿13﴾ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴿14﴾ إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴿15﴾ فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ﴿16﴾ طه

فخاطب الله تعالى فؤاده ، ونلحظ أن التكليف يراعي حال المكلف من الأنبياء فلم يكلم اللهُ نبيَّنا كما كلم موسى نظراً لاختلاف طبيعة نفس موسى عن محمد عليهما الصلاة والسلام ، فنفس موسى المفتئدة وقلبه المائل للمشاهدة بالنظر المجرد والسماع بالأذن ، ككل أبناء عصره جعلت من الرسالة تتميز بسمات مادية إعجازية وعجائب محسوسة لا تتعلق بميزان العقل وحده في الإقرار بصحتها بل تجاوزت ذلك لإحداث ظواهر مرئية ومسموعة لتشبع غريزة الفؤاد وتعزز جانب الإيمان.

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴿17﴾ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ﴿18﴾ قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى ﴿19﴾ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴿20﴾ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى ﴿21﴾ طـه

فقام ذلك اللقاء المهيب على الحوار بين الله  وعبده موسى توكيداً وتثبيتاً وتأسيساً لليقين في نفس موسى حتى لا يبقى في نفسه وفؤاده مجالاً للاضطراب والشك والريب مناسبةً للمرحلة وطبيعة الشعب المستهدف بالدعوة والنبي المرسل أيضاً ، فنرى أن اللقاء بالله كان تفاعلياً فيه سؤال وجواب ووقائع مرئية جعلت من موسى يمر بمراحل الخوف حتى تجاوزها ليأمن ويدرك مهمته في جو من السكينة والثقة.

وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ﴿10﴾ إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿11﴾ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴿12﴾ النمل

ونلحظ هنا حجم الخوف الذي داهم فؤاد موسى حين رأى بعينيه ما حصل للعصا وكيف استحالت حية فدبت فيها الحياة والحركة بعد أن كانت مجرد عوداً يابساً ، ونهاه عن الخوف وقرر له تكليفه وأن المرسلين لا يخافون ، في إشارة لضرورة تحجيم الفؤاد وتجاهل اشتعاله بالخوف واضطرابه من جراء المواقف المخيفة.

اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿17﴾ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى ﴿18﴾ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ﴿19﴾ النازعات

وهنا أمر الله موسى بالرسالة ووجهه لفرعون نبياً ورسولاً وأيَّده بالعجائب ليشبع فؤاده ويريه فينظر بعينيه ولم يكتفِ بالدعوة العقلية التي تعتمد على التحليل العقلي فقط ،  بل آزره بالمرئيات والمحسوسات من العجائب.

قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ﴿12﴾ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ ﴿13﴾ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴿14﴾ الشعراء

وبرغم كل ذلك نلحظ أن مشاعر الخوف لا تزال في قلب موسى ولا يزال فؤاده حاضراً في قياس الأمور وتقييم الأمر ، فعبر عن خوفه من التكذيب وكذلك من الانتقام وطلب من الله أن يؤازره بأخيه هارون فأجابه الله لسؤاله.

قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ﴿35﴾ القصص

فطمأنه ربه وشد أزره بهارون وأسكن فؤاده بأنه جعل له سلطاناً وقوة تحميهم من عدوان فرعون وقومه فلن يتمكنون من إيذاء موسى وأخيه ، وتعهد له بأن الغلبة ستكون له ولأتباعه.

قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ﴿45﴾ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴿46﴾ طه

إن مشاعر الفؤاد كالخوف لم تكن مقصورة على موسى  بل كانت صفة الخوف وطغيان الفؤاد صفة غالبة على أهل ذلك العصر وقد تسببت في تشكيل الشخصية الاسرائيلية كما هو الحال بالنسبة للأقوام الذين عاصروهم في تلك الفترة ، ولكن الاطمئنان والثقة بالله كانت من نصيب موسى وأخيه بكلامه وعجائبه التي منحها عبده موسى وأخيه.

قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴿18﴾ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿19﴾ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴿20﴾فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿21﴾ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿22﴾ الشعراء

ونلحظ هنا أثرُ التأييد الرباني لموسى وأخيه فواجهَ موسى فرعونَ وأقصى فؤاده وقدم عقله وقَنِع بما أيده به ربه وثبته وأخيه ، فمن رأى حال هذا النبي العظيم قبل الرسالة علم أنه لا يقوى على الوقوف أمام الفرعون الظالم الطاغية ، ولكن تأييد الله والكيفية التي جرى بها تكليفه يدرك أنه لا يمكن له إلا أن يؤدي الرسالة بثقة وشجاعة طالما خالق الأكوان معه مؤيداً ونصيراً.

ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ﴿75﴾ فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿76﴾ قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ﴿77﴾ يونس

مشاعر الفؤاد المليئة بالاستكبار والاحتقار لموسى ورسالته جعلت من فرعون يقصي عقله ويأنف من ميزان العقل ويجعل الفؤاد بعواطفه المليئة بالكراهية خلف تصرفاته تتحكم بها وتوجهها فكان نتيجة ذلك تكذيبه بالحق ونسبته للسحر خشية على ملكهم واعتقاداً منهم أن غرض موسى وأخيه هو حيازة الملك وحرمان فرعون منه:

قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴿78﴾ يونس

فامتناعهم عن الإيمان في أصله ليس لظنهم أن موسى وأخيه كاذبان أو لأن آياتهما سحرٌ مبين ، بل لخوفهم على ملكهم واحتقارهم للمرسَليَن ، ودلالةُ ذلك عندما أتى السحرة وآمنوا بموسى لعلمهم بالفرق بين السحر والآية ، وقد يكون سبب تحولهم المفاجئ وإسلامهم مع موسى وصبرهم على العذاب والأذى علمهم المسبق بمبعث موسى وما يكون منه أمام فرعون فعندما تحققت النبوءة التي ينتظرونها أدركوا بأن مصير من يكذب بها هو الهوان في الدنيا والآخرة فصغرت قوة فرعون في أعينهم وتعاظمت قوة الله في قلوبهم فتقلص الفؤاد وهواه ، وتقدم العقل فأنابت قلوبهم لله ، ولم يعد للفؤاد ومشاعره السلبية أثر يثنيهم عن إيمانهم:

فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ ﴿119﴾ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴿120﴾ قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ ﴿121﴾ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴿122﴾ قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿123﴾ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿124﴾ قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴿125﴾ وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴿126﴾الأعراف

فدعوا ربهم بالصبر على ما سيلاقونه من العذاب ، والصبر قيمة عقلية ، فالعقل يعلم أن فرعون إن قضى فإنما يقضي هذه الحياة الدنيا ، ولو أنهم قدموا أفئدتهم لآثروا السلامة من العذاب وتنكروا للحق واتبعوا الباطل ولكنهم سلكوا طريق العقل فكانوا من المفلحين.

قوم موسى وأفئدتهم الغاوية

إنَّ حالة الضلالة التي صاحبت غالب قوم موسى من بني إسرائيل منذ أن ألقى أسلافهم أخيهم يوسف في الجب بدافع قيم الفؤاد الشريرة من خوفٍ و حسدٍ وضغينة ، فقد توارث أكثرهم هذه القيم السلبية ، وزاد في تعزيزها في أنفسهم تحولهم عن عبادة الله إلى عبادة آلهة المصريين القدماء ، فصاروا كغيرهم من الوثنيين يبحثون عن الإله الملموس المحسوس الذي يشبع رغبات أفئدتهم ولا يتخيلون أنهم يعبدون رباً لا يرونه ولا يسمعونه ولا يلمسونه بأيديهم لأن أفئدتهم استولت على قلوبهم ، ولأن عقولهم نُحِّيَت وأُقصيَت وكُتِم صوتها.

فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴿83﴾ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴿84﴾ فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿85﴾ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿86﴾ يونس

فكان المؤمنون قلة من قوم موسى وبرغم ذلك فقد كان إيمانهم مشوباً بخوف من فرعون وجنوده ، ولو قارنَّا إيمانُ قوم موسى بإيمانِ السحرة لاستقرّ لدينا بأن إيمان السحرة بعد ما تبين لهم الحق كان في غاية العلو والثقة والقوة فلم يفتنهم عذاب فرعون ولم تثنيهم خشية من ألم أو معاناة أو قسوة عن الثبات على الدين الحق.

وتخبرنا الآيات وتصور لنا موسى ولبثه في مصر زمنا ليس بالقصير كان فيه يدعو قومه لينتشلهم من الكفر وكذلك يدعو فرعون وقومه سعياً في هدايتهم وذلك من قوله تعالى :

وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿130﴾ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴿131﴾ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿132﴾ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ﴿133﴾ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ ﴿134﴾ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴿135﴾ الأعراف

فلم يكن إذاً تكذيبهم اشتباهاً أو ميلاً لحق يرونه أولى مما اتى به موسى ، بل كان استكباراً وعلوا في الارض وعناداً وتكذيباً برغم أنهم يعلمون بأن ما جاء به موسى هو الحق ، يقول تعالى :

وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴿14﴾النمل

فؤاد فرعون يطلب الإله المحسوس

قلنا أن الفؤاد متعلق بالماديات والمحسوسات والملموسات ، فكانت آلهة آل فرعون آلهة محسوسة فَكَبُر عليهم أن يؤمنوا بربٍّ لا يرونه ، ولكن فرعون قد أيقن بوجود الله وظن أن ما ينقصه هو أن يرى هذا الرب فسعى لبلوغ السماء ليرى الله (تعالى عما يصفون) :

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ﴿36﴾ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ ﴿37﴾ غافر

وهكذا فإن هذا الشاهد من أظهر الشواهد على دور الفؤاد في إضلال الناس ، وأن فقدان التوازن بين العقل والفؤاد وضرورة تسيد العقل على الفؤاد ليكون القلب قلباً سليماً غير منقلبٍ لسوء.

وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ﴿30﴾ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ﴿31﴾ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ﴿32﴾ غافر

إن الخوف أمر مطلوب ولكن في إطار العقل وتحت سلطته – كما هو الحال مؤمن آل فرعون- ، حينئذٍ يكون خوفاً محموداً مطلوباً ، وكل خوف يتجاوز العقل ويتجاهله فإنه يعد من انفلاتات الفؤاد وشطحاته.

استقرار الإيمان ونموّه في نفس مؤمن آل فرعون

إن حال مؤمن آل فرعون من الدلائل والشواهد على التطور الطبيعي والإيجابي لمسألة الإيمان ، فإن الإيمان قد يبدأ مترافقاً مع الخوف والكتمان كما في حال هذا الرجل يقول تعالى :

وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴿28﴾ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿29﴾ غافر

ثم أنه افصح عن إيمانه بعد أن تطورت القيمة العقلية على حساب قيم الفؤاد فاختفت الخشية وتلاشى الخوف في نفسه وجهر بالإيمان ، فانطبع قلبه بالإيمان لأنه قدم العقل وأعلاه  وأبعد الفؤاد وأقصاه ، بينما طُبٍعَ على قلوب المجرمين عندما اعلوا أفئدتهم وأقصوا عقولهم فكان الكفر طبعاً من طباعهم:

وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ﴿30﴾ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ﴿31﴾ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ﴿32﴾ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿33﴾ وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ﴿34﴾ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴿35﴾ غافر

ثم ارتقت نفسه وسما عقله وصار يدعو الى الله ، فكان انتقاله من الكفر إلى الكتمان ثم من الكتمان إلى الجهر ، ثم من الجهر إلى الدعوة ،وقرر مسألة الإيمان التي لا تتأتى إلا في ظل اعتلاء العقل ، يقول تعالى :

وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿38﴾ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴿39﴾ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿40﴾ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ﴿41﴾ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ﴿42﴾ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴿43﴾ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿44﴾فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴿45﴾ غافر

الخروج العظيم

إن مرحلة الخروج من أرض مصر يحيط بها مواطن عديدة تكشف أحوال القلوب والعقول والأفئدة ، ولعلنا في هذا الجزء نستعرض تلك الحوادث :

فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ ﴿60﴾ فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴿61﴾ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴿62﴾ الشعراء

فلما تراءى الجمعان أصبح كل جمعٍ يرى الجمعَ الآخر ، حينئذٍ استيقظ الفؤاد المشتعل بالخوف والرعب ، ودخل اليأس قلوب الهاربين وهم يرون البحر أمامهم والعدو من خلفهم يقترب بسرعة فقالوا (إنا لمدركون) فأجابهم موسى عليه السلام بالنفي (كلا) رغمَ الواقع والوضع العام المنظور والمشاهد بالعين والواقع المعاش الذي يقول أنهم مدركون ، ولكن موسى حيّد فؤادهُ واتّبع عقله الذي استنتج منه أن رباً عظيماً تولاه ووعده بالنجاة بقوله (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) فَنجَهْلُ ماهيَّة السلطان الذي سيمنعُ وصولهم اليه والى قومه ولكن موسى كان واثقاً من وعد الله فعقله يؤازره ، وفؤاده يؤيسه من النجاة ، فاتبع عقله الذي رباه على عسف الفؤاد والتقدم عليه وأقصى فؤاده.

فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴿63﴾ الشعراء

فأرشده الله لمالا يخطر على قلب بشر ولا يستوعبه فؤاد مخلوق ولكن العقل يستوعب ذلك إذ لا حدَّ لقدرة الله ، هذا الرب العظيم الذي لا يمكن إدراكه بالفؤاد ولكنه يدرك بالعقل لأن الفؤاد محدود فيما يرى ويسمح ويشعر ولكن العقل لا حد لقدرته ومدى إدراكاته.

وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ﴿65﴾ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ﴿66﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿67﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿68﴾ الشعراء

وما كان أكثر قوم موسى مؤمنين ، فكانت أفئدتهم لا تتصور وجود مهرب من فرعون وقومه لأنها تتعامل مع الواقع المرئي ، ولكن عقل موسى ومن معه من القلة المؤمنة كانوا يثقون بوعد الله بغض النظر عن طريقة النجاة وكيفيتها.

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿90﴾ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿91﴾ يونس

ولو أنه حكم عقله وأوثق فؤاده لآمن قبل أن يرى بعينيه ويشعر بالماء يغمر وجهه وجسده، فلما كان فؤاد فرعون متحكماً ، وعقله مغيباً فقد كان قلبه غافلاً منثنياً عن الحق إلى الظلال تعاظمت في قلبه كل معاني الكبر والعناد والغضب والحقد والقسوة واشتعلت في نفسه حتى أكلتها وأرودتها جهنم .

وكذلك الكثير من الناس والكثير من المسلمين اليوم الذين يعتنقون الإسلام فارغاً من الإيمان حتى إذا أتاهم الموت تضاءلت أفئدتهم وتعاظمت عقولهم ومالت قلوبهم نحو الحق ولكن بعد فوات الأوان.

وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴿39﴾ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴿40﴾ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ ﴿41﴾ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ ﴿42﴾ القصص

وقرر بنا أن وقوع العذاب والغضب إنما هو مرهون بما في الأنفس ، فإن مالت عن الحق وأقصت العقل وقدمت الفؤاد ومال القلب ناحية الشهوة فقد استحق الحرمان والانتقام ، إن قيم الإيمان بالله لا سبيل لحصولها بالفؤاد ، بل لا يكون استقرارها في النفس إلا بالعقل ، والعقل والقلب والفؤاد مكنونة في النفس وانقلاب الفطرة وتقديم الفؤاد على العقل هو تغيير لما في النفس يقول تعالى:

ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿53﴾ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ ﴿54﴾ الأنفال

شعبٌ عنيد صلب الرقبة

قلنا أنَّ قومَ مُوسى ألِفوا تقديم الفؤاد على العقل ، فكانت بيئتهم المصريّة الوثنيّة تحتم عليهم -في ظنهم- أن الإله لا بدَّ أن يكون مرئياً ملموساً ، محسوساً ، وإن كانَ مسموعاً فخيرٌ وزيادة ، لأن أفئدتهم المشتعلة لا يهدئها ويروي عطشها الروحي سوى ما ينفذ من الحواس من خلال الأبصار والأسماع والأحاسيس ، فكانت فكرة الرب المتعالِ القدير الذي تستحيل رؤيته لِعِظَمِهِ وتعاليه عن المادة والجسم والحيّز ، كانت فكرة منبوذة مرفوضة ، ولذلك كانت معجزات موسى وآياته حسية لتشبع شهوات الفؤاد المادية، ولكن برغم ذلك فقد بقي الفؤاد مسيطراً على قلوبهم فكان أول طلب بعد النجاة هو عبادةُ وثنٍ لإشباع قلوبهم المريضة :

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿138﴾ إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿139﴾ قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿140﴾ وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿141﴾ الأعراف

فأخذ يذكِّرهم بالأمس القريب حين أنجاهم الله تعالى بآية عظيمة عجيبة وفضلهم على العالمين فخاطب عقولهم ولكنها كانت غائبة واستمرت أفئدتهم تطلب الإله المحسوس المرئي ولا تقتنع بإلهٍ غائبٍ لا يرونه بأعينهم ولا يسمعونه بأذانهم.

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ ﴿148﴾ وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿149﴾ الأعراف

الطبع يغلب التطبع ، فقوم موسى لا تزال قلوبهم منقلبة الفطرة ، ولم يتراجعوا عن جريمتهم وكفرهم إلا عند إيقاظ قيمة العقل في أنفسهم (أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ؟؟ ) وقد كانوا توارثوا وثنية العجل وعبادته من سالف أيامهم الطويلة بين المصريين.

سورة البقرة وعلاقتها بجذور الوثنية الاسرائيلية

لقد بقيت أفئدةُ قومِ موسى مقدمةٌ على عقولهم ، فما أن يخرجوا من معصيةٍ وكفر حتى يدخلوا في آخر والقاسم المشترك بين كل تلك الطّوام التي يرتكبونها هو تقديم الفؤاد وتنحية العقل ، فكانت قلوبهم مليئة بالشك والريب والنفاق.

وقد أخضعهم الربُّ  جل ثناؤه لاختبارات عديدة ليعلم أيهم لا يزال قلبه متشرباً للوثنية مغيباً للعقل والإيمان من نفسه فأمرهم أن يذبحوا بقرة ، فلما ذبحوها وأودع الله طاقة الحياة في بعضها يحيي بها الأموات انقسموا إلى فريقين ، فريق تعامل مع هذه الآية العظيمة أنها دليل على قدسية العجل وسلالة البقر بشكل عام وأولئك ممن قال تعالى فيهم (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أما المؤمنين حقاً فقالوا سبحان من أودع في أجزاء هذه البقرة ما يحيي به الله الموتى ، فرد القدرة إلى الله وليس للعجل ، فهنا الفرق بين من قدم العقل وبين من قدم الفؤاد بحثاً عن المحسوسات ، فكان اختيار البقرة دون سواها اختياراً مقصوداً لاختبار مدى تحول قلوبهم عن كفرهم القديم وتمحيصاً للناس ليعرف من لا يزال عقله غائباً تحت فؤاده المشتعل.

فؤاد موسى (عليه السلام) يشتعل مجدداً

لقد تجدد اشتعال فؤاد موسى وتشوقه للرؤية المجردة لله تعالى ذاته فسأل الله  الرؤية ليس شكاً في وجود الله بل شوقاً لرؤيته ، ولكننا نستنتج من ذلك مدى اعتلاج الصراع بين عقل موسى وفؤاده ، يقول اللهُ تعالى :

وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿143﴾

فأراه الله صورة من تجليه -جلت قدرته- للجبل الذي لا يملك عقلاً ولا فؤاداً كيف جعله التجلي دكاً ، فكيف لو تجلى لموسى بحواسه وعقله وقلبه وفؤاده؟ فكان ذلك كافياً ليدرك موسى عظمة الله وتعذر استيعاب قلوب الناس وقدرتهم على رؤيته كما يرون الأجسام ، فقد أرى اللهُ موسى أثراً لقدرة الله تغني عن رؤية ذاته العليَّة لغرض التصديق والايمان.

لما عاد موسى من موعده مع ربه من جبل الطور وجد قومه يعكفون على العجل وكان الله قد أخبره بما كان منهم فاشتعل فؤاده غضباً جعله يلقي الألواح بما فيها من كتب مقدسة ، ويجر أخيه بلحيته ورأسه فخرج عن شعوره وفقد السيطرة على نفسه لما شاهد من فعل قومه برغم ما افضل الله عليهم من رعاية وتكريم.

فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي ﴿86﴾ طه

ويقول تعالى :

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿150﴾ الأعراف

وقد لفت الله أنظارنا لأعظم ما كان من موسى  من نتائج الغضب وهو إلقاء الألواح ثم لفت أنظارنا لأعظم نتائج انطفاء جذوة الغضب في نفس موسى ، وهو اخذه للألواح ورفعها بعد أن كان قد ألقاها تحت وطأة الغضب ، ثم لما أدرك أن أخيه قد غُلِب على أمره استغفر الله ما كان منه فقال :

قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴿151﴾ الاعراف

ولو تأملنا الموقف برمته لوجدنا الفؤاد هو محرك الشر فيه ، فقوم موسى تحولوا لعبادة العجل الملموس بفعل أفئدتهم التي قدموها على عقولهم فانسلخوا من إيمانهم  ، و تأثر هارونُ بفؤادهِ (قيمة الخوف) عندما عبد قومه العجل خوفاً من اقدامهم على قتله ، و طغى الفؤاد على سلوك موسى فأشعل الغضب في نفسه عندما شاهد هذه الفعلة الشنيعة وموقف هارون منها ولكنه سرعان ما أطفأ فؤاده واستعاد عقله زمام قيادة الموقف.

الدليل المادي لإشباع غرائزهم

يسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا ﴿153﴾ النساء

وهنا يتبين لنا كيف أن فكرة الإله المدرك بالعقل لم تكن مقبولة عند الغالب من بني إسرائيل في كل الأحوال ، بل وعند كفار قريش ، فكل أهل الأوثان لجأوا لعبادة الأجسام المحسوسة لأنهم عطلوا عقولهم وحكموا أفئدتهم فتشابهوا فيما بينهم في موقفهم من الإله ومبدأ الإيمان عندهم ، فلا تشبع غرائزهم ولا تهدأ أفئدتهم إلا بما يرونه ويسمعونه عجلا أو كتاباً أو صنماً.

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴿55﴾ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿56﴾ البقرة

برغم أن كل ما جاء به موسى من معجزات كانت مادية محسوسة ومرئية ومعلومة ، وكانت كافية ليستقر في قلوبهم أن ربّاً قويّاً عليّاً وحده ُقادرٌ على فعل تلك الآيات ولكن ذلك لم يكفهم فبحثوا عما وراء ذلك وهو رؤية الله تعالى عما يصفون ، فهكذا نستنتج أن من يقدم فؤاده دائما لا يجدي كل دليل مادي تأتي به إليه فلا بد أن يتخلى عن إعلاء فؤاده وإقصاء عقله أولاً حتى يرتقي للآدمية المكرمة التي رفع الله بها بني آدم عمن سواهم من الخلق.

هاهم يرون آية عظيمة أخرى فيرفع الجبل فوقهم كأنه ظلة ويهددهم ويأمرهم بالامتثال للكتاب وشريعة الله وفرضه ، ولكن برغم ذلك استمرت أفئدتهم تعود للاشتعال من جديد.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿63﴾ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ﴿64﴾ البقرة

فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم

إن زيغ القلب هو تحوّله من تحكيم العقل إلى تحكيم الفؤاد وتقديمه ، والله تعالى أزاغ قلوبهم ليس لأنه يريد إضلالهم بل لأنهم يحملون الزيغ في صدورهم ، فلما جعل  سرَّ الحياة في أعضاء البقرة ميّز الوثنيين عن المؤمنين فأزاغ قلوب الزائغين وثبت العقلاء المؤمنين.

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿5﴾ الصف.

إن زيغ القلب من العقل إلى الفؤاد ينقله من الإيمان بالغيب إلى الكفر به والإيمان فقط بما يرى ويسمع دون غيره ، لذلك فعند القتال تجد أهل الزيغ أجبن المقاتلين لأن وعدهم لا يُدْرَكُ بالفؤاد والجنة التي وعد الله المجاهدين لا يرونها وبالتالي فلا يؤمنون إلا بما يرون وهذا كان حال المنافقين في المدينة ، وقوم موسى يجسدون مثالاً حياً على ذلك :

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴿21﴾ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴿22﴾ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿23﴾ قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴿24﴾ المائدة

وهكذا استمرأوا الخوَرَ والضَّعف والجبن وكانوا قوماً بوراً ومردُّ ذلك لإقصائهم عقولهم وتقديمهم أفئدتهم ، وقد استمرَّ هذا الضعف والجبن في أسلافهم ، فتجدهم لا يقدرون على مقاومة أفئدتهم ولا يستطيعون السيطرة على شهواتهم ، فهؤلاء جنود طالوت يستقبلون الأمر بعدم الشرب من النهر أمراً من الله فخالفوا كلهم إلا قليل منهم:

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿249﴾ البقرة

موسى  والخضر ، واشتعال الفؤاد

إن في قصة موسى  والخضر أظهر الأدلة على الفؤاد ومتعلقاته الحسية السفلية، والعقل ومتعلقاته اليقينية العلوية ، وقد جعل ربنا تعالت ذاته من هذا الموقف العجيب بين موسى والخضر درساً لعبده موسى ليعقل فؤاده ويقضي بالعقل دوماً في كل أموره، هذا العقل الذي لولاه لما أدركنا الحقائق الكبرى وأولها وجود الله تعالى ، فبين لعبده من جملة ما بينه تعالى ما ينفي أن كل ما يرى بالعين ويسمع بالأذن ويحس بالحواس يمكن أن يبنى عليه موقف أو حكم ، فقد ترى ضراء وهي في حقيقتها خير ، وقد ترى سراء وهي في حقيقتها شر ، فليس كل ما يلهب فؤادك غيضاً وحزناً هو شر ، وليس كل ما يسر عينك وفؤادك ويفرحك خير والحاكم على ذلك كله هو العقل ، العقل المستضيء بقدرة الله والمستحضر لوجوده بدون رؤية عينية بل بما هو أقوى من ذلك وأثبت وهو اليقين العقلي بناء على ما نعلم عنه تعالى من قدرة مطلقة وحكمة بالغة.

ولي في مسألة الخضر رأيٌ أراهُ وجيهاً وهو أن الخضر كان ملكاً أرسله الله لأفضل بني آدم في زمنه وهو موسى عليه السلام ، فلو كان بشراً لكان أحق من موسى بالرسالة ولكن الله علمنا أنه لو أرسل ملكاً لجعله رجلاً ، وذلك ما حصل مع نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام حين جاءه جبريل بهيئة رجل لتعليم المسلمين أمر دينهم ، أو كهاروت وماروت مثلا ، فالواجب التوعوي التعليمي في زمن الأنبياء يجعله الله على أيدي الملائكة ويسنده إليهم في مثل حالة الخضر.

ولو تتبعنا مواقف موسى والخضر كالقتل مثلاً ، فلو كان من بني آدم لاستحق القصاص في شريعة موسى ، ولكن طالما كان مَلَكاً فلا يشمله قصاص أو حكم لأنه أصلا خارج الحكم البشري.

ولكن المهم في مقامنا هذا هو تبيان العبر في قصة موسى والخضر والتي أراها في مجملها تتحدث عن علاقة الفؤاد بالعقل ، والتقائهما ومصارعة أحدهما الآخر ، وكيف أن الله  أدَّب عبده موسى ودرَّبه على تقديم عقله على فؤاده وجعل أمامه من الآيات ما يثني الفؤاد ويقصيه ويقيم العقل ويعليه ، وقد قلنا أن قلب ابن آدم بني إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ، وهنا يمكن صرف المعنى بالتقلب لابن آدم ، فله أن ينقلب لاتباع فؤاده وله أن ينقلب باتجاه عقله ، فإن شاء أقام على الحق باتباع العقل وإن شاء زاغ إلى الباطل باتباع الفؤاد.

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ﴿60﴾ الكهف

وهنا ملمح لطيف ، فبالنظر للرمزية التي حفلت بها القصة وما حصل فيها من عبر فقد تكون أول عبرة أن لقاءه مع الخضر تقرر عند مجمع البحرين ، وهذه صورة رمزية لمجمع العقل والفؤاد ، فالبحرين المختلفين (النهر ، والبحر) بينهما برزخ لا يبغي أحدهما على الآخر ، كما هو الحال في علاقة العقل والفؤاد فلكل منهما وظيفة ولكن البحر (العقل) أكبر وأوسع من الفؤاد (النهر) ، فالأكبر يعلو الأصغر ، ولا يطغى ماء الأصغر على الأكبر ، كما لا ينبغي أن يطغى الفؤاد على العقل ، وهذه أولى الإشارات التي أرسلها الله لعبده موسى.

فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ﴿62﴾ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ﴿63﴾ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ﴿64﴾ فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ﴿65﴾ الكهف.

وهذه إشارةٌ ثانيةٌ على أن هدفك ووجهتك قد تبلغها بما تظن أنه شرّ فليس كل ما يراه فؤادك ضراء يكون شراً فقد يكون الخير فيما تكره نفسك ، فها أنت يا موسى ما كان بلوغك لغايتك إلا بتحقق النسيان والفقدان.

قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴿69﴾ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿70﴾ فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴿71﴾ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿72﴾ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ﴿73﴾ الكهف

فكان الموقف الأول أن موسى تعهَّدَ بأمْرٍ وعَقَلَهُ ووَعاه ، ولكنْ عندما شاهد بعينيه السفينة تُخرق ثارَ فؤاده واعتلتْ عاطفتهُ على عَقْلِه واحتجَّ على الفعلِ وأنساهُ فؤادهُ ما قطعهُ على نفسهِ من عهد ، وهذه أولُ الدّروس ولكنهُ لم يفسّر له منها شيئاً حتى تجتمع لهُ العبَرُ كلها في موقف أخير.

فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا ﴿74﴾ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا ﴿75﴾ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا ﴿76﴾ الكهف

وفي الموقف الثاني وبعد أن كبت موسى فؤاده وقدم عقله وتعهد بعدم تكرار ما كان منه جمح فؤاده وانتفض مرة أخرى وقيّد عقله وحيَّده وأقصاهُ حين شاهدَ غلاماً بريئاً يقتلُ بلا ذنب ، فنسيَ مرةً أخرى ما كان قد تعهد به من امتثال لأمر معلمه.

فلم يفسر الخضر ما حدث ولكنه ذكره بتعهده الذي تعهده ، فاعتذر ثانيةً وتعهد بأن تكرار الاعتراض وتقديم الفؤاد على العقل يجعل الفراق واجباً لأن الالتزام بالعهد متعذر.

فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴿77﴾ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ﴿78﴾ الكهف

إن الصبر قيمة عقلية معرَّضَةٌ للفقدان والغياب حين يعتلي الفؤاد ، لذلك فقد أثنى ربنا جل جلاله على الصبر والصابرين في مواضع عديدة بلغت 69 موضعاً في كتاب الله وقد رأى نبي الله موسى  من الوقائع المُدْلهِمِّة مالم يستطع عليها صبراً ، فلما نبأه الخضر بما كان من خبر أهل السفينة ، والغلام وأهل القرية كان ذلك درساً بليغاً في تقديم العقل و إعلاؤه على الفؤاد ، بقيم الخير العقلية كالصبر والإيمان بالغيب والتسليم للقضاء والتصديق بالقدر وكل القيم التي لا يستسيغها الفؤاد ولا يقبلها.

وهكذاً رأينا كيف أن موسى  منذ أن ولد وهو في صراعٍ بين عقلهِ وفؤاده ، ولكن الله برغم ما كان منه من خضوع لفؤاده في أحايين كثيرة فقد علم عميق إيمانه وتسليمه واستسلامه لله فكان يرعاه ويعلمه ويكلمه ويؤيده لأنه عواد للحق تواب لله  مدركٌ لحقيقة الكون .

اختطاف مصطلح العقل وخنوع الأمة

لقد أثنى ربُّنا جلَّ شأنه على العقل في كتابه الكريم ، وحاكَم المعاندين إلى عقولِهم ، فكان العقل هو نقطة الضوء الوحيدة التي تشع في ذهن الملحد والكافر فيعود أدراجهُ تائباً مستسلما لدين الله ، وقد ذُكِر العقل في كتاب الله تعالى تسعٌ وأربعون مرة ، كلها على سبيل التكريم والثناء ، بينما توعد الأفئدة بالنار والعذاب فقال جل من قائل:

كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴿4﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ﴿5﴾ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ﴿6﴾ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ﴿7﴾ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ ﴿8﴾ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ ﴿9﴾ الهمزة

ولست في باب تعداد مواضع الثناء على العقل وذم الأفئدة فهي أكثر من أن تذكر وبإمكان القارئ الكريم مراجعتها ، ولكن عندما غابت مفاهيم العقل والقلب والفؤاد وقعنا في فخِّ قاتِل نصبه لنا الملحدون.

لقد ادعى الملحدون بشبهاتهم وأسئلتهم وحججهم التي ترتكز في أصلها على الفؤاد وليس لها من العقل نصيب ، ادعوا بأن هذه أسئلة وشبهات عقلانية ، وظهرت أخبثُ فئةٍ عرفها عالم الكفر والإلحاد وهم من يسمون بالعقلانيين ، وهم في حقيقتهم لو أنهم أخضعوا اسئلتهم لعقولهم لأدركوا وجود الله ، ولكنهم خضعوا لأفئدتهم وطالبوا بالرؤية والسماع والمحسوسات من الدلائل حتى يصدقوا دعوى المسلمين ، وهم في حقيقتهم لا يختلفون عن فرعون وقومه ، وقوم عاد وثمود ولا يختلفون عن عصاة بني اسرائيل وكل ضال منحرف فكلهم غيبوا عقولهم وقدموا أفئدتهم وأخضعوا قلوبهم لها.

ولكن المشكلة ليست هنا ، بل في خنوع الأمة وسيرها في ركاب أعدائها ، فهم يضعون قواعد اللعبة ويطلبون منا النزال بشروطهم ومنطقهم المعوج ، فقبلنا شرطهم واعتبرنا أن ما يحتكمون إليه هو فعلا العقل ، وشرعنا في تسويد الصحائف بذم العقل وسبه في مفارقة مخزية مخجلة فيها من الغباء ما يضحك الثكلى ، وهم يعلمون أو لا يعلمون بأنهم يناقضون كتابهم ودينهم ويخضعون بأسلوب أخرق لأفكار تسمية الاشياء بغير اسمائها ، فهل وعينا ما يدون حولنا ، وهل علمنا الآن سر حيرتنا وضياع بوصلتنا ؟؟

إن واجبنا اليوم هو تبني وفهم هذا الفرق بين العقل والفؤاد والاصطلاح على تبيان التعريفات الجامعة لتلك المفاهيم ، لتكون هي منطلقنا في النقاش مع المعاندين والملحدين والضالين.

يجب أن ندرك بأن تعريفات العقل والقلب والفؤاد في التراث الإسلامي ليست نتاج النظر في كتاب الله واستجلاؤه وفهم المراد بالعقل من خلال النص القرآني بل هو نتاج مراجعة كتب المنطق والفلسفة ومحاولة تحوير بعض جزئيات فهمهم لتشابه وتساير في ظاهرها المفاهيم الإسلامية أو على الأقل لا تتناقض معها في الظاه طبعاً ، وهذا الخطأ القاتل الذي وضعنا في موقف ضعف عند الدخول في حِجَاجٍ عقدي مع أولئك.

وأوجه من خلال هذه الدراسة نداء لعلماء الأمة ومفكريها لإيلاء هذه النقطة اهتماماً موازياً ومكافئاً لأهميتها ، وسوف ننطلق بإذن الله لطرح دراسات موضوعية أخرى كما فعلنا في قصة موسى عليه السلام لنؤكد على الفرق القرآني بين العقل والفؤاد.

نرجو من الله السداد والعون والتوفيق وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمدلله رب العالمين.

مفهوم الاستثناء في قوله تعالى (إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)

وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) [المؤمنون]

أجمع المفسرون على أن المراد بالاستثناء هو في قوله “ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ” هو إحلال الجماع للفئات المستثناة وهم الأزواج وملك اليمين ، وفي هذا البحث سنتناول الآية بمزيد من التدقيق ، ولكن قبل البدء سنستعرض من اقوال المفسرين منهم قول ابن جرير في ( إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ ) يقول:

“إلا من أزواجهم اللاتي أحلهنّ الله للرجال بالنكاح.( أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) يعني بذلك: إماءهم. و ” ما ” التي في قوله: ( أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) محل خفض، عطفا على الأزواج.(فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) يقول: فإن من لم يحفظ فرجه عن زوجه، وملك يمينه، وحفظه عن غيره من الخلق، فإنه غير مُوَبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكب ذنبا يلام عليه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) يقول: رضي الله لهم إتيانهم أزواجهم، وما ملكت أيمانهم.”

ونرى أن الوجه الأقرب لمفهوم الآية مغاير لذلك لوجود إشكالات من عدة أوجه:

الإشكال الأول: أن الخطاب شامل للرجال والنساء فعندما يقول تعالى قد افلح المؤمنون فهو يشير إلى النساء والرجال على حد سواء ، فإن قال إلا على أزواجهم شمل ذلك النساء والرجال أيضاً ، وعندئذٍ فالإشكال يظهر فكيف للنساء أن يجوز لهن مواقعة ما ملكت أيمانهن ؟؟.

الإشكال الثاني : أن الاستثناء يخرج ما بعده من الحفظ فقوله تعالى “حافظون إلا على أزواجهم” كانت مواقعة الرجل لزوجه أو ما ملكت يمينه أو جماع المرأة مع زوجها فعلٌ ينافي الحفظ فإنْ واقَعَ الرجل امرأته فهو قد أخلَّ بحفظ فرجه وأخلت زوجته بحفظ فرجها ولكنهما غير ملومين في هذه الحالة ، والحقيقة أن إتيان الشهوة في موضعها الشرعي هو عين الحفظ ، فالمؤمنين بإتيان الجماع الشرعي يحفظون فروجهم فالفعل الشرعي حفظ للفروج في حقيقته.

الوجه الصحيح للسياق :

إن الله يبين بأن من صفات المؤمنين حفظ فروجهم من هتكها بالفاحشة ويشمل ذلك النساء في حفظهن لفروجهن من فاحشة الزنا محصنات وغير محصنات وكذلك الرجال ثم يستثني فيقول (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) أي أنهم مسئولون عن حفظ فروجهم ولكنهم غير ملومين إن وقعت الفاحشة من أزواجهم أو ما ملك أيمانهم والمراد كل ما لهم عليه ولاية أو بينهم وبينه عقد وميثاق.

فإن فعلت امرأة الفاحشة فلا يلام لجرمها هذا زوجها ولا والديها وإنما يقع اللوم على الفاعل دون سواه فلذلك يقول تعالى إلا حِفْظُ فروجِ من تحت ولايتهم أو بينهم ميثاق كالأزواج وملك اليمين من أبناء وبنات وغير ذلك (فإنهم غير ملومين) إن وقع من أيٍّ منهم فاحشة تنافي حفظ الفرج ، ولو كان المراد وقوعهم هم في الفاحشة لما كانت التبعة مقتصرة على اللوم.

فيكون الحفظ هو اجتناب الفاحشة والامتناع عن انتهاك الفروج بأي فعل محرم سواء كان بالزنا أو بفعل قوم لوط أو بأي فعل سوى ذلك للمحصنات وغير المحصنات ، وللرجال والنساء على حد سواء فتكون الآية أعمّ وأشمل في مسألة حفظ المؤمنين لفروجهم بهذه الصورة وتبرئتهم من اللوم في حال فرط أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم في فروجهم فلا يلحق بهم ذنب ولا تبعات.

والله تعالى أعلى وأعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تَأمُّـلاتٌ فيْ سُوْرَةِ الكَـوْثَر. #الا_رسول_الله

يقول الحق تبارك وتعالى:

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)

قوله تعالى : إنا أعطيناك الكوثر : ويناسب أن يكون الكوثر الصلاة المتكاثرة التي يختص بها النبي صلى الله عليه وسلم دون سواه من الخلق ومصداقها قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)1 وقوله صلى الله عليه وسلم :  عن عبدالله بن عمرو قال قال صلى الله عليه وسلم : إذا سمعتم المؤذِّنَ فقولوا مثلَ ما يقولُ ثمَّ صلُّوا عليَّ فإنَّهُ من صلّى عليَّ مرَّةً صلّى اللَّهُ عليهِ بِها عشرًا ثمَّ سلوا لي الوسيلةَ فإنَّها درجةٌ في الجنَّةِ لا تنبغي إلّا لعبدٍ من عبادِ اللَّهِ وأرجو أن أَكونَ ذلِكَ العبدَ فمن سألَ اللَّهَ لي الوسيلةَ حلَّت عليهِ شفاعتي يومَ القيامةِ.2
فقوله تعالى : “أعطيناك” لم ترد الا في هذا الموضع ، ولم تكن في حق أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عطاء خاصاً فريداً اختص به دون سواه وهو الصلاة والتسليم المتكاثر فأسمي الكوثر.
ثم قال تعالى : “ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ” والفاء للتعقيب متصلة بما قبلها ، وتقديرها : ما دمنا أعطيناك الكوثر وجب أن تشكر الله بالصلاة  والنحر وهو العمل الذي حق أن يؤدى شكراً للجزاء فكما انعم الله عليك يا محمد بالصلاة النامية الدائمة المتصلة الى قيام الساعة فعليك وجبت الصلاة والنحر وكلاهما من جنس واحد من حيث الصلة مع فارق الوجهة والكيفية فنستدل من هذه الآية على ماهية الكوثر ونستدل بيقين على ذلك أيضا بدلالة ما بعدها فيقول تعالى : “إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ” وفي ذلك أن الصلة للمخلوق بعد موته ليست في بقاء ذريته بل باتصال عمله وجزاءه ، فلم يضر النبي صلى الله عليه وسلم انه لم يؤخر أبناء بعده ولم ينفع اعتى أهل الكفر بنيه واهل بيته.
فالنبي تتصل اليه صلوات الأمة وسلامها دائما نامية متكاثرة كل ثانية إلى قيام الساعة ، وعتاة الكفار انقطع منهم كل سبب فلا عمل يثابون عليه ولا ذكر حسن يبقى لهم ولم يرافق أسمائهم الا الذل والعار ، فكان شانئه صلى الله عليه وسلم هو الابتر وانتفى ذلك عن نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم لأن ذكره وأجره متصل لا يبتر حتى قيام الساعة بهداية المؤمنين وصلاة المصلين وسلامهم.

ومن المفارقة أن هذه السورة تبشر بتكاثر وكثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واتصالها بأقل سور القرآن حروفاً وآيات وأقصرها.

نهر الكوثر

تميز الاسلام العظيم عن سواه من الديانات بميزة العدل فللمرء جزاء من جنس عمله ، فحتى الحدود قائمة على طبيعة الجرم وكذلك ما ينال المؤمن من الأجر في الآخرة إنما هو انعكاس لما فعله في الدنيا فكان جزاء المؤمنين والكافرين في الآخرة جزاءً موافقاً لحالهم في الدنيا فندرك بلا شك أن صور العذاب في النار و أهوالها ومصائبها و نعيم الجنة وخيرها إنما هو تجسيد وانعكاس لعمل ابن آدم في الدنيا، وفي كل طاعة يؤديها العبد في الدنيا يمثلها الله نعمة يتلذذ بها في الآخرة وكل معصية يجعلها الله عذاباً من جنس فعل صاحبه في الدنيا لذلك يقول تعالى  (جَزَاء وِفَاقًا3 ، كما يقول في حق المحسنين (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)4

ولو استظهرنا هذا المعنى في النصوص الشرعية لوجدنا مثلا أن الكفار حين كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا فإنهم سيكونون محل تندر وضحك المؤمنين في الآخرة وسيستبدلون ضحكهم في الدنيا بالبكاء والنواح والنحيب فيقول تعالى : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ(34)عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ(35)5
وقال ﷺ: الخير لا يأتي إلا بالخير6، وقال: أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة7

وكذلك كانت أحوال الناس في الآخرة متصلة بأعمالهم في الدنيا فمن فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة وهكذا ومن ذلك ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث

قرَأ أنسُ بنُ مالكٍ: {إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: ١] قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: (الكوثرُ نَهَرٌ في الجنَّةِ يجري على وجهِ الأرضِ حافَتاه قِبابُ الدُّرِّ) قال ﷺ: (فضرَبْتُ بيدي فإذا طِينُه مِسْكٌ أَذْفَرُ وإذا حَصباؤُه اللُّؤلؤُ)8
فقياساً على مسألة الجزاء من جنس العمل فإن الكوثر إنما هو انعكاس للصلاة المتكاثرة التي صلاها اتباع سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، فأكرم نبيه بهذا النهر واكرم اتباعه بشربهم منه جزاءً على اتباعهم لسنة نبيهم وصلاتهم عليه في الدنيا ، وهو روحي فداءه يسقيهم جزاءً لهم على ما خصه الله منهم من التعظيم والتوقير , فكما تتابع البشر لدين الله افواجاً وحاز هو أجره العظيم بكل مهتدٍ منهم ، فيكرمه الله برد كرامة لأتباعه وأحبابه بسقياهم من الكوثر.

هذا والله تعالى أعلم وصلى اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

———————–

1-  [الأحزاب:56].
2- ابن تيمية (ت ٧٢٨)، مجموع الفتاوى ٢٧‏/٤٤٠  •  صحيح  •  أخرجه مسلم (٣٨٤)، وأبو داود (٥٢٣)، والترمذي (٣٦١٤)، والنسائي (٦٧٨)، وأحمد (٦٥٦٨) باختلاف يسير.  •  شرح رواية أخرى.
3- [سورة النبأ: 26].
4- [سورة الرحمن:60].
5- [المطففين 34-35].
6- رواه ابن حبان في صحيحه: (5029)، وصححه الألباني في الإرواء: (1353) وفي الصحيحة: (2614).
7- رواه البخاري: (5352)، ومسلم: (993).
8- شعيب الأرنؤوط (ت ١٤٣٨)، تخريج صحيح ابن حبان ٦٤٧١ • إسناده صحيح على شرط مسلم.

الشَّجَرَةُ المُبَارَكَة وَالشَّجَرُةُ المَلْعُونَة

الشَّجَرَةُ المُبَارَكَة وَالشَّجَرُةُ المَلْعُونَة

يقول تعالى : ( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا)  [الإسراء:60]

في تدبرنا لسورة النور (الآية 35) وصلنا لنتيجة مفادها أن الشجرة المباركة مثلٌ ساقه الله لنا ليشير لنسل نوح و إبراهيم من الأنبياء والرسل ذرية بعضها من بعض وتنزل نور الوحي عليهم فيشع منهم لأقوامهم فيهديهم الله به ويخرجهم من الظلمات إلى النور.

ولا شك أن الله أكرم عبده وخليله إبراهيم بإجابة دعاءه حين دعا بتتابع الإمامة في ذريته حين قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)  [البقرة:124] فأجابه جلّت قدرته لذلك واستثنى الظالمين من ذريته.

وقال تعالى: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) [إبراهيم:40] فكان إبراهيم عليه السلام دائم الحرص على شمول ذريته بالدعاء وكان محظياً عند خليله جلّ وعلا فتقبل دعاءه وجعل في ذريته النبوة والإمامة للناس وفي ذلك يقول تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)  [العنكبوت:27]

وكان خاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يقول تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد:26].

فكانت شجرة مباركة وذرية بعضها من بعض: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)  [آل عمران] فاصطفاها ربُّنا جل وعلا فكانت مباركة بذلك الاصطفاء وباختصاصها برسالات الله وكلامه وكتابه شرعاً هادياً للأمم مخرجاً لها من الظلمات إلى النور ، وهذا مصداق لآية النور الآنف ذكرها فيتتابع الوحي نورا للناس كما يتتابع ضياء المصباح من مادة الزيت.

وهذا لا ينفي ولا يمنع وجود أنبياء من أقوام وأعراق أخرى ففي كل أمة خلا نذير ، منهم من قص الله علينا ومنهم من لا نعرف ولم يرد لهم ذكر يقول جل ثناؤه :

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ)  [غافر:78]

وإنما اختصت هذه الشجرة بالبركة من ذرية إبراهيم عليه السلام لتتابع النبوة والرسالة في عَقبِهِ حتى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كرامة لإبراهيم عليه السلام وإجابة لدعوته.

أما الشجرة الملعونة في القرآن فهم مقابل الشجرة المباركة وهو النسل المطرود من رحمة الله تعالى وهو إبليس وذريته ممن أخذوا العداوة لآدم وتعهدوا بإضلاله وذريته فباءوا بلعنة الله والطرد من رحمته: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا)  [الكهف:50].

فهنا دلالة على أن لإبليس ذرية يتَّسِمُون بنفس سماته ويتخلقون بخلقه ويدينون بدينه ويحملون لعنته التي لُعن بها فكانت بذلك شجرة ملعونة.

وقد بيّن لنا جلَّ وعلا لعنته للشيطان في قوله تعالى : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121)  [آل عمران]

وقوله تعالى : قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ (35) [الحجر]..

إن القول بحلول اللعنة على اليهود مشكل ولا يستقيم من وجوه :

أولها : أن اللعنة لو قيل بأنها مختصة باليهود وشجرتهم للزم الأمر أن تشمل اللعنة أصل الشجرة وفرعها ، وهذا باطل ففي اصل هذه الشجرة أنبياء وصالحون وأمة قائمة ممدوحة وفيها أهل الشر والكفر والسوء.

ثانيها : أن اللعن في حق اليهود جاء في حق بعضهم ممن حصل منهم الكفر والإفساد فكل موضع تجد قلة ممن ينهون عن السوء ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، فلو كان اللعن للشجرة لشمل عامة اليهود لأن التسمية من جهة العرق والنسب.

والقول بأن اللعن حل على شجرة الزقوم مشكل وبعيد من عدة وجوه:

أولها : أن اختصاص الشجرة بالعذاب لا يعود لسوء وعصيان وقع منها بل لأن وظيفتها التي خلقها الله لأجلها هي النبات في الجحيم لتأدية وظيفة العذاب.

ثانيها : أن القول باللعن واقعٌ على شجرة الزقوم لانتفاء الرحمة عنها وجب أن يشمل ملائكة العذاب لانتفاء الرحمة من وظيفتهم بل أن يشمل اللعن جهنم ذاتها وكل ذلك بيّن البطلان.

وأما صرف المعنى الشيطان وذريته فمؤيد من كل الوجوه ، فالشيطان وذريته شجرة ملعونة مطرودة من رحمة الله بلا استثناء منذ طرد إبليس وحتى يوم القيامة فالله جل جلاله يقول : (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ)  [الأعراف:27]

وهذا متسق مع سباق الآية موضع البحث في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) فالرؤيا التي أراها الله لنبيه والشجرة الملعونة فتنة للناس وهذا حق ماثل الى يوم القيامة فالشيطان وذريته (شجرته الملعونة) فتنة مستمرة للناس تصيب من يغفل عنها ، وينجو منها من أنار الله قلبه فاتبع نور الله ورضوانه ووقف عند حدوده ومحرماته.

الشجرة المباركة .. دلالات وإشارات

قلنا بأن سياق المثل الذي أورده ربنا جل وعلا لنوره المبين وشرعه تمثل في المصباح الذي يتتابع في شعلته زيت من شجرة مباركة يكاد أن يضيء ولو لم تمسسه نار ، فما هي الإشارات والمناسبات التي تربط المثل بالممثل به .

لقد قلنا بأن الشجرة المباركة هي شجرة نسل إبراهيم من الأنبياء الكرام الذين كان خاتمهم نبينا صلى الله عليه وسلم وكما أن هذه الشجرة استوطنت في الأرض المباركة (بلاد الشام) وتحديداً فلسطين فإن شجرة الزيتون التي استعملت مثلاً اشتهرت في الأرض المباركة ووصفت بالبركة وشرفت بالقسم في سورة التين ، ويقول تعالى :  (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ)  [المؤمنون:20]. فالله تعالى أقسم بها وبمكانها ومثّل بها أحسن المثل ، وكذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم أسري به لهذه الأرض المباركة واقتبس في تلك الليلة من النور العظيم فشرعت الصلاة فكانت رحلة الاسراء بيان للرابطة بين شريعة الله ونوره العظيم وبين الأرض المباركة والشجرة المباركة التي تتابع منها الأنبياء يضيئون حياة البشرية بنور الوحي والهداية كما يتتابع الزيت في المصباح بنوره الأبلج فينشر الضياء.

السِّيَاق وَمنُاسبَتُهُ لِلسِّبَاقِ واللَّحَاقْ

مَوْضُوْعُ السِّباقُ (الخّاصُّ والعَام)ّ :
اشتمل سِباقُ آيةِ النُّوْرِ على تفصيلٍ لحادثةِ الإفك وتبرئةٍ لأمِّ المؤمنينَ عائشةً -رضيَ اللهُ عنها وأرضاها- مما طالها من إفكٍ وبهتان ، بينما اشتملَ السِّباق العام على آيات مجموعة من الأحكام والتشريعات للمسلمين في تشريع اللّعان وعقوبة الزّنا والقَذف وأحكام دخول البيوت والإستئذان وأحكامُ زِينة النِّساء وحدودِ إبداءها ، وأحكامُ النِّكاح ونكاح الموالي وحُرمة استعمال الإمَاء من ملك اليمين في البغاء وكلُّ ذلك حتى الآية 33.
مَوْضُوْعُ السِّيَاقْ :
ثمّ نَجِد أنَّ السِّيَاق يتّحِدُ في الآيتين (34 ، 35) لِبَيَان فَضْلِ اللهِ بإنْزَالِهِ الهُدى والنّورِ لِعباده وهو يُشِيْر بِذلكَ للشَّرائِعِ التيْ كَتَبَها اللهُ عَلَى الخلق وأَمَرَهُمْ بِهاَ فيَقْوُلُ تَعَالى بِما ينُاسِبُ مَا سَبَقَ مِنْ آياتِ أحْكَامْ:
(وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) [النور:34] فعرض ما سَبق أن نزّل من تبياَنٍ للشّرائع في الرِّسَالات الّتيْ خَلْت وَفِي الرِّسَالة المَاثِلة بين المُسلِمِيْن مُشيْراً لآخرِ شَريَعَةٍ نَزَلَتْ وَهِيَ شَريعْةُ مُوسَى عليهِ السّلام الذي تَلاهُ نَبيِّنا صَلّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم بِشَريعْةٍ جديدةٍ فالآياتُ المبيّنات الّتي تبيّن للمُؤمِنين حُدودَ اللهِ وَشرائعهِ وأمثالُ مَنْ خَلا مِن َالأُمَم ، وَموعظةً للمتّقين أيْ شَرائِعَ ملزمةٍ للمؤمنيْن المُشْفقينَ مِنْ غَضَبِ اللهِ وَعِقَابِهِ وهُمُ المتَّقين.
ثُمَّ شَمِلَ الرِّسَالاتِ السَّابِقَة والخاتمة بتمثيلِها بالنُّورِ الّذي يَشعُّ مِن اللهِ للِخَلْق مِنْ خِلال مِصْبَاحٍ مُتوهِّج وَهِيَ النَّبوّة و الرّسَالة التِي مَادّتها وَقُودُ مُتدفّق من شَجَرةُ البركة التيْ تنَاسَلَ مِنها الأنبْياء يعَظِوُنَ أقوَامَهم باتِّباع الشَّرائِع ِالتي تُنَزَّلُ إليهِم ويَصِلُونَ خبرَ السَّماءِ بأَهلِ الأرْض.
موضوع اللحاق :
ثم أتْبَعَ هَذِهِ الآيةَ بِصُورةٍ لصِنْفينِ مِن الناسِ يَتَنَاقضونَ فيْ تعاملهم معَ النَّورِ الذي أنْزَلهُ اللهَ إليهِم ْفمنهم المُسلم المؤْمِن المتبَّعِ المسبِّح للِه ، ومنْ أطَاعوا اللهَ وأتوا شرائعهُ وعِبَاداتهِ فتراهُمْ كَذلِكَ في بيُوُتِ اللهِ أو في بيوتهم طاعةً لأمرهِ واتِّقاءاً لغضبه، والفئةُ الأخْرى مِنَ الكافرين الذينَ يعملونَ ويكدْحون ولا يحصدونَ من عَملهِمْ خيراً فكلُّ صَدَقةٍ أو نَفَقَةٍ أو فِعْلِ خيرٍ إنَّما هو لهم كسرابٍ بقيعةٍ يحْسبونهُ ماءً ويعتقدونَ أن له أجرٌ ووراءُهُ حَسَنةً حتى إذا رُدُّوا إلى اللهِ لم يجدوا لعملِ الخيرِ الذي عملوهُ أثراً لأنَّه لم يؤسَّسَ على إيمانٍ باللهِ واتِّباعٍ لشرائعهِ ، يقول تعالى :
(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) [النور]

والله أعلم وصلى اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم

تفسير قوله تعالى : الله نور السماوات والأرض

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول الحق تبارك وتعالى : (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)  [النور:35]

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: يراد بالنور هنا الهداية والدلالة للحق واتباع الشريعة المنجية من الهلاك في الدنيا والآخرة.

ودلالة النور في كتاب الله دائما ما تشير لنور هدايته جل وعلا فيقول تعالت ذاته : (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)  [البقرة:257].

ويقول واصفاً كتابه وشرعه المطهر : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا)  [النساء:174] ، وقد شبه حرب أهل الكفر لدين الله بالسعي في إطفاء نور الله بأفواههم أي بكلامهم وافترائهم فيقول (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ )  [التوبة:32] .

فالكتاب والإيمان هما نور الله في السموات والأرض : (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)  [الشورى:52].

فكان مَثَلُ الله لنورهِ تمثيلاً لتنزيلهِ وكلماته وهديهِ ِجلّ وعلا : (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)  [التغابن:8].

مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ: المشكاة كُوَّةً في جدار يوضع فيها مشعل الضياء (المصباح) الذي يُهتدى به في الظُّلمة ، والمِصباح هو (مثلٌ) لمصدر الوحي الذي يُنتجُ ضوءَ العلم اللدني بحقيقة الخلق وطريق السداد وهداية الناس للحق.

ولمّا أراد الله ضرب مثل لمن يَتِّخذُ نوراً غير نور الله مثَّل حالهم بقوله تعالى : (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)  [البقرة]

فجعل من اتخاذهم لآلهة غير الله كمن استوقد ناراً ليستهدي بضوءها فبعث الله نبيه الذي ذهب بهذا النور وأبطله وأطفأ ضوء باطلهم بالحق المبين وأقام عليهم الحجة فرضوا بالبقاء في الظلمة وأنِفُوا من إجابة دعوة الهدى والنور الإلهي.

ثم يضرب مثل لهم مثلا في اتخاذهم لنور آلهتهم كمن يتخذ من ضوء البرق الخاطف نوراً يُهتدى به في الظلمات الحالكة فإذا أضاء البرق بلمحة بصر سريعة مشوا فيه وساروا في طريقهم على قدر مدة الإضاءة ، فإن أظلم توقفوا عن السير لوعورة الطريق وخطورته فلن يتمكنوا من بلوغ وجهتهم ولا وصول هدفهم بضوءِ برقٍ يظهرُ لوهلةٍ ثم يغيب ويعم الظلام الدامس ، فكما أنه لا يعتمد على البرق كوسيلة يستهدي بها السائرون في الظلمة الحالكة إلى وجهتهم ، فلا يعتمد  على منهج الكفر في عبور مرحلة الحياة للوصول لثواب الفردوس والجنة.

الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ: مادة شفافة محيطة بالمصباح ناثرة للضوء المنبثق منها فالنور من جانبٍ محفوظ من العبث ومن جانب يشع من خلال الزجاجة ليهدي في الظلمة وكذلك كتاب الله وهديه ، فهو مرئي يهتدى به من جانب ، عزيز على يد السوء أن تمتد إليه بالتحريف فهو محفوظ بحفظ الله (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)  [الحجر:9] كما تحفظ الزجاجة ضوء المصباح.

الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ: الدُّرّ هو الألماس ، وقد شبه الكرة الزجاجية المحيطة بالمصباح بكوكب من الألماس يشع ضوءاً ، والألماس من أنقى المعادن وأثمنها ، وعندما يحيط بالمصباح فإنه يعظِّم الضوء وينشره بلمعان وتوهج شديد فيكون نوره الذي هو نور العلم والهداية شاقَّاً للظَّلام مبدِّداً للعَتْمَة بِفِعل توهجه من هذا الزجاج المحيط به فكان حقاً مبيناً لا يشوه نوره غبش ولا قترولا يسمح بامتداد يد العبث لمصدر النور.

يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ: أي هذا المصباح المنير يستمد وقوده الذي يضيء به من شجرة (كناية عن ابراهيم عليه السلام الذي تناسل من ذريته شجرة الأنبياء يضيئون بالوحي والهداية لأقوامهم) .والتعبير بالشجرة دالٌّ على الديمومة والاتصال ، والزيتونة دلالة على البركة وقد وصفها بالبركة وكذلك ذرية إبراهيم ممن أنعم الله عليهم بالنبوة والاصطفاء.

لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ: فضوء الشرق لا يلبث أن يتحول ويتغير ،  وضوء الغرب لا يلبث أن يغيب أما ضوء الهداية لا ينضبُ ولا يخبو أبداً.

يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ: إن الزيت هو مادة الضوء كما هي أنفس الأنبياء مادة الدعوة فهم يحملون نور ربهم وهديه بين أضلعهم ، وهم أنقى الخلق معدناً وأحاسنهم خلقاً ولو تُرِكوا بدون وحي وبعث لكانوا من أفاضل الخلق وأنصحهم للناس ، ولو لم ينزل إليهم وحي يشع منهم إلى الخلق فهم في مقام الثقة والاستقامة عند أقوامهم ، كما كان نبينا صلى الله عليه قبل البعثة طيباً مطيباً صادقاً أميناً فكانت فطرة الهداية فيهم كالزيت الذي يضيء ولو لم تمسسه نار ، فلما مسته النار أضاء بنورٍ حادث على نور سابق ، فكادوا أن يكونوا أنبياء ولو لم يمسسهم الوحي ولم يبلغهم التكليف من شدة استقامتهم.

نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ: أي هداية الله لأنبيائه واصطفائه لهم نورٌ أتى على نورٍ في أصل خلقتهم وحقيقة معادنهم.

يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ: فالله يصطفي لحمل هذا النور من يشاء من الأنبياء والرسل، ويهدي لاتِّباعِهِ من يشاء أن يتبعه من الخلق وييسر لبلوغِ مُرادِ الله من يشاء الله له الهداية.

وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: ويشير في ختام هذه الآية العظيمة بأن ما تقدم مثل ضربه الله للناس ولو لاحظنا لوجدا الآية استهلت بالإشارة للمثل عندما قال تعالى : (مَثَلُ نُورِهِ) وختمت بالإشارة لما ضرب الله من الأمثال فكانت تذكير بأن ما بين الاستهلال والختام كان مثل مثله الله لعباده لتقريب صورة الهداية العظمى التي تترى إلى خلقه.

والله تعالى أعلم

الفَرْقُ بَيْنَ المَأوَى وَالمَثْوَى فِيْ التَّعْبِيْرِ القُرْآنِيّ

بسم الله الرحمن الرحيم

الفرق بين المأوى والمثوى في التعبير القرآني

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

في هذا البحث سنتطرق لمفردتي (المأوى والمثوى) في القرآن الكريم والفروق المعنوية بين المفردتين على ضوء القرآن الكريم ، وكعادتنا في مباحثنا السابقة سنبدأ في التعريف والتفريق الذي توصلنا إليه لكلا المفردتين ثم نستشهد على قولنا بكلام الله تعالى فنعرض مفهومنا على الآيات الكريمة ،  ثم نراجع أقوال أهل العلم في ذلك ، وللقارئ الكريم أن يحدد قناعاته تجاه نتيجة هذا البحث والله ولي التوفيق.

المثوى : هُوَ المسْتَقَرُّ والمآلُ الَّذيْ يَبْلُغَهُ المَرْءُ بَعْدَ عَنَاءٍ وَمُكَابَدَةٍ ، وَيَصِلُ إليْهِ بِدُوْنِ تَخطْيِط وَلا سَعْيّ ولا تَدبيٍرٍ مُسْبَقْ ، وَقَدْ يَكُوْنُ مَثْوَى سُوْءٍ أوْ مَثْوَى رَاحةٍ وَكَرَامة.

فالمفردة ليست للدلاله على الخير المحض أو الشر المحض بل محايدة تصف الحال سواء كان مآل خير أو مآل شر ، ولنقرب المفهوم بالتمثيل على ذلك ، فلو خرج رجل من بيته هائما في الصحراء فاستقر به المسير في واحة باردة ومنزل مبارك فهو مثواه لأنه لم يسعى للوصول إليه بعينه ولم يجهد في التدبير لذلك ، وكذلك لو استقر به المسير في يد جماعة مجرمة عذبوه وسلبوه وسجنوه لصار سجنهُ مثوى له أيضاً لأنه لم يسعى لهذا المصير.

وكذلك الحال في القرآن الكريم فمثلاً يقول تعالى :

(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)  [يوسف:23]

يوسف عليه السلام وصل إلى مصر بعد رحلة عناء ومكابدة فكان بيت العزيز مثواه ، لأنه مآله ومستقره الذي لم يكن يسعى إليه ولم يخطط للوصول إليه ، فلما وصل أحسن العزيز مثواه وقد كان يحتمل أن يكون مثوى سيء ، فعلم من ذلك أن المثوى له حال حسن وحال سيء.

ويقول تعالى :

وَلَٰكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ  [القصص:45]

وهذا في سياق حديثه تعالى عن موسى عليه السلام ، والمعلوم بأن موسى خرج من مصر خائفاً يترقب فكان مصيره بعد رحلة عناء ومكابدة إلى مدين ولم يكن قد ابرم أمره على مآله ومنتهى سيره فكانت مدين مثوى موسى بعد هروبه من مصر وكان مثوى حسن إذ تزوج وأمن من فرعون وجنده.

ويقول تعالى :

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ  [محمد:12]

يشيع استخدام كلمة “مثوى” لأهل النار لكونها مستقر ومآل سوء وصلوا إليه بعد عناء ومكابدة في الحياة (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) [البلد:4] ولكنهم لو كانوا يرون ما سيصلون إليه لما بقوا على كفرهم حتى انحطموا في النار ، فهم كمن هام على وجهه في الدنيا حتى انتهت به الحياة إلى القبر فوجد نفسه في جهنم وعذابها الذي لم يكن يسعى إليه بل كان يظن بأن ضلاله سيقوده لغير ما وصل إليه فكان مستقره “مثوى” سوء .

 ويسمى قبر الرجل “مثواه” لأنه استقر فيه بعد عناء الحياة ولم يكن يسعى له ويحتمل أن يكون مثواه حسناً أو سيئاً.

لذلك فالله جل وعلا يخاطب المؤمنين والمنافقين بأنه يعلم مثواهم حسناً كان أو سيئاً في منتهى حياتهم وعند وفاتهم ، فعبر بذلك التعبير ” المثوى ” في قوله تعالى :

وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)  [محمد]

(متقلبكم) : تنوع أحوالكم بين الكفر والإيمان  و(مثواكم) : أي المصير والمآل الحسن لمؤمنكم ومآل السوء لمنافقكم وكافركم ، سيما والسياق يتحدث عن المنافقين وموقفهم من النبي وأصحابه المؤمنين ، ويصح أن يكون المثوى المآل المجهول للخلق ، المعلوم لله تعالى وهذا يتفق على مفهوم المثوى بأنه المآل الذي يصل إليه المرء من غير تدبير للوصول إليه بذاته ، فإن جهل المرء مثواه فالله يعلمه.

ولو تسائلنا لماذا لم ينسب المثوى لأهل الجنة ، فأهل الجنة يعملون لها ويتشوفون لدخولها ويسعون لبلوغها فإذا آواهم الله فيها فلم يصح أن تسمى مثوى لأنه لا يدخلها إلا من سعى لها سعيها وهو مؤمن وعمل للوصول إليها والسكن فيها ، فانتفى عنها أن تكون مثوى لهذا السبب.

المأوى : هو المُسْتَقَرُّ وَالمآلُ المَكِيْنُ الّذِيْ يَبْلُغَهُ مَنْ يَسْعَى وَيجَهَدُ فِيْ الوُصُوْلِ إلَيْه.

يقول تعالى : إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ﴿١٠ الكهف﴾

فإن “الفتية” سعوا وجهدوا ودبروا أمرهم للوصول للكهف بحثاً عن الأمن والإحتماء من عدوهم فكان الكهف مأوىً لهم

وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا  [الكهف:16]

فحدثوا بعضهم بعضاً بالاحتماء بالكهف فكان وصولهم إليه عن قصد وسعي مسبق عملوا له وحققوه حتى ينالوا الأمن والحماية.

وابن نوح يقول فيه تعالى:

(قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)  [هود:43]

فجهد في صعود الجبل قاصداً الاحتماء به من الطوفان وظن أن الجبل مأوى وأن منتهى جهده سيستنقذ به حياته من الغرق فلم يكن الأمر كذلك ، فعلمنا بأن اعتبار المستقر والمآل مأوى هو من وجهة نظر المرء فقد يكون كذلك وقد لا يكون.

ويقول تعالى :

(قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ)  [هود:80]

فهو يتحسر على انعدام المعين من قومه ممن يمنعهم من الوصول لضيفه أو يأوي إلى من يركن إليه ليحميه من عدوانهم فكان المأوى هنا هو المستقر الآمن والمحل الآنف عن وصول المعتدي وقدرته.

وفي سورة يوسف :

             (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [يوسف:69]                    

             (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ )  [يوسف:99]

يوسف عليه السلام أخذ أخيه ووفر له الحماية والمعيشة الطيبة في كنف أخيه بعد تدبير وتخطبط مسبق فحصلت له المنعة والقوة فكان مسكنه عند أخيه مأوى ، وكذلك حصل مع أبويه فاستدخلهم في جناحه وضمن سلطانه وتحت حمايته وفي كنفه بعد ان دبر الأمر وسيره بتأييد الله ليصل لهذه النتيجة ، ويحسن بنا أن ننبه لأمر في مفهوم الإيواء هنا وهو أن التعبير بالنسبة ليوسف وليس لأخيه وأبويه ، فهم لم يأووا إليه ولم يسعوا لذلك بل هو من آواهم إليه ووفر لهم مالم يكونوا يحتسبون وبالتالي فلا يشكل على مفهوم الإيواء هنا شيء بل يؤيده.

يقول تعالى لنبيه :

تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا  [الأحزاب:51]

أي تقرب إليك من شئت منهن وتجعلهن تحت جناحك وفي حنانك وكنفك ، وترجي من شئت أي تبعدهن حتى إذا شئت أن تؤوي ممن أرجيت وأبعدت فلا جناح عليك فيحصل الرضى في أنفسهن ولا يجدن في أنفسهم حزناً على فوات قربك فيحصل الرضى منهن جميعاً.

كيف يكون المأوى لأهل النار ؟؟

قد يقول قائل ، إن كان المثوى وهو نتيجة سعي أهل النار فكيف تأتي في مواضع كثيرة في كتاب الله بوصفها مأوى الكافرين والمجرمين ؟؟

يقول تعالى :

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ  [التوبة:73]

وهنا نقول وبالله التوفيق ، أن النار مثواهم عندما ننظر بأعينهم ونشعر بما يشعرون به ، فعندما يظنون أن مصيرهم ومآلهم شيء فيفاجئون بشيء آخر فإن هذا المآل بالنسبة لهم “مثوى” لأنه مصير على خلاف ما يظنون ويسعون وبالنسبة لله مأوى من باب السخرية بهم كما هو الحال في مواضع عديدة ففي حين آووا إلى اصنامهم وآلهتهم محتمين بهم من الله فجعل الله مأواهم ونتيجة اخلاصهم لآلهتهم من دون الله هي النار فكانت مأوى في نظر الله سخرية منهم.

وكذلك الحال بالنسبة لابن نوح ، فقد خطط للاحتماء بالجبل من الطوفان وسعى إليه ظاناً أنه مأوى ، ولكن مصيره ومثواه كان الغرق ومنه للعذاب كأمثاله من المكذبين ، فصح أن ندرك أن المثوى والمأوى مسألة نسبية ترجع لحال المقصود بذلك ، ونقول بأن اهل الكفر والضلال يعبدون من دون الله ويشركون به وهم يسعون لمأوى في الآخرة ظناً بأنهم يحسنون صنعاً ، ولكنهم سيفاجئون بمثوى وهو جهنم خلاف ما خططوا ودبروا ، ويبقى المآل النهائي والخاتمة هي التي يتحدد فيها مآل ابن آدم إن كان مثوى أو مأوى وليست مشيئته ونيته.

يقول تعالى : فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة: 79]

ويقول تعالى : (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)  [الدخان:49]      فلا هو عزيز ولا كريم ولكنه تهكم و استهزاءً بهم وكذلك المأوى ، فالنار لا مأوى فيها ولا حماية ولا عز بل ذل وعذاب ولكنه استهزاء بالكافرين وعرض لنتيجة كفرهم فإن كانوا يظنون أن آلهتهم ستؤويهم من بطش الله فهذا مأواهم الذي سعوا إليه وجهدوا في الحصول عليه والوصول به ، ومن ذلك قوله تعالى: ” إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا ” فالنزل مقام الضيف وساء المقام في النار ولكنه تهكم باأهل الباطل وكقوله تعالى : ” لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ ” فالمهاد هو موضع المنام المريح وهومعنى بعيد عن النار ولكن سخرية من أهل النار ومن مصيرهم وهو عدول بلاغي للتهكم والسخرية.

وبالتالي وبعد الدلائل القرآنية نلخص الأمر فنقول أن المثوى هو المستقر الذي يصل إليه المرء بعد المكابده وليس له يد أو سعي أو تدبير في الوصول إليه وقد يكون مثوى سوء أو مثوى حسن ، أما المأوى فهو الموضع الآمن والمآل المريح الذي يسكن إليه المرء بعد جهد وسعي ومكابدة للوصول لهذا المأوى والالتجاء إليه.

والله تعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

إسقاطات لأبحاث #النفس البشرية .. #مظاهرات_امريكا نموذجاً

إسقاطات لأبحاث #النفس البشرية .. #مظاهرات_امريكا نموذجاً

تطالعنا وسائل الإعلام ثانية بثانية بما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية من عنف واحتجاجات ومظاهرات حتى يخيل إليك بأن المحتجين فقدوا عقولهم ولا يتصرفون باتزان ، تحطيم المحلات التجارية والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة ، وتعطيل الحركة والحياة والتخريب والحرق والتدمير ، بصورة تجعلنا أمام تصرفات أكثر الدول تطوراً وحضارة في العالم ولكن لا تمت للحضارة والتقدم بصلة.

يصعب علينا في -الدول النامية ودول العالم الثالث – أن نفهم كيف من الممكن أن ينقلب مجتمع متحضر متقدم كالمجتمع الأمريكي لكائنات مدمرة تنهب وتسلب الناس وتمارس أعمال تتنافى مع حالتها في الأوضاع العادية مما يزرع الخوف والريبة من استقرار تلك المجتمعات ومدى قابليتها للصمود في حالة الازمات.

ولكن في نظري أن فهم مكونات النفس البشرية وفق التصور والمنظور القرآني كفيل بأن يوضح الخلل ويبرر ما يحدث ، ولذلك استرجع في هذا المقال بحث كنت قد نشرته بعنوان العَقْلُ وَ الْقَلْبُ وَ الفُؤَادُ فِيْ ضَوْءِ الْمَفْهُومِ القُرْآنِيّ  بينت فيه مفاهيم مكونات النفس البشرية الثلاث وبالتالي الوصول لتفسير أسباب ظهور تلك الممارسات ، وقد دعمت الفكرة مؤخراً بمقطع فيديو توضيحي لهذه الفكرة بعنوان : مكونات #النفس البشرية #القلب ، #العقل و #الفؤاد ، دلالاتها في ضوء #القرآن الكريم   لذا فمن المناسب في ظل الظروف الحالية أن يطلع القارئ الكريم على هذه الدراسة ويتأمل في اسقاطاتها على الواقع هذا اليوم على وجه الخصوص.

والله الموفق.

الفرق بين الحول والعام والسنة في التعبير القرآني

الحول : هو الأشهر القمرية الاثني عشر مبتدئة بوقت الحدث وليس منذ أول اشهر السنة ، فالرضاعة يجب أن تتم حولين كاملين أي أربعة وعشرون شهراً تبدأ من حين ولادة المولود ولا يشترط ان تبدأ من محرم ،  وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  [البقرة:233]،

وكذلك الزكاة فإذا حال الحول : أي دارت على تجمع النصاب اثني عشر شهراً فقد وجبت الزكاة ، فلا يشترط أن يكون البدء منذ أول أشهر السنة.
يقول تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  [البقرة:240] فالوفاة تقع في أي وقت من أوقات السنة فإن مضى على وقوع الوفاة اثني عشر شهراً فقد تم الحول.
وهكذا تكون الرضاعة والزكاة وكل حدث يتكرر بعد مضي 12 شهر يقال حول ، والحول من التحول والدوران فيتحول الزمن ليعود لموضعه الزمني الذي بدأ منه.

العام : هي السنة المخصبة الوفيرة الرزق ، وترتبط بالفصول الأربعة فإذا كان ربيعها مثمر وأمطارها مغدقة هنيئة مستمرة سميت عاماً ، وهي كناية عن سهولة الرزق ووفرته ، وعندما أمات الله نبيه مائة عام (فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)أسميت فترة موته أعواماً لأنه كان يرزق فيها ولا يفرغ طاقة في ذلك لأن الله كان يرزقه ويغذيه بلا جهد منه ، وكذلك عندما نهى  أن يقرب أهل الشرك المسجد الحرام بعد عامهم هذا  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  [التوبة:28]، فكان العام آخر عهدهم بالمسجد وكان عهدهم بالمسجد عاما لما كانوا يتحصلون فيه من الرزق والتجارة والبيع والشراء ولما كان يتحقق لهم من الأمن وكل خير ببركة قربهم من البيت الحرام وببركة دعوة أبينا إبراهيم .

السنة : تعبير عام يطلق على عموم الفترة القمرية من محرم إلى نهاية ذي الحجة ، وتطلق على الفترة المجدبة التي يغلب فيها الأذى والنصب والفاقة على الخير والرزق والرخاء يقول تعالى :  وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ  [الأعراف:130] وعندما أراد الله أن يعصم عبده يوسف فدخل السجن حكى عن بقاءه في السجن فعبر عن تلك الفترة بالسنين يقول تعالى :  وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42] ونعلم أن البقاء في السجن هو بقاء في القيد وفترة شضف ووهن وحزن فلم يعبر عنها إلا بما يتفق مع حقيقتها وحالها ، ولكن ليس ذلك في كل مواضع المفردة ، فقد وردت بدلالات أخرى ولكن الأصل أنها تطلق على عموم الفترة سواء كانت خيراً ورزقاً أو شراً وضيقاً بينما لا تطلق مفردة العام الا على أزمان الخير والوفرة ولا يطلق حول إلا على الفترة التي مبتدأها ومنتهاها لا يرتبط بأول أشهر السنة ولكن بوقوع حدث ومضي 12 شهراً على وقوعه.

والسنة اسم شامل جامع لا يختص بالجدب فقط ولكن ما سواه خاص وهو عام لأنه شمل كل الأحوال فاستخدمت على سبيل التوقيت المجرد واستخدت المفردة على سبيل تبيان وقت الجدب والفاقة فالمفردة أشمل وأعم المفردات التي تعبر عن الفترة الزمنية ، وبالتالي فإن الجدب والشدة ليست ضابط لمفهوم مفردة السنة ولكن لا يمكن أن يطلق على فترة الجدب والشدة (حول) ولا يمكن أن يطلق عليها (حجة) ولا يمكن أن يطلق عليها (عام) ولكن الأشمل أنها تدخل ضمن ما يعبر عنه (بالسنة).
وأضيف أنك لو لاحظنا فسنجد أن السنة إذا استعملت في سياق بيان المدة مجردة من الحال فترتبط بمفردة (عدد) ليتبين بأن المراد السنة كفترة زمنية منذ بدايتها لحين نهايتها بدون النظر في حال تلك السنة فيقول تعالى:
وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ (سورة الإسراء 12)
فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (سورة الكهف 11)
ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (سورة السجدة 5)
فكانت الإشارة لقيمة السنة عدديا وليس إشارة للحال لذلك كان التمييز بإضافة مفردة (عددا ، تعدون) ليتبين القارئ أنما أريد بالسنين التعداد والمعنى الأشمل للسنة وليس الأخص وهو الجدب.

الحجة : وهي الفترة الزمنية التي تبدأ من بداية موسم الحج وحتى بداية الموسم التالي حيث تكتمل 12 شهراً ، وكان أهل مدين يوقتون بالحجة لأنها فترة موسم التجارة لمرور قوافل الحجيج متجهة للبيت الحرام لذلك يقول تعالى :  قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ  [القصص:27]

ولما كان الأساس الذي بني عليه الاتفاق بين شعيب و موسى  أساس اقتصادي كانت الاجارة مرتبطة بموسم الكسب عند أهل مدين حتى يتحقق النفع المرجو للشعيب  ويتحقق الاحصان لابنته ولنبي الله موسى .

هذا والله أعلى وأعلم وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

النَّجْوىَ فِيْ القُرْآنِ الكَريْم ، المَفْهُوم وَ الدَّلالات

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّجْوىَ فِيْ القُرْآنِ الكَريْم ، المَفْهُوم وَ الدَّلالات

مقدمة :
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أعتدنا على تنوع المفردات القرآنية وثرائها ، هذا التنوع الذي لم يكن أبداً لغرض الترادف بمعنى تطابق المعنى و تغاير اللفظ ، بل كان تنوع متابع لتغير الحال ، فكل مفردة وإن دقّ خفاء معناها وتقلصت الفروق بينها وبين أختها ولكن لن نجد بديلا لها في موضعها ذلك أن لها محلاً معنوياً لا يسده سواها.
والنجوى إحدى تلك المفردات التي تدخل في الإسرار والإضمار و الإبطان والإخفاء والعديد من المفردات المتشابهة معنىً المختلفة فرعاً.
وكما اعتدنا سنعرف النجوى ومفهومها ومن ثم ننطلق لمواضعها في كتاب الله لنرى مدى تطابق التعريف مع سلوك المفردة ومواضعها في القرآن الكريم.

النَّجْوَى : كلُّ حَدِيثٍ بِشَأنِ غَائِبٍ غَافِلٍ عَمَّا يُقَالُ فِيْه ، وَيَدوُرُ بَيٍْنَ اثْنَيْن فأكْثِر.
 

ولنتتبع بعض الإضاءات والمحددات المعنوية التي تبين النجوى وتفرقها عما يشابهها من الأفعال :
الأولى : أن النجوى تتميز بغياب صاحب الامر عن الحديث الذي يدور بشأنه ، وﻻ يمنع سماع أحدٍ من الناس لما يدور في هذه النجوى عدا من يجري الحديث بشأنه.
الثانية : تختلف النجوى عن السرّ فالسر ما خفي في نفس العبد الواحد أو تعدى تداوله الواحد إلى اثنين أو أكثر ﻻ يتطرق إليه سمع أحد ، وﻻ يشترط أن موضوع السر ومادته حديث بشأن أحد.
الثالثة : أن النجوى قد تكون سرية حتى عمن لا علاقة لهم بالحديث ، فإن للمتناجين أن يسرون نجواهم فيخفونها عمن حولهم من الناس وقد ﻻ يعتنون بذلك.
الرابعة : أن النجوى في أصلها فعل سوء لانطواءها على غيبة ، فالجمع يتناجون بشأن غائب ويغلب على ذلك ذكر ما يكره أو التآمر على فعل السوء والمكر بالآخرين لأنهم لا يحرصون على إخفاء الحديث عن صاحب الأمر إلا لأن الحوار ينطوي على ما يسوءه ، ولكن الله تعالى قد استثنى من النجوى السيئة حالات معينة.
الخامسة : أن السر أشمل وأعم من النجوى ، فيقل عن الاثنين للانسان نفسه عندما يُسرُّ في نفسه أمراً ، ولكن النجوى لا تقل عن اثنين.

النَّجْوَى فِيْ القُرْآن الكَرِيْم

وهنا نتتبع آيات كتاب الله الحكيم لنتلمس مدى توافر أركان النجوى بالصورة التي توصلنا لها في التعريف السابق إيضاحه:

لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114]

قلنا بأن النجوى في أصلها قول سوء لأنها كما قلنا تذكر غائباً بما يكره ، واستثنى الله  منها في هذه الآية الأمر بالصدقة والمعروف ، والإصلاح بين الناس ، ولا شك أن تلك المناجاة في هذه الحالات المحمودة تستلزم ذكر غائب يحتاج للصدقة أو غني لينصح بإخراج صدقة أو إصلاح بين متخاصمين ينبغي ذكرهم في النجوى لتحقيق ذلك الصلح أو قول معروف لا يسوء المذكور حصوله.
فهنا يَعِدُ الله أن من يتناجون فيما استثناه الله رغبة في رضى الله من حالات بالأجر العظيم.

 أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)  التوبة

الله  يخبر نبيه عن المنافقين ونجواهم التي يغتابون فيها المطّوعين من المؤمنين في الصدقات ويتفق ذلك مع مفهوم النجوى وهو ذكر غائبٍ بما يكره ، فيتناجون بقول السوء بحق المؤمنين وهم يعلمون أن الله يسمع ويعلم قولهم الباطل ، وهنا نجد اقتران بين السر والنجوى ، فالسرّ يشير لما أخفوه عن الناس وتداولوه بينهم ، والنجوى تشير لقول السوء على الغائبين من المؤمنين.
فتحققت أركان النجوى ، الاجتماع الخاص ، ذكر الغائب بالسوء (لمز المطّوعين والسخرية منهم).

 فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَىٰ (62) قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ (64)  طه

فنجوى ملأ فرعون هنا مقتصراً عليهم لا يطلع عليه سواهم فكانت (سراً) اقتصر على الملأ ، وموضوع المناجاة هو اتهام الغائبين (موسى وهارون) بأنهما ساحران ، و تمالئوا وتآمروا لجمع الكيد الذي يصرف الناس عن الاستجابة لهم ، فكانت النجوى بمفهومها الذي وضحناه متحققة الأركان من حيث الاجتماع الخاص وذكر غائب بالسوء.

 أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)  الزخرف

فالله يعلم ما يسرون في أنفسهم و يخفون من كفر ويسمع ما يدور بينهم من أسرار ، ويسمع ويعلم نجواهم التي يسرونها أو يعلنونها للإيقاع الأذى بأهل الإيمان ويبرمون في نجواهم ما يسعون به للإضرار بأهل الحق وهم غافلون عما يقال فيهم ولكن الله يسمع ورسله يكتبون و يدونون ما يتناجون به و يسرونه بينهم.

لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ(3)قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) الأنبياء

فكانت نجواهم : هل هذا إلا بشرٌ مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ، فتحققت أركان النجوى بالاجتماع سراً وذكر الغائب بالسوء واتهامه بالسحر ، ولكن نجواهم مقتصرة على بعضهم البعض فقد أسروها فيما بينهم ، وهنا تكريس لمفهوم انعقاد النية واستقرار اليقين بالكفر والاطمئنان إليه ، وقد اعقب ربنا  بقول النبي  مخبراً بما أخبره الله عنهم وعن قولهم فقال لهم : ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم ، فهو يعلم قولكم السوء ونجواكم إذ تسرونها وتظنون أنها إذ تخفى على الغائب المذكور بالسوء فإنها لا تخفى على الله وهو مخرجٌ ما كانوا يكتمون.

 نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا  [الإسراء:47]

فحين يُقرأ القرآن وحين يدعوهم النبي فإنهم يتلهّون عن حديثه ويتناجون بينهم بالسوء في حق الغائب عن هذه النجوى فيتهمونه بالسحر في نجواهم ، فيتحقق بذلك مفهوم النجوى وأركانها من حيث اجتماعهم دون من حولهم و تعلقها بالغيبة وذكر الغائب بما يكره.

النَّجْوَى فِيْ سُوْرَةِ المُجَادَلَة

لقد تميزت سورة المجادلة عن سواها بأحكام النجوى واحتوت على تبيان لماهيتها بما يتفق مع ما سبق وأن بيناه في هذا المقام ، والمجادِلة هي الصحابية الجليلة خولة بنت ثعلبة زوجة الصحابي الجليل أوس ابن الصامت ، وعندما ظاهر منها أوس اغتمت وذهبت للنبي  وناجته في أمر زوجها ، فكانت شكواها لله ثم لنبيه  مما وقع عليها من ظهار بلسان زوجها كان ذلك من النجوى ، إذا كان في هذه النجوى ذكر لغائب وهو زوجها أوس فحق أن يكون هذا الفعل (نجوى)، ولكنها من النجوى المستثناة (إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) فكانت نجوى حميدة ، إلا أن أركان النجوى تحققت من جهة اجتماعها بالنبي  دون من سواهما ، ومن حيث ذكرها لغائب وهو زوجها.

 قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ  [المجادلة:1]

وقد مر بنا ارتباط النجوى بالسماع والعلم ، فمعظم آيات النجوى تشتمل على صفة السمع والبصر والعلم بالغيب ، وكذلك هذا الموضع الذي هو إحدى صور النجوى.

 أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  [المجادلة:7]

وهنا بيان لعلم الله اللامتناهي في السماء والأرض ، وأن النجوى (حديث اثنين فأكثر) لا تخفى على الله  سبحانه وتعالى، سواءً كانت نجوى سوء وغيبة ومكر بالغافلين ، أو كانت نجوى خير وإصلاح أمر بمعروف و صدقة .

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة:8]

لقد سبق النهي عن النجوى (الحديث المتعلق بذكر غائب بسوء وهو الغيبة المحرمة شرعاً ) ولكنهم يعودون للنجوى برغم إخبار النبي  لهم بوقوع تلك النجوى كما أخبره الله ، فيحصل منهم الإصرار على النجوى ، يكون تناجيهم متعلق بغائب وهو النبي  (الإثم والعدوان و معصيت الرسول) فكان مفهوم النجوى وتعلقها بذكر غائب بالسوء متحققة هنا ، وقد توعدهم الله بهذا بجهنم وبئس المصير.

الفرق بين النجوى والغيبة

الغيبة أعمُّ منَ النجوى ، فالغيبة لا يشترط فيها الخفاء بل ركنها الأهم غياب المذكور لدى جمع من الناس فيأتون على ذكره بما يكره بالغيبة أو بالبهتان إما على سبيل التندر والسخرية أو الإنتقاص والبغضاء ، في حين أن النجوى متعلقة بالممالأة على الشر والمكر بالآخرين أو بإبرام أمر السوء وإبطان الشر عن الغافل المذكور بين المتناجين.
والغيبة لا يشترط فيها العداء والشر ، فالله  أثبت رابط الأخوة بين المغتاب ومن يغتابه فقال :
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ  [الحجرات:12]

فالمغتاب يذكر أخيه بالسوء في غيابه معلناً غيبته أحيانا في مجالسه وعموم حديثه بينما قد تكون النجوى خفية حتى عمن يتواجد قرب المتناجين حيث يختلي المتناجين عن الناس حتى ليظنون أن النجوى بشأنهم فيحزنهم وخاصة إن كانوا ثلاثة واختلى اثنان منهما دون الثالث ، فقد اُثِرَ النهي عن مناجاة الاثنين دون الثالث لكون ذلك يحزنه ، والحزن هنا هو الريبة والخشية من أن يكون هو المعني بالنجوى وهو من يأتمرون بشأنه ويتفقون على إيقاع الأذى به ، قال رسول الله –-: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه)

يقول تعالى :

 إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ  [المجادلة:10]
 

أي أن النجوى تحريش للشيطان بين الناس وأزٌّ يتبعه استجابة من المتناجين ممالأة على الإضرار بالمؤمنين ولكن تآمرهم بإيقاع الضرر بالذين آمنوا لن يضرهم إلا بإذن الله إن هم توكلوا على الله وآمنوا به ، فالنجوى فتنة تجر فتن وتفسد بين الناس ، عن أبي الدرداء عن النبي  أنه قال : إن الفتنة إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت أسفرت، إن الفتنة تلقح بالنجوى، وتنتج بالشكوى، فلا تثيروها إذا حميت، ولا تعرضوا لها إذا عرضت، إن الفتنة راتعة في بلاد الله تطافئ خطامها فلا يحل لأحد أن يأخذ بخطامها، ويل لمن أخذ بخطامها . ثلاث مرات ، فكانت النجوى مثار الفتنة ومنشؤها.

النجوى بين يدي رسول الله 

لمّا كانت النجوى تنطوي على ذكر بالسوء لغائب بدون علمه في خلوة بين المتناجين فقد ذمها الله تعالى ونهى عن النجوى التي يذكر فيها غائب عن المتناجين مالم تكن تلك النجوى أمرٌ بالصدقة أو بالمعروف من الأفعال أو الإصلاح بين الناس ، وأما سواها فهي عمل ينطوي على الشر دون الخير.
ولمّا كان بعض حديث الصحابة للنبي  “نجوى” فيحملون خبراً عن غائب كتلك التي ناجت الرسول  وجادلته في زوجها أو وشاية أو شكوى تحمل الانتقاص أو ذكر السوء ، فقد كان ذلك مما لا يناسب حضرة النبي الأعظم  فأمر الله من يستطيع أن يتصدق إن كان حديثه للرسول  نجوى قد تنطوي على ذكر لغائب بسوء فيكون التصدق تحوطاً لما قد ينال المؤمن من الإثم فقال  :

 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  [المجادلة:12]
 

والآية الكريمة ترد على من ادعى أن الصدقة هنا فريضة نسخت أو ابطلت لأن الله في الآية يقول (فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم) فهذا دليل على انتفاء وجوبها وإلا لكان رفعها يقابله كفارة من صيام أو طاعة توازي الفريضة المتروكة كالإطعام في ترك الصيام لعذر فكانت الآية تكرس المعنى الذي مضى معنا بأن طبيعة النجوى وما تنطوي عليه من حديث سوء بحق غائب تجعلها مما يحتاج معه المؤمن إلى كفارة عما قد يكون اجترحه من قول بحق غائب فأرشد اللهُ الناس للصدقة.
ويختلف إلى رسول الله  أعداد كبيرة من الناس يسألونه في أمور دينهم ويستفتونه في ما يعترض حياتهم ، والبعض منهم يتضمن حديثه ذكرٌ لأخٍ له أو زوج أو جار ونحو ذلك ، وقد يعتري حديثه الزلل والغيبة أو ذكر الغائب بالسوء أو البهتان ، ولما كان النبي طرفا في ذلك الحديث فقد أمر الله المناجي بالصدفة تكفيراً عما قد يكون بدر من المناجي من قول ظالم أو اتهام أو إساءة أو قول مكروه بمن ناجى النبي  بشأنه.

 أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  [المجادلة:13]

ويبين الله هنا بأن تَقْدِمَة الصدقات بين يدي النجوى ليست واجبة ولم تفترض على المسلمين ولذلك أسميت “صدقة” فإن لم تجدوا صدقة تقدموها فإن الله غفور رحيم ، وإن أشفقتم أن تقدموها – أي تجدونها و تشفقون من إيتائها شحاً أو فقراً أو نحو ذلك – فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله بما تعملون خبير ، فهو يعلم سركم ونجواكم.

فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [يوسف:80]

وذلك أنهم بعد أن أبى العزيز (يوسف عليه السلام) أن يدفع إليهم أخيهم بنيامين فاستيئسوا وفقدوا الأمل في أن يستجيب لمناشدتهم (خلصوا نجياً) أي اجتمعوا ببعضهم في معزل عن سمع يوسف ، خلصوا أي اقتربوا مسرِّين لبعضهم الحديث ، وقوله تعالى (نجياً) أي يتناجون فيذكرون من لا يحضرهم ولا يعلم بما يقولونه فيه ، والآية توضح لنا النجوى بالصورة التي وضحناها ، فهم يتناجون في يوسف وفي أبيهم فكان حديثهم هذا نجوى.

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا 51 وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا 52 [مريم]

والمناجاة بين موسى عليه السلام وبين ربه جل وعلا كانت بشأن رجل غائب عن هذا الحديث وهو فرعون لذلك يقول تعالى تعريفاً لهذه المناجاة : ( اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ) فحق أن تكون مناجاةً على الوجه الذي أوضحناه.

النجوى في المصنفات اللغوية والشرعية

النجوى وردت في تاج العروس :

وَقد رَدَّه الرَّاغبُ وقالَ: إِن يَكُن حمل النَّجْو على هَذَا المَعْنى مِن أَجْلِ هَذَا البَيْت فليسَ فِي البَيْتِ حجَّةٌ لَهُ، وإنَّما أَرادَ أنِّي سارَرْتُه فوَجَدْتُ مِن بخره رِيح الكَلْب المَيِّتِ، فتأَمَّل.
(و) النَّجْو ( {النَّجْوَى: السِّرُّ) يكونُ بينَ اثْنَيْن؛ نقلَهُ الجَوْهرِي؛ (} كالنَّجِيِّ) ، كغَنِيَ؛ عَن ابنِ سِيدَه. (و) النَّجْوَى: (المُسارُّونَ) ؛ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَإِذ هم نَجْوى{
قالَ الجَوْهرِي: جَعَلَهم هُم النَّجْوَى، وإنَّما النّجْوَى فِعْلُهم كَمَا تقولُ: نقولُ: قومٌ رضَا وإنَّما الرِّضا فِعْلُهم، انتَهَى، (اسْمٌ ومَصْدَرٌ) ، قالَهُ الفرَّاءُ.
وَقَالَ الرَّاغبُ: أَصْلُه المَصْدَرُ وَقد يُوصَفُ بِهِ، فيُقالُ هُوَ نَجْوَى وهُم نَجْوَى.
}ونَاجاهُ ، مُناجاةً ، ونِجاءً) ، ككِتابٍ: (سارَّهُ) ، وأَصْلُه أَن يَخْلو بِهِ فِي نَجْوَةٍ مِن الأرضِ، كَمَا تقدَّمَ قَرِيباً. وَفِي حديثِ الشَّعْبي: (إِذا عَظُمَت الحَلْقَة فَهِيَ بِذاءٌ أَو} نِجاءٌ أَي {مُناجاة، يَعْني يكثُرُ فِيهَا ذَلِك ، والاسْمُ: لمُناجاةُ. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {إِذا} ناجَيْتُم الرَّسُول، فقَدِّموا بينَ يَدَي {نَجْواكُم صَدَقَةً} . ( وانْتَجاهُ: خَصَّهُ بمُناجاتِه.(
وَقَالَ الرَّاغبُ: اسْتَخْلَصَهُ لسرِّهِ؛ والاسْمُ {النّجْوى؛ نقلَهُ الجَوْهرِي وَمِنْه حديثُ ابْن عُمَر: (قيلَ لَهُ مَا سَمِعْت مِن رَسُولِ اللهاِ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النّجْوى يريدُ مُناجاةَ اللهاِ تَعَالَى العَبْد يَوْم القِيامَةِ.
(و) } انْتَجَى: (قَعَدَ على نَجْوَةٍ) مِن الأرضِ.
(و) انْتَجَى (القَوْمُ: تَسارُّوا) ؛ والاسْمُ النّجْوَى أَيْضاً؛ وَمِنْه (و) انْتَجَى (القَوْمُ: تَسارُّوا) ؛ والاسْمُ النّجْوَى أَيْضاً؛ وَمِنْه حديثُ عليَ، رضِيَ اللهاُ عَنهُ: (وَقد دَعاهُ رَسُولُ اللهاِ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الطائِفِ فانْتَجاهُ فقالَ الناسُ: لقد طَال نَجْواهُ؛ فَقَالَ: مَا انْتَجَيْتُه ولكنَّ اللهاَ انْتَجاهُ، أَي أَمَرَني أَن أُناجِيه) . وَمِنْه أَيْضاً الحديثُ: (لَا يَنْتَجِي اثْنانِ دُون صاحِبِهما) ، وأنْشَدَ ابنُ برِّي:
قَالَت جَوارِي الحَيِّ لمَّا جِينا …. وهنَّ يَلْعَبْنَ ويَنْتَجِينا
مَا لِمَطَايا القَوْم قد وَجينا؟
( {كتَناجَوْا) ؛ وَمِنْه قولهُ تَعَالَى: {أيّها الَّذين آمَنُوا إِذا} تَناجَيْتم فَلَا {تَتَناجَوْا بالإثْمِ والعدْوَانِ ومَعْصِيَة الرَّسُولِ} وتَناجَوْا بالبرِّ ولتَّقْوى} . وَفِي الحديثِ: (لَا {يَتَناجَى اثْنانِ دُونَ الثَّالثِ؛) والاسْمُ} النّجْوَى.
(و) {النَّجِيُّ (كغَنِيَ: من تُسارُّه) ، وَهُوَ} المُناجِي المُخاطبُ للإِنْسانِ والمحدِّثُ لَهُ، وَمِنْه موسَى {نَجِيُّ اللهاِ، صلى الله عَلَيْهِ وعَلى نبيِّنا وَسلم، يكونُ للواحِدِ والجَمْع؛ شاهِدُ الواحِدِ قولهُ تَعَالَى: {وقَرَّبْناه} نَجِيًّا} وحينئذٍ؛ (ج {أَنْجِيَّةً) ؛ وشاهِدُ الجَمْع قولهُ تَعَالَى: {فلمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَطُوا} نَجِيًّا} (6؛ أَي اعْتَزلُوا {يَتَناجَوْنَ.
ونقلَ الجَوْهرِي عَن الأخْفَش قالَ: وَقد يكونُ} النّجِيُّ جماعَةً مِثْل الصّدِّيق، واسْتَدَلَّ بالآيَة.
– نجو –
قال الوَاحِدِي: النَّجْوى في اللُّغَة سر بين اثْنَيْن، يُقَال: ناجَيْت الرَّجل مُنَاجَاة ونِجَاء، ويقال: نجوت الرَّجُل أنْجُو بِمَعْنَى: نَاجَيْتُه، والنَّجْوى قد تكون مَصْدراً بمنزلة المُنَاجَاةِ، قال – تعالى -: {مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] وقد يُطْلَق على الأشْخَاص مَجَازاً، قال – تعالى -: {وَإِذْ هُمْ نجوى} [الإسراء: 47] ومَعْنَاها: المُسَارّة، ولا تكون إلا مِن اثْنَيْن فأكثَر.
وقال الزَّجَّاج: [النَّجْوى] ما تفرَّد به الاثْنَان فأكْثر، سِرًّا كان أو ظَاهِراً.
وقيل: النَّجْوى جمع نَجِيّ؛ نقله الكَرْمَاني، والنَّجْوى مشتقَّةٌ من نَجَوْتُ الشيء، أنْجُوه، إذا خَلَّصْتَه وأفْرَدْتَه، والنَّجْوة المُرْتَفِعُ من الأرْضِ؛ لانْفِرَاده بارتفاعه عمَّا حَوْله.
وقيل: النَّجْوى: ما يَنْفَرِدُ بِتَدْبِيرِه قَوْمٌ، سِرّاً كان أوْ عَلاَنِيَة، ومَعْنَى الآيَة: لا خَيْر في كَثِيرٍ مما يُدَبِّرُونه بَيْنَهُم، إلاَّ من أمَرَ بِصَدَقَة، أوْ معروفٍ، أو إصلاحٍ بين النَّاسِ فالاستِثْنَاء يكون مُتَّصِلاً، وقيل: هو استِثْنَاء مُنْقَطِع بمعنى: لكن من أمر بِصَدقَةٍ، وهذان القَوْلان مبنيّان على أن النَّجْوى يجوز أن يراد بها: المَصْدرُ كالدَّعْوى؛ فتكون بِمعنَى: التناجي، وأنْ يُرادَ بها: القَوْمُ المتناجُون إطلاقاً للمَصْدرِ على الوَاقِع منه مجازاً، نحو: «رجلٌ عَدْلٌ وصَوْمٌ» . فعلى الأول يكون مُنْقَطِعاً؛ لأنَّ مَنْ أمَر لَيْس تَنَاجِياً؛ فكأنه قيل: لكنْ مَنْ أمَر بصدَقةٍ، ففي نَجْوَاه الخيرُ، والكوفِيُّون يقدِّرون المُنْقَطع ب «بل» ، وجعل بعضهم الاستِثْنَاء متَّصِلاً، وإنْ أُريد بالنَّجْوى: المصدرُ، وذلك على حَذْفِ مُضَافٍ.
سببها تلقي الآيات التي تجدد الإيمان لمن له قلب، باللعب والعبث والسخرية وعدم الاعتبار والتبصير والتدبر، مع السخرية والاستهزاء، وبسبب ذلك تلهو قلوبهم، وتنصرف عن الإصغاء إلى الحق، وإنهم وهم في حال اللهو واللعب والانصراف عن الحق تماما – يعملون على مقاومته فيجتمعون ويتشاورون كيف يردون دعوة الرسول، وماذا يقولون لصد غيرهم عن سبيل الله وقد أضاء الحق في ظلام الجاهلية، اجتمعوا في كن من الخفاء، وهذا معنى قوله تعالى (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) النجوى والتناجي: التحدث في سر لَا جهر فيه، ومعنى (أَسَرُّوا النَّجْوَى) تشاوروا في الأمر بعيدا عن الناس، وبالغوا في الإسرار، لكي يتدبروا الأمر الخطير الذي فوجئوا به، ويصرفوا الناس عنه .
قال الهرري النجوى :
{لَا خَيْرَ}: ولا ثواب، {فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ}؛ أي: في كثير من نجوى الناس بعضهم لبعض ومحادثتهم معًا، أو لا خير في نجوى أولئك الذين يسرون الحديث من غيرهم، من جماعة طعمة الذين أرادوا مساعدته على اتهام اليهودي وبهته، والنجوى هي المحادثة من بعض القوم لبعض، اثنين فما فوق، قال تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ …} الآية، فهي ضد السر، وهو محادثة الإنسان نفسه. {إِلَّا}: في نجوى {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} واجبة أو مندوبة، {أَو} نجوى من أمر بـ {مَعْرُوفٍ} وهو كل (1) ما يستحسنه الشرع ولا ينكره العقل، فينتظم فيه أصناف الجميل، وفنون أعمال البر، كالكلمة الطيبة، وإغاثة الملهوف، والقرض، وإعانة المحتاج، فهو أعم من الصدقة، فيكون قوله: {أَوْ إِصْلَاحٍ} من عطف الخاص على العام. {أَوْ} نجوى من أمر بـ {إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} عند وقوع المشاحنة والمعاداة بينهم، من غير مجاوزة حدود الشرع في ذلك.
والحكمة في تخصيص هذه الثلاثة بالذكر (2): أن عمل الخير المتعدي للناس، إما إيصال منفعة، أو دفع مضرة، المنفعة إما جسمانية وإليها الإشارة بقوله: {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ}، وإما روحانية وإليها الإشارة بقوله: {أَوْ مَعْرُوفٍ}، ودفع المضرة أشير إليه بقوله: {أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}، وإنما قال (3): {فِي كَثِير} لأن من النجوى ما يكون في الشؤون الخاصة، كالزراعة والتجارة مثلًا، فلا توصف بالشر، ولا مقصودة من الخير، وإنما المراد بالنجوى الكثيرة المنفي عنها الخير هي النجوى في شؤون الناس، ومن ثم استثنى منها الأشياء الثلاثة التي هي جماع الخير للناس. والكتاب الحكيم يجعل النجوى مظنة الإثم والشر، ومن ثم خاطب الله المؤمنين بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. والسر في كون النجوى مظنة الشر في الأكثر أن العادة قد جرت بحب إظهار الخير، والتحدث به في الملأ، وأن الشر والإثم هو الذي يذكر في السر والنجوى، وفي الأثر: “الإثم ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس”. وقد استثنى الله سبحانه وتعالى من النجوى التي لا خير في أكثرها أمورًا ثلاثة؛ لأن خيريتها أو كمالها تتوقف على الكتمان، وجعل التعاون عليها سرًّا والحديث فيها نجوى.
قال في النجوى صاحب تفسير المنار رحمه الله :
الْأَقْوَالِ مَا لَا يُرْضِي رَبَّهُمْ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ، وَالنَّجْوَى: مَصْدَرٌ أَوِ اسْمُ مَصْدَرٍ وَمَعْنَاهُ الْمُسَارَّةُ بِالْحَدِيثِ قِيلَ: أَصْلُهُ مِنَ النَّجْوَةِ، وَهِيَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ عَمَّا حَوْلَهُ بِحَيْثُ يَنْفَرِدُ مَنْ فِيهِ عَمَّنْ دُونَهُ، وَقِيلَ: مِنَ النَّجَاةِ، كَأَنَّهُ نَجَا بِسِرِّهِ مِمَّنْ يَحْذَرُ اطِّلَاعَهُمْ عَلَيْهِ، وَيُوصَفُ بِهِ فَيُقَالُ: قَوْمٌ نَجْوَى وَرَجُلَانِ نَجْوَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ – تَعَالَى – فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى (17: 47) ، وَمِنَ اسْتِعْمَالِهِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ – تَعَالَى -: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ (58: 7) ، وَقَوْلُهُ: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى، وَأَجَازَ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا أَنْ تَكُونَ النَّجْوَى بِمَعْنَى الْمُتَنَاجِينَ أَيْ: الْمُتَسَارِّينَ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَنَاجِينَ الَّذِينَ يُسِرُّونَ الْحَدِيثَ مِنْ جَمَاعَةِ طُعْمَةَ الَّذِينَ أَرَادُوا مُسَاعَدَتَهُ عَلَى اتِّهَامِ الْيَهُودِيِّ وَبَهْتِهِ وَمِنْ سَائِرِ النَّاسِ إِلَّا مَنْ أَمَرَ مِنْهُمْ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ مَجَامِعُ الْخَيْرَاتِ الَّتِي يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى النَّجْوَى، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا عَلَى ظَاهِرِ قَوَاعِدِ النَّحْوِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّجْوَى هُنَا بِمَعْنَى التَّنَاجِي، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ، أَيْ: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ تَنَاجِي هَؤُلَاءِ النَّاسِ، وَلَكِنَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، فَذَلِكَ هُوَ الْخَيْرُ الَّذِي يَكُونُ فِي نَجْوَاهُ الْخَيْرُ، وَإِلَّا فَإِنَّهُمْ يُقَدِّرُونَ لِلْإِعْرَابِ مُضَافًا مَحْذُوفًا، وَالتَّقْدِيرُ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا نَجْوَى مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ إِلَخْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي تَفْسِيرِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ (2: 177) ، مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَرَأَيُ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِيهِ [فَلْيُرَاجَعْ فِي ص 90 وَمَا بَعْدَهَا فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ ط الْهَيْئَةِ الْمِصْرِيَّةِ الْعَامَّةِ لِلْكِتَابِ] .
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ هُنَا: إِنَّ الْكَلَامَ فِي الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ وَيَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ، وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمُ الشَّرُّ، فَهُوَ الَّذِي يَجْرِي فِي نَجْوَاهُمْ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ هَمِّهِمْ وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ الِاسْتِثْنَاءِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ النُّكْتَةَ فِي ذِكْرِ الْكَثِيرِ هُنَا هُوَ أَنَّ مِنَ النَّجْوَى مَا يَكُونُ فِي الشُّئُونِ الْخَاصَّةِ كَالزِّرَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ مَثَلًا فَلَا تُوصَفُ بِالشَّرِّ، وَلَا هِيَ مُرَادَةٌ مِنَ الْخَيْرِ.
قال صاحب التفسير القرآني للقرآن في ذلك :
النجوى، هنا، هي النجوى المعهودة من المنافقين، وليست مطلق النجوى، فالحرف «ال» هنا للعهد، حيث النجوى التي أشار إليها سبحانه بقوله:
«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى.. الآية» أي أن هذه النجوى التي يتناجى بها المنافقون، هي من تدبير الشيطان وكيده للمؤمنين، إذ يتخذ من هؤلاء المنافقين سلاحا يحارب به المؤمنين، حيث يجمع المنافقين على هذه المجالس الآثمة، فيتناجون فيما بينهم، ويتهامسون ويتغامزون على ملأ من المؤمنين، فيخيل للمؤمنين أن القوم يدبرون لهم كيدا، أو يظهرون بهم شماتة لأحداث يحيّلون للمؤمنين بهذه المناجاة أنها وقعت، ولم يعلمها المؤمنون بعد، أو لأحداث ستقع لم يكن عند المؤمنين حساب لها.. وهكذا نحدث هذه النجوى بلبلة واضطرابا فى نفوس المؤمنين، فتذهب بهم الظنون كل مذهب، وتتداعى عليهم دواعي الضيق والحزن، ويشتمل عليهم ضباب كثيف، مما تتلمظ به هذه الشفاء الآثمة. من منكرات، وما تتغامز به العيون الزائغة من نظرات وإشارات..
وقوله تعالى: «وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» أي أن الشيطان لن يضر المؤمنين بهذا الكيد الذي يكيده لهم، وأن ما قد يقع للمؤمنين من ضر فهو مما قدره الله لهم، وشاءه فيهم. وقد يجىء هذا الضرر عن طريق الشيطان أو غيره، ولكن لا الشيطان ولا غيره بمستطيع أن يضر أحدا إلا من شاء الله له هذا الضر.
وفي كتاب شرح العقيدة الواسطية للحازمي يقول :
و({نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ}) هذا فاعل، ({مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ}) النجوى هي الإسرار، يقال: قومٌ نجوى.أي ذَوُ نجوى، أو ذُو نجوى لا إشكال، وهي مصدر ويجوز أن تطلق النجوى على الأشخاص المتناجين، يعني كما قلنا التقوى والمتقين، النجوى قد تُطلق ويراد به المعنى المصدري كالتقوى، وقد تُطلق ويراد به كالمتقين يعني الأشخاص، إما أن يراد به النجوى التي هي الإسرار المعنى المصدر، وهي مصدر حينئذٍ، وإما أن يراد بها المتناجين يعني الأشخاص وهو المراد هنا، حينئذٍ ({مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ}) ما يكون من ثلاثة متناجين، أشخاص عددهم ثلاثة، فحينئذٍ يجوز أن تطلق النجوى على الأشخاص المتناجين، فتطلق النجوى مصدرًا بمعنى الإسرار، أو على حذف مضاف هكذا قال الشوكاني في ((الفتح القدير)) أو على حذف مضاف ذُو نجوى، أو ذَوُ نجوى يعني بالإفراد والجمع وكلاهما جائز، أو على الأشخاص المتناجين، فعلى الوجه الأول الذي هو ماذا؟ كونه مصدرًا حينئذٍ يكون انخفاض ثلاثة بإضافة نجوى إليه ما يكون من ثلاثة نجوى مضاف ومضاف إليه على كونه مصدرًا، ({مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ})، ({نَّجْوَى}) مضاف و ({ثَلَاثَةٍ}) مضاف إليه، وعلى الوجهين الآخرين متناجين أو ذُو نجوى حينئذٍ يكون انخفاضها على البدل من نجوى، أو الصفة لها. قال الفراء: ({ثَلَاثَةٍ}) نعت للنجوى. ({مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ}) هو الذي لا يظهر هنا تطبيق المثال لأن النجوى هذا مقصور يعني لا تظهر عليه الحركة ({مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ}) موصوف وصفته، قال الفراء: ثلاثة نعت للنجوى فانخفضت، وإن شئت أضفت نجوى إليها. يعني جَوَّز الوجهين، ورجح الأول على كلٍّ يحمل هنا المعنى ({مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ}) أي متناجين، لأن المراد هنا الأشخاص، الله تعالى ليس مع الأوصاف كما قلنا: ليس مع التقوى، وإنما مع أصحاب التقوى، وليس مع الإحسان، وإنما مع المحسنين، كذلك ليس مع الإسرار وإنما مع أصحاب الإسرار.
الخلاصة :
لم نقع على ما يبين الفرق بين السر والنجوى ، وفي أغلب المصادر والآراء بالترادف بين السر والنجوى في حين أن النجوى تختلف عن السر في مادة النجوى كما تقدم ، فالسر أعمّ ويشمل كل ما خفي بين اثنين أو أكثر ، بينما النجوى متعلقة بما خفي عن الغائب المذكور في النجوى ولا يشترط أن تكون سرّاً ، ولكنها عن الغائب المذكور سرية وإلا فلا تسمى نجوى فليس كل سرٍّ نجوىً ، وليست كل نجوى سرّ .

والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد.

مفهوم #الطاعة والإكراه في #القرآن الكريم

امتداد لموضوع : ظِلاَلُ السَّاجِدِيْنْ

الفيديو منشور بالقناة التابعة للمدونة على الرابط :

مفهوم الطاعة والإكراه في #القرآن_الكريم ، #تفسير #طوعا_وكرها.

الفرق بين الحُزْنِ والحَزَنْ في القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .

لا شك أن مفردات الكتاب الحكيم تتميز بالتفرد والخصوصية ، فلا يمكن أن تستعمل مفردة محل أخرى وتعطي المعنى ذاته بل إن كل كلمة لها معناها الذي لا يؤديه سواها في هذا الموضع ، ولذلك كان النص القرآني شديد الإحكام لدرجة لا يمكن العبث بمفرداته واستبدالها ونجد كل مفردة تحمل معنى دقيق للغاية يلائم موضعها ايما ملائمة ، ولو تتبعنا مثلاً مفردتي الحُزْنْ والحَزَنْ في القرآن الكريم لرأينا أن لكل منهما تعريف ينطبق على مواضعهما في كتاب الله فنقول وبالله التوفيق لتعريف المفردتين وبيان دلالاتيهما :

الحَزَنْ: الحَسْرَةُ وَالنَّدمْ عَلى فَوَاتِ الحَاجَة. وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بالماضي وهو ضِيْقٌ مِنْ أمْرٍ فَاتَ وَانْتَهَى وَلمَ يعُدْ بالإمكان اسْتِدْرَاكُه.
الحُزْنْ: هُوَ الخَوْفُ المُتَرَافِقُ بشعورٍ أقربُ لليَأْسِ مِنَه إلى الفَرَجْ. وَهُوَ مُتعلقٌ بضيقٍ حاضرٍ أو مستقبل وخَطَر ٍ مُلِمّ لا يَبْدُوْ (لِلْمَحْزُوْنِ) فِيْهِ مَهْرَبْ وَلاِ مِنْهُ مَفَرّْ.

والآن نتتبع مواضع المفردتين في السياق القرآني لنرى هل تتفق المفاهيم التي ذكرناها مع السياق الكريم أم لا :

أولاً : الحَزَنْ
قلنا ان الحَزَنْ هو الحَسْرَةُ وَالنَّدمْ عَلى فَوَاتِ الحَاجَة. وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بالماضي وهو ضِيْقٌ مِنْ أمْرٍ فَاتَ وَانْتَهَى وَلمَ يعُدْ بالإمكان اسْتِدْرَاكُه ، وفيما يلي نستقرئ مواضع المفردة في القرآن الكريم :
يقول الحق سبحانه وتعالى:
{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ } [التوبة:92]

فالحَزَنُ هنا هو فوات ما تعلقت به أنفسهم لضيق ذات اليد وانعدام دابة تحملهم للقتال فنجد المعنى هنا متحقق وهو الحسرة والندم على فوات الحاجة ، والضيق من أمر فائت عليهم وانتهى ولم يعد بالإمكان استدراكه.

{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص:8]

فسيناصبهم العداء ردحاً من الزمن وتنتهي عداوته لهم بفقدانهم لملكهم حتى يصيبهم (الحَزَن) والحسرة على ضياع ملكهم وفواته واستحالة استدراكه وإعادته.

{وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر:34]

وهنا الحديث على لسان أهل الجنة ، فهم لا يشعرون مع ما لديهم من النعيم بالحزن على فوات ملك الدنيا وزخرفها ولا يتحسرون على ما كان لهم فيها لأن حالهم في الجنة لا يقارن بحالهم في الدنيا أياً كان حالهم ، بينما في الدنيا تجد من الأثرياء من يتحسر على أيامٍ مضت قبل ثراءه إما على أهله أو أصدقاءه أو صحته وقوته أو على راحة باله وانعدام الهم في نفسه ولكن أهل الجنة لا يخالجهم هذا الشعور ولا يشتاقون أو يندمون على شيء من أحوال الدنيا وحطامها فيحمدون الله أن اذهب عنهم (الحَزَن) وأحلهم دار المقامة التي تتميز عن دار الزوال وتفوقها نعيما وجزاءاً.

{إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران:153]

فالمراد هنا في قوله تعالى (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا) من (الحَزَن) وهو الحسرة على فوات الغنائم وذهاب النصر وما وقع عليكم من قتل وأذى.

{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139]

لا تضعفوا وتتحسروا على ما فاتكم من النصر فأنتم برغم ما حدث الأعلون ما استقر الإيمان في قلوبكم، وكان ذلك في سياق التثبيت للمؤمنين لما اصابهم في أحد ، ففي السياق : (إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140)وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142)وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) آل عمران (143)

ثانياً : الحُزْنْ

قلنا أن الحُزْنْ: هُوَ الخَوْفُ المُتَرَافِقُ بِاليَأْسِ مِنَ الفَرَجْ. وَهُوَ مُتعلقٌ بضيقٍ حاضرٍ وخَطَر ٍ مُلِمّ لا يَبْدُوْ فِيْهِ مَهْرَبْ وَلاِ مِنْهُ مَفَرّ، سننتقي بعض المواضع التي تتميز عن سواها ونكتفي بموضع أو موضعين من المتشابه.

{ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة:38]

لا خوف عليهم (أي) متبعي الهدى: من سواهم ممن يغتم لأمرهم ويهتم بحالهم ، ولاهم يحزنون : ولا يقع الحُزْن في أنفسهم وهو الخوف المترافق مع باليأس من الفرج والأظهر أنه حال الوقوف في الحساب ، فأهل الكفر والعصيان ممن لم يتبع الهدى فإنه يدخلهم الخوف الشديد المترافق من اليأس لانقطاع الأمل في التوبة والعودة للدنيا لتعويض ما قد فاتهم من عمل ، وحين يتذكرون حربهم على الله ورسوله وكفرهم بآياته والنار أمامهم يدخلهم الخوف الشديد من مصيرهم ويدركون أنه لا منجا لهم ولا مهرب وهذا هو الحُزن.

وهذه الصيغة من نفي الحزن متكررة في أربع عشرة آية من كتاب الله فسأكتفي بما ورد أعلاه وننتقل لصيغة أخرى .

{ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [آل عمران:176]

أي لا تخشى ولا تيأس يا محمد من المنافقين الذين اشتروا الكفر بالإيمان فالدين محفوظ ولن يثلبه نفاقهم وسوء صنيعهم ، فكان النهي عن الحزن الذي هو الخوف على دين الله مصحوباً بيأس ، ولا شك أن النبي في أول الدعوة كان معه رجال أشداء وضده كفار صناديد ، ولكن دخول فئة مستجدة تحمل العداوة في ثوب الإيمان لا شك أنه يجعل المرء تدخله الخشية مما سينال دين الله على أيديهم فالنخر في صميم الدين من داخله أشد خطراً من عداوة الكفار الظاهرة ، فطمأن الله نبيه بأنهم لن يتمكنوا من الدين ما يفعلونه لا يدعوا للخوف الشديد المشوب باليأس.

{ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ } [يوسف:13]

إني أخشى على يوسف وأيأس من عودته إن أنتم ذهبتم به فهو لا يتحدث عن الماضي بل عن الحاضر والمستقبل وهي سمة الحُزْن التي تميزها عن الحَزَن ، وأكد ذلك بقوله (َأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) فيتحقق اليأس من عودته لي ، فنرى هنا بأن المعنى متحقق في هذا الموضع بوضوح.

{ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } [يوسف:84]

فالأسى على يوسف ظاهر في قوله (يا أسفى على يوسف) والخوف عليه فكيف وقد ذهب أخاه أيضاً ؟ فهو خوف عظيم فلا هما ميتان فيعلم حالهم والأخطار التي قد تحيق بهما ولا محلهما معلوم فيطمئن عليهما فتختلط المشاعر بين الخوف واليأس فإن كان له أمل في رجعة يوسف من قبل فإن ذهاب أخيه أيضاً قتل في قلبه هذا الامل ، ولكن أنبياء الله والمؤمنين عامة تتراوح حالتهم بين اليأس والأمل.

{ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [يوسف:86]

لا أبدي تأوهي ويأسي وخوفي على يوسف وأخيه إلا لله وليس إليكم ، وأعلم أن الله مجيبٌ لدعائي له فيما وقع حكمة.

{ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ } [النحل:127]

ولما كانت وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الناس وهدايتهم بأمر الله إلى الإيمان واستنقاذهم من النار ، فعن بريدة بن الحصيب الأسلمي قال : خَرَجَ إلينا النَّبيُّ ﷺ يَومًا فنادى ثلاثَ مِرارٍ، فقال: أيُّها النّاسُ، تَدْرونَ ما مَثَلي ومَثَلُكم؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلَمُ، قال: إنَّما مَثَلي ومَثَلُكم مَثَلُ قَومٍ خافوا عَدُوًّا يَأتيهم، فبَعَثوا رَجُلًا يَتراءى لهم، فبيْنَما هم كذلك أبصَرَ العَدُوَّ، فأقبَلَ لِيُنذِرَهم، وخَشِيَ أنْ يُدرِكَه العَدُوُّ قَبلَ أنْ يُنذِرَ قَومَه، فأهْوى بثَوبِه: أيُّها النّاسُ أُتيتُم، أيُّها النّاسُ أُتيتُم. ثلاثَ مرارٍ.[1]

وعن أبي هريرة قال : قال صلى الله عليه وسلم : مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نارًا، فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَها جَعَلَ الفَراشُ وهذِه الدَّوابُّ الَّتي في النّارِ يَقَعْنَ فيها، وجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فيها، قالَ: فَذَلِكُمْ مَثَلِي ومَثَلُكُمْ، أنا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَنِ النّارِ، هَلُمَّ عَنِ النّارِ، هَلُمَّ عَنِ النّارِ فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فيها.[2]

فالنبي صلى الله عليه وسلم يخشى عليهم النار وتزداد خشيته حينما يرى عنادهم واستكبارهم وهم لا يعلمون ما يحمله في قلبه لهم من محبة هدايتهم وكراهة مشاهدتهم ينحطمون في جهنم لما حمله في قلبه من عطف ولين وخير ، ومصداق ذلك قوله تعالى : }أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } [فاطر:8] فعلم سبحانه ما يحمله نبيه صلى الله عليه وسلم من حزن (خوف شديد عليهم من مصيرهم في الآخرة ويأس من هدايتهم لما يراه من صدود عن سبيل الله وعداوة لدين الله).

{ فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا } [مريم:24]

فمريم مع حملها ووضعها من غير زوج تشعر بالخوف الشديد مما حصل واليأس من تصديقها بأنها لم ترتكب الفاحشة ، وكان حالها مما يدعو لليأس من تصديقهم لها ولا تعلم مصيرها وقومها لو أقاموا عليها الحد لقتلوها ، فيطمئنها ويسليها جبريل عليه السلام وينهاها عن هذا الحُزْن .

{ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } [القصص:7]

وحال أم موسى من أظهر ما يبين المعنى فيقول تعالى فإذا خفتِ عليه : أي أدركتي أن جنود فرعون سيصلون إليه ووقع في قلبك الخوف من ذلك فألقيه في اليم ، ( ولا تخافي) على نفسك مما فعلتي (ولا تحزني) أي لا تخشي على وليدك الرضيع المكاره مع يأسٍ من عودته إليك ، فإنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ، ثم عندما رد الله إليها موسى قال تعالى : { فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [القصص:13] فقرار العين توقفها عن التحرك المستمر والبحث والتوجس مما يبين اضطراب النفس واشتعال الفؤاد.

{ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ } [العنكبوت:33]

أساءه مجيء الأنبياء وأدرك ان الإمهال انتهى وعذاب الله واقع لا محالة فيأس من نجاتهم واجتمع في قلبه الخوف مما سيقع والإدراك بأن ما سيحصل من عذاب لا مرد له من الله ، فنهاه عن الخوف (على نفسه) والحزن على قومه (أي الخوف بياس من نجاتهم ، وطمأنه بأن الله سينجيه وأهله واستثنى منهم امرأته.

{ إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } [المجادلة:10]

فمناجاة المنافقين والمسارّة فيما بينهم في الحديث يوحي الشيطان عند رؤية ذلك بوجود مؤامرة على الدين ، ولما كانوا برابطتهم الوثيقة مع اليهود والذين أشركوا يأتمرون على دين الله فإن بعض المؤمنين يخشون من وقوع مكروه جراء ما يمكره أولئك ويحيكونه ضد الدين ، فينهاهم الله عن الخوف المشوب باليأس وأن ذلك من الشيطان ليشعرهم بقوة المنافقين ومن ظاهرهم على أهل الإسلام ولكن لن يقع لكم من الضرر شيئاً إلا ما يأذن الله بوقوعه.

سياقات استعمال المفردتين بصيغها المختلفة :
إن توظيف المفردتين في السياق اللغوي كإسم معرَّف (الحُزْن) و (الحَزَن) أو غير معرفتين (حُزْن) و (حَزَن) يحدد فهم الجملة ، فعند استعمال الحُزْن نعرف أن المراد هو يأس وخوف من المستقبل ، وعند استعمال الحَزَن علمنا أنه يأس وحسرة على الماضي ولكن عند استعمال الفعل فكيف يمكننا تتمييز أي المفردتين أريد ذكرها ، كقوله (تحزنون) ، (يحزن) ، (يحزنون) .
نقول أن السياق هو السبيل لمعرفة المراد فإن كان الحديث عن حدث مستقبلي علمنا أن المراد هو (الحُزْن) أما إن كان الفعل في سياق الحديث عن الماضي فيكون المراد (الحَزَن) كخطابه تعالى لأم موسى بقوله (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَاتَحْزَنِي) يتبين بأن المراد هو (الحُزْن) لأنه ينهاها عن فعل مستقبلي ، وفي موضع آخر يقول تعالى (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ) فتبين بأن الحديث هنا عن (الحَزَن) لأنه يتحدث عن النهي فيما يتعلق بحدثٍ ماضٍ.
والسؤال هل يمكن أن تَرِد المفردة في حال الابهام وتحمل معنى مزدوج فتشير إلى (الحُزْن) و (الحَزَن) في وقت واحد ؟؟
نعم وذلك لأهل الإيمان في الآخرة فقط .. فالبشارة للمؤمنين في الآخرة تشير لانتفاء (الحُزْن) و (الحَزَن) بصيغة الفعل كقوله تعالى :
{بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:112]
فالمعنى هنا يشير لانتفاء (الحُزْن) و (الحَزَن) في كل أحواله عن أهل الجنة فلا هم يائسين متحسرين على ما فاتهم من دنياهم ، ولا خائفين يائسين من النجاة فتحمل مفردتي الحزن على كل معانيها في تلك الحالة والله تعالى أعلم

نكتفي بهذه النماذج من المفردتين ونرجو من الله جل وعلا أن يؤتينا أجر اجتهادنا ويغفر لنا إن جاوزنا الصواب إنه على كل شيء قدير وصلى اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمدلله رب العالمين.

[1] شعيب الأرنؤوط (١٤٣٨ هـ)، تخريج المسند ٢٢٩٤٨ • صحيح لغيره
[2] مسلم (٢٦١ هـ)، صحيح مسلم ٢٢٨٤ • [صحيح] • شرح رواية أخرى

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (14)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (14)

الشعبة الثالثة عشرة

ولاية المؤمنين والبراءة من الكافرين.

إن محبة المؤمنين وموالاتهم والنصح لهم دليل إيمان العبد ، ذلك أن المشترك الاعتقادي بين المؤمنين يفرض عليهم مودتهم تجسيد شعب الإيمان فيهم من إكرام وإطعام وشفقة ونحو ذلك.

{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة:71]

وبالمقابل فإن المؤمنين محبين لله متشوقين إليه مشفقين من عذابه وأعداء الله أعداء لأولئك المؤمنين ، فينبغي بغض ما هم عليه من ضلال ومقاومة عداوتهم لله وللمؤمنين ،البراءة منهم لأن من فعل ذلك فقد خلع ربقة الإيمان.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } [الممتحنة:1]

 

ناقضها:

تولي الكافرين من دون المؤمنين ، والمنافقين عديمي الإيمان ولا يعتقدون بقدرة الله على النصر ولا يثقون بالمؤمنين فضلا عن أن المؤمنين بالنسبة لهم أعداء المنهج للمنافقين، وتوعدهم ربنا جل جلاله بالعذاب الأليم.

بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)

 

 الشعبة الرابعة عشرة

الوفاء بالعهد.

إن العهد مما يلتزم العبد بإنفاذه ، وقد يقطع العبد على نفسه عهداً فيبدو له غير ما عاهد به ، أو يرى أن فيه ما يؤذيه أو لا يجلب نفعا إليه فينكث عهده وينكره ، وهذا النكران من صفات اليهود والمنافقين ، وكلا الفريقين يحملان ذات الصفة ، وقد عدَّ الله تعالى الوفاء بالعهود من صفات المؤمنين وذلك في سورة أسميت (المؤمنون) لافتتاحها بأبرز شعب الإيمان وصفات المؤمنين ، ومنها الآية التالية التي تكررت بذات الرسم في سورة المعارج أيضاً:

{ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } [المؤمنون:8] .

 والعهد كلمة قد تقال باللسان وليس عليها شاهد ولا وكيل، ولكنها ملزمة لمن عاهد بها فنسب الله تعالى العهد إليه فأسماه (عهد الله) فالمعاهدة تشتمل على اليمين بالالتزام بالعهد فمن نقضها انتفى عنه الإيمان لأن المؤمن بالله حق الإيمان لا يمكن أن ينقض العهد وهو يعلم أنه جل وعلا مطلع على فعله الخبيث.

{ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } [النحل:91]

 إن الولاية على مال اليتيم من مغريات المنافقين وقليلي الايمان للعبث به وأكله بالباطل ، وولاية مال اليتيم عهد على من بيده الولاية فإن نقض هذا العهد فقد انتفى الإيمان عنه لذلك حث المؤمنين على الوفاء بالعهد بعمومه وبالأخص في حفظ مال اليتيم لما يترتب على هذا النقض من إفساد لحياته واستغلال لضعفه عن طلب حقه واستغلال عدم وجود والده للاستيلاء على ماله وقد يكبر ولا يعلم بما حدث لماله في صغره.

{ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا } [الإسراء:34]

  ومن الآثار والأحاديث النبوية في الوفاء بالعهد حديثٌ عن عبد الله بن أبي الحمسا رضي الله عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏بايعت النبي قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو في مكانه فقال يا فتى لقد شققت على أنا ههنا منذ ثلاث انتظرك‏)‏ رواه أبو داود في سننه

 عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتم‏)‏ رواه ابن حبان في صحيحه وكذا الحاكم في مستدركه وغيرهما وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال أخبرني أبو سفيان رضي الله عنه أن هرقل قال له سألتك ماذا يأمركم فزعمت ‏(‏أنه يأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة قال وهذه صفة نبي‏)‏ أخرجه البخاري

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا جمع الله بين الأولين والآخرين يوم القيامة، يُرفع لكلِّ غادرٍ لواءٌ، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان)) ينصب الله للغادر يوم القيامة لواءً فيفضحه الله على رؤوس الأشهاد.

ناقضها:

نقض العهد من أظهر علامات النفاق ، ويشترك اليهود والمنافقون في جمع من الصفات ومنها التقليل من شأن الله تعالى والاستهانة بإحاطته تعالى بخلقه وقدرته على محاسبة الناس على أفعالهم ، ومن تلك الصفات نقض العهد والميثاق يقول تعالى :

{ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [الرعد:25]

 

وبلا شك أن الوفاء بالعهد من صفات المؤمنين فيقتضي ذلك أن نقيض الوفاء بالعهد هو من صفات المنافقين يقول صلى الله عليه وسلم : ( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا : إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ). رواه البخاري

إن العهد في أصله لا يستشهد فيه بشاهد ، فهو بين المعاهِدِ والمعاهَد ولذلك كانت خيانة العهد استغلالا لغياب الشهود من أعظم الذنوب ومن أدل الأمور على حصول النفاق في القلب.

الشعبة الخامسة عشرة

أداء الأمانة

دليلها:

من صفات المؤمنين أداء الأمانة ، وتوافر الإيمان في قلب العبد يجعله مقراً بوجود الرقيب سبحانه على المؤتمَن ومراقبته تمنع المؤمن من مجرد التفكير في الخيانة ، والله تعالى يأمر بأداء الأمانة فيقول جل شأنه

{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } [النساء:58]

ويصف تعالى المؤمنين برعاية الأمانة:

{ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } [المعارج:32].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “ أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ

وأداء الأمانة بالتالي ليست بالمقابلة ولا الجزاء بل بالابتداء ، فلو خانك من أديت إليه الأمانة لم يجوِّز لك ذلك أن تخونه مما يدلنا على عظم الأمر .

ناقضها:

خيانة الأمانة وهي من شعب النفاق ، ودلائلها كثيرة منها عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : ” لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا ، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، يَظْهَرُ النِّفَاقُ ، وَتُرْفَعُ الأَمَانَةُ ، وَتُقْبَضُ الرَّحْمَةُ ، وَيُتَّهَمُ الأَمِينُ ، وَيُؤْتَمَنُ غَيْرُ الأَمِينِ ، أَنَاخَ بِكُمُ الشُّرْفُ الْجُونُ ، قَالُوا : وَمَا الشُّرْفُ الْجُونُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ” .

وكأنه فداه أبي وأمي يتحدث عن يومنا هذا ، فالنفاق ظهر والخيانة صارت معتادة ومرد ذلك إلى مراتب الدين المبتدعة.

عَنْ أبي هريرة ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “ إِذَا اتُّخِذَ الْفَيءُ دُوَلا ، وَالأَمَانَةُ مَغْنَمًا ، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا ، وَتُعُلِّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ وَأَطَاعُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَعَقَّ أُمَّهُ وَأَدْنَى صَدِيقَهُ وَأَقْصَى أَبَاهُ ، وَظَهَرَتِ الأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ ، وَظَهَرَتِ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ ، وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ ، وَلَعَنَ آخَرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ وَزَلْزَلَةً وَخَسْفًا وَمَسْخًا وَقَذْفًا ، وَآيَاتٍ تَتَابَعُ كَنِظَامٍ بَالٍ قُطِعَ سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ ” .

وكأنه يتحدث عن عصرنا هذا حيث ازدهر النفاق وكانت كل بلوى في الحديث نراها واقعاً في حياتنا هذه.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ) رواه البخاري (33) ومسلم (59)

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا : إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ) رواه البخاري (34) ومسلم (58

فكان فيما تقدم دلائل ساطعة على أن خيانة الأمانة شعبة من شعب النفاق.

 

يتبع

صفحة جديدة لقناة الموقع على اليوتيوب

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تم استحداث صفحة جديدة تشتمل على حلقات متنوعة من المفاهيم القرآنية يتم نشرها تباعاً عبر موقع يوتيوب ، مراعاة لعدم تمكن الكثير من القراءة وتفضيلهم للاستماع ، ونتطلع لتعزيز الحوار والنقاش في مواضيع تلك المقاطع ، وقد ابتدأنا بصفحة سِلْسِلَةُ حَقِيْقَةِ النَّفْسِ البَشَرِيَّة (فيديو) حيث جمعنا المواضيع المترابطة في سلسلة مترابطة من المواضيع .

أما عنوان قناة اليوتيوب ، فيمكن الوصول إليها عبر الرابط التالي :

قناة أوجه البيان في كلام الرحمن

نرحب بكم وبآرائكم واقتراحاتكم وتقبلوا خالص الدعاء وأطيب الأمنيات.

 

إدارة الموقع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (13)

الشعبة الثامنة

أن يكون رسول الله أحب إليه من أهله وولده والناس أجمعين باتباعه وإطاعته.

إن محبة النبي ﷺ تنشأ من الإيمان بالله فيحب المؤمن ما أتى من الله ومن أتى بأوامر الله وبذلك فإن حب النبي ﷺ برهان تحقق الإيمان ، فاتباعه ﷺ والاستنان بسنته تطبيق عملي على تحقق الإيمان ، يقول تعالى :

{ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [آل عمران:31]

والإيمان ينتفي عن العبد ما لم يكن النبي ﷺ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ، وهنا فإن هذا الحديث فاصل حاسم بين الإيمان وبين النفاق  ، ودليله في الحديث التالي :

عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)).

فمعيار الإيمان والنفاق هو مستوى محبة الله ورسوله مقابل محبة الدنيا بكل أثمانها وأموالها وشخاصها من أهل وولد فإن وجد الإنسان نفسه يفضل الركون لملكه وماله عن الجهاد في سبيل الله ، سواء قتالاً أو مقاومة للنفس لردعها عن الشهوات ، فمن لم يرجح حبه لله والرسول فأنت على شعبة من النفاق وتعد من ضمن الفاسقين.

{قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (24) التوبة

ناقضها:

إن رجحان حب الدنيا على حب الله ورسوله كافية لتصنيف المرء من أهل النفاق ، ولكن من أشد النفاق إيذاء النبي ﷺ بالانتقاص والإساءة ويدعي أنه من المسلمين.

{وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة التوبة، الآية: 61]

إيذاء الله والرسول بالسب والانتقاص يورث اللعن والطرد والابعاد من رحمة الله ، فكان كل ذلك مما يصنف المرء من أهل النفاق.

{ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا } [الأحزاب:57]

الشعبة التاسعة

طاعة أولي الأمر

لقد جعل الله ولاية الأمر في المجتمع الإسلامي صمام أمان للناس من نمو الفوضى وظهور الإجرام وتحقيق العدل وفرض حكم الله في الأرض ، فكانت طاعة ولي الأمر دليل من دلائل الإيمان والعصيان والفتنة من دلائل النفاق لما يترتب على ذلك من مفاسد عظيمة تنهار بسببها الأمم وتضيع الضروريات الخمس ويفتقد الأمن ، فكان ذلك من أشد شعب النفاق ضررا على الأمة والدولة ، وطاعة ولي الأمر هو وسيلة تحقيق استقرار المجتمع المؤمن وسلامة أعضاءه وأمنه ورفاهيته.

لقد أمر ربنا سبحانه وتعالى بنداء المؤمنين ودعوتهم إلى طاعة الله وطاعة الرسول وولاة الأمر ، فكان النداء الإيماني دليل انتماء هذا الأمر ومن يأتيه إلى شعب الإيمان ، وانتماء نقيضه بالضرورة لشعب النفاق وأهله ، يقول تعالى :

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [النساء:59]

ناقضها :

إن نشر الفتنة وتحريض العامة على العصيان والعدوان على الأبرياء ومنازعة الأمر أهم أسباب الفشل وذهاب القوة وحلول الفساد والخراب ، وإن كانت طاعة ولاة الأمر والمناجاة بالمعروف والإصلاح من شعب الإيمان وأسبابه فإن نقيضها هو من شعب النفاق وأسباب نشوئه في المجتمعات ، يقول تعالى :

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [المجادلة:8]

{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [آل عمران:132]

وقد وصف الله تعالى أولئك المفتنين من المنافقين المفرقين بين المؤمنين فقال تعالى:

{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } [التوبة:107]

فحملت هذه الآية الكريمة أظهر الأدلة على انتماء العصيان والفتنة لشعب النفاق.

الشعبة العاشرة

الصدق واجتناب الكذب

يقول تعالى :

{ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ } [يونس:2]

إن للمؤمنين قدم صدق عند ربهم ، والصدق شعبة من شعب الإيمان وناتج من نواتج اليقين بوجود الله ، فالمؤمن ينفر من الكذب ويفرق منه لعلمه وإيمانه بإن الكذب ولو خفي عن الناس فهو لا يخفى عن الله فالصدق قرين الإيمان.

يقول تعالى :

{ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا } [الأحزاب:8]

وهنا صورة من صور المقابلة بين الكافرين والصادقين ، فالصدق صنو الإيمان ورديفه والكذب صنو الكفر والنفاق.

{ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } [الزمر:33]

فأثبت الله الصدق للمتقين ، وهم من يأتي الطاعات ويتجنب المحرمات اتقاء عذاب الله وغضبه واشفاقا من سخط الرحمن ، فوجب أن يتلازم الإيمان بالصدق بالتقوى وذلك هو الإحسان وكمال الإسلام.

{ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}  (17) آل عمران

إن المقرين بالإيمان يتوسلون بإيمانهم لنيل المغفرة ويسألون ربهم الوقاية من العذاب فوصفهم الله تعالى بالصبر والصدق والقنوت والبذل وكثرة التوبة والاستغفار ولكن طلب المغفرة يكون في خلوة بينهم وبين خالقهم في وقت السحر فلا رياء ولا نفاق بل انقطاع عن الدنيا واتصال بالله بإيمان ويقين.

{ قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [المائدة:119]

وهذه الآية الكريمة من مثاني قوله تعالى (ليسأل الصادقين عن صدقهم الآية) فهو جل وعلا يسأل أهل الصدق و الإيمان عما يقال فيهم في الدنيا وما ينسب إليهم – وهو تعالى أعلم- ولكنه يستنطقهم أمام الأشهاد ليثبت افتراء المفترين عليهم ، كما هو الحال مع نبي الله عيسى إذ يقوم أمام الأشهاد مكذبا من يدعي أنه قال بألوهيته أو بنوته لله تعالى عن ذلك ، فتقوم الحجة بذلك على المفترين.

ناقضها:

الكذب نقيض الصدق ، وبالتالي هو نقيض الإيمان ، وأشد الناس كذبا هم أهل النفاق وحياتهم مغلفة بالدين يظهرون الطاعة ويتلبسون بلبوس العمل لإيهام الناس بأنهم من أهل الإيمان ، وهم في حقيقتهم لا يؤمنون ، يقول تعالى :

{ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ } [النحل:105]

ويشترك الكفار والمشركين مع أهل النفاق في تمكن الكذب من قلوبهم وانتفاء الإيمان عنهم ، فيدعون لله شركاء ويعيدون معه ما لا يكافئه ولا يستحق العبادة فكان أسوأ الكذب وأشده ضررا بصاحبه.

والكذب شعبة من شعب النفاق ، لذلك كان من علامات النفاق ، قال رسول الله ﷺ : ( آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ) فكان الكذب أس البلاء عند المنافقين لأن النفاق يقوم أصله على الكذب ، ثم يجر بقية الخصال الخبيثة  ، فيصفهم الله بكذبهم فيقول تعالى: { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } [البقرة:10]

والنفاق نقيض الصدق بلا ريب فالله تعالى يقول :

{لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) [الأحزاب]

وفي الأثر الموقوف عن ابن مسعود رضي الله عنه : (الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ ) وما ذلك إلا لأن حديث الغناء والشعر جله كذب ، واليوم لمّا اختلطت المفاهيم وغابت حقائق الإيمان وحقائق النفاق تحت مفهوم مراتب الدين المبتدعة استمرأ الناس الكذب واستمرأوا الشعر والغناء ولم يعودوا ينكرون كذبه وهزله فاستوى الإيمان والنفاق في أذهانهم .

إننا في العصر الحاضر نرى الكذب في كل مكان حتى أصبح مستساغاً لا يتنزه منه أحد ، وأصبح يدخل في كل حديث ، بل تجد أن هناك من الدعاة من يتناقل القصص المكذوبة بلا تحري لمصدرها ولا تأكد من صدقها، وأعتقد أن تربية المجتمعات بأسرها على مراتب الدين بصورتها التي ندعو لنقضها اليوم كانت هي التي مررت هذا التمييع لمسالة النفاق وما يتبع لها من شعب وخصال ذميمة وعلى رأسها الكذب ، والله المستعان.

ولن ينحسر مدّ الكذب والتزييف الجارف والنفاق الذي يجتاح حياتنا ومجتمعاتنا ، صغارنا وكبارنا ، صالحينا و مصلحينا إلا بوقفة حقيقية لنقض مراتب الدين وتصحيح هذا المفهوم و سنحتاج لأجيال وجهود إصلاحية حثيثة للقضاء على هذه الآفات القاتلة لجسد الأمة.

الشعبة الحادية عشرة

الهجرة والقتال

القتال في سبيل الله من أعظم دلائل الإيمان ، فالنفس من أنفس ما يملك المرء ، فإن بذلها في سبيل الله تعالى وإيمانا وتصديقاً بوعده وخشية من وعيده فقد أتى أعظم الأعمال وأجلها ، ذلك إن كان هذا القتال على ما تقتضيه ضوابط الشريعة المطهرة.

إن الجهاد جهادين ، والهجرة هجرتين ، فالجهاد الأول مقاومة نزوات النفس وشهواتها ، والجهاد الثاني هو مقاومة أعداء الدين بالسيف واللسان وبكل وسيلة مشروعة لمنعهم من الإضرار بالدين وإيقاف مسير الدعوة ، والهجرة الأولى نبذ أهل الباطل واعتزالهم ، وترك الشهوات والعقائد الفاسدة وهجرها ، والهجرة الثانية بالانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان ، يقول تعالى :

{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [الأنفال:74]

ومن واقع الآية السابقة فإن الجهاد والهجرة والإيواء والنصر تتطلب تحقق الإيمان ، فإن تحقق الإيمان كان فعلهم تحقيقاً لهذا الإيمان وإثباتاً لصدقه وصفاءه.

{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الأنفال:72]

ناقضها:

القعود والتولي يوم الزحف نقيض الهجرة والقتال، فخشيتهم على أنفسهم مرده غياب الإيمان عن قلوبهم وتمسكهم بالحياة الدنيا والمال والولد وكراهة لقاء العدو والخوف الشديد من القتال لتمكن النفاق في قلوبهم ، ففي كان القتال والهجرة من علامات الإيمان وشعبه فإن القعود من علامات النفاق وشعبه ، يقول تعالى :

{ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } [آل عمران:167]

ويقول جل شأنه في بيان فرارهم وتوليهم يوم الزحف :

{وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا}    (13) الأحزاب

وبذلك كان القعود عن القتال والهجرة من شعب النفاق وعلاماته لمناقضتها شعبة من شعب الإيمان .

الشعبة الثانية عشرة

الدعوة

إن المؤمن يسعى لإنقاذ الناس من مصير السوء والموت على الضلال والكفر ، فتراه يدعو إلى الله سعياً في رضاه وتنفيذاً لأمره جل جلاله وأمر نبيه وامتثالاً لواجب المسلم وإشفاقاً على الناس  ، وهذا من ثمرات إيمانه بالله بلا شك ، يقول تعالى :

{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ   صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت:33]

والمجتمع المسلم يجب أن يقوم منه من يسعى للدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإذا قام كل فرد مؤمن بواجبه بالدعوة والموعظة الحسنة مستهدفاً من هم خارج دائرة الإيمان والإسلام من ونشر الإيمان بالله وفي ذلك الفلاح يوم القيامة.

{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آل عمران:104]

ناقضها:

الصد عن سبيل الله ، فطالما غاب الإيمان عن النفس واستوطن النفاق فلن يسعى المنافق لهداية الناس لأن الهداية غائبة عن قلبه ، والمنافق تراه دوما يحمل من القيم والمبادئ ما يناقض بها قيم المؤمنين ومبادئها وأهم مبادئ الدين هي الدعوة فكيف يدعو لما لا يؤمن به أصلا .

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا } [النساء:61]

{ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [المنافقون:2]

أي جعلوا يمينهم الكاذب بقولهم (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) جُنَّة يتقون منكم بها ، ثم بدأوا يصدون عن سبيل الله يحرفون الناس عن الحق والإيمان.

 

يتبع …

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (12)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (12)

شجرة الإيمان وشعبها ، وشجرة النفاق وشعبها

سبق القول بأن الإيمان بذرة خفية تنمو وتثمر فتكون شجرة شعبها هي أعمال الإسلام (افعال الجوارح) وعلى ضوء ذلك جهدت في البحث عن تلك الشعب التي تفوق السبعين شعبة ولا يعلم عوام المسلمين منها سوى ثلاث شعب ، وقد اجتهد بعض العلماء في استظهار عدد من الشعب ، نسبها لشعب الإيمان.

ولابد ان يستقر لدينا أن هذه الشعب كلما انتفى منها شيء عند المرء نسب إلى أهل النفاق ، يقول صلى الله عليه وسلم في (حديث مرفوع) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السُّلَيْطِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : “ لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ ” إذاً فالطعن واللعن والفحش البذاءة إنما هي شعب من شعب النفاق استدلالا بقول النبي صلى الله عليه وسلم حيث نفى الإيمان عنهم فلزم أن يكونون من أهل النفاق.

لقد استحضرت في هذا البحث استنطاق النص القرآني والحديث الشريف ، ففي كل حديث يصف المؤمنين بصفة أو يحذرهم من عمل تقرر ذلك الأمر بأنه شعبة من شعب الإيمان وما انتفت ونقضت إلا كانت شعبة من شعب النفاق ، وفيما يلي سنستظهر شعب الإيمان وما يناقضها من شعب النفاق فنقول بعون الله :

 الشعبة الأولى

شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

 دلائلها :

قوله تعالى : { ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [الأنعام:102] ، فأمر بعبادته لمن آمن به واحداً أحداً.

وقوله تعالى : { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [طه:14]

فأمر بالعبادة التي تلي الإيمان بالله واليقين بوحدانيته فبدون توحيد لا تقبل عبادة وبدون إيمان سابق بمنطوق الشهادتين فإنها لا تقبل.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ – شُعْبَةً، أَعْلَاهَا: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمان» . متفق عليه.

ناقضها :

وينقض هذه الشعبة ويحيلها من شعبة إيمان إلى شعبة من شعب النفاق نطق الشهادة باللسان فحسب دون الاعتقاد بالقلب فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فتكون حينئذٍ شعبة من شعب النفاق ، يقول الحق تبارك وتعالى :

{ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } [المنافقون:1]  فهم اقروا بالشهادة بألسنتهم ، أما قلوبهم فتخلوا من حقيقة هذه الشهادة وهم فيما شهدوا به كاذبين.

 

الشعبة الثانية

إقامة الصلاة بخشوع والمحافظة عليها.

دلائلها :

يقول تعالى : (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  (3) [البقرة] ، فعرف تعالى المتقين بمن اجتمع في قلوبهم الإيمان أولاً ثم العمل ثانياً ورأسه الصلاة والإنفاق بدفع الزكاة والصدقات.

وقوله تعالى : ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)   [البقرة:110] ، ويقول تعالى يصف المؤمنين :  (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)   [المؤمنون:2]

 ناقضها :

وينقض هذه الشعبة ويحيلها لشعبة من شعب النفاق إتيان الصلاة رياءً حتى يقال أنهم (يصلون) ، وهم في حقيقة أمرهم لم يأتوا الصلاة رغبة في رضا الله وإيماناً به يقود لإتيان الصلوات ، لذلك يقول تعالى : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء:142]

الشعبة الثالثة

الإنفاق وإيتاء الزكاة

دلائلها:

إن معظم الآيات التي تقرر إقامة الصلاة يتبعها الأمر بإيتاء الزكاة ومنها:

يقول تعالى :  (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النور:56]

ويقول تعالى مبيناً صفات المؤمنين في سورة المعارج 😦وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ  (24)  لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) (المعارج) ، قال بعض أهل التفسيرومنهم قتادة أن المراد بالحق المعلوم هو الزكاة ، وقال بعضهم أنها سوى الزكاة من الصدقات والنفقات ، وقال تعالى : { آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ } [الحديد:7] فابتدر المخاطبين بالأمر بالإيمان أولا ثم الإنفاق مما جعلهم مستخلفين فيه ، فدل ذلك على وجود الإنفاق من منطلق الإيمان فكان تحقق ذلك هو عين الإحسان كما سبق وأن أوضحنا.

ناقضها :

الشح والإمساك عن الإنفاق في سبيل الله يقول تعالى : { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } [الأحزاب:19] فنفى عنهم الإيمان ، فهم مسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأتون العبادات رياءً واتقاء فكانت تلك الأعمال باطلة محبطة لا يجزون عليها بخير ، والشح والبخل وقبض اليد عن النفقة هو إحدى علامات النفاق ، فالمؤمن يعلم أن المال مال الله وأن الذي رزق العبد قادر على أن يخلف ما أنفق ويضاعفه مالا وأجراً ولكن المنافقين لا يدركون ذلك ولا يعترفون به لأنه من لوازم الإيمان وقلوبهم لم تعرف الإيمان ، وهم بالإضافة لإمساكهم عن النفقة والزكاة فهم يحرضون على البخل ومنع الخير ، فيقول تعالى : { هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ } [المنافقون:7].

 

الشعبة الرابعة

صوم رمضان

وهنا أيضاً يتجه النداء للذين آمنوا بالأمر بالصيام ، والصيام عبادة مخصوصة فلا يعلم مدى التزام العبد بها على وجه الصدق والحقيقة سوى الله فكانت فريضة الصوم ذات جزاء غير معلوم فيقول تعالى (الصوم لي وأنا أجزي به) ذلك أنه معتمد على توافر الرقابة الذاتية في قلب العبد بالكلية :

دلائلها :

 يقول الحق تبارك وتعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)  [البقرة:183] 

والله جل وعلا يثني على المؤمنين الذين يأتون فرائض الإسلام لله وتتوافر فيهم عدد من الصفات مجتمعة ومن ضمنها الصيام ، فيقول تعالى { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الأحزاب:35] .

ناقضها :

إن الصوم عبادة خفية في أصلها ، فهي ليست كالصلاة التي يأتيها المنافق رياءً ، فإن وجد امرؤ نفسه يفسد صومه بأحد نواقضه عامداً أو أنه صام عن الأكل والشرب ولم يصم عن الفحش والبذاءة من القول فلا فائدة في عمله وليتهم نفسه فإنه على شعبة من شعب النفاق ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن لم يَدَعْ قول الزُّور والعملَ به والجهلَ، فليس للهِ حاجةٌ أن يَدَعَ طعامه وشرابه))؛ رواه البخاري ، فقول الزور وشهادة الزور من جهة تعد من علامات النفاق (إذا حدث كذب) ومن جهة أخرى فهي ناقض من نواقض الصوم ، فكان صوم المنافق لا يخلو من ناقض من نواقضه ظهر به إلى الناس أو استخفى عنهم.

الشعبة الخامسة

حج بيت الله الحرام (لمن استطاع إليه سبيلا)

دلائلها:

(فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ )  [آل عمران:97]

إن شرط الاستطاعة يميز المؤمن من المنافق ، فأهل النفاق إن أرادوا الإعتذار ادعوا عدم الاستطاعة ، وإن حجوا كانت غايتهم إما تجارة أو رياءً ، فالحج مشقة وإتيانها بإيمان جزاءه مغفرة الذنب كله ، قال تعالى إجمالا : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة:197] وتفصيلا فقد روى البخاري في “صحيحه” عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه) وفي رواية له أيضًا: (من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه) وعند مسلم نحوه.

فكان شرط قبول العمل تجنب الرفث والفسوق والجدال.

ناقضها:

إن ما ينقض هذه الشعبة حتى إن أتاها المنافق هو الفسوق ، وقد اخبرنا جل وعلا بأن المنافقين هم الفاسقون ، يقول جل وعلا : { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ } [السجدة:18] فمن هو نقيض المؤمن سوى الكافر و المنافق ؟ وقد قال تعالى في سورة اسماها (المنافقون) { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [المنافقون:6] فكان الفسوق ناقض لهذه الشعبة فيكون إعراضهم عنها شعبة من النفاق.

الشعبة السادسة

التوحيد وصرف العبادة لله وحده لا شريك له.

دلائلها :

{وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:88] ، ويقول تعالى

فتوحيد الله والإيمان به وحده لا شريك له هو مقتضى الشهادتين التي تبتدئ بنفي الألوهية عن كل شيء وكل أحد باستثناء الله جل وعلا ، فلما كان الشرك من أخطر الذنوب وأسرعها بصاحبها لجهنم فقد ابتدأت الشهادتين بالنفي ، ويخبرنا الله بأن كل ذنب قابل أن يغفره الله ماعدا الشرك ، يقول تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا } [النساء:48]

ناقضها :

صرف شيء من العبادة لغير الله ذنب عظيم يشترك فيه المشركين والمنافقين ، فكلا الفريقين يصرفون العبادة لغير الله ، فالمشرك يتقرب الى وثن أو إله آخر كرجل صالح أو نبي كعيسى عليه السلام ويضعه مساويا لله جل وعلا أو يصرف له شيئاً من العبادة فيؤلهه ، وكذلك المنافق فإنه يؤدي العبادات لا يقصد بها وجه الله تعالى بل يتقي بها من المؤمنين ويريد بعباداته الصورية إيهام المؤمنين بأنه منهم فكان شرك من كلا الفئتين يقول تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [الكهف:110].

وعندما توعد المشركين فقد قرن المنافقين معهم واستثنى المؤمنين مما اعده لؤلئك المجرمين يقول تعالى : { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [الأحزاب:73] فالطاعة مع النفاق شرك لا يغفر لصاحبه، والذنب مع الإيمان قابل للمغفرة طالما تمكن الإيمان من النفس.

 

الشعبة السابعة

الطهارة

دلائلها :

إن الطهارة صنو الإيمان والنجاسة صنو النفاق ، ذلك أن الإيمان هو نقاء الباطن ونقاء الظاهر ، بينما النفاق هو إبطان الكفر والشرك وإظهار الإيمان فكان الباطن مجاف للظاهر ، وقد خص الله المؤمنين بالطهور لذا فإن المنافق يجوز عليه أداء الصلاة بلا طهور ، فلا يتأتى لأحد معرفة حقيقة الطهارة من عدمها ، فلو شاء أن يرائي فسوف يرائي في العبادات المرئية كالصلوات ونحو ذلك يقول تعالى:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [المائدة:6]

 وعندما يتطهر المؤمنون طاعة لله بدافع الإيمان على الوجه الذي أمر به الله فلا شك أن مرد ذلك يعود لاستقرار الإيمان في قلبه فكان الطهور شطر الإيمان لأنه عمل مستمر في اليوم والليلة ويعتمد على جانب الإخلاص في العمل فكأن من أتى به على وجهه الصحيح كمن استكمل شطر الإيمان ، يقول صلى الله عليه وسلم:

عنْ أَبِي مَالِكٍ الْحَارِثِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ” الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ -أَوْ: تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَك أَوْ عَلَيْك، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا“. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فإن أتى المؤمن بالوضوء والطهارة كما أُمر بقي عليه إتيان العبادة على وجهها الصحيح ليستكمل الشطر الآخر من الإيمان ، يقول صلى الله عليه وسلم: قال صلى الله عليه وسلم (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) صحيح البخاري 6954

ناقضها:

النجاسة وإهمال الإتيان بالوضوء والغسل والطهارة كما أمر الله وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم ، والمنافق يترك الغسل ويترك الوضوء ، فطالما كان الناس لا يميزون ولا يعلمون حقيقة الطهارة لأنها مسألة خفية عن الناس والمنافق كما أخفى نفاقه وأظهر عبادات البدن فإنه يخفي نجاسته واهماله للوضوء والطهارة فكان النفاق محققاً لانتفاء الطهارة لأن النفاق في أصله اختلال الظاهر والباطن مخادعة وكذباً على المؤمنين.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص و أبي هريرة و عائشة  قالوا: قال رسول الله : ( ويل للأعقاب من النار ) ، وقوله : ( ويل للأعقاب من النار )، والأعقاب: هي مؤخر الأقدام.

فما كان ذلك الإنذار المخيف إلا لتبيان أن إهمال الوضوء للأماكن الخفية عن أعين الناس كالأعقاب وإسباغه وإظهاره في سواها كالوجه واليدين ونحوه إنما هو عين النفاق فأرسل هذه الرسالة للمنافقين بالدرجة الأولى تأسيسا على الأسلوب النبوي (ما بال أقوام ) فكان دليلا بأن استكمال الوضوء على وجهه فيما خفي عن الناس وظهر فهذا هو شطر الإيمان وما عداه نفاق لم يستحضر فاعله مشاهدة الله له وعلمه بما يبطن.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أُمِرَ بعبد من عباد الله أن يُضرَب في قبره مائة جلدة ، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدةً واحدةً ، فجُلد جلدةً واحدةً ، فامتلأ قبره عليه نارًا ، فلما ارتفع عنه أفاق ، قال : علام جلدتموني ؟ فقيل له : إنك صليت صلاةً واحدةً بغير طهور ، ومررت على مظلوم فلم تنصره ) أخرجه الطحاوي في “مشكل الآثار” (4/231) وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2774) .

 

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (11)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (11)

درجات المحسنين ودركات المنافقين

 قلنا ببطلان مراتب الدين  وأن أسبقية الإسلام -العبادات العملية- على الإيمان – اليقين القلبي – يعد نفاقاً صرفاً ، وقلنا أن حقيقة الدين أنه أبواب أولها الإيمان ، فلا يقبل عمل أصلاً ما لم يسبقه إيمان لا يخالطه شك ، وأن الإحسان في حقيقته ليس مرتبة ولكنه حالة تتحقق من إتيان العمل بدافع استقرار الإيمان.

وهنا سننظر في درجات الأعمال وتفاضل المحسنين وكيف أن من أعمالنا الحسن ومنها الأحسن ولكن الضابط الثابت ألا عمل بلا إيمان ولكن تتفاوت الأعمال في درجة الإحسان في تلك الأعمال.

تمايز أهل الجنة وأهل النار:

إن الحياة الدنيا مزرعة الآخرة ، وأعمال الناس يوم القيامة إنما هي إنعكاس لأعمالهم في الدنيا وكلما زاد إحسان العبد ارتفعت درجته في الآخرة ، وكلما زاد إجرام العبد وكفره ازداد عذابه في الآخرة وهذا مؤدى عدل الله في خلقه فالناس في الدنيا متمايزين متفاضلين في أعمالهم ، يقول تعالى : { أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) آل عمران.

وقد اختلف أهل العلم في مسألة الخلود في النار وعذاب المؤمنين وخروجهم من النار وافترقت عند ذلك الفرق ، ولسنا هنا بصدد بحث هذا الأمر واستعراض الأقوال المتعددة فيه بل إننا نقول بأن هذا مما اختص الله به ونسبه لذاته فليس لنا أن نجادل في أمرٍ كهذا ولو صرفنا أوقاتنا حتى نتدبر كلام الله ونحقق مراده من شرائعه ونؤدي ما افترضه علينا لكان ذلك أولى وأجدى من الجدال فيما ليس لنا فيه أثر وليس لنا عليه سلطان.

إن التناسب بين الإثم والعقوبة وبين العمل والأجر هو من معالم العدل الإلهي وهو السنة الربانية الباقية لا تميل عن ميزانها إلا إذا تولى الله عبده العاصي برحمته ، ولو كان عدل ربنا في المكلفين كلهم ما دخل منا جنته ورضوانه أحد.

الدلائل القرآنية :

ونستعرض الدلائل القرآنية على درجات التفاضل بين الناس يوم القيامة :

يقول تعالى : { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } [الأنعام:132] (ولكل) للمؤمنين والكافرين والمنافقين ، جاء عند ابن جريررحمه الله : ” وقوله : ( ولكل درجات مما عملوا ) أي : ولكل عامل من طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب من عمله يبلغه الله إياها ، ويثيبه بها ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .” انتهى كلامه

يقول تعالى :

{ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19) الأحقاف

ولكل : للجن والإنس ، للمؤمنين والكافرين والمنافقين ، للمتقدمين والمتأخرين ، جاء عند ابن جرير “حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) قال: درج أهل النار يذهب سفالا ودرج أهل الجنة يذهب علوا( وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ) يقول جلّ ثناؤه: وليعطى جميعهم أجور أعمالهم التي عملوها في الدنيا, المحسن منهم بإحسانه ما وعد الله من الكرامة, والمسيء منهم بإساءته ما أعدّه من الجزاء ( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) يقول: وجميعهم لا يظلمون: لا يجازى المسيء منهم إلا عقوبة على ذنبه, لا على ما لم يعمل, ولا يحمل عليه ذنب غيره, ولا يبخس المحسن منهم ثوابَ إحسانه.” انتهى كلامه.

ويقول تعالى :

{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } [البقرة:253] وحتى الرسل يتفاضلون فيما بينهم وليسوا على درجة واحدة من الفضل ، فمنهم الأنبياء ومنهم الرسل ومنهم أولو العزم ومنهم من اختصه الله بمقام عالٍ وأفضلهم وأحبهم إلى الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ولكن ما هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر الذي تتفرق عنده الدرجات صعوداً للمؤمنين بمنازلهم ودرجاتهم في الجنة، ونزولا للكافرين والمنافقين بدركاتهم ومنازلهم في النار ، وما هي شروط استحقاق الرحمة والعذاب في شريعة الإسلام الربانية في الآخرة ؟ :

أولاً : العلــم وانتفـــــاء الجهــــــــل.

ثانياً : الإرادة الحرة وانتفاء الجبــر.

ثالثاً : عمل الجوارح بفعل استقرار الإيمان.

رابعاً : التوبة لله من الذنب والرجوع عنه.

إن الإيمان والنفاق من أعمال القلوب التي تنتج اعمال جوارح ، فهما متشابهان من حيث محلهما وهو القلب ، وأن الله هو وحده من يطلع على حقيقة ما يحويه هذا القلب من إيمان أو شرك ونفاق ، ويتميز الإيمان والنفاق بأنهما قد ينتجان نفس العبادات والأعمال ولكن الأولى مصروفة إلى الله بإخلاص والثانية مصروفة للمخلوقين يراد بها الرياء وإظهار ما لا يبطنه المنافق من تكذيب وكفر.

ولكن العمل (الإسلام ) المترافق مع النفاق يستحيل طريقاً إلى اسفل دركات جهنم ، والعمل المترافق مع الإيمان فإنه يستحيل درجات متفاوتة في جنات النعيم كلٌ بحسب درجة إخلاصه و ميزان حسناته وسيئاته وفي آخر الأمر لا يستحق العبد من كرامة الله شيئاً إلا برحمته تعالى.

الاسلام والكفر

 

يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (10)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (10)

الشواهد القرآنية والآثار النبوية

سنتتبع الدلائل والشواهد القرآنية والآثار النبوية لنتمكن من التحقق من انطباق مفهوم “أبواب الدين” بدلا من “مراتب الدين” وهل يتماهى النص القرآني و يتطابق مع هذا المفهوم ؟؟ وهل يتعارض مع مفهوم مراتب الدين ؟

إن استعراض الشواهد القرآنية سيحقق مفهوم أبواب الدين وينقض مفهوم مراتب الدين الذي ينقضه العقل قبل النقل ولنرى ذلك من خلال الآيات التالية:

 

القاعدة الأولى : الفرائض موجهة للمؤمنين فقط.

 أن الإيمان دائما ما يسبق العمل فالعمل هو الإسلام وهو يلي الإيمان وليس العكس فلذلك نجد دوماً (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فلا عمل صالح دون إيمان يسبقه ، وسنجد فيما يلي أن الأوامر والنواهي دائما ما يسبقها نداء (ياء) للتنبيه ثم (آمنوا) لتحديد المخاطبين فهي مختصة بهم دون سواهم ، وهذا يحمل دلالة ورداً بينا على من يقول بتراتب الدين وأن الإسلام ادنى مرتبة ، فالأعمال في كتاب الله والفرائض وجهت للمؤمنين ولم توجه بقوله يا أيها الذين أسلموا ، لأن الإسلام قد يكون لله وقد يكون لسواه ، والإسلام هو العمل فإن أصبح لله فهو ناتجُ إيمان كما أسلفنا ، ولو كان الإسلام دائرة أكبر وداخليها مقبولين عند الله لشملهم النداء فقال “يا أيها المسلمينيا ايها الذين اسلموا” حتى يتحقق شمول كافة الداخلين في الدين (الدائرة الكبرى) بالنداء بالأمر الرباني:

 {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } [البقرة:14]

إن المنافقين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، وادعائهم الإيمان عند المؤمنين ، وهم يؤدون العبادات (الإسلام) لمخادعة المؤمنين و إيهامهم بأنهم مثلهم ، ولو سلمنا بمراتب الدين فهم مسلمون لله – وهذا باطل- فهم مستسلمين للنبي وللمؤمنين ، مظهرين لشعائر الإسلام واركانه ولكن لم يتحقق اسلامهم لله لأن الإسلام لله يعقب إيمانا به تعالى.

 {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [البقرة:25]

وهذه واحدة من خمسين آية اشتملت على جملة (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ليتعزز مفهوم أسبقية الإيمان وأنه مدار الهداية وأن الإسلام (بما يشمله من أعمال الجوارح) ما هو إلا نتيجة لرسوخ الإيمان في النفس وينقض مفهوم مراتب الدين وأن الإيمان مرتبة تالية للإسلام.

 {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة:103]

فالإيمان لابد أن يكون مبتدأ الدخول في الدين وأن يتبعه تحقيق له وهو العمل (العبادة) ، والتقوى هو فعل الشرائع والأوامر وتجنب المحرمات والبعد عن كل فعل منهي عنه ، فقرر الله أن الإيمان اسبق من التقوى ، فمن يسلم ويأتي الفرائض فهو لا يأتيها تقوى لله بل تقوى لغيره.

 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [البقرة:153]

وهنا يثبت الله لهم الإيمان (اليقين القلبي) ويطالبهم بعد ذلك بالإسلام (العبادات العملية) لأن جواز باب الإيمان يعقبه إتيان العبادات وانعكاس ذلك التوالي يعني النفاق.

 {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ } [البقرة:165]

وهذا مقام المشاهدة في الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه) فتكون عبادتك محبة له ضمن إيمانك به فإن لم يستقر هذا الحب في النفس كان ذلك إشارة على غياب الإيمان غياباً مؤقتاً أو غياباً كلياً.

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } [البقرة:172]

فالعبادة لا تحتسب إلا لمن ثبت في قلبه الإيمان فكان نداء الله لمن ثبت الإيمان في قلوبهم.

 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [البقرة:178]

فالمكتوب من الشرائع يؤتى من المسلمين طاعة وعبادة ومحبة وتسليماً بأمر الله وهذا هو الإسلام وهو أن تسلم وجهك وجوارحك لله ولحكمه والقصاص حكم من أحكامه تعالى ، والخطاب موجه للمؤمنين لأنهم هم وحدهم المعنيون بتنفيذ الحكم استسلاماً وحباً وطاعة لله ، وتأدية الدية عند العفو يجب أن تترافق مع الإحسان وهو جماع الفعل القلبي والعملي الذي رضي بحكم الله وقضائه.

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة:183]

فالخطاب هنا عند فرض شرائع الإسلام للمؤمنين ذلك أن الإيمان باب الإسلام فلا شرائع ولا إسلام لمن لم يؤمن بعد ،فكان تشريع الصيام (كركن من أركان الإسلام) وفرضه بخطاب موجه وأمر تنبيه كأنه يقول أن الإيمان شرط قبول هذه العبادة ، وأتت الصفة بصيغة الماضي (آمنوا) و ليست بصيغة سواها في دلالة واضحة على شرط الإيمان للإفضاء إلى الأعمال المشروعة.

 القاعدة الثانية : الإحسان صفة لازمة:

إن المتتبع للإحسان في القرآن الكريم يجد تلازماً بين صفات الإيمان والإسلام والإحسان بما يؤيد ويؤكد بأن صورة الإحسان المغروسة في الأنفس على أنها حالة فوقية نادرة لا يصلها إلا فئة قليلة من الخلق هو مبدأ غير سديد لأنه يخرج السواد الأعظم من أهل الملة من قطار المنافسة ، ولعلنا نتتبع مواضع ذكر المحسنين والإحسان في القرآن الكريم ونرى مدى ارتباطها بالإيمان والإسلام.

من الجدير بالانتباه له أن ذكر العمل ، والعبادات والشعائر هو مرادف لذكر الاسلام ، وذكر القلب ولفظ الجلالة وصفات الله العلي العظيم مرادف للإيمان فإن اجتمعت من الإحسان فقد تحققت المعادلة المطلوبة :

يقول الحق تبارك وتعالى :

{ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [البقرة:195]         

فاجتمع العمل (الإنفاق) واسم من يُنْفَقُ في سبيله (الله) وأُ تبِعَ ذلك بالأمر بالإحسان ، فكان أمر بالإنفاق بإيمان بعلم الله وكريم جزاءه على ذلك ، ونهى عن إهلاك النفس بما يشمل إتلاف المال فيما يضر  يقول تعالى { يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا } [البلد:6] وإهلاك المال صرفه فيما فيه ضرر للنفس ، والمال يد وقوة ، والتعبير بالإلقاء بقوله (ولا تلقوا بأيديكم) ولا تسارعوا بأموالكم التي هي قوتكم لتعود عليكم بالهلاك في الآخرة ، وفي البخاري عن ابن عباس وجماعة من التابعين في معنى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } لا تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العَيْلة وإن لم إلاَّ يكز سهم أو مشقص فأْتتِ به .، وهنا فإن الإحسان يشير للإنفاق سراً كأسمى قيمة من قيم الإنفاق لأنه يكون منقطعاً من الرياء متصلاً بحقيقة الإيمان بالله .

وهنا نقول إن الإحسان ليس من عفو العمل الذي يعد متمماً غير لازم بل هو من لوازم الدين التي لا ينفع العمل بدونه.

يقول الحق سبحانه وتعالى:

{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} (85) المائدة

فاشتملت الآية على اعترافهم وإيمانهم (ربنا آمنا) و دموعهم صدقت حقيقة إيمانهم فوصفهم الله بالمحسنين لأنهم استكملوا أصول الدين فآمنوا بقلوبهم وانتقلوا من إيمان برسالة سابقة إلى إيمان برسالة لاحقة فعلم ما في قلوبهم فكان ثواب الإحسان هو جنات النعيم.

يقول الحق سبحانه وتعالى :

{ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [المائدة:93]

فلما اغتم المؤمنين عند نزول تحريم الخمر لما كان منهم من معاقرة لها قبل تحريمها فطمأنهم ربهم بأنهم غير مؤاخذين بما كان منهم إن (اتقوا) أي التزموا بما استجد عليهم من تحريمٍ لشرب الخمر فكان وصفهم (الذين آمنوا) أثبت لهم الإيمان ، ثم أعقب ذلك بشرط التقوى أي اتيان الأوامر واجتناب النواهي (العبادة) وتساوي (الإسلام) لأنها أعمال جوارح وربط الإيمان بالعمل وتوجه باسمه الجمعي وهو (الإحسان) والله يحب المحسنين فأي درجة دونه تجلب محبة الله ؟.

يقول جل شأنه :

{ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [التوبة:91]

يعذر الله المؤمنين عن بعض العبادات عند تركها لعذر ولم ينفِ عنهم الإحسان لعلمه جل وعلا أن عدم اتيانهم لهذه العبادة كالنفقة لم يكن في ظل غياب الإيمان بل لانتفاء الاستطاعة ، بشرط النصح لله ورسوله (الإخلاص) لأنه عمل قلبي صرف لا يعذر احد بتركه ، قال سفيان الثوري ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي ثمامة – رضي الله عنه – قال : قال الحواريون : يا روح الله ، أخبرنا عن الناصح لله ؟ قال : الذي يؤثر حق الله على حق الناس ، وإذا حدث له أمران – أو : بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة – بدأ بالذي للآخرة ثم تفرغ للذي للدنيا .

وقد نفى جل في علاه أن يكون السبيل أي المؤاخذة واللوم على المحسنين فلم يمنعهم مانع عن الإيمان ولكن منعهم عذر قاهر عن العمل فكانوا في عداد المحسنين الذين لا تثريب عليهم ، فلزم أن يكون السبيل على غير المحسنين وهم المنافقون ، فيقول تعالى {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [التوبة:93] فكان نقيض المحسنين هم المنافقين ، فكان الدين سبيلان لا ثالث لهما إما إحسانٌ يجسد العمل باعتقاد وإيمان ، وإما نفاق لا جدال فيه فكان ذلك مصداق لهذا التفصيل والتأصيل.

يقول تعالى :

{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [العنكبوت:69]

وهنا نلحظ اجتماع الإيمان والعمل ونسبة المذكوريَن في الآية للمحسنين ، وأخَصُّ معنى للجهاد هنا هو جهادُ النفس فهو أداة تحقق الإحسان ، فالعامل عندما يكون عمله بدافع قلبي فهو لا شك يحقق ذلك العمل بمجاهدة النفس الأمارة بالسوء ويطرد وساوس الشيطان ليقوم بالفرائض وهذا مناط الإحسان (العمل المدفوع بتحقق الإيمان).

يقول تعالى:

{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ } [آل عمران:172]

استجابوا لله والرسول = آمنوا ، أحسنوا واتقوا = العمل المنبعث من استقرار الإيمان والاستجابة لله والرسول.

نزلت في أهل أحد الذين ساروا مع رسول الله رغم ما أصابهم من جراح وما وصل مسامعهم من إرجاف ، ولا شك أن كل تلك مواضع اختبار لصدق الإيمان وتماسك المسلم المحسن ولزومه للحق برغم الجرح والقرح والخيبة.

يقول الله تعالى :

{وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل:30]

وهنا يتحدث الله عن أهل الجنة وسؤالهم فثبت لهم الإيمان ، ثم بين بأن الحسنة للذين أحسنوا وهنا يجدر بنا أن نتلقف فائدة جليلة ، هي أن مناط النجاة هو ثقل ميزان الحسنات على ميزان السيئات ، ولا تتأتى الحسنات إلى ممن أحسن فكان من المحسنين ، فإن قلنا عمن أسلم بلا استقرار للإيمان أنه يجني الحسنات فكيف تكون حسنات بلا إحسان ؟؟.

يقول ابن كثير رحمه الله :

“ثم أخبروا عما وعد الله [ به ] عباده فيما أنزله على رسله فقالوا : ( للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ) كما قال تعالى : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) [ النحل : 97 ] أي : من أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة .” انتهى كلامه

ونلحظ في قوله تعالى (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ) فكان العمل يسبقه الإيمان حتى يكتب في ميزان العبد حسنة ، وبالتالي فهذا هو الإحسان الذي ينتج الحسنات (إيمان ينتج عملاً).

يقول ابن جرير رحمه الله :

“وقوله ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ) يقول تعالى ذكره: للذين آمنوا بالله في هذه الدنيا ورسوله ، وأطاعوه فيها ، ودعوا عباد الله إلى الإيمان والعمل بما أمر الله به ،حسنة ، يقول: كرامة من الله ( وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ) يقول: ولدار الآخرة خير لَهُمْ مِنْ دَارِ الدُّنْيا، وكرامة الله التي أعدّها لهم فيها أعظم من كرامته التي عجلها لهم في الدنيا( وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ) يقول: ولنعم دار الذين خافوا الله في الدنيا فاتقوا عقابه بأداء فرائضه وتجنب معاصيه دار الآخرة.”

قال ربنا جل وعلا :

{قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [الزمر:10]

لابن عاشور رحمه الله كلام نفيس في هذه الآية منه قوله :

“والمراد بالذين أحسنوا : الذين اتقوا الله وهم المؤمنون الموصوفون بما تقدم من قوله : { أمن هو قانت } [ الزمر : 9 ] الآية ، لأن تلك الخصال تدل على الإِحسان المفسر بقول النبي صلى الله عليه وسلم “ أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك ” ، فعدل عن التعبير بضمير الخطاب بأن يقال : لكم في الدنيا حسنة ، إلى الإِتيان باسم الموصول الظاهر وهو { الذين أحسنوا } ليشمل المخاطبين وغيرهم ممن ثبتت له هذه الصلة . وذلك في معنى : اتقوا ربكم لتكونوا محسنين فإن للذين أحسنوا حسنة عظيمة فكونوا منهم . وتقديم المسند في { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ } للاهتمام بالمحسَن إليهم وأنهم أحرياء بالإِحسان .” انتهى كلامه

وتؤكد هذه الآية الكريمة ما سبق بأن الحسنات التي تثقل ميزان العبد فترجح بالسيئات لا تكون إلا من المحسنين ، فلو قلنا بأن الإحسان درجة لا يبلغها إلا الخلص فإن لازم ذلك أن ما سواهم لا يحملون في ميزان أعمالهم حسنة واحدة وهذا باطل ومحال إلا إن كانوا منافقين ممن توعدهم الله بالدرك الأسفل من النار.

قال الله تعالى :

{ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } [النجم:31]

فالسيئات تقابل المسيئين والحسنات تقابل المحسنين ، والجزاء يدور حول هاتين الفعلتين ، فكانت الحسنات لا تتولد وتدون إلا من المحسنين.

ومن رحمة الله أنه يجزي المسيئين على قدر إسائتهم ولكنه يجزي المحسنين بأحسن الذي كانوا يعملون فيدون السيئات سيئة واحدة ويضاعف الحسنات عشراً.

 

القاعدة الثالثة : صفات أهل النفاق في التنزيل الحكيم :

إذا تتبعنا مواضع ذكر النفاق والمنافقين في كتاب الله لعلمنا أن كل معالم النفاق والمنافقين في كتاب الله تصف بدقة أهل المرتبة الأولى من مراتب الدين – بالمفهوم السائد- وهم المسلمون الذين خلت قلوبهم من الإيمان ، والذي يعدهم أهل الملة قومٌ قد اتوا بالمطلوب منهم أو بشيء منه:

يقول ربنا جلت قدرته :

{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران:167]

فقد نافقوا بأن أتوا الإسلام وعباداته العملية فأظهروا للمؤمنين خلاف ما يبطنون ، والقول باللسان من أعمال الجوارح فلم تكن تطابق مافي قلوبهم ، ولو عاملناهم بقاعدة مراتب الدين لكانوا داخل مرتبة الإسلام الشرعية التي أمر الله بها وتم التأصيل لها ، بينما هم في حقيقة الأمر منافقون يراؤون الناس ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، ولكنهم مسلمون مستسلمون لسلطة الشريعة عصمت أعمالهم دمائهم عن الناس ولكنها لا تعصمهم من أمر الله والعصمة من عذاب الله وأمره هي مناط الدين فإن انتفت فقد انتفى عنهم الدين فيدخلون في الوعيد وهم في مآل الأمر إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.

يقول ربنا جلت قدرته :

{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء:142]

إن الدخول في الإسلام قبل استقرار الإيمان هو عين النفاق لأن حقيقة العمل حينئذٍ لا يعدو كونه رياءً ، والمنافقين يقومون إلى الصلاة متباطئين في إتيانها متململين من أدائها ذلك أنهم لا يأتونها إلا ليرى المؤمنون فعلهم فيعدونهم منهم ويظنون أن كل ذلك مخادعة لله وللمؤمنين ، ووجه خداع الله لهم أنه عصم أموالهم ودمائهم من المؤمنين بما اتوا من العبادات الظاهرة (الإسلام) فظنوا أنهم قد تحقق لهم خداع الله والمؤمنين بتظاهرهم هذا ، ولم يدركوا بأن الله تعالى يعد لهم في الآخرة عذاباً اليماً.

فكما استبقوا حياتهم بكذبهم على أهل الإيمان فقد أبقى الله على حياتهم واقر فعلهم فصار نفاقهم طيلة بقائهم سالمين صاررصيداً عليهم يدون في أعمال السوء التي يحاسبون عليها يوم القيامة.

 

ويقول الحق جل وعلا :

{ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [التوبة:67]

يبين الله تعالى كيف أن المنافقين والمنافقات يتواطئون في عقائدهم فيتآمرون بالسوء وينهون عن الخير ويمنعون الصدقات و يبخلون بأموالهم ، فهم يبطون البغض للمؤمنين ولا يحملون في قلوبهم إيماناً لذلك فهم يبغضون أهل الإيمان فعلم الله ما في قلوبهم وهم يظنون أنهم آمنون من مكره وعبر عن ذلك بالنسيان والنسيان هنا قد يكون الترك ، فهم تركوا الله ورغبوا عنه فتركهم الله وحفظ لهم دمائهم بظاهر عملهم حتى يحين الوقت الذي يلاقون سوء ما كانوا يفعلون.

يقول تعالى :

 {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ } (11) العنكبوت

ومن الناس من يقول آمنا بالله ، فكان قولاً باللسان لم يواطئ اعتقاداً بالجنان ، فإن أوذي لإيمانه استعظم ما ناله من الأذى فجعله أقصى ما يحذر وكأن هذا الأذى هو عذاب الله الذي يستحق أن يحذر المرء منه ، وإنْ نصر الله المؤمنين ادعوا بأنهم من مسببات هذا النصر وأنهم مع المؤمنين في موقفهم وعقيدتهم والله تعالى يعلم مافي قلوبهم من بغض للإيمان وأهله.

 

قال تعالى :

{ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [الأحزاب:73]

فالعذاب للمنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ، والتوبة للمؤمنين والمؤمنات وليس للمسلمين والمسلمات ، ذلك أن المنافقين مسلمين خلت قلوبهم من الإيمان أو اختلط إيمانهم بريبة وهم الذين في قلوبهم مرض ، فاختص الله تعالى المؤمنين والمؤمنات فقط بالنجاة من العذاب.

القاعدة الرابعة : الأثر النبوي ينفي التراتب ويعرف النفاق:

لقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم بجلاء أن الدين بلا إيمان لا يعتد به ، وعرفه في مواضع عديدة بأنه نفاق وهو صلى الله عليه وسلم يشير إلى مفهوم مراتب الدين الذي نعتمده في فكرنا الحالي كمعرف للدين وأصله :

الحديث الأول : حَدَّثَنَا فَارُوقُ بْنُ عَبْدِ الْكَبِيرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَسْمَعَ الْعَوَاتِقَ فِي خُدُورِهِنَّ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَخْلُصِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلا تَتَّبِعُوا عَوَرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ اتَّبَعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اتَّبَعَ عَوْرَتَهُ فَضَحَهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ» .

وَفِيهِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَبُرَيْدَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ

فالنبي صلى الله عليه وسلم يرد في هذا الحديث على القائلين بمراتب الدين ، فيقرر لأصحابه ويعرفهم بأن الإسلام قبل الإيمان هو عين النفاق فقال (من آمن بلسانه) أي أتى ركن الشهادتين من اركان الإسلام قبل أن يتمكن الإيمان من قلبه ، ثم نهاهم عما يعد من صفاتهم (المنافقين) وهي الغيبة ، وتتبع عورات المسلمين لأن من يفعل ذلك لا يقيم وزناً لمشاهدة الله له واطلاعه على غيبته فيظن أنه آمن لخلو قلبه من الإيمان بالله أصلاً.

وهذا الأمر النبوي يشمل عصمة المنافقين من أن يتتبع المؤمنون عوراتهم فهم في عداد المستسلمين لهم ماللمؤمنين وعليهم ما عليهم ، وهذا ما نقوله بأن المنافقين لا يشق عما في نفوسهم شاق ولا يجوز تتبع عوراتهم فأمرهم إلى الله ، ومحِلُّ خيانتهم في قلوبهم ولا سبيل لتقريرها إلى لله جل وعلا.

الحديث الثاني : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ السَّامِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ»

فقرر صلى الله عليه وسلم بأن الكذب واخلاف الوعد وخيانة الأمانة دليل النفاق حتى ولو أتى صاحبهن أركان الإسلام ، ذلك أن إتيان تلك الأفعال دليل على خلو القلب من الإيمان وإلا لم يكن جرؤَ على ذلك لو كان موقن بوجود الله وأنه يراه ، وفي ذات الوقت فإنه يتجنب أن يعرف الناس خيانته ولا يستتر من الله فكيف يكون مؤمناً حينئذٍ ؟.

ولو تدبرنا الحديث لوجدنا بأن نقيض تلك الصفات تعد من شعب الإيمان ، فالصدق ، والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة من شعب الإيمان فكان نقيضها من شعب النفاق.

الحديث الثالث : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنً عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو ذَبْحَةَ، عَنْ طَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ حَرْمَلَةُ بْنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ” الإِيمَانُ هَاهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى لِسَانِهِ، وَالنِّفَاقُ هَاهُنَا، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَلا نَذْكُرُ اللَّهَ إِلا قَلِيلا.

فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَدَّدَ ذَلِكَ حَرْمَلَةُ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَرَفِ لِسَانِ حَرْمَلَةَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ لِسَانًا صَادِقًا، وَقَلْبًا شَاكِرًا وَارْزُقْهُ حُبِّي، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّنِي، وَصَيِّرْ أَمْرَهُ إِلَى خَيْرٍ.

فَقَالَ لَهُ حَرْمَلَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي إِخْوَانًا مُنَافِقِينَ، كُنْتُ فِيهِمْ رَأْسًا، أَفَلا أَدُلُّكَ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ جَاءَنَا كَمَا جِئْتَنَا اسْتَغْفَرْنَا لَهُ كَمَا اسْتَغْفَرْنَا لَكَ، وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِ، وَلا نَخْرِقُ عَلَى أَحَدٍ سِتْرًا

فقرر حرملة بأنه منافق لأنه مؤمن بلسانه منافق بقلبه ، لم يستقر في صدره إيمان وأتى النبي صلى الله عليه وسلم تائباً ، فدعا له صلى الله عليه وسلم وأبى ان يعلمه ببقية المنافقين لأن اسلامهم يعصم دمائهم وإيمانهم خاص بأنفسهم لا يُشَقُّ عما في صدورهم وأمرهم إلى الله.

والطامة في من نافق وهو يظن أن ذلك هو أصل الإسلام ويتعلم مراتب الدين وهي عين النفاق ويظن أن هذا هو الإسلام فمن يتحمل ما هو فيه ؟؟ ، فدل ذلك على أننا على خطر عظيم ما لم تصحح هذه المفاهيم الفاسدة ويعلم الناس حقيقة دينهم والفرق بين الإيمان والنفاق على الوجه الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم.

الحديث الرابع : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَاسِي، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسَ بْنِ كَامِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ»

والمراد اجتماع الحياء مع العيّ – انعقاد اللسان وصعوبة النطق – من الإيمان ، أما قوة البيان وفصاحة اللسان في البذاءة من القول فهي من النفاق ، فالبيان منفرداً موهبة ثمينة فإذا اجتمعت مع البذاءة كانت صبغة سوء ونفاق  ، والعيّ وانعقاد اللسان صفة سيئة فإن اجتمعت من الحياء كانت مصطبغة بصبغة الإيمان.

واعتياد المنافقين على الكذب والخداع وسوء القول يهوي بمقامهم إذا اجتمع مع البيان لما يؤثر ذلك في الناس ويجلب الاتباع والمريدين لذلك المنافق.

 الحديث الخامس : حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَدْرَكَهُ الأَذَانُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ وَهُوَ لا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ، فَهُوَ مُنَافِقٌ»

فالمؤمن بالله يجد في الصلاة راحة (ارحنا بها يا بلال) فيجد نفسه مدفوعا يسابق الوقت حتى يصل للمسجد قبل انقضاء الأذان فيسكن بالصلاة والذكر ، أما المنافق فتراه كالطير في القفص يسعى للنفاذ من المسجد حتى مع ارتفاع الأذان ، فمن وجد في نفسه هذه الخصلة فليعلم بأنه من النفاق أقرب كما اخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذه الصفات والارشادات يخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم لا لنحكم على الخلق بل لكي نعرف بها أنفسنا وموقعنا من الإيمان وقربنا من النفاق ليعلم كلا منا حاله.

 

الحديث السادس : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَقَامَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ، ذَكَّرَنَا تَعْجِيلَ الصَّلاةِ أَوْ ذَكَرَهَا، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «تِلْكَ صَلاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاةُ الْمُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، أَوْ عَلَى قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلا قَلِيلا»

 

إن المؤمن يهتم للقيام بالصلاة في وقتها لعلمه بمشاهدة الله تعالى له ومحاسبته وقدرته وشديد عقابه ، فإن خلا القلب من تلك التقريرات وامتلأ بالنفاق كان الأمر عنده هيناً وأهمل رؤية الله له ومراقبته لتمكن النفاق والمرض من قلبه.

 

الحديث السابع : قال النبي صلى الله عليه وسلم “ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ، لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمْ ، وَمَنْ سَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ ، وَسَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ ، فَهُوَ أَمَارَةُ الْمُسْلِمِ الْمُؤْمِنِ ، وَأَمَارَةُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لا تَسُوءُهُ سَيِّئَتُهُ ، وَلا تَسُرُّهُ حَسَنَتُهُ ، إِنْ عَمِلَ خَيْرًا لَمْ يَرْجُ مِنَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْخَيْرِ ثَوَابًا ، وَإِنْ عَمِلَ شَرًّا لَمْ يُحِلَّ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الشَّرِ عُقُوبَةً ، وَأَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ تَكَفَّلَ بِأَرْزَاقِكُمْ ، وَكُلٌّ سَيَتَبَيَّنُ لَهُ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ عَامِلا ، اسْتَعِينُوا اللَّهَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ ، فَإِنَّهُ يَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ سورة الرعد آية 39

 

عندما جمع صلى الله عليه وسلم المنافقين والمؤمنين في سياق واحد ميز الله أهل الإيمان بقوله “المسلم المؤمن” لأن المنافق مسلمٌ غير مؤمن ، وهذا معلوم فأراد صلى الله عليه وسلم أن يبين الفرق بين ما أمر الله به وبين حال المنافقين.

وهنا يتأكد لنا بان ما يسمى “مرتبة الإسلام” ليس إلا مرتبة نفاق بلا ريب ، فكل ما يسبق دائرة الإيمان لا يعتد به ولا يعد من أتاه من أهل الإيمان.

 

القاعدة الخامسة : أثر استقرار الإيمان وانتفاؤه:

إن القائلين بمراتب الدين وبأن الإسلام أولها لا يدركون بأنهم يخرجون الإيمان من المعادلة في المرتبة الأولى ذلك أنهم رفعوه عن الإسلام وجعلوه في مرتبة تالية عالية عن سابقتها ، ولو أنهم أدركوا ذلك لعلموا حجم الخلل الذي يقررونه ، فغياب الإيمان لا يخرج المرء من دائرة الإسلام حتماً فحسب بل إنه يحبط ما سبق له من عمل حين كان في قلبه إيمان ، ولعلنا نستعرض بعض الشواهد القرآنية على ذلك :

قال تعالى :

{ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [المائدة:5]

فلم أتي هنا بقوله (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) ؟ وكل ما تضمنته الآية هو من أعمال الجوارح وليس من أعمال القلوب ، ويعد من الإسلام وليس – حسب مراتب الدين- من الإيمان ؟ ، ذلك أن إتيان شيء من تلك المحرمات هو كفر بالإيمان ساعة إتيان ذلك الفعل (قال مقاتل : بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن ، وقيل : من يكفر بالإيمان أي : يستحل الحرام ويحرم الحلال فقد حبط عمله ، وهو في الآخرة من الخاسرين قال ابن عباس : خسر الثواب .)

فنعلم من ذلك بأن العمل لا يقبل ما لم ينتج من إيمان يدفع لإتيانه ، واحباط العمل يشير لفساد ما سبق من عمل صالح بإيمان مستقر قبل ذلك بقوله “حبط عمله” ما لم يتب إلى الله قبل أن يحق عليه القول.

قال تعالى :

{ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النحل:106]   

هنا يبرز دليل آخر على ما نقول ، فالعبرة ليست بالعبادة فهي إنما تكون علامة استقرار الإيمان وقد يشترك فيها المنافق والمؤمن ، إنما العبرة بالإسلام الناشئ عن استقرار الإيمان ، فاستثنى المكره من الردة ذلك أن العمدة على ما في القلب وأن تعذر إتيان العبادات قهراً فلا مؤاخذة على من كفر وترك الإسلام قهراً ولا يزال الإيمان مستقر في قلبه ، كحال الضعفاء الذين لا يجدون مالاً يدفعونه للمجاهدين ولا يستطيعون المشاركة في الجهاد فأثبت الله لهؤلاء الإيمان حتى وإن نقص من إسلامهم شيء لأن العمل القلبي هو العامل المؤثر على تعيين الناجين من سواهم.

وقال جل شأنه :

{ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } [الحجرات:7]

فأهل الإيمان يتشوقون لأداء العبادات ولا يحتاجون من ينبههم لأدائها في أوقاتها لأن قلوبهم أحياها الإيمان فأضحت العبادات العملية تحصيل حاصل ، فالحق أن لا تجر الناس للطاعات جراً ولكن تعمل على زراعة الإيمان في قلوبهم وبه تأتي الطاعات العملية وهذا مالم نشهده في مناهجنا وتربيتنا الدينية في المدارس والمعاهد ، ودعاتنا يتفننون في شرح كيفية الصلاة -والعبادات عامة – على الوجه الموافق لصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والقلوب جافة من الإيمان لم تجد من ينذرها بأن الإيمان الذي لا يدفعك للطاعات دفعا ويجعلك تتجه للعبادات بمفردك متشوقاً لأدائها فلست من الإسلام لله في شيء ، نجد أن المنهج الدعوى في عمومه يسعى لجمع الناس في المساجد والالتزام بظاهر الدين من ملبس ونحو ذلك ، في حين أن تلك الشكليات وأنواع العبادات إنما يفترض بها أن تظهر على جوارحنا عندما يستقر الإيمان في قلوبنا.

وقال الحق تعالى:

{ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } [البقرة:143]

فقوله تعالى “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ” يشير لصلوات المؤمنين قبل تغيير القبلة بأنها لن تضيع وستدون في حساب أعمالهم فأسمى العبادات العملية “إيماناً” لأن هذا هو أصلها فهي أعمال اسلام نتجت عن استقرار إيمان ، ولو كان الأمر مراتب دين كما تقرر في مصنفات العلماء لكان قوله تعالى ” ليضيع إسلامكم” ولكن حقيقة الأمر أن ما أتاه المرء إسلاماً مجرداً من الإيمان فهو مما يحبط من العمل لأنه ليس موجها لله تعالى.

يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (9)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (9)

درجات الإيمان

لا شك أن الإيمان عند العبد يزيد وينقص ، ومن الخطأ أن يقال أن الإيمان يزداد بالطاعات ويتناقص بالمعاصي، فالطاعات والعبادات إنما هي من نواتج الإيمان وليست من مكوناته ، أي أن العمل يتأثر بمقدار الإيمان ، فإن خبا الإيمان واختفى ظهرت أعمال السوء والمعاصي كالزنا والسرقة ونحو ذلك واختفت الطاعات والصلوات والصدقات وأعمال الجوارح  ،  وإن ارتفع الايمان ازداد التقوى بإتيان الطاعات وترك المنهيات ، فالحقيقة أن زيادة الإيمان هو سبب لزيادة الطاعات و ونقص المعاصي ، والعكس صحيح ، فاضمحلال الإيمان هو نقص الطاعات وزيادة المعاصي والسيئات ، بل إن الإيمان حالات يختفي فيها ويغيب تماما ، فالعبد حال المعصية ينتفي عنه الإيمان فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن) وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله إلا النهبة.

فلا أدل من هذا الحديث على أن الإنسان حال ارتكابه المعصية يخرج من الإيمان وبالتالي فهو يخرج من الإسلام الذي تقرر لدينا أنه من نواتج الإيمان فانتفاء الإيمان هنا يعني انتفاء الإسلام لله بالكلية ولكن لا ينسب إليه الكفر ، لأن الكفر عمل قلبي ينعقد على تقرير رفض الإيمان بالله والإسلام له تعالى ونبذ أوامر الله وتركها جحوداً وتكذيباً أو عداوة لله ولشرعه ، وهنا لا بد من إثبات أربع حقائق عند تقرير هذا الأمر.

الحقيقة الأولى : أن ما يتعلق بانتفاء الإسلام والإيمان عن العبد حال ارتكابه لنواقض الإيمان هو أمر متعلق بالعبد نفسه وليس لسواه الحق في تقريره أو التعامل مع مرتكب المعصية على ذلك الأساس ولكن المعلوم من ذلك يجب أن يستقر لدى صاحب المعصية وليس لدى سواه وقد سبق لنا قول ذلك ، فمدار الأمر إرشاد العبد وتعريفه بحاله هو وإنزال نفسه في المنزلة الحقيقية التي توافق فعله فيعلم أين حدود الإيمان وانتفاءه ويطبق الثوابت على نفسه فيعلم بذلك مع أي صنف يكون.

الحقيقة الثانية : أن غياب الإيمان وانتفاءه مقصور على حال الوقوع في الجرم وقد يعود الإيمان ويحصل الندم والاستغفار بفعل اعتلاء العقل على الفؤاد وصلاح القلب بعد فساده ووقوع الندم ، وقد يتكرر منه الجرم وتتكرر التوبة ، وهنا يجدر بنا فهم مسألة تكرر الذنوب والكبائر تضعف العقل وتعلي الفؤاد وتغلف القلب وتقسِّيه.

وطالما تراوح حال العبد بين المعصية والتوبة فهو قريب من النجاة وأمره مغاير لمن كفر فرفض الدين وارتد عن الإيمان والإسلام بالكلية و انعقد قلبه على رفض حقيقة وجود الله أو عبد سواه أو أشرك معه في ملكه سواه وقبضت روحه وزهقت نفسه بغير توبة ورجوع للحق.

ولذلك اكرم الله هذه الأمة بمضاعفة الحسنات عشرة أضعاف وتدوين السيئات سيئة واحدة ، والتراجع عن المعصية بحسنة ونية فعل الحسنة بحسنة فلا يمكن أن ترجح بعبد سيئاته إلا من ترك الحسنات والطاعات بالكلية وقضى حياته في اجتراح السيئات ، وبرغم ذلك قد تغشاه رحمات الله بعمل واحد أو بشفاعة شافع أو بمطلق رحمة الله ومغفرته.

الحقيقة الثالثة : أن العمل الصالح سبب له طرفين ، أحدهما التقوى ، وهو إتيان العمل اتقاء لغضب الله وخشية له ورهبة منه تعالى ، والطرف الثاني هو الإحسان وهو إتيان العمل محبة لله ورغبة  فيما عنده جل جلاله.

الحقيقة الرابعة : أن شُعَب الإيمان إنما هي جملة أعمال الجوارح الناتجة عن استقرار الإيمان في قلب المرء ، فكل ما تكاملت تكامل معها الإيمان ، وكلما نقص منها شعبة ضعف الإيمان ونقص ، ذلك أنَّ تلك الشعب هي المؤشر عند المؤمن على قوة إيمانه وضعفه وليس المراد من معرفة العبد بها ليتأتى حكم الآخرين عليه.

الدخول في الإسلام بين المفهومين

هنا سنعمل على استيضاح الفرق في مسألة الدخول في الإسلام  بين  القائلين بالتراتب والتفاضل (مراتب  الدين) وبين ما نقول به من مفهوم أبواب الدين.

إن القائلين بالتراتب والتفاضل يقولون بأن من يدخل في الإسلام فإنه يبدأ بالدرجة الأولى والمرتبة الأدنى من مراتب الدين فيدخل الإسلام بأعماله الظاهرة فينطق الشهادتين ويبدأ في أداء الصلاة وغيرها من أركان الإسلام فيكون بذلك مسلماً ولكن لا يُعلم كم يفصل بينه وبين الارتقاء لمرتبة الإيمان ، لأن الإيمان مرتبة أعلى من الإسلام تلي في علوها الإسلام ، فيدخل الانسان في دائرة الإسلام أولاً ، ثم يدخل لدائرة الإيمان وهذه دعوة لبدء حياتك في دين الله بالنفاق الذي قد يستغرق ثوانٍ معدودة أو قد يستغرق اياما أو أشهراً أو حتى سنوات .

بينما في مفهوم أبواب الدين فإن الدخول للدين من باب الإيمان بأركانه الستة أولاً ، فإذا استقر هذا الإيمان خالياً من أي إشكالات أو اعتراضات في نفس المكلف و بإقرار ويقين ثابت راسخ فإن نتيجته ينبغي أن تكون انعكاساً على جوارحه بإتيان أركان الإسلام العملية فيكون لدينا تلازم بين الحالتين (الإيمان والإسلام) بعكس مفهوم مراتب الدين الذي يتعامل مع المسألة كحالات ارتقاء وتطور في حالة الفرد الدينية حتى يصل إلى الإحسان وهو رتبة عالية خاصة.

ومن خلال المقارنة بين الحالتين نفهم بدقة ما يقصد بنبذ مفهوم مراتب الدين وخطورته خاصة على المسلمين بالمولد الذين لا يقيمون لحقيقة الإيمان وزنه الحقيقي لأنه في ظنهم مرتبة اعلى والمهم في نظرهم هو أداء الشرائع والفرائض والعبادات (الإسلام) ، ولذلك تعاني المجتمعات الإسلامية من فقدان الشعور بروحانية الدين وتأثير العبادات على الفرد المسلم حيث يقول تعالى :

(اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)   [العنكبوت:45]

فلم تعد الصلاة تحقق النهي عن الفحشاء والمنكر لأنها لا تستحضر الإيمان بالله قبل أداء العبادة بل يعتقد المصلين بأن الصلاة تسبق الإيمان وأنها هي التي تزيد الإيمان و ترفعه وهذا خطأ فادح فإتيان الصلاة يجب أن يكون نتيجة وعلامة على استقرار الإيمان وليست وسيلة لرفع درجة الإيمان في القلب.

 الطبقية والاستعلاء بين المفهومين

ونقول بأن الناس في كلا المفهومين متمايزين ومتفاضلين فلننظر كيف يكون التمايز بين الناس في الحالين فنقول وبالله التوفيق:

إن مفهوم التراتب بين درجات الدين فيزعم بأن العلم أو النسب -عند الصوفية- هو الذي يرفع الفرد لمرتبة الإحسان وبالتالي فالعلماء يرتقون لدرجات الإحسان بينما العوام من الناس يبقون في مرتبة الإسلام ، وهذا المفهوم الصوفي مفهوم باطل يتعارض مع حديث أبي هريرة رضي الله عنه “رُبَّ أَشْعثَ أغبرَ مدْفُوعٍ بالأَبْوَابِ” وحديث أُسامَة رضي اللَّه عنه “قُمْتُ عَلَى بابِ الْجنَّةِ فَإِذَا عامَّةُ مَنْ دخَلَهَا الْمَسَاكِينُ” فهؤلاء قد يحملون من الإيمان ويتحقق منهم من الإحسان ما لا يتحقق من العالِم ، فمسالة الرتبة عند الله لا تحددها درجة علمية ولا قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بل بمقدار استقرار الإيمان في القلب و بمقدار تأثير ذلك الإيمان بما يدفع لإتيان العبادات وهجر المحرمات فهذا هو عين الإحسان الذي لا يحتاج لخصوصية خارقة للوصول إليها بل تراها متحققة بمجرد تحقق عبادات الجوارح بناء على استقرار الإيمان واليقين فيصبح الرجل تلقائيا من المحسنين فيتحقق مبدأ المساواة بين المؤمنين جميعا بلا تمييز ولا خصوصية لمؤمن حاز علما أو قوة على فعل وآخر ضعُف عن ذلك.

وهو مفهوم بدهي بسيط لا يلقى تعارضاً في نفس الإنسان ، ولم يسود الإسلام في أول عصره إلا بهذا المفهوم ، فلما قعَّدَ المقعِّدون وأصِّل المؤصِّلون واخترعوا مراتب الدين ووضعوا الإسلام مرتبة دنيا والإيمان درجة أعلى والإحسان حالة اسطورية لا يصلها إلا ثلة قليلة من الناس صار حال الناس على ما نراه اليوم من تشرذم وضياع عقدي واخلاقي لم ينجح العلماء والمصلحون في احتواءه ومعالجته.

 يتبع