الصَّوْمُ وَالصِّيَامْ ، المَفْهُوْمُ وَ الفَرْقُ فِيْ السِّيَاقِ القُرْآنيّ

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الصَّوْمُ وَالصِّيَامْ ، المَفْهُوْمُ وَ الفَرْقُ فِيْ السِّيَاقِ القُرْآنيّ

 

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

ظَهَرَت مُؤخَّراً مُحاولاتٌ لإنزالِ مفاهيم للتفريق بين الصوم والصيام تراوحت بين الإقرار بأنهما يحملان نفس المعنى ولا فرق بين المفردتين ، وبين مفاهيم أخرى تشط إلى ما يشذ عن المفهوم المتبادر للذهن ، وقد تتبعت تلك المفردتين وبحثت عما إذا كان هنالك فروق حقيقية بين المفردتين مستحضراً إستحالة وجود الترادف بين المفردات القرآنية فوصلت بفضل الله ما أعتقد بأنه هو المفهوم الصحيح والفرق الصريح بين المفردتين وهو مفهوم شديد البساطة وقوي الارتباط بالنص القرآني مقارنة مع الادعاءات المنشورة.

وقبل البدء في طرح ما تم التوصل إليه من خلال الاستقراء والبحث سأتطرق لمواضع المفردة في القرآن الكريم ثم سأنطلق- على غير المعتاد – إلى الأقوال السالفة والحالية ووجه الخلل فيها ومن ثم سأختم شارحاً الفكرة البسيطة التي توضح هذا المفهوم ومدى اتساقه مع طبيعة المفردة وسياق استعمالها.

 

مواضع ذكر الصوم والصيام في القرآن الكريم

ذكر الصوم بهذا اللفظ في موضع واحد وهو أمر الله لمريم عليها السلام عند لقاءها لقومها وهي تحمل وليدها نبي الله عيسى عليه السلام للدلالة على الامتناع عن الكلام دون سواه فيقول تعالى :

(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)  مريم:26

فكانت الآية تحمل توجيهاً ربانياً ضمنياً هو أن تمتنع عن الكلام نذراً وتوجيها صريحاً أن تخبر قومها بذلك النذر وتمتنع عن إجابة ما تُسأل عنه وتترك الحديث لوليدها.

وقد ورد الأمر بالصوم عن الكلام لنبي الله زكريا ولكنه لم يكن مذكوراً كصوم ولكن ذكر في موضعين على النحو التالي:

{ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } [مريم:10]

وفي موضع آخر جاءت صيغة الامر بالصوم عن الكلام في قوله تعالى:

{ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } [آل عمران:41]

فلم يرد الأمر بالنهي عن الكلام باسم الصوم إلا في قصة مريم عليها السلام كما سلف.

أما مواضع ذكر الصيام فقد أتت في القرآن الكريم للدلالة على فريضة الامساك عن الأكل والشرب والجماع والسباب والفاحش من القول في تسع مواضع:

فذكر الصيام في تفصيل أحكام صيام رمضان في موضعين:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة:183]

{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [البقرة:187]

في أحكام الحج :

{ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [البقرة:196]

في كفارة القتل الخطأ :

{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } [النساء:92]

في كفارة اليمين:

{ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [المائدة:89]       

في قتل صيد المحرم:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } [المائدة:95]

في كفارة الظهار:

{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [المجادلة:4]

 

 أقوال السلف في مفاهيم الصوم والصيام

أما الصيام فجرى اتفاق وإجماع على أنه ما عرف أهل الملة من ترك الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ولم يشذ عن ذلك القول أحد ولكن ما قيل في الصوم في الموضع الوحيد الذي ورد فيه وهو قوله تعالى

(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) مريم:26

فساورده على قولين أولهما قول ابن جرير رحمه الله حيث أنه أشار للمشهور من أقوال السلف في ذلك وثانيهما قول ابن عاشور

فنبدأ بقول الطبري رحمه الله :

وقوله ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا ) يقول: فإن رأيت من بني آدم أحدا يكلمك أو يسائلك عن شيء أمرك وأمر ولدك وسبب ولادتكه ( فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) يقول : فقولي: إني أوجبت على نفسي لله صمتا ألا أُكَلِّم أحدًا من بني آدم اليوم ( فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا )

وبنحو الذي قلنا في معنى الصوم، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سمعت أنس بن مالك يقول في هذه الآية ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) صمتا.

حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال : أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني المغيرة بن عثمان، قال: سمعت أنس بن مالك يقول ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) قال: صمتا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) قال : يعني بالصوم: الصمت.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن سليمان التيميّ، قال: سمعت أنسا قرأ (إنِّي نَذَرْتُ للرَّحْمَن صَوْما وَصَمْتا ) .

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) أما قوله (صَوْما) فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام.

انتهى كلامه رحمه الله.

أما قول ابن عاشور رحمه الله في ذلك فهو :

هذا من بقية ما ناداها به عيسى ، وهو وحي من الله إلى مريم أجراه على لسان الطفل ، تلقيناً من الله لمريم وإرشاداً لقطع المراجعة مع من يريدُ مجادلتها ، فعلّمها أن تنذر صوماً يقارنه انقطاع عن الكلام ، فتكون في عبادة وتستريح من سؤال السائلين ومجادلة الجهلة .

وكان الانقطاع عن الكلام من ضروب العبادة في بعض الشرائع السالفة ، وقد اقتبسه العرب في الجاهلية كما دلّ عليه حديث المرأة من أحمس التي حجّت مُصمتة . ونسخ في شريعة الإسلام بالسنة ، ففي «الموطأ» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قائماً في الشمس فقال : ما بال هذا؟ فقالوا : نذر أن لا يتكلم ولا يستظل من الشمس ولا يجلسَ ويصوم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” مروه فليتكلم وليستظل وليجلس وليُتم صيامه ” وكان هذا الرجل يدعَى أبا إسرائيل .

وروي عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه دخل على امرأة قد نذرت أن لا تتكلم ، فقال لها : «إن الإسلام قد هدم هذا فتكلمي» . وفي الحديث أن امرأة من أحْمَسَ حجّت مُصمتة ، أي لا تتكلّم . فالصمت كان عبادة في شرع من قبلنا وليس هو بشرع لنا لأنه نسخه الإسلام بقول النبي صلى الله عليه وسلم «مروه فليتكلّم» ، وعملِ أصحابه .

وقد دلّت الآثار الواردة في هذه على أشياء :

الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب الوفاء بالنذر في مثل هذا ، فدلّ على أنه غير قربة .

الثاني : أنه لم يأمر فيه بكفارة شأن النذر الذي يتعذر الوفاء به أو الذي لم يسم له عمل معيّن كقوله : عليّ نذر . وفي «الموطأ» عقب ذكر الحديث المذكور قال مالك : ولم يأمره بكفارة ولو كانت فيه كفارة لأمره بها فدلّ ذلك على أنه عمل لا اعتداد به بوجه .

الثالث : أنه أومأ إلى علّة عدم انعقاد النذر به بقوله : «إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغنيّ» .

فعلمنا من ذلك أنّ معنى العبادة أن تكون قولاً أو فعلاً يشتمل على معنى يكسب النفس تزكية ويبلغ بها إلى غاية محمودة مثل الصوم والحج ، فيُحتمل ما فيها من المشقة لأجل الغاية السامية ، وليست العبادة بانتقام من الله لعبده ولا تعذيب له كما كان أهل الضلال يتقربون بتعذيب نفوسهم ، وكما شرع في بعض الأديان التعذيب القليل لخضد جلافتهم .

وفي هذا المعنى قوله تعالى : { فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم } [ الحج : 36 37 ] ، لأنهم كانوا يحسبون أن القربة إلى الله في الهدايا أن يريقوا دماءها ويتركوا لحومها ملقاة للعوافي .

وفي «البخاري» : عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخاً يُهادَى بين ابنيه فقال : ما بال هذا؟ قالوا : نذر أن يمشي . قال : إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغنيّ . وأمره أن يركب» ، فلم ير له في المشي في الطواف قربة .

وفيه عن ابن عباس : «أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ وهو يطوف بالكعبة بإنسان رَبط يده إلى إنسان بِسِيَرٍ أو بخيط أو بشيء غير ذلك ، فقطعه النبي بيده ثم قال : قده بيده» .

وفي «مسند أحمد» عن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاصي : ” أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك رجلين وهما مقترنان . فقال : ما بالهما؟ قالا : إنّا نذرنا لنقترنن حتى نأتي الكعبة ، فقال : أطلقا أنفُسكما ليس هذا نذراً إنما النذر ما يبتغى به وجه الله ” وقال : إسناده حسن .

الرابع : أنّ الراوي لبعض هذه الآثار رواها بلفظ : نهى رسول الله عن ذلك ، ولذلك قال مالك في »الموطأ» عقب حديث الرجل الذي نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس : «قال مالك : قد أمره رسول الله أن يتمّ ما كان لله طاعة ويترك ما كان لله معصية» .

ووجه كونه معصية أنه جراءة على الله بأن يعبده بما لم يشرع له ولو لم يكن فيه حَرج على النفس كنذر صمت ساعة ، وأنه تعذيب للنفس التي كرّمها الله تعالى من التعذيب بوجوه التعذيب إلا لعمل اعتبره الإسلام مصلحة للمرء في خاصته أو للأمة أو لدرْء مفسدة مثل القصاص والجَلد . ولذلك قال : { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً } [ النساء : 29 ].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم ” إنّ دماءكم وأموالكم وأنفسكم وأبْشاركم عليكم حرام ” لأن شريعة الإسلام لا تُناط شرائعها إلاّ بجلب المصالح ودَرء المفاسد .

والمأخوذ من قول مالك في هذا أنه معصية كما قاله في «الموطأ» . ولذلك قال الشيخ أبو محمد في «الرسالة» : «ومَن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر أو نحوه أو ما ليس بطاعة ولا معصية فلا شيء عليه ، وليستغفر الله» ، فقوله : «وليستغفر الله» بناء على أنه أتى بنذره مخالفاً لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه . ولو فعل أحد صمتاً بدون نذر ولا قصد عبادة لم يكن حراماً إلا إذا بلغ إلى حد المشقة المضنية .

وقد بقي عند النصارى اعتبار الصمت عبادة وهم يجعلونه ترحماً على الميت أن يقفوا صامتين هنيهة .

ومعنى { فقولي إني نَذَرْت للرحمن صَوْماً } فانذري صوماً وإن لقيت من البشر أحداً فقولي : إنّي نذرت صوماً فحذفت جملة للقرينة . وقد جعل القول المتضمن إخباراً بالنذر عبارة عن إيقاع النذر وعن الإخبار به كناية عن إيقاع النذر لتلازمهما لأن الأصل في الخبر الصدق والمطابقة للواقع مثل قوله تعالى : { قولوا آمنا بالله} [ البقرة : 136 ]. وليس المراد أنها تقول ذلك ولا تفعله لأن الله تعالى لا يأذن في الكذب إلاّ في حال الضرورة مع عدم تأتّي الصدق معها ، ولذلك جاء في الحديث : “ إن في المعاريض مندوحة عن الكذب

وأطلق القول على ما يدلّ على ما في النفس ، وهو الإيماء إلى أنها نذرت صوماً مجازاً بقرينة قوله { فلن أُكلِمَ اليَوْمَ إنْسِيّاً }. فالمراد أن تؤدي ذلك بإشارة إلى أنها نذرت صوماً بأن تشير إشارة تدلّ على الانقطاع عن الأكل ، وإشارةً تدل على أنها لا تتكلّم لأجل ذلك ، فإن كان الصوم في شرعهم مشروطاً بترك الكلام كما قيل فالإشارة الواحدة كافية ، وإن كان الصوم عبادة مستقلة قد يأتي بها الصائم مع ترك الكلام تشير إشارتين للدلالة على أنها نذرت الأمرين ، وقد علمت مريم أنّ الطفل الذي كلّمها هو الذي يتولى الجواب عنها حِين تُسأل بقرينة قوله تعالى :{ فأشارت إليه } [ مريم : 29 ].

والنون في قوله { تَرَيِنَّ } نون التوكيد الشديدة اتصلت بالفعل الذي صار آخره ياء بسبب حذف نون الرفع لأجل حرف الشرط فحركت الياء بحركة مجانسة لها كما هو الشأن مع نون التوكيد الشديدة .

والإنْسِي : الإنسان ، والياء فيه للنسب إلى الإنس ، وهو اسم جمع إنسان ، فياء النسب لإفادة فرد من الجنس مثل : ياء حَرْسي لواحد من الحرس . وهذا نكرة في سياق النفي يُفيد العموم ، أي لن أكلم أحداً .

وعدل عن أحد إلى { إنسياً } للرّعي على فاصلة الياء ، وليس ذلك احترازاً عن تكليمها الملائكة إذ لا يخطر ذلك بالبال عندالمخاطبين بمن هيئت لهم هذه المقالة فالحمل عليه سماجة . انتهى كلامه رحمه الله.

 

الأقوال المحدثة الشاذة

ظهر بعض من قال آراءً متناقضة مع القرآن فقال أحدهم أن الصوم هو الإمساك عن الحديث السيء والاكتفاء بالطيب من القول وهذا غير دقيق لمناقضته لقوله تعالى (فلن أكلم اليوم إنسياً) فلو كان الصوم عن شيء من الكلام وترك شيء آخر لما جرى النفي بالجملة لتكليم الإنس جميعاً ، وقد لوحظ على القائلين بذلك تركهم لسياق الآية كاملة واجتزاءها وبناء رأيهم على جزء دون النظر في ما يليه وهذا خطأ يبنى عليه رأي فيكون خطأ مركَّباً

التوجيه الأنسب لمفهوم الصوم والصيام

 لقد تبين بأن الصوم الذي أمرت به مريم عليها السلام هو الإمساك التام عن الحديث دون سواه من الامتناعات فقد سبق أن قال تعالى حين وضعت عيسى :

{ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا } [مريم:26]

فلم يكن صومٌ عن الطعام والشراب بمعنى الصيام الذي نعرفه بل كان صمتاً وامتناعاً عن الكلام دون سواه ، وقد يكون ذلك عبادة سالفة شرعت على بني إسرائيل ونسخت في ديننا.

أما الصيام فهو ما عرف من ترك الشراب والطعام والجماع من طلوع الشمس وحتى غروبها .

ولكن ما العلاقة بين مفردتي الصوم والصيام ؟؟

عند مقارنة المفردتين بمعانيها ومبانيها اتضح بأن:

الصَّوم (اسم ثلاثي أجوف معتل ) هو : عَمَلٌ يَمْتَنِعُ فِيْهِ الصَّائِمُ عَنِ أمْرٍ مُفْرَدٍ وَاحِدٍ لِمُدَّةٍ مَعْلُوْمَة.

أما الصِّيام فهو : عَمَلٌ يَمْتَنِعُ فِيْهِ الصَّائِمُ عَنِ عَدَدٍ مِنَ الإمْسَاكَاتِ وَ الامْتِنَاعَاتِ لِمُدَّةٍ مَعْلُوْمَة.

فكان الصوم مفرد والصيام جمع ، والصيام يتضمن (صوم عن الطعام ، صوم عن الشراب ، صوم عن الجماع ، صوم عن السيء من القول)  فتضمن امساكات متعددة وامتناعات متنوعة فجمعت في كلمة “الصيام

وعندما كان فعل مريم عليها السلام فعل امتناع وامساك مفرد صح ان يسمى صوماً وليس صياماً ، ولما كان صيام رمضان يشتمل على امتناعات متعددة كما اسلفنا فوجب أن يسمى صياماً (صيغة جمع للصوم ) فالزيادة في المبنى زيادة في المعنى.

وهذه الاسماء في اللغة صوم (مفرد) و صيام (جمع) يشبهها كذلك قولنا (ثوب و ثياب) ، (سوط و سياط ) ، (روض و رياض ) ، (ضوء و ضياء) ، (حوض و حياض) وكذلك (صوم و صيام).

أما القول بأن الحديث النبوي والقدسي تضمن تسمية (الصوم) كحديث:

((عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)) [ متفق عليه]

وسواه من الأحاديث والآثار فأقول وبالله التوفيق :

أولاً : هذا لا يشكل على القول بأن الصوم امتناع وامساك مفرد ، فلا يتعارض ذلك الفهم مع المعنى ابداً ، بل إن الاشارة للصوم كعمل مفرد أبلغ من الاشارة إليه كصيام (مجموعة الامساكات) ونرى أن القرآن يستعمل الصلاة كوحدة أصلية للدلالة على الصلوات بعمومها و نجده تارة يذكر الصدقة كعمل مفرد للدلالة على الصدقات بأنواعها وأحيانا يرودها بصيغة الجمع يقول تعالى :

{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [التوبة:103]

وفي موضع آخر يقول جل شأنه

{ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [المجادلة:13]

ثانياً : في هذا رد بيّن على القائلين بأن الصوم مختص بالإمساك عن الكلام ، فلو كان الأمر كذلك لما ورد استعماله في الحديث بل أن استعماله هنا يدل على أنه يشير للإمساك والامتناع بعمومه كعبادة .

ثالثاً : فلا يخفى بأن القرآن الكريم له خصوصية في استعمال المفردات ودقة في مواضعها واستعمالاتها وليس الأمر جزافاً ولا يشبه استعمال الناس في حياتهم العامة ، وسواءً جهلنا أم علمنا فإن استعمال مفرادات بصيغ مختلفة له دلالاته في القرآن الكريم نصل إليها بالتدبر والمراجعة والاستقراء والمتابعة وقد لا يفتح الله بشيء ولكن هذا لا يعني انتفاء الغرض وخلو النص من البيان بأعمق مما تراه أعيننا.

ومصنفات علوم القرآن مليئة بالأمثلة والنكت اللطيفة التي تبين كيف أن توظيف الجمع والإفراد ينطوي على بلاغة مخصوصة بالقرآن الكريم وقد خصص لها السيوطي في كتاب الاتقان قاعدة للجمع والإفراد أورد فيها صور من مفردات القرآن جمعاً وإفراداً مع ايراد أوجه التناسب في استعمال المفردة مما لا نجد مثله في كلام البشر فلا يعتنى بذلك كما هو في كتاب الله وبرغم هذ فلا شك ان هناك ما يدق خفاءهُ عن المتدبرين.

القول الوحيد في الجمع والإفراد للصوم

لم اقع على قول بالتفريق بين الصوم والصيام بالإفراد والجمع إلا قولاً واحداً لبعض فقهاء الأحناف ورد على ذلك ابن عابدين -بدون ذكر اسم القائل- في كتابه “رد المحتار على الدر المختار” فقال في كتاب الصوم [ ص: 370 ] :

“قيل لو قال الصيام لكان أولى لما في الظهيرية لو قال : لله علي صوم لزمه يوم ، ولو قال : صيام لزمه ثلاثة أيام كما في قوله تعالى – { ففدية من صيام } – وتعقب بأن الصوم له أنواع على أن أل تبطل معنى الجمع والأصح أنه لا يكره قول رمضان “

وجاء في الحاشية ما يبين ذلك القول:

”  كذا في شرح ابن الشلبي ( قوله : قيل ) قائله صاحب البحر ح ( قوله : لما في الظهيرية إلخ ) وجه الاستشهاد أن هذا الفرع يدل على أن الصيام جمع أقله ثلاثة أيام كما في الآية فإن فدية اليمين صوم ثلاثة أيام فكان التعبير به أولى لدلالته على التعدد ، فإن الترجمة لأنواع الصيام الثلاثة أعني الفرض والواجب والنفل ( قوله : وتعقب إلخ ) المتعقب صاحب النهر .

حاصل كلام الشارح أن الصوم اسم جنس له أنواع وهي الثلاثة المذكورة ، فحيث عبر عنه بالصوم أو الصيام يراد منه أنواعه المترجم لها لا ثلاثة أيام فأكثر قال في المغرب يقال صام صوما وصياما فهو صائم وهم صوم وصيام ا هـ فأفاد أن مدلول كل من الصوم والصيام واحد ولا دلالة في واحد منهما على التعدد ولذا قال القاضي في تفسير قوله تعالى { ففدية من صيام } أنه بيان لجنس الفدية وأما قدرها فبينه عليه الصلاة والسلام في حديث كعب . ا هـ . نعم يأتي الصيام جمعا لصائم كما علمته لكن لا تصح إرادته هنا ولا في الآية كما لا يخفى ، ولو سلم أن الصيام جمع لأفراد الصوم فلا أولوية في العدول إليه لأن أل الجنسية تبطل معنى الجمعية فيتساوى التعبير بالصوم وبالصيام هذا تقرير كلام الشارح على وفق ما في النهر فافهم ، وعلى هذا فيشكل ما مر عن الظهيرية وإن قال في النهر لعل وجهه أنه أريد بلفظ صيام في لسان الشارع ثلاثة أيام فكذا في النذر خروجا عن العهدة بخلاف صوم ا هـ يعني أن لفظ صيام وإن لم يكن جمعا لكنه لما أطلق في آية الفدية مرادا به ثلاثة أيام كما بين إجماله الحديث فيراد في كلام الناذر كذلك احتياطا فتأمل ( قوله : والأصح إلخ ) انتهى كلامه.

أقول :

هذا القول بأن الجمع يشير إلى تعدد المدة وليس تعدد الامساكات ، فكان القول هو أن صوم يوم يقال له (صوم) فإن كان ثلاثة أيام فأكثر كان (صياماً) وهذه صورة أخرى انكرها صاحب المصنف ، فأقول لما كان الصيام مناطه الامساك والامتناع عن فعل محدد وجب تقديم الامساكات -عند الاشارة إلى عبادة الصوم – على المدة فلا يصح القول بأن الصوم لما دون ثلاثة أيام وما يزيد يكون صياما ، بل كما أسلفنا فإن العبرة بعدة الامساكات والامتناعات للتفريق بين الصوم والصيام ، ووجاهة ذلك القول مستمدة من النص القرآني الذي يفرد الامتناع الواحد المفرد بقوله (صوم ) ويجمع الامتناعات المتعددة فيسميها (صياماً).

هذا والله أعلى وعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

الوَجْهُ الأسْلَمُ لِمَفْهُومِ المُتَشَابِهِ وَالمُحْكَمْ

بسم الله الرحمن الرحيم

الوَجْهُ الأسْلَمُ لِمَفْهُومِ المُتَشَابِهِ وَالمُحْكَمْ

 

 الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده                           وبعد

 

يقول الحق جل جلاله :

 

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [آل عمران:7]

 

توطئــة

 

استوقفتني هذه الآية الكريمة كما استوقفت غيري فأدركت أهمية تدبرها والبحث حتى الوصول لمفهومها فتتبعت أقوال علمائنا الأجلاء فيها فكان حولها الكثير من الإشكالات والتساؤلات والتعارضات ، فلم أقع على إجماع على المتشابه وتحديد دقيق للمحكم ، ولم أجد حديثاً نبوياً شريفاً بشأن التفريق بين المحكم والمتشابه بل أقوال منقولة يختلف بعضها عن بعض وتتلاقى في مواضع أخرى.

وقد بحثت منطلقاً من لبنات الآية ومفرداتها حتى وصلت من خلال هذا البحث لنتيجة وجيهة استناداً للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، وقد قسمت البحث إلى قسمين أتطرق في أولهما تلمس الفرق بين مفردات متكررة متعلقة بهذا المطلب وهي مفردات (القرآن ، الفرقان ، الكتاب ) ، إذ وجدت أن كلاً منها يختلف عن الآخر دلالياً ولم تستعمل في مواضعها في القرآن الكريم جزافاً بل لأن كلا منها يناسب الموضع الذي وضعت فيه ولا يناسبه سواها كما اعتدنا عليه في كتاب الله جل وعلا ، فسأتطرق لتعريف كل منها ومن ثم يسهل علي في المطلب الذي يليه أن أصلها بمفهوم الفرق بين المحكم والمشابه.

 

وكل أملي من القارئ الكريم أن يقرأ ويتتبع ما كتبت بتأنٍ وروية ومراجعة ، وأن يدون ملاحظاته حتى ينتهي من قراءة البحث كاملاً فإن كان ما كتبته صدقاً وهدىً وفتحاً فالحمد لله ، وإن كان خطأً وسوء تقدير وفهم فاستغفر الله تعالى من الزلل وأرجو تصويب خطأي وستجدونني إن شاء الله من الصالحين.

 

مواطن الإختلاف عن المفاهيم السابقة

إن مفهومنا للمحكم والمتشابه وفق ما شرحه علمائنا باختلاف أقوالهم رحمهم الله كان يستند إلى جذر أساسي ينظر إلى الكتاب على أنه تسمية أخرى للقرآن الكريم وأن أي إشارة وذكر لمفردة الكتاب فإنه يشير إلى القرآن الكريم أو يشير إلى التوراة والكتب السماوية الأخرى بمعنى الوحي المنزل على أنبياء الله والذي دُوِّن وكُتِبَ بالأقلام على صحائف ورقية جمعت بين دفتين فكانت كتابا.

وفي مفهومنا الأدق الذي توصلنا إليه ونطرح اليوم إثباته هنا نقول بأن هذا القول غير دقيق فقد وجدنا أن مفردة الكتاب في التعبير القرآني لا يقصد بها الوحي السماوي المسمى بالقرآن والتوراة والإنجيل والزبور ولا تعني مفردة كتاب ما جمع مكتوبا على صحف بين دفتين كما يُعْتَقد.

وبالتالي سيختلف مفهوم المحكم والمتشابه طالما أن الأساس الذي بنى العلماء مفهومهم للمحكم والمتشابه وهو الكتاب وطالما اختلف فسيختلف ما يتبع ذلك في الآية السابعة من آل عمران وهي موضع البحث هنا.

إن مفهوم الأوراق المكتوبة بالحبر والمجموعة بين دفتين وتسميتها كتاب إنما هو تحور في المفهوم حدث بمرور الزمن وإلا فإن القرآن الكريم أسمى تلك الأوراق (قراطيس) يقول تعالى :

{ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } [الأنعام:91]

أي شرعاً منزلاً تكتبونه في صحائف تظهرون منها ما وافق أهوائكم وتخفون من الشرائع ما خالف شهواتكم وأقام عليكم الحجة فتتلاعبون بفرائض الله وتعبثون  بالتنزيل تحريفا وإخفاءً.

ويقول جل شأنه :

{ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } [الأنعام:7]

فلو كان الكتاب هو الورق المجموع بين الدفتين لما استدعى الأمر أن يؤتى بمفردة (قرطاس ، قراطيس) ، فطالما كان كتابا (مجموعاً) لوجب أن يكون في ورق ولكن المراد من قوله تعالى  “كتاب في قرطاس أي شريعة مدونة على ورق ، أي لو أن الله أنزل شريعته من السماء إلى الأرض مكتوبة في صحائف فرأوها بأعينهم ولمسوها بأيديهم فلن يكفهم ذلك وسيصفونه بالسحر المبين  فهذا تبيان آخر للفرق بين مفهوم الكتاب في استعمالنا اليوم وبين المفهوم القرآني للمفردة.

إننا يجب أن نقر بأن استعمال المفردات اعتراه الكثير من التحوير والتغيير فأضحت تستعمل على غير ما كانت تستعمل في أصلها وأمثلة ذلك في حياتنا كثيرة نذكر منها على سبيل المثال في مفردة (الإنسان) التي ما وردت في كتاب الله  إلا على سبيل التحقير والوضاعة في مادة الخلق وفي سوء الخلق ولكن استعمالنا لها اليوم أصبح للتكريم والتبجيل فصارت الإنسانية مرادف للعطف وحسن الخلق (وسبق لي نشر بحث بذلك) ، فهل نحتج الآن بسوء استعمالنا للمفردة على القرآن ؟ أم أن القرآن الكريم هو الحجة ؟؟.

وهكذا فإن مفهوم مفردة الكتاب يجب ردها لسياقها القرآني ومفهومها الحقيقي فيكون هو الحجة وليس ما درج عليه الآباء والأجداد هو الحجة على التنزيل الحكيم.

إن مفهومنا للكتاب وفق السرد القرآني الدقيق هو الشرائع المكتوبة والفرائض الواجبة على المسلمين دون سواها وتلك الفرائض منزلة في القرآن الكريم محكمة مجملة ومنزلة أيضا في السنة النبوية والحديث الشريف ولكنها مفصلة وهنا نجد المتشابه أما التنزيل الحكيم فكله محكم كما سنرى في هذا البحث.

ومن أحد الظواهر القرآنية الجديرة بالتأمل والتي تثبت ما سنصل إليه في هذا البحث هو تسمية “أهل الكتاب”  فلك أيها القارئ الكريم أن تتساءل، لماذا جمع اليهود والنصارى تحت إسم (أهل الكتاب)؟ ، فلو كان القرآن كتاب والإنجيل كتاب والتوراة كتاب بمفهوم المخطوط بالحبر على الورق لأسمى الله اليهود والنصارى (أهل الكتابين) بصيغة المثنى ،  ولكن لمَّا كان المعنى من مفردة الكتاب (الشريعة) وما كتبه الله عليهم من الفرائض ولمَّا كان عيسى عليه السلام أتى متبعا لشريعة موسى عليه السلام ولم يأت بشريعة جديدة فقد نُسِبَ أهل الديانتين (اليهود والنصارى) إلى كتاب واحد أي شريعة واحدة.

وهي كما في الدين الإسلامي نزلت ضمن التوراة وفصلت وحيا آخراً ضمن سنن موسى عليه السلام القولية والفعلية.

الاحتجاج بأقوال العلماء رحمهم الله

إن الاحتجاج على مفهومنا بأقوال العلماء رحمهم الله في مفهوم المحكم والمتشابه لا يمكن اعتباره وجيها يرد القول ويظهر الخطأ فيه ، ذلك أن الإتيان بتلك الأقوال على سبيل الاحتجاج لا محل له هنا لأن الاختلاف يعود لأصل المسألة وهو اعتبار الكتاب هو مرادف للقرآن والكتاب هو القرآن وهذا مفترق الطرق فإن أراد أحد أن يرد القول بالحجة فعليه أولا أن يثبت خطأ القول بأن مفهوم مفردة الكتاب تعني الشريعة الموحى بها من الله وما كتبه على خلقه وليس ما بين الدفتين من أوراق مدونة مكتوبة هنا تكون قضيت على الفكرة في مهدها وبينت خطأها بدون الحاجة للانتقال لما بعد ذلك وهو مفهوم المحكم والمتشابه.

وهذا المفهوم إنما تأسس على غير ما تأسس عليه المفهوم التقليدي لذلك فلا ينقض الفكرة إلا ما ينقض أساسها. ولكننا في سبيل تبيان أقوال العلماء رحمهم الله في المحكم والمتشابه سنورد ملخصا للمشهور من أقوالهم مما سيساعد القارئ الكريم على تبين مانحن بصدد إثباته ومقارنته مع سبق من أقوال :

فتح القدير للشوكاني (1/ 360)

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ الْمُحْكَمَاتِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ عَلَى أَقْوَالٍ

1-فَقِيلَ: إِنَّ الْمُحْكَمَ: مَا عُرِفَ تَأْوِيلُهُ، وَفُهِمَ مَعْنَاهُ، وَتَفْسِيرُهُ. وَالْمُتَشَابِهُ: مَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ سَبِيلٌ. وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، قَالُوا: وَذَلِكَ نَحْوُ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ

2-وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ: مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا، وَالْمُتَشَابِهُ: مَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، فَإِذَا رُدَّتْ إِلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَأُبْطِلَ الْبَاقِي صَارَ الْمُتَشَابِهُ مُحْكَمًا وَقِيلَ: إِنَّ الْمُحْكَمَ: نَاسِخُهُ، وَحَرَامُهُ، وَحَلَالُهُ، وَفَرَائِضُهُ، وَمَا نُؤْمِنُ بِهِ وَنَعْمَلُ عَلَيْهِ، وَالْمُتَشَابِهُ: مَنْسُوخُهُ، وَأَمْثَالُهُ، وَأَقْسَامُهُ، وَمَا نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نَعْمَلُ بِهِ. رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،

3-وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ: الذي ليس فيه تصريف ولا تحريف عما وضع له، والمتشابه: ما فيه تصريف، وتحريف، وَتَأْوِيلٌ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ

4-وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ: مَا كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يرجع فيه إِلَى غَيْرِهِ، وَالْمُتَشَابِهُ:

مَا يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْمُحْكَمَاتِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ. ا.هـ

وهنا يحضرني تعليق على القول الرابع وهو ما وصفه النحاس بأنه أحسن ما قيل في المتشابهات إذ يقول : المحكم ما كان قائما بنفسه لا يحتاج إلى أن يرجع فيه إلى غيره والمتشابه ما يرجع فيه إلى غيره ا.هـ.

وأقول كيف ذاك والله يقرر بأنه لا يعلم تأويله إلا الله ؟؟ ومن هذا الغير الذي يشارك الله في علم لا يعلمه سواه ؟؟

 

المطلب الأول : مفهوم مفردة (القرآن)

 

إن هذا البحث يقوم في أساسه على إعادة فهم وتعريف وتحديد المعنى الدقيق لمفردتي الكتاب والقرآن حتى نتمكن من إثبات أنهما ليسا مترادفين وأن كلا المفردتين تحمل كل منهما دلالة تختلف عن الأخرى .

وهذا البحث كما سبقه من الأبحاث فإني سأبدأ بالتعريف ومنه سننطلق لأبعاد البحث الأخرى لنستطيع مقارنة استقرائنا مع التعريف فنقول وبالله التوفيق بعد البحث والتقصي واستقراء الآيات تبين لي بأن تعريف القرآن هو:

 

هو : كَلاَمُ اللهِ تَعَالَى الّذِيْ نَزَّلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ مِنَ الوَحْيِ المُحْكَمِ المُثْبَتِ رَسْمَاً وَنَصَّاً المُتَعَبَّدِ بِقِرَاءَتِهِ وَتَرْتِيِلِه.

 

وهو : كُلُّ مَابَيْنَ الدَّفَّتيْن مِنْ بَسْمَلَة الفَاتِحَةِ إلى آخِرِ سُوْرَةِ النَّاسْ.

 

وهنا نعلم أن الله جلت قدرته قد أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وحييْن اثنين ، أحدهما القرآن الكريم والآخر هو الحديث الشريف الذي يحمل تفصيلاً للتشريع ، ولكن الحديث لا يتعبد المسلم بقراءته كالقرآن وقد يختلف لفظه من راوٍ لآخر مما يفرد ويميز القرآن عما يتوافر في السنة النبوية وعلى هذا الأساس كان القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع مكتسباً صفة قطعية الثبوت.

والله جل وعلا حين يورد مفردة القرآن فإنها ترد على سبيل تمييز الوحي الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم عن سواه حيث أن التوراة نزلت على موسى والإنجيل على عيسى عليهما السلام ، وتأتي على سبيل التذكير بميزة القرآن المتعلقة باسمه وهي “القراءة” المتعبد بها ، ما يميزه عما سبقه من الوحي النازل على أنبياء الله ، وسنتتبع فيما يلي ذكر مفردة القرآن في التنزيل الحكيم باستعمالين فالمجموعة الأولى تصنف على أنها ذكر القرآن في إشارة للقراءة أو الإنصات كعبادة في حد ذاتها ، والثانية للإشارة تمييزاً للوحي المحكم المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن بقية الكتب السماوية النازلة على سواه من الأنبياء عليهم السلام.

يقول تعالى:

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [البقرة:185]

وهنا نلحظ بوضوح استعمال تسمية “القرآن” لارتباط شهر رمضان بقراءة القرآن تعبداً.

{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الأعراف:204]

 

وهنا استعملت التسمية في سياق الحديث عن القراءة بصوت مسموع وما يتعلق بها من حكم وهو الإنصات والاستماع و لم يتطرق لتسمية التنزيل الحكيم بالكتاب في هذه الآيات .

 

{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [النحل:98]

{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } [الإسراء:45]

{وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا } [الإسراء:46]

 

{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [الإسراء:78]

{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا } [الإسراء:106]

 

فأشار تعالى للتنزيل الحكيم في المواضع السابقة باسم القرآن لأن المسلم يتعبد بقراءته أو الإنصات له فلم يسمِّه بالكتاب إلا أن القرآن الكريم يشتمل عليهما وسنأتي على ذلك لاحقا.

وفيما يلي سنستعرض نماذج من الآيات التي يرد فيها اسم التنزيل الحكيم “القرآن” على سبيل التمييز كوحي اختص به محمد صلى الله عليه وسلم دون بقية الأنبياء والرسل عليهم السلام.

 

يقول تعالى :

 

{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [النساء:82]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } [المائدة:101]

{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة:111]

{مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ } [طه:2]

{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ } [يس:69]

{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } [الزخرف:31]

وأختم بآية بينة تثبت بأن القرآن والكتاب ليسا بذات الشيء فيقول تعالى:

{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [الإسراء:88]

 

فالتحدي في هذه الآية هو الإتيان بآية من القرآن وليس من الكتاب ذلك أن القرآن كله محكم ولكن الكتاب فيه المحكم والمتشابه والقرآن توقيفي في نصه بينما الكتاب تصنيف وليس اسم جنس والكتاب كتصنيف أوتي موسى قبل محمد صلى الله عليهما وسلم كما أنه يشتمل على ما هو دون ذلك وسيأتي توضيح ذلك في نتيجة هذا البحث .

 

المطلب الثاني : مفهوم مفردة (الكتاب)

 

نجد أن مفردة “الكتاب” وردت في وصف ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك ما نزل على موسى عليه السلام ، والحقيقة أني لاحظت -كما سبق وقلت- خلطاً بين مفهوم الكتاب الذي نعرفه اليوم وهو الصحائف الورقية المكتوبة وبين المفهوم الحقيقي لمفردة “كتاب” في القرآن الكريم .

وبعد تتبع واستقراء المفردة فقد وجدت ان معنى مفردة كتاب هو:

 كُلُّ مَا فَرَضَهُ اللهُ وَأوْجَبَهُ عَلى خَلْقِهِ مِنْ شَرَائِعَ وَفَرَائِضَ ومحرمات سَوَاءً وَرَدَتْ فِي التَّوْرَاةِ أوْ فِيْ القُرْآنِ أوْ فِي مَا سِوَاهُمَا مِن الوَحْيِ المُنزَّلِ عَلَى أنْبيَائهِ عَليْهِمُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمْ.

 

وهنا سأورد حول مفردة الكتاب عدة إضاءات أرجو أن تبين المراد وتوضح المقصد:

 

الإضاءة الأولى : ليست كل آيات القرآن الكريم كتاباً (أي شريعة وفرائض) بل يشتمل القرآن الكريم على الفرقان والذكر والبينات سوى الكتاب.

 

الإضاءة الثانية : أن الحديث الشريف يشتمل على الكتاب أيضاً ذلك أن الله تعالى يفصل شرائعه المكتوبة على خلقه وحياً إلى نبيه فيكون سنة عملية أو قولية يتبعها المسلمون يعتبرونها شريعة وواجباً ينبغي اتباعه ، فالكثير من الشرائع لم يرد تفصيلها في القرآن بل أتى من خلال الوحي الآخر المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم ، فها هو صلى الله عليه وسلم يقول:

 

عن عبد الرحمن بن أبي عوف عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه. أهـ.

 

فاشتمل الحديث على تشريع وواجب ومحظور وهذا من الكتاب في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم كثير.

 

الاضاءة الثالثة : أن نبي الله موسى عليه السلام أوتي كتاباً أي شريعة بعضها في التوراة وبعضها نزلت وحياً عليه في حينها ، واشتملت التوراة على الكتاب وعلى الفرقان (ما نزل على سبيل الاحتجاج على أهل الكفر والباطل) ، فأما الكتاب فقد أثبت منه ما أثبت وقد نسخ منه ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب ناسخاً لشريعة سابقة.

وفيما يلي سنتتبع مفردة “الكتاب” في القرآن وفي الحديث الشريف لنجد أنها في كل مواضعها تدل على الشرائع والفرائض والواجبات .

 

تتبع مفردة “الكتاب” في القرآن الكريم

 

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } [البقرة:44]

 

هنا يخاطب الله أهل الكتاب فقرن مفردة الكتاب بالأمر والنهي وذلك مقتضى مفردة “الكتاب” ولم يقل التوراة لأن المراد هنا اتباع واجبات الشريعة وفرائضها ، ولو عدنا للآية السابقة لمراعاة السياق لرأيناها تتحدث عن الشرائع والفرائض (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِين).            

 

{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [البقرة:53]

 

وهما وجهان من وجوه التنزيل على موسى ، الأول الشرائع والواجبات وهو (الكتاب) والثاني هو (الفرقان) وهو كل ما نزل على سبيل الاحتجاج والتفريق بين الحق والباطل و كلا التصنيفين ينطبق على ما نزل أيضا على نبينا صلى الله عليه وسلم.

 

{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}  (79البقرة)

 

أي يفرضون شرعاً ويوجبون أمراً مدعين أنه من الله ليجمعوا المال من الناس بالباطل (الثمن القليل) وهو ليس من الكتاب بل كتبوه بأيديهم فأدخلوا في الوحي ما ليس منه.

 

{ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [البقرة:85]

 

فأتت مفردة الكتاب في معرض الحديث عن الأمر والنهي والفرض والواجب والترك فناسب الإتيان بمفردة الكتاب للاشارة لما يناسبها وهو الأمر والنهي.

 

{قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ } [الأحقاف:30]

 

وهنا يحسن بنا التأكيد على وجود التفريق بين الكتاب كأوراق مصففة بين غلافين والكتاب بمعنى (الشرع والفرض) وما كُتب على الناس من واجبات ومنهيات ، وهنا نذكر بأن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أتت ناسخة لشريعة موسى لأن عيسى ما أتى إلا متبعاً لموسى عليهما السلام وللكتاب الذي تضمنته التوراة (الشريعة)  وليس مجدداً بشريعة أخرى سوى بعض التخفيف عن بني اسرائيل فسمي اليهود والنصارى في القرآن أهل الكتاب أي اتباع الشريعة شريعة موسى كما أسلفنا من قبل :

 

{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } [آل عمران:50]

 

فهو عليه السلام في الأصل متبع للتوراة ولشريعة موسى عليه السلام وإذا نزل آخر الزمان أتى متبعاً أيضاً لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

 

قال صاحب التحرير والتنوير رحمه الله:

ووصْف الكتاب بأنه { أنزل من بعد موسى } دون : أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن «التوراة» آخر كتاب من كتب الشرائع نزل قبل القرآن ، وأما ما جاء بعده فكتب مكملة للتوراة ومبينة لها مثل «زبور داود» و«إنجيل عيسى» ، فكأنه لم ينزل شيء جديد بعد «التوراة» فلما نَزل القرآن جاء بهدي مستقل غير مقصود منه بيان التوراة ولكنه مصدق للتوراة وهادٍ إلى أزيد مما هدت إليه «التوراة» إ هـ .

 

{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}  ( البقرة 176).

 

فأتت مفردة الكتاب متلازمة مع الشرائع والفرائض فنراها قد سُبقت بأحكام الذبائح وتلاها تفاصيل لشرائع وفرائض الوصية وأحكامها ونذكر منها على سبيل المثال قوله تعالى:

 

{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}   (183البقرة )

 

ما فُرض فهو فريضة وما أوجِب فهو واجب وما شرع فهو شريعة وبالتالي فإن ما كتب فهو كتاب.

 

وقد ترافقت مفردتي (الحكم) و(الكتاب) ليتحقق جلياً مفهوم التشريع والحكم به على المؤمنين من قبل أنبيائهم أو من تولوا أمرهم في هذه المفردة فيقول تعالى:

 

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [البقرة:213]

 

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ } [آل عمران:23]

{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } [آل عمران:79]

{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } [النساء:105]

{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [المائدة:48]

وهذه الآية الكريمة من أبرز وأوضح ما يبين أن الكتاب هو الشريعة والمنهاج وجدت أولها عند أهل الكتاب فكانت الشرعة والمنهاج الذي هيمن عليه الكتاب الذي أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

 

{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } [هود:1]

ولو طبقنا مفهومنا للكتاب على هذه الآية لوجدناه متسقا منضبطا فالآيات المحكمات هي الشرائع المجملة الواردة ضمن القرآن الكريم وأتى بعد ذلك “ثم” التي تفيد الترتيب على التراخي وهو الجزء من الكتاب الذي أوحي به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فكان سنته القولية والفعلية تفصيلا للمحكم من الكتاب.

 

{أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } [الأنعام:114]

وهنا أيضا نجد مفهوم الآية متمما للتي سبقتها ، فالله أنزل الكتاب مفصلا فكانت صفة الصلاة مثلا التي فصلت في السنة مشابهة إلى حد كبير لصلاة اليهود لذلك قال تعالى “وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ” ذلك أن تفصيل الشرائع مطابقة لما هم عليه من الكتاب لأنهما من مشكاة واحدة.

وفي الآيتين السابقتين نجد أن (التفصيل) يتلازم مع الكتاب (التشريع).

 

{يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } [مريم:12]

وهكذا يتلازم الكتاب والحكم وتتراوح القوة مع الشريعة “الكتاب” لأن تحقيق شرع الله وفرضه في الأرض يستلزم الحزم والقوة ونبذ التراخي والتجاهل والتساهل.

 

{وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } [الجاثية:16]

{مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ}  (القلم 38)

 

ونجد هنا أيضاً التلازم بين الحكم والكتاب.

 

{ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ } [فاطر:29]

 

وهنا يجدر بنا تبيان مفهوم التلاوة ، فتلاوة كتاب الله هنا لا تعني قراءة القرآن بل اتباع شرائعه، فقوله تعالى (يتلون) أي يتبعون فالتالي هو المتبع ، وكتاب الله بمعنى فرائضه ونلحظ كيف أتت الفرائض المقصودة بعد ذلك في قوله (وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم) فأنت بصيغة الماضي بينما تلاوة كتاب الله التي سبقتها ورجاء التجارة التي لن تبور فكانت الواو العاطفة في (وأقاموا) قائمة محل الفاء السببية وأتت بصيغة المضارع ليستقر المعنى التالي :

 

إن الذين يتبعون شرائع الله وفرائضه فيـصومون وينفقون فإنهم يرجون تجارة لن تبور.

 

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [البقرة:121]

وهنا يكون اتساق المعنى فالذين يتلون الكتاب حق تلاوته أي:  يتبعون الشرع حق الاتباع ، أولئك باتباعهم هذا يثبتون إيمانهم بشريعة الله ، ولو كان المراد بتلاوة الكتاب قراءة القرآن فإن ذلك لن يكون كافياً لإثبات الإيمان ما لم يرافقه اتباع لما افترض الله على عباده من واجبات وشرائع فنجده تعالى يقول (أولئك يؤمنون به) فأثبت صفة الإيمان لمتبعي الشرع الذي آتاهم الله وأما القراءة وحدها فلا تكفي لإثبات الإيمان.

قبل ان ننظر فيما ورد مختلفاً عما سلف وددت ان أوضح الوجه الآخر من التلاوة ، فقد تحدثنا عن تلاوة الكتاب وقلنا أنها اتباع الشرع والواجب وترك المنهيات والمحرمات ، ولكن ماذا عن تلاوة الآيات ؟

إن (تلاوة الآيات) و(تلاوة القرآن) كما سياتي تعني قراءة اتباع وخضوع وإذعان ، وقد سبق في بحث سابق تبيان مفهوم التلاوة إجمالاً على أنها قراءة أوامر من سلطة عليا قراءة خضوع وإذعان واتباع فالقارئ لا يقرأها مجردة بل يتبع ما جاء فيها ويأتمر بما فيها من أوامر ، فعموم المعنى لمفردة التلاوة هو الاتباع والخضوع والاذعان وليس القراءة المجردة.

 

مَوَاضِعُ الاخْتِلاَفِ عَمَّا ذُكِر

 

هناك موضعين في القرآن الكريم ربطت فيه القراءة بالكتاب والتلاوة بالقرآن خلاف المواضع الأخرى التي مررنا عليها وتوجيهها هو كما يلي:

{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} (94) يونس .

فقال (يقرءون الكتاب وليس يتلون الكتاب ) والمراد (اليهود والنصارى) وكتابهم فيه نبوءة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو كتاب (فرض وأمر) ولكنهم لا (يتلونه) أي لا يتبعونه (في هذا الأمر) بل يقرأونه لأنهم لو اتبعوه لاتبعوا دعوتك المكتوبة في الكتاب المفروض عليهم ، ولكنهم لا يتلون الكتاب حق تلاوته بل (يتبعون الشريعة) في فرائض أخرى ولكن تحديداً كانت الآية تعني الجزء الخاص بالإخبار بمجيئه صلى الله عليه وسلم وفرض اتباعه على الأمم كافة ، وتقدير الآية (فاسأل يا محمد الذين يقرأون ما أنزل إليهم من الكتاب ويجدون البشارة بمجيئك)

 

{ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ} (92) النمل .

 

وقد قلنا بأن القرآن اشتمل على كتاب وذكر وحكمة وموعظة ، وتلاوة القرآن لا تتعارض مع قراءته ، فالتلاوة تعبد باتباع ما فيه من الكتاب وقراءة القرآن تعبد بالقراءة ، والكافر المخالف إذا قرأ القرآن لا يصح القول (يَتلوَ القرآن) لأنه غير متبع فهو يقرأ ولكنه لا يتلو ، والتلاوة متلازمة مع القراءة فليس كل قارئ تالٍ ولكن كل تالٍ قاريء بالضرورة ، وهنا نجد أن الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للكافر المخالف أنني أمرت باتباع ما يوحى إلي (القرآن) وأفرده دون الوحي الآخر لأنه وجه الإعجاز الذي كان الحجة والبينة الرئيسية التي أوتيها نبينا صلى الله عليه وسلم.

 

المطلب الثالث : مفهوم التأويل

التّأويْل : مَآلُ الأَمرِ الغَامِضْ وَ مَقْصِدُهُ وَمُنْتَهَاهْ.

وما هو على مراد الله تعالى من القول على وجه الدقة ، وسمي تأويلاٍ لأنه يحمل على (أوّل) معنى مقصود من القول ، وهو منتهى حقيقة الشيء حسب مراد الله.

أما التَّفْسِيْر : رَأيُ القَاَرِئِ فِيْ النَّصِّ بِنَاءً عَلَى قَرَائِنَ وَدَلالاتٍ وَاسْتِنْبَاط .

وقد يصيب التفسير تأويلاً وقد لا يصيب ، والتفسير يحمل أوجه عدة قد تصح وقد لا تصح فهي اجتهاد يعمل المفسر فيه عقله أما التأويل فهو لا يحتمل الخطأ ، وقد يحتمل النص تفسيرات مختلفة باختلاف العصور والأزمان والظروف وقد تصيب كلٌ في وقته والظرف المحيط به ولكن التأويل واحدٌ لا يتغير ، ويمكن الاجتهاد و القول بتفسيرات متعددة كما اسلفنا ولكن لا يجوز الجزم بتأويلٍ إلا ما أوَّلهُ الله لنا في كتابه.

لننظر في كتاب الله ونتتبع مفردة التأويل :

وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف:6]

ففي الوقت الذي يحتمل التفسير معانٍ عدة فيها الصواب وفيها الخطأ فإن التأويل لا يحتمل الخطأ لذلك كانت معرفة يوسف  بقراءة الرؤى وتعبيرها تأويلاً لا يحتمل الخطأ وليس تفسيراً لأن الله  من علمه هذا العلم ، وتعبير الرؤى يسمى تفسيراً فإن وقع مثل ما عبره المعبر كان تأويلاً لموافقته لحقيقة الرمز.

 

{قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:78]

 

فما أخبر به الخضر إنما كان من خبر الله له فكان تأويلا على مراد الله أما لو كان اجتهاداً يتلمس المراد مما لم يستطع عليه صبراً لسمي ذلك تفسيراً

 

وعندما دعى الرسول  لابن عباس  ففي المستدرك على الصحيحين للحاكم عن ابن عباس ـ  ـ قال: كان رسول الله  في بيت ميمونة فوضعت له وضوءا فقالت له ميمونة: وضع لك عبدالله بن العباس وضوءا، فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي والعراقي والبوصيري والألباني.

فلا شك ان الدعاء بالتاويل هو ابلغ فالتأويل معرفة مراد الله على وجه الدقة وإلا فالتفسير يقول فيه كل أحد ولكن لا يوافق قول التأويل إلا من فتح الله عليه أو أكرمه بدعوة النبي  كابن عباس  وأرضاه (بغض النظر عن صحة الروايات المنسوبة إليه في زماننا هذا).

 

ونعود للآية موضع البحث:

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [آل عمران:7]

 

وهنا فقد قلنا بأن المراد من المحكم هو القرآن الكريم فكله محكم ، وأما المتشابه فهو (بعض السنة والحديث) وليس كله والتبعيض أتى في الآية الكريمة لا يدل على أن كل السنة متشابه بل أن المتشابه لا يخرج من الفرائض (الكتاب) الوارد في السنة النبوية المطهرة.

ولكن كيف يكون ابتغاء التأويل:

عندما يبتغي من في قلوبهم زيغ تأويل تفصيل الكتاب ولِمَ كانت الركعات في الصلوات كذا ، أو أحكام النسك المختلفة من أحرام ورجم وميقات وعدد اشواط طواف وغيرها من الأحكام الواردة مجملة في القرآن وفصلت في السنة كالزكوات والصدقات وتفصيل الشرائع النازلة في ضمن الحديث الشريف فيستخدمون تلك الاسئلة في الطعن في الشريعة كما نرى اليوم من طعن في الاحكام والحدود والحجاب بل وحتى الصلاة فهذا الأمر واقع منذ زمن النبي  إلى يومنا هذا.

 

المطلب الرابع: مفهوم المحكم والمتشابه

 

والآن وقبل أن نعرض ما توصلنا إليه سنلخص ما سبق فنقول وبالله التوفيق:

 

أولاً: إن مفردة الكتاب في القرآن الكريم تعني الفرائض والشرائع ولا يقصد بها ما بين دفتي القرآن من أوراق مكتوبة.

ثانياً: إن الكتاب (الشرع والواجبات) ليست حصراً ضمن القرآن الكريم فقد نزلت على النبي ضمن سنته القولية والفعلية وتواترت إلينا.

ثالثاً: وبالتالي فإن (القرآن) لا يقصد به (الكتاب) فالقرآن يشتمل على جزء من الكتاب وكما يشتمل على الفرقان وهو ما نزل في القرآن على سبيل الاحتجاج على أهل الكفر والباطل.

رابعاً: إن تلاوة الكتاب لا تعني قراءة القرآن ، فقراءة القرآن أتت بهذا التعبير مباشرة أما تلاوة الكتاب فكانت تشير إلى اتباع الشرائع المكتوبة (المفروضة).

 

وبالتالي وعلى ضوء ما تقدم من مفاهيم فإن المحكم من الكتاب هو:

 

{مَا أنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الشَّـرَائِعِ وَالفَــرَائِضِ وَالأَمْــرِ وَالنَّهْيِ بِالإتْيَــانِ والتَّــرْكِ ضِمْــن القُــرْآنِ الكَــرِيْم وَ آيَاتِهِ وَ سُــوَرِهِ.}

 

والمتشابه من الكتاب هو:

 

{مَا أنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الشَّرَائِعِ وَالفَرَائِضِ وَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالإتْيَانِ والتَّرْكِ ضِمْن سُنّةِ مُحَمَّدٍ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم القَوْلِيَّةِ وَالفِعْلِيَّةِ المُتَوَاتِرَةِ والصَّحِيْحَة.}

 

ولعل فهم مسمى (المتشابه) يقودنا لتأكيد التعريف الذي وصلنا إليه ونلحظ أن تصنيف مواضع من القرآن على أنه متشابه ليس لثبوت كونه من المتشابه بنص شرعي بل لأن من نسب إليه التشابه خفي عليه معناه أو جهل توجيهه فلجأ لتصنيفه من ضمن المتشابه.

ولذلك فإن المتشابه الذي يصنف من القرآن الكريم ليس من الثابت نسبة التشابه إليه فالأمر متعلق بالقارئ وليس بحقيقة النص.

إن مفردة (المتشابه) تدل في أصلها على وجود مشبه ومشبه به بينما نجد المنسوب إليه التشابه لا يعلم مشبه بماذا ؟؟.

 

قراءة في أحد الأقوال

جاء في كتاب (الواضح في علوم القرآن) الفصل الثالث نماذج من الآيات المنسوب إليها التشابه ، وقبل أن أقتبس النص المشتمل على تلك الآيات فإني أدعو القاريء الكريم الى تحديد ماهية التشابه ومع ماذا تتشابه ؟ وسيغلق على كل قارئ فلن يجد أية صورة من صور التشابه يقول الكاتب معدداً نماذج من المتشابه (على حد قوله) :

” قال الله تعالى:

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ} [المجادلة: 7].

{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85].

{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا} [الطور: 48].

وقال سبحانه: {الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى} [طه: 5]

{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ} [الزخرف: 84]

{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 3].

وقال جل جلاله: {وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22].

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ} [البقرة: 210].

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً} [الأنعام: 158].

وقال سبحانه: {يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]

{وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54- 55].

تلك آيات من المتشابه من جهة المعاني في القرآن الكريم، ولا سبيل إلى معرفة حقيقة المراد بها”.

انتهى كلامه.

 

فما هو السبيل للإقرار بأن الآيات الآنفة من المتشابه؟ وأين المشبه والمشبه به في تلك الآيات؟ وإذا كان المتشابه قد ذكر في القرآن فتحديد ماهيته وموضعه يجب أن يكون من القرآن وما نراه هو رأي بشري ليس له سند من وحي قرآني أو حديث نبوي.

إن الآيات الآنف عرضها في كتاب الواضح في علوم القرآن لها توجيه وفهم متفق مع مثيلاتها وأوجه متعددة من التفسير وليست مبهمة فالله جل وعلا أنزله قرآنا عربياً ليفهمه الناس ويعوا حروفه وكلماته وجعله مبين واضح لا لبس فيه ولا اختلاط ، ولو قيل إنها (مشتبهة) لكان الأمر مفهوماً ، فالاشتباه في مفاهيم الآيات واقع وممكن ولكن أن يقال (متشابه) وجب حينذاك أن يوضح المشبه والمشبه به وهذا ما لا يتوافر في الآيات المذكورة.

 

شَوَاهِدٌ قُرْآنِيَّةٌ عَلَى مَعْنَى التَّشَابُه

 

إن معنى التشابه في القرآن الكريم واستعمال هذه المفردة لم يأتِ إلا بتوضيح المشبه والمشبه به وسأعرض بعض أمثلة على ذلك:

 

{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [البقرة:25]

 

وهنا يفهم التشابه بوجود مقارنة بما رزقهم الله في الدنيا مع ما رزقهم به في الجنة فكانت المقارنة بين صنفين .

 

{ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } [البقرة:70]

 

وهذه صورة أخرى يوضح فيها أن التشابه حدث بين البقر وبين الوصف الذي تلقوه للبقرة المقصودة.

 

{ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [الزمر:23]

 

والتشابه هنا ليس المراد به ما يتبعه أهل الزيع (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة) بل تشابه آياته في حسن نظمها وكمال سبكها وتشابه أحكامه وتكاملها بين القرآن الكريم وبين السنة النبوية المطهرة.

 

وجْهُ نِسْبَةُ التَّشَابُه لِلسُّنَّة

 

نحن توصلنا إلى أن القرآن الكريم محكم كله وأن السنة المطهرة هي المقصودة بالتشابه ووجه نسبة التشابه للسنة هو أن الحديث النبوي يشابه قول البشر ولكن القرآن لا يتشابه مع قول البشر وقول البشر لا يشبه القرآن الكريم فالكتاب المضمن في القرآن من الفرائض والواجبات واضح بيّن لا يمكن لأحد أن يدخل فيها ما ليس منها ولكن الحديث النبوي وصف للوحي النازل على نبيه صلى الله عليه وسلم بلسانه فكان متشابهاً مع كلام البشر ولذلك تعرضت السنة للطعن والتشكيك والإنكار من أهل الزيغ والانحراف.

ومن آثار التشابه على السنة النبوية هو الوضع فيها ونسبة الحديث المكذوب للنبي صلى الله عليه وسلم فكان علم مصطلح الحديث سبيلاً لتنقية الحديث من الكذب ، بينما لم يحدث ذلك مع القرآن الكريم لأنه محفوظ بالتواتر ولا يشابه كلام البشر حتى يضاف إليه ما يحرف معناه أو محتواه.

ومن صور (التشابه) في الإرث النبوي الشريف هو تشابه أقواله البشرية صلى الله عليه وسلم التي لم يكن لها علاقة بإتيان الوحي والتشريع مع أحاديث التشريع النازلة عليه من ربه يعلم بها أصحابه التي نعدها حسب مؤدى هذا البحث من “الكتاب”

 

ومن امثلة ذلك ما ورد في صحيح مسلم :

” عن موسى بن طلحة عن أبيه قال مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل فقال ما يصنع هؤلاء ” فقالوا يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” [ ما أظن ] يغني ذلك شيئا ” . قال فأُخبروا بذلك فتركوه فأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال ” إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني [ إنما ظننت ظنا ] فلا تؤاخذوني [ بالظن ] ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل ” )

 

وفيما قرأنا يتبين لنا كيف يكون المتشابه ، فهو من جهة تشابه كلام النبي صلى الله عليه وسلم بطبيعته البشرية مع كلامه الذي يحكيه عن ربه غير القرآن .

 

ملخص مفهوم الآية الكريمة

 

وعلى ضوء ما تقدم من تفصيلات للمفهوم الذي نراه للمتشابه والمحكم فإن هذه الآية يكون مفهومها كالتالي :

 

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ : والمراد بالكتاب الشرائع والفرائض

 

مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ : وهي ما ذكر في القرآن من الشرائع والفرائض دون بقية آيات القرآن من المواعظ الامثال والقصص والذكر والتنزيه والتعظيم ، يقول تعالى :  الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ  [هود:1] واسميت (ام الكتاب) لأنها أتت مجملة تفرض الحكم الكلي ثم تفصيل الكتاب يبين ذلك المجمل.

 

وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ : هي ضمن الجزء الآخر من الكتاب (الفرائض والشرائع) تشابهت مع قول البشر ولكنها نزلت على النبي من الله وليست من بنات افكاره ولكنها نطقت بلفظه  وليست من القرآن ، ونجد فيها تفصيل للمحكم وتبيان للأحكام .

 

فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْــه : منه أي من الكتاب فإن المنافقين والمرجفين يقعون في الشرائع التي نزلت ضمن السنة النبوية فيطعنون فيها ويشككون في صحتها ويدعون تأويلها على غير حقيقة.

 

ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ : ليفتنون الناس ويصرفونهم عن الكتاب (الشريعة) ويتهيأ بذلك الطعن في القرآن وصرف معانيه إلى غير ما بينته السنة حيث انهم “على حد زعمهم” اسقطوا السنة وشككوا فيها.

 

وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ : الضمير في تأويله يعود على (الكتاب ) ويصح أن يكون الضمير يعود على المتشابه من الكتاب أي الشرائع والفرائض المفصلة في السنة النبوية الشريفة بتتبع مراد الله من تلك الشرائع وصرفها عن حقيقتها إلى ما يوافق اهوائهم كصرف حكم القطع عن معناه الصحيح ، وكالرجم و الجلد واستلام الحجر وأحكام الشريعة عامة .

 

وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ : فالمراد من الكتاب الاتباع بلا نقاش ولا رد ، بل قبول للشرائع وتنفيذ لها كما نزلت وكما أمر بها الله في الكتاب (القرآن ، السنة) فهو وحده يعلم تاويله وحقيقة منتهاه ومآله.

 

وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا : جملة منقطعة ، تعني أن الراسخين في العلم يؤمنون (بالكتاب) محكمه ومتشابهه ، ما نزل ضمن القرآن الكريم مجملا محكما وما نزل ضمن السنة النبوية متشابهاً.

 

وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ : فمن كان من اصحاب العقول السليمة والفطرة النقية الخالية من الزيغ فإن الذكرى بهذا الأمر تتحقق لهم فكل ما تعرضوا لمحاولة صرفهم وفتنتهم عن الكتاب (قرآنا و سنة) تذكروا فعادوا إلى الحق وثابوا إلى الرشد والصواب.

صورة توضيحية لمفهوم المحكم والمتشابه

توضيح مفهوم المحكم والمتشابه

الوحي وتوضيح المحكم والمتشابه والمجمل والمفصل وما يخرج عن ذلك

صور اتباع أهل الزيغ للمتشابهات

ما فتئ أهل الزيغ والفتنة والفساد ينتقصون من الكتاب المفصل “السنة النبوية” طاعنين في السنن بصور عدة نذكر منها:

  • التشكيك في صفة الصلاة.
  • التشكيك في الحدود الشرعية.
  • التشكيك في الحجاب والجلباب
  • الطعن في المناسك كاستلام الحجر والطواف والرمي ونسبة ذلك للوثنية، مبتغين تأويل تلك الأحكام ومعلوم أن الله وحده يعلم تأويلها والحكمة التشريعية منها.
  • التشكيك والطعن في الجهاد وأحكامه .

وغير ذلك كثير من أحكام الشرع عامة والأحكام المفصلة في السنن النبوية على وجه الخصوص ، فظهرت الفرق المنحرفة كالقرآنيين وغيرهم ممن ينبذ السنة الشريفة ويسعى للاستهزاء بها والطعن والتشكيك في صحتها وسلامة توافرها.

أما المؤمنين المتقين فيتبعون الكتاب محكمه “ما جاء في القرآن” ومتشابهه “ما جاء في السنة النبوية المطهرة” مؤمنين بأن القرآن والسنة كلاهما من عند الله إيمان لا يخالطه شك

إن هذا الفهم للمحكم والمتشابه متسق مع الواقع وتتحقق من خلاله مصالح عظيمة للدين ولمصادر التشريع في ظل الهجمات الشرسة الموجهة للإسلام ولكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم نذكر منها:

  • تثبيت قلوب المؤمنين تجاه سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ودفع الإيهام والاضطراب الذي يحدثه الطاعنون في الحديث الشريف من أبناء الإسلام ومن أعدائه تجاه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وسنته القولية والفعلية.

  • تحقيق القول بالإحكام للقرآن الكريم كله وعدم نسبة التشابه إليه مع أي من اقوال البشر.

  • تحقق قاعدة رد المتشابه إلى المحكم فالنص المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم المتعارض مع القرآن الكريم لا شك أنه مكذوب عليه صلى الله عليه وسلم وهنا تتحقق فائدة رد المتشابه إلى المحكم وهذا من أصول علم مصطلح الحديث الذي نقل إلينا السنة النبوية الشريفة مهذبة مبينة واضحة .

وختاماً فأرجو من الله جل وعلا أن يرينا وإياكم الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وييسرنا جميعاً لاتباع كتاب الله على الوجه الذي يرضيه عنا وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

تَصْنِيْفُ الأَصْنَاَفِ فِيْ تَعْرِيْفِ أَصْحَاَبِ الأَعْرَاف

بسم الله الرحمن الرحيم

تصنيف الأصناف في تعريف أصحاب الأعراف

يقول الحق سبحانه وتعالى :
وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) الأعرف
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وجنده
الآيات المباركات الأربع من سورة الأعراف هي الآيات الفريدة الوحيدة التي تتحدث عن هذه الفئة من الناس يوم القيامة والذي يظهر من السياق تأخرهم عن الناس في الفصل والقضاء وينتهي بهم الأمر للجنة مناً وكرماً ورحمة من الله رب العالمين.
لم يرد لأصحاب الأعراف ذكرٌ في أي موضع آخر في القرآن ولم يرد نص صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعريف أولئك الناس ومن يكونون وماهو حالهم عدا حديث مرفوع ولو كان صحيحاً لما اختلف المفسرين بعده فضلاً عما يشكل عليه من إشكالات ، وجل ما نقل فيهم أقوال منسوبة لابن عباس رضي الله عنه وأقوال المفسرين رحمهم الله تعالى.
وقد ورد التفصيل والرأي في حال أصحاب الأعراف على أقوال شتى تجاوزت اثني عشر قولاً ، وطالماً لم يفصل في الأمر فالمجال رحب في قراءة السياق وربط معطيات الآيات الكريمة مع سواها لاستجلاء حال أولئك الناس ، ولن أغرق في تفنيد الأقوال وما يشكل عليها فبعضها بيّن التهافت والضعف كالقول بأنهم ملائكة والقول بأنهم أولاد الزنا ، أما أقواها (وهو القول بأنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فحجزوا بين الجنة والنار) فعليه مآخذ عديدة أبرزها أن الله وصفهم بقوله (رجال) ولم يرد في كتاب الله مفردة رجال لتشمل الجنسين بل في كل موضع شمل الجنسين كان يذكر رجال ونساء وبالتالي فلا يستقيم ذلك القول مع مقتضى الآيات .
ثم بعد ذلك سأبدأ في منهج استجلاء الآيات بتتبع أحوال الناس يوم القيامة وكيف يتميزون عن بعضهم البعض ؟ ، وماهي أسس تمييز الخلق يوم العرض الأكبر ، وكيف تم تمييز أصحاب الأعراف وبالتالي استنباط سبب تمييز أولئك القوم استناداً على ما قد وصلنا من الهدي النبوي الشريف عن حال الناس يوم القيامة ، وفي الخلاصة نبين التوجيه الذي نرى صحته في حال أصحاب الأعراف بكل إقناع وتبيان إن شاء الله ، فإن أصبنا فربِّ ثوابكَ وأجريكَ ، وإن أخطأت فمغفرتك وعفوك وأجرك.
أحوال الناس وأصنافهم يوم القيامة
لكي نتعرف على أصحاب الأعراف يجب أن نستعرض أحوال الخلق يوم العرض بين يدي الله ، فلو علمنا حال المجرمين الذين يستكبرون عن السجود لله في الدنيا فإنهم يحرمون منه يوم القيامة فتتصل سوقهم بأفخاذهم فلا يقدرون على السجود ، فيكون حالهم متعلق بحالهم في الدنيا ، فإن قيل أن قوماً يحاولون السجود فلا يستطيعون فسنستدل على حالهم وعملهم في الدنيا بحالهم يوم القيامة.
ولو أخبرنا عن رجل خفي حسابه عن الناس ولم يعلم أهل الموقف بذنوبه علمنا بأنه كان يستر الناس فستره الله في الآخرة ، وهكذا فإن أحوال الناس يوم القيامة يستدل بها على حالهم في الدنيا والأمثلة لذلك اكثر من أن تعد وتحصر في كتاب الله تعالى وفي الحديث الشريف عن نبيه صلى الله عليه وسلم،ولذلك واستناداً لهذه القاعدة فإن أفضل أدوات فهم هذه الآية هو تتبع سمات أهل الأعراف وحالهم في الآخرة.
* دلالة “سيماهم” في قصتهم
نلحظ استعمال مفردة “سيماهم في موضعين في قصة أصحاب الأعراف ، فقد تعلقت المفردة بأصحاب النار ، وأصحاب الجنة (يعرفون كلا بسيماهم) ، وهناك فئة ثالثة تتميز من ضمن أهل النار وهم الذي قيل فيهم (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ) وهؤلاء فيما يبدو يتميزون بسمات عن بقية أهل النار.
* ارتباط الأعراف بالمعرفة
ذكرت مفردة الأعراف في الآيات مرتين ومفردة (يعرفون) مرتين فكانت دلالة المعرفة في القرآن أن الجمع كلهم متعارفين يعرف بعضهم بعضاً من الدنيا وليسوا مجاهيل فلهم ببعضهم علاقة في الدنيا انعكست على موقفهم في الآخرة ، ولهم عمل في الدنيا انعكس وظهر على حالهم في الآخرة.
سيماهم وما يعرِّفنا بهم ويعرفُّهُم بمن في الآية
هنا نستعرض سيماهم التي ذكرت في الآيات الكريمة لنستدل على هويتهم ونعلم من أولئك الرجال فنقول وبالله التوفيق:
أولاً : هم رجال مؤمنون من بني آدم  وليس بينهم جنس غير ذلك أو خلق آخر كالملائكة وغيرهم وليس بينهم نساء وهذا واضح ثابت في الآيات الكريمة.
ثانياً : أنهم معروفين معلومي الأسماء والهوية لأهل الجنة ولأهل النار فقد وضعوا على الاعراف لأنهم معروفين في الدنيا فعرَّفهم الله في الآخرة وأبرزهم عن سواهم لأنهم في الدنيا كانوا كذلك وقلنا أن حال الخلق في الآخرة انعكاس لحاله في الدنيا ولكن لا يحب أحد من الخلق التشهير به في يوم العرض والحساب ، فهم على الأعراف رغماً عنهم ليس لهم وسيلة للنزول إلى الناس والسير معهم ودخول الجنة (لم يدخلوها وهم يطمعون).
ثالثاً : أنهم متأخرين في الحساب وظاهر الآيات ينبئنا بأنهم آخر من دخل الجنة ، وهنا دلالة بأنهم كانوا متقدمين في الدنيا على الخلق فأخرهم الله عن أهل المشهد في الآخرة.
رابعاً : أن من تألى على الله وأقسم فقال ( لا ينالهم الله برحمة) قالها عنهم في الدنيا تألياً على الله فلقي عقوبة ذلك بأن دخل في ضمن أهل النار وميز بعلامة وسمات عرفها أصحاب الأعراف.
خامساً : أن الغاية من تعريف أهل المشهد بهم ووضعهم على الأعراف ليُعرَفوا وليشهد الناس كلهم حسابهم فهذه سيماهم ، كما أن الساجدين تظهر سيماهم في وجوههم من أثر السجود في الدنيا فارتبطت السمة بسمة أخرى في الآخرة في الموضع الذي ارتبط به حال السجود وهو الوجه ، وكذلك أهل الأعراف فإن سيماهم في الأعراف التي هم عليها.
أصحاب الأعراف ومن يكونون ؟
استدلالا واستنباطاً مما تقدم من خلاصة مفهوم الآيات الكريمة فإن أصحاب الأعراف هم ولاة المسلمين وأئمتهم من الحكام والملوك ، فهم من ينطبق عليهم هذا الوصف:
    أولا : الحاكم الشرعي المسلم رجل ولا ينبغي أن يكون امرأة وهذا أصل فقهي لا نختلف عليه ، ولو شذ رأي بالقول بغير ذلك فهو لن يغير الواقع بأن حكام المسلمين بل وجل غير المسلمين رجال.
                        ثانياً : أن هؤلاء الحكام والأئمة والولاة معروفين عند عامة الناس معلومي الهوية وقلنا أن حال الخلق يوم القيامة أن تكون سيماهم انعكاس لحالهم في الدنيا وسيما أصحاب الأعراف كانت العلو والسلطة والارتفاع عن الناس في الدنيا فرفعهم الله وعرَّفهم للناس يوم الوقوف بين يديه ولكنهم لا يملكون النزول عن الاعراف الشاهقة ليلحقوا بأهل الجنة كما كانوا يملكون النزول عن عروشهم في الدنيا.
                       ثالثاً : أن تأخرهم لازم لأنهم رعاة ومسئولين عن رعيتهم فيستحيل دخول أحدهم الجنة لأحد من رعيته مظلمة عنده فينبغي أولاً سؤاله و الاقتصاص منه قبل الدخول للجنة أو للنار ، ونتيجة ذلك أنهم سيكونون آخر من يغادر أرض الموقف العظيم.
                       رابعاً : أن مناوئي الحكام وأعدائهم طالما رموهم بالكفر وشتموهم وانتقصوا من دينهم وإيمانهم وكفروهم فينطبق عليهم التألي على الله وهذا من أخطر الكبائر أن يجعل الإنسان نفسه مكان الإله يحكم بجنة  أو بنار ، فيدخل الله أولئك المتألين للنار ، ويمن على أصحاب الأعراف بدخول الجنة منَّاً وكرماً وعطاءً منه جلت قدرته وإلا فهم أخطر الخلق حالاً وأقربهم للعقاب لما للناس عندهم من مظالم وحقوق.

تحليل الاقوال في أصحاب الأعراف والرد عليها

بعد أن برهنتُ وسقتُ الاستنتاجات والاستنباط بأن أصحاب الأعراف هم ملوك المسلمين وولاتهم يوم القيامة وجدت أن تفنيد الأقوال التي خاضت في مسألة أصحاب الأعراف أمر هام للغاية لبيان ضعف تلك الأقوال ومواطن تعارضها مع القرآن الكريم والحديث الشريف فنقول وبالله التوفيق:
القول الأول : أن أصحاب الأعراف هم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم فجازت بهم حسناتهم عن النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وسأردُّ عليها في موضعين يكفي أولهما عن التالي ولكن للإحاطة بما يمكن الإحاطة به.
1- أن المشار إليهم في الآية رجال ولا يوجد بينهم نساء بينما تساوي الحسنات والسيئات لا يقتصر على جنس دون سواه فقد يحدث التساوي للنساء كما هو للرجال ، وكذلك فإن القرآن الكريم يستعمل مفردة (رجال) للرجال دون النساء وكل المواضع التي تشمل الرجال والنساء نجد الآيات تفرق فتذكر الرجال ثم تذكر النساء ولا تجملهم تحت اسم واحد ، ومن الأمثلة قوله تعالى : وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء:32] ويقول تعالى : إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء:98] وقوله تعالى : أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل:55]
والآية التي يحتج بها البعض أنها تحتمل التغليب وهي قوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهعَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23] فلو تجاوزنا سبب النزول الذي يبين أن المراد هو الرجال دون النساء فإن الإشارة فيها إلى الرجال (من المؤمنين) تبعيضاً ، والمراد المؤمنين المجاهدين في سبيل الله والجهاد والقتال يكلف به الرجال من المؤمنين ولا يلزم النساء فكانت الإشارة للرجال تبعيضاً من بقية المؤمنين.
2- يظهر من الآية أن مِن أصحاب النار من سبق منه التألي بأن هؤلاء بأعيانهم لن ينالهم الله برحمة وهذا لا شك أنه في الدنيا ففي موقف العرض كلا شغل بنفسه عن سواه والموقف موقف جزاء على أقوال وأعمال الدنيا ، فما وجه الربط بين تألِّي أهل النار على من تساوت حسناتهم وسيئاتهم ؟؟ هل علموا من الدنيا أنهم سيقفون على الأعراف ويتأخرون عن دخول الجنة واللحاق بالمؤمنين ؟؟ ومن اين لهم القول بذلك بمعنى ماهي القرينة التي تسوغ لنا فهم هذا الحوار بهذه الصورة ؟؟.
القول الثاني : أنهم الملائكة :
وهو قول متهافت لم يكلف القائلنفسه بالبحث والاستقراء وهو قول لا يستحق الالتفات ولكني لا أستبعد أن هناك من يقول به ومقتنع بذلك فالرد عليه:
1-أن الملائكة مخلوقات تختلف عن جنس بني آدم فهم لا ينقسمون لرجال ونساء يقول تعالى : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام:9] فالملك لا ليس برجل ولكنه في حال ارسله الله فإنه يجعله يشبه رجال بني آدم.
2-أن الملائكة مخلوقات غير مكلفة فهي لا تذنب حتى تتستوجب المغفرة وبالتالي فهي لا تطلب الجنة التي اقتصرت على المكلفين من الخلق وهما الثقلان.
3-متى تألى أحد من الخلق بان الملائكة لا ينالهم الله برحمة ؟؟ بل إن كل ديانات الكفر تنزه الملائكة وتعظمها.
4-أن الملائكة تدخل الجنة على المؤمنين تهنئهم بصبرهم (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (24) الرعد
5-بعد انقضاء الحساب ودخول أهل الجنة الى الجنة وأهل النار إلى النار فحال الملائكة : وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:75]
القول الثالث : أنهم أولاد الزنا
وهذا قول لا يحتاج للكثير لبيان بطلانه فكل نفس بما كسبت رهينة ولا يؤخذ إنسان بجريرة والديه فالله حكم عدل .
القول الرابع : أنهم الشهداء الذين خرجوا للقتال بدون إذن آبائهم فقتلوا في سبيل الله فقصر بهم عصيانهم لآبائهم عن الجنة وجاز بهم استشهادهم عن النار
1- الفصل في ذلك لكتاب الله إذ يقول تعالى (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) [آل عمران:157] فالقتل في سبيل الله جزاءه المغفرة والرحمة.
2- السيئات التي تدون على الشهيد يغفرها الله بالشهادة يقول تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ الله وَ الله عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ) [آل عمران:195]
3- ويقول (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:74]
4- في الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ’ أن رسول الله قال : ( يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين )
5- إذا كان الشهيد يشفع في سبعين من اهل بيته فكيف يشفع من بقي متخلفاً عن دخول الجنة بعد أن دخل أهل الجنة كلهم إلى الجنة ؟ عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله يقول : ( الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته ) حديث صحيح.
6- وإن كان الشهيد العاق يقف على الأعراف فكيف بمن أذنب بالعقوق وغفر الله له من غير الشهداء ؟؟ أيدخلون الجنة قبل الشهداء ؟؟.
القول الخامس : بأن أصحاب الأعراف هم الأنبياء.
وقبل أن أبدا بتفنيد هذا القول سأستعرض السياق لنصل إلى حقيقة هي أن أصحاب الأعراف آخر الخلق دخولاً الجنة فيقول الحق :
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) (37)
وهنا انتهى الحساب وصدر الحكم بكفرهم بشهادتهم على أنفسهم
(قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ) (38)
ادَّارَكُوا (أي ادرك بعضهم بعضا في النار فلحق المتأخرون بالمتقدمين إلى دركات جهنم) فأهل النار قد ولجوا النار واجتمع أولهم وآخرهم يصطرخون ويدعون بالثبور على بعضهم بعضاً.
(وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) (41)
فهذا الجزاء بأن يدخلون النار وتحرم الجنة عليهم حتى يستحيل عليهم دخولها جزاءً لجرمهم وكفرهم ، ويصف ربنا حالهم من فوقهم ومن اسفل منهم تلتهب عليهم جهنم فلا منفذ ولا مهرب ولا مأوى.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (43)
وهؤلاء اصحاب الجنة بجميع درجاتهم خالدين في جنات النعيم نزع الله الغل من قلوبهم وحمدوا ربهم على حسن الجزاء ولقاء عملهم وحسن صنيعهم في الدنيا.
(وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ ) (45)
وهنا الحوار بين أصحاب الجنة واصحاب النار يتسائلون بينهم عن وعد الله للفئتين في الدنيا وانهم وجدوا وعد الله حق بعد انقضاء الحساب ودخول الناس إلى الجنة وإلى النار.
ثم ينتقل بنا السياق إلى الآية التالية مباشرة (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) (46)
أولاً : فهل من المقبول أن ننسب للأنبياء أن يكونون هم اصحاب الأعراف فيتاخرون عن الخلق في الحساب ولا يدخلون للجنة إلا بعد دخول أصحاب الجنة للجنة وأصحاب النار للنار ؟؟ ونحن نعلم يقيناً أن أنبياء الله أول الداخلين للجنة وفي مقدمتهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو أول من يستفتح ابواب الجنة فيفتح له لقاء مقامهم العظيم واصطفائهم وبلاغهم للحق للأمم، روى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله قالَ: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ “. (الأنبياءُ لا يُسألونَ هذهِ الأسئلةَ الأربعةَ، يُسألونَ لإظهارِ شَرَفِهم هل بلَّغتم ؟).
ثانياً: أيُقبل أن يحرم الأنبياء من الدخول للجنة وهم يطمعون في دخولها (وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) فهم يلقون السلام على أهل الجنة وهم خارجها فهل يعقل أن يسبق أدنى اهل الجنة أن يسبقون الانبياء ؟؟
ثالثاً : نلحظ الخوف الشديد والخشية من دخول النار والفزع من ذلك (وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) فإن كان المؤمنين من دون الأنبياء وعدهم الله بالأمن من الفزع يوم القيامة فكيف لا يأمن الأنبياء وهم أولى بالأمن من سواهم (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) [النمل:89]
رابعاً : لم يرد في التاريخ والسير قولاً واحداً قيل في الأنبياء بان الله لن ينالهم برحمة ، فالكفار لم يطرقوا ذلك الأمر ولا يستقيم أصلا قول كهذا في حق الأنبياء.
خامساً : لا شك أن الأعراف ليسوا هم الأنبياء فالأنبياء أعلام لهم سورة بإسم (الأنبياء) وترتيبها (21) وعدد آياتها (112) آية فكيف يسمي سورة أخرى الأعراف إذا كانت تدل على نفس الفئة من البشر وهم أنبياء الله ورسله في حين أن لهم سورة تحمل اسم الأنبياء ؟.
ونقتصر على الأقوال الآنفة ونختم تلخيصاً بأن أصحاب الأعراف :
* قوم مؤمنون متأخرون في دخول الجنة
* مشفقون خائفون فزعون من دخول النار 
*معروفون في الدنيا فعرفهم الله في الآخرة بأن جعل لهم مواضع مرتفعة لا يملكون النزول عنها
* تألى على الله فيهم خلق كثير ، فأدخل الله من تألى عليه فيهم واقسم لا ينالهم الله برحمة أدخلهم إلى النار وغفر لأصحاب الأعراف وأدخلهم الجنة.
وقلنا أن من ينطبق عليهم القول من أهل الدنيا هم حكام المسلمين وولاتهم ،
* فهم معروفين لأهل النار ولأهل الجنة
* وهم مرتفعين عمن سواهم في مواضع مخصوصة ليكون حسابهم مشهوداً وليواطئ ذلك علوهم في الدنيا ولكنهم لا يستطيعون نزولاً عن أعرافهم كما كانوا يستطيعون النزول عن عروشهم في الدنيا وهم يستطيعون ،
*وهم سابقون في كل أمر في الدنيا فيؤخرهم الله في الآخرة.
* لا يمكن أن يدخلون الجنة قبل رعاياهم فلكل من رعيتهم قصاص وحق ينبغي أن يقتصه من الحاكم
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّىالله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، -قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عمر]
فالمسئولية ليست عن عدد قليل بل عن كل رعيته وهذا يستلزم البقاء حتى زوال من سواه من أرض الموقف العظيم.
* ولهم من المناوئين والأعداء من يكفرهم في الدنيا ويحكم بأنهم في النار متألياً على الله.
* ويقترن الولاة بوفرة المال والغنى وهذا يستلزم حساباً يطول كل ما زاد المال اتفاقاً مع ما رواه ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله قالَ: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ “.
وإذا تلمسنا حال الأغنياء يوم القيامة في الحديث الشريف روى مسلم في (صحيحه) عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله – -: ((إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً)). (1) وروى الترمذي عن أبي سعيد (2) ، وأحمد والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله – -: ((فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة)) (3)
وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم في موضع آخر أن هؤلاء لم يكن عندهم شيء يحاسبون عليه، هذا مع جهادهم وفضلهم، أخرج الحاكم في (مستدركه) عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله – -: ((أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أو قد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ قال: فيفتح لهم، فيقيلون فيه أربعين عاماً قبل أن يدخلها الناس)) (4) وفي (صحيح البخاري) عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار)).
فإن كان هذا التأخر عن دخول الجنة حال الأغنياء المؤمنين فكيف بالحكام والولاة الذين جمعوا الغنى والمسئولية عمن ولاهم الله عليهم من الناس ؟؟
هذا والله ولي التوفيق والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وَجْهٌ لِفَهْمِ آيَةِ النِّزَاعِ فيْ أهْلِ الكَهْفِ وَالبِنَاءِ عَلَيْهِم

بسم الله الرحمن الرحيم
وَجْهٌ لِفَهْمِ آيَةِ النِّزَاعِ فيْ أهْلِ الكَهْفِ وَالبِنَاءِ عَلَيْهِم
يقول الحق تبارك وتعالى:
وكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21) الكهف
 
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
فطالما كانت هذه الآية الكريمة مرجعاً في جدال القبوريين والمتصوفة وسواهم من أهل السنة في مسألة البناء على القبور ، وكثيراً ما يستدل بها البعض على جواز تعظيم قبور الأولياء وأضرحتهم في الوقت الذي يستدل أهل العلم من صحيح السنة النبوية على عدم جواز ذلك وأمر بإزالة كل بناء على القبور وهدم معالم التقديس والتكريم للأضرحة.
وهنا ترتسم حيرة كبيرة عندما يفهم البعض أن هناك تعارضاً ما بين الحكم الشرعي والنص القرآني ، وقد وقفت على هذه الآية فوجدت أن العلة لم تكن في الآية بل في فهم هذه الآية الفهم المتسق مع حال أصحاب الكهف فوصلت من هذه الآية إلى أن البناء لا علاقة له بتعظيم أضرحة أولئك الفتية أو تقديسها مما يجلو الفهم يدرأ تعارض السنة النبوية الكريمة مع كتاب الله لمن ظن أو دخل لنفسه شيء من ذلك.
وعندما رجعت إلى الأقوال التي دونت في هذا الباب وجدت أن هناك من ينسب القائلين ببناء المسجد إلى الكفر فغلبوا ومضى قولهم وعليه فلا يصار إلى تحليل البناء على القبور ، وهناك من يدرأ ذلك ويقول المسجد خاص بأهل الإيمان فكيف يأمر الكفار ببناء مسجد ؟ ونلمس التعارض في كلا القولين ، ولكني رأيت أن هناك وجهاً ثالثاً يدرأ ما يتبع كل قول من القولين من إشكالات ولكن قبل عرض هذا الوجه من أوجه الفهم لآية رأيت أن أتتبع أبرز ما قال السلف في ذلك وأهل التفسير بهذا الشأن.
أقوال المفسرين رحمهم الله في هذه الآية
أولا : تفسير ابن كثيررحمه الله:
وقوله : ( وكذلك أعثرنا عليهم ) أي : كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيئاتهم ، أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان ( ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم ) أي : في أمر القيامة ، فمن مثبت لها ومن منكر ، فجعل الله ظهورهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم ( فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم ) أي : سدوا عليهم باب كهفهم ، وذروهم على حالهم ( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا )
حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين : أحدهما : إنهم المسلمون منهم . والثاني : أهل الشرك منهم ، فالله أعلم .
والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ . ولكن هل هم محمودون أم لا ؟ فيه نظر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” لعن الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ” يحذر ما فعلوا . وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق ، أمر أن يخفى عن الناس ، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده ، فيها شيء من الملاحم وغيرها .
 ثانيا : قول ابن جرير رحمه الله:
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( وكذلك أعثرنا عليهم ) يقول : أطلعنا عليهم ليعلم من كذب بهذا الحديث ، أن وعد الله حق ، وأن الساعة لا ريب فيها .
وقوله : ( إذ يتنازعون بينهم أمرهم )
يعني : الذين أعثروا على الفتية يقول تعالى : وكذلك أعثرنا هؤلاء المختلفين في قيام الساعة ، وإحياء الله الموتى بعد مماتهم من قوم تيذوسيس ، حين يتنازعون بينهم أمرهم فيما الله فاعل بمن أفناه من عباده ، فأبلاه في قبره بعد مماته ، أمنشئهم هو أم غير منشئهم ، وقوله ( فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ) يقول : فقال الذين أعثرناهم على أصحاب الكهف : ابنوا عليهم بنيانا ( ربهم أعلم بهم ) يقول : رب الفتية أعلم بالفتية وشأنهم ، وقوله : ( قال الذين غلبوا على أمرهم ) يقول جل ثناؤه : قال القوم الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف ( لنتخذن عليهم مسجدا ) .
وقد اختلف في قائلي هذه المقالة ، أهم الرهط المسلمون ، أم هم الكفار؟ وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى ، وسنذكر إن شاء الله ما لم يمض منه .
حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ) قال : يعني عدوهم .
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، قال : عمى الله على الذين أعثرهم على أصحاب الكهف مكانهم ، فلم يهتدوا ، فقال المشركون : نبني عليهم بنيانا ، فإنهم أبناء آبائنا ، ونعبد الله فيها ، وقال المسلمون : بل نحن أحق بهم ، هم منا ، نبني عليهم مسجدا نصلي فيه ، ونعبد الله فيه .
 
ثالثا : قال صاحب التحرير والتنوير رحمه الله :
(إذ يتنازعون بينهم أمرهم)
الظرف متعلق بـ أعثرنا ، أي أعثرنا عليهم حين تنازعوا أمرهم ، وصيغ ذلك بصيغة الظرفية ; للدلالة على اتصال التنازع في أمر أهل الكهف بالعثور عليهم بحيث تبادروا إلى الخوض في كرامة يجعلونها لهم ، وهذا إدماج لذكر نزاع جرى بين الذين اعتدوا عليهم في أمور شتى جمعها قوله تعالى ” أمرهم ” ، فضمير ” يتنازعون ” و ” بينهم ” عائدان إلى ما عاد الله ضمير ” ليعلموا ” .
وضمير ” أمرهم ” يجوز أن يعود إلى أصحاب الكهف ، والأمر هنا بمعنى الشأن .
[ ص: 289 ] والتنازع : الجدال القوي ، أي يتنازع أهل المدينة بينهم شأن أهل الكهف ، مثل : أكانوا نياما أم أمواتا ، وأيبقون أحياء أم يموتون ، وأيبقون في ذلك الكهف أم يرجعون إلى سكنى المدينة ، وفي مدة مكثهم .
ويجوز أن يكون ضمير ” أمرهم ” عائدا إلى ما عاد عليه ضمير ” يتنازعون ” ، أي : شأنهم فيما يفعلونه بهم .
والإتيان بالمضارع ; لاستحضار حالة التنازع .
فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا
طوي هنا وصف العثور عليهم ، وذكر عودهم إلى الكهف ; لعدم تعلق الغرض بذكره ، إذ ليس موضع عبرة ; لأن المصير إلى مرقدهم وطرو الموت عليهم شأن معتاد لكل حي .
وتفريع ” فقالوا ” على ” يتنازعون ” .
وإنما ارتأوا أن يبنوا عليهم بنيانا ; لأنهم خشوا عليهم من تردد الزائرين غير المتأدبين ، فلعلهم أن يؤذوا أجسادهم وثيابهم باللمس والتقليب ، فأرادوا أن يبنوا عليهم بناء يمكن غلق بابه وحراسته .
وجملة ربهم أعلم بهم يجوز أن تكون من حكاية كلام الذين قالوا : ابنوا عليهم بنيانا ، والمعنى : ربهم أعلم بشئونهم التي تنازعنا فيها ، فهذا تنهية للتنازع في أمرهم ، ويجوز أن تكون معترضة من كلام الله تعالى في أثناء حكاية تنازع الذين أعثروا عليهم ، أي : رب أهل الكهف أو رب المتنازعين في أمرهم أعلم منهم بواقع ما تنازعوا فيه .
[ ص: 290 ] والذين غلبوا على أمرهم ولاة الأمور بالمدينة ، فضمير ” أمرهم ” يعود إلى ما عاد إليه ضمير ” فقالوا ” ، أي اللذين غلبوا على أمر القائلين : ابنوا عليهم بنيانا .
 وإنما رأوا أن يكون البناء مسجدا ليكون إكراما لهم ، ويدوم تعهد الناس كهفهم ، وقد كان اتخاذ المساجد على قبور الصالحين من سنة النصارى ، ونهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة رضي الله عنها : ولولا ذلك لأبرز قبره ، أي لأبرز في المسجد النبوي ، ولم يجعل وراء جدار الحجرة .
واتخاذ المساجد على القبور ، والصلاة فيها منهي عنه ; لأن ذلك ذريعة إلى عبادة صاحب القبر أو شبيه بفعل من يعبدون صالحي ملتهم ، وإنما كانت الذريعة مخصوصة بالأموات ; لأن ما يعرض لأصحابهم من الأسف على فقدانهم يبعثهم على الإفراط فيما يحسبون أنه إكرام لهم بعد موتهم ، ثم يتناسى الأمر ، ويظن الناس أن ذلك لخاصية في ذلك الميت ، وكان بناء المساجد على القبور سنة لأهل النصرانية ، فإن كان شرعا لهم فقد نسخه الإسلام ، وإن كان بدعة منهم في دينهم فأجدر .
 رابعاً : ما جاء في أضواء البيان :
قوله تعالى : قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا .
لم يبين الله هنا من هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم ، هل هم من المسلمين أو من الكفار ؟ وذكر ابن جرير وغيره فيهم قولين : أحدهما أنهم كفار ، والثاني أنهم مسلمون ; [ ص: 252 ] وهي قولهم : لنتخذن عليهم مسجدا [ 18 \ 21 ] ; لأن اتخاذ المساجد من صفات المؤمنين لا من صفات الكفار ، هكذا قال بعض أهل العلم . ولقائل أن يقول : اتخاذ المساجد على القبور من فعل الملعونين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا من فعل المسلمين ، وقد قدمنا ذلك مستوفى بأدلته في سورة ” الحجر ” في الكــــلام على قوله تعالى : ولقد كذب أصحــاب الحجـــر المرسلين الآية [ 15 \ 80 ] .
 
الإشكالات على مفاهيم الآية وأقوال المفسرين رحمهم الله
تشتمل المفاهيم الشائعة عن هذه الآية الكريم على عدد من الإشكالات الظاهرة والضمنية والتي وجدت في التفاسير ولوحظت من خلال استقراء قصة أهل الكهف ولعلنا نجملها هنا:
أولاً : القول بأن المتنازعين مسلمين وكفار وأن الغالبين على أمرهم كفار ربما ينافي وعد الله لهم بأن يهيئ لهم من أمرهم رشداً (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) فانتهى بهم الأمر إلى البناء عليهم فأصبحوا مزار ضلال وشرك.
ثانياً : فإن القول بأن الغالبين على أمرهم مسلمين فهذا أشد وأنكى إذ كيف يعظم هؤلاء بفعل يعد مخالفاً لأصول العقيدة الإسلامية الصحيحة؟ خصوصاً إذا علمنا أن الحكم في هذه المسائل ثابت منذ خلق الأرض ومن عليها وليست مختصة بأتباع محمد صلى الله عليه وسلم فقد لعن عليه الصلاة والسلام النصارى واليهود عندما ارتكبوا هذا الفعل.
توجيه الآية الكريمة
قبل تفصيل التوجيه أقول بترجيح أن القوم المتنازعين في أمر أهل الكهف مسلمين مؤمنين وليس فيهم أهل كفر لان ذلك متسق مع ما هيأه الله من أمر رشيد لعباده المؤمنين ولكنهم تنازعوا في أمر لا علاقة له بتعظيم مقامهم أو تكريمهم او تقديسهم كما سيأتي ، ونقول تفصيلا في الآية:
وكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ : هيأنا السبب ليعثر أهل المدينة على أولئك الفتية بما كان منهم من إرسال احدهم بفضة مسكوكة من عهدهم البائد فعرفوا واستدل الناس عليهم والتقوا بهم ، وهنا وبهذا التعبير (أعثرنا) دليل كما قال أشار ابن عاشور أن اختفائهم كان معلوماً عند أهل المدينة تأسيساً على قوله (أعثرنا عليهم).
لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا : أي يعلم الفتية أن الله وقاهم من شر عدوهم وحقق وعده للعباد المؤمنين بإضفاء الحماية والحفظ لهم طيلة هذه السنين ، ذلك ابتداءً ، ثم يعرف المؤمنين من أهل المدينة الذين عثروا عليهم بذلك الوعد الحق من الله فيثبت الإيمان في قلوبهم.
إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ : أي أهل المدينة يتنازعون في أمر الفتية بعد موتهم ولا يلزم ان يكونوا فريقين فقد يكونوا أكثر من ذلك ولكن ما هو وجه الخلاف ؟
يتبين بوضوح أن الخلاف متعلق بجثامين أولئك الفتية ، ففي حين أفضى بعض القوم لدفنهم اعترض على الدفن آخرين فلم يتحققوا من أن موتتهم تلك لا قيامة بعدها حتى الساعة ، فخافوا أن يبعثهم الله قبل الساعة كما بعثهم فيكون دفنهم خطأً بذلك فبقي فريقين متفقين على عدم جواز دفنهم خشية من بعثهم مرة أخرى.
فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ : أي اجعلوا أجسادهم تحت سقف وابنوا بناءً فإن بعثوا قبل قيام الساعة كان بعثهم متحققاً وربهم أعلم بهم (أي ربهم أعلم بموعد بعثهم) وهو أعلم إن كانت هذه موتتهم الكبرى أم سيقومون من موتتهم هذه كما قاموا بعد ثلاثمائة وتسع سنين.
قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا : أي يكونوا في بناء ضمن مسجد يختلف الناس إليه حتى لا يعبث أحدٌ بأجسادهم التي (لم تدفن) ولا يقصد أن يكون مسجداً على قبورهم لأنهم لم يدفنوا أصلا ولكن ضمن حرم مسجدٍ لكي لا يتجرأ أحد على أجسادهم بالسوء.
ولنا في كتاب الله مرجع في ذلك إذ يقول تعالى (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) فلا يقصد ذات المقام لأنه لا يحتمل اتخاذه مكانا للصلاة بذاته ولكن ما يحيط به مما يلي الكعبة (الحجر) وفي أقوال الجمهور هو كل الحرم كما ورد في أقوال المفسرين رحمهم الله.
  إذاً فخلاصة الأمرمما يظهر والله أعلم  أن الله هيأ لهم من أمرهم رشداً وأعثر المؤمنين من أهل المدينة عليهم وحصلت العبرة لدى الفريقين فأهل الكهف اعتبروا من حالهم فتحققت ثقتهم بوعد الله وحفظه وحمايته وتهيئة الرشد والخير لأوليائه ، وأهل المدينة من المؤمنين تحقق لهم رؤية اهل الكهف والعثور عليهم بعد سنين طويلة تواتر الحديث عنهم ورأوا بأنفسهم كيف أن الله يحفظ المؤمنين الصادقين بحفظه.
ثم أنهم ما لبثوا أن ماتوا فاضطرب أهل المدينة هل يدفنونهم ويقبرون أجسادهم ؟ فاعترض ونازع في ذلك عدد منهم خشية أن يبعثهم الله ثانية فيكون دفنهم حائلاً دون تحقق ذلك ، فأشاروا أن يجعلون أجسادهم ضمن بناء يحميهم إن حدث وبعثهم الله لقوم آخرين ، وكان رأي الغالبين إما لسلطةٍ في أيديهم أو لغلبةٍ عدد أو وجاهة رأيهم ورجحانه أن يكون هذا البناء ضمن مسجد يختلف الناس إليه فتسلم أبدانهم من العبث ، إلا أن دفنهم وقبرهم لم يرد ولا دليل عليه أصلاً.
وبهذا ندرأ الأقوال التي تنسب البناء على القبور أو اتخاذها مصلى أو الصلاة إليها فلم يرد أساساً ما يدل على دفنهم أو التبرك بهم حتى يتخذ أحدٌ هذه الآية ذريعة للتبرك بالقبور ، وبذلك الفهم أيضاً يدرأ التعارض مع الصحيح من الأحاديث الشريفة التي ينهى فيها صلى الله عليه وسلم عن البناء على القبور أو اتخاذها مساجد لعدم المجئ على ذلك في الآية أصلاً، والله أعلى وأعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
 

نَظَرِيَّةُ الذَّاكِرَةِ البَعِيْدَةِ وَوَظَائِفِ المُخِّ وَالدِّمَاغْ

بسم الله الرحمن الرحيم
نَظَرِيَّةُ الذَّاكِرَةِ البَعِيْدَةِ وَوَظَائِفِ المُخِّ وَالدِّمَاغْ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم   وبعد
مقدمة
قادني بحثي في مسألة الموت والوفاة والروح والنفس لفهم عميق ذا دلالة هامة للغاية لمعرفة كنه النفس وماهيتها مقارنة بالروح بالإضافة لفهم الفرق بين الموت والوفاة مستشهدا بالنص القرآني الكريم الذي تبين من خلاله فروق حساسة ومهمة ، وهذا المقال يشتمل على نتائج توصلت إليها تأسيساً على بحث الفرق بين الموت والوفاة والروح والنفس وباعتقادي أن قراءته واستيعابه هام لمواصلة فهم ما سأستعرضه في هذا المقام.
ولكني سأوجز الفكرة التي توصلت إليها بدون سوق الدلائل أو الحجة ، فأقول أننا توصلنا إلى عدة حقائق أوجزها في ست نقاط رئيسية :
أولا: أن النفس هي ذات الإنسان الحقيقية التي تتنقل من جرم لآخر وتتقمص بدن وتغادره لآخر، وأنها موجودة منذ خلق أبينا آدم .
ثانياً : أن النفس هي مناط الفعل والإدراك والإرادة وهي التي تحكم البدن الذي تسكن فيه إذا كان بدناً حياً وتوجهه لإتيان الأفعال العاقلة.
ثالثاً: أن الوفاة هي متعلقة بالنفس وتحصل عندما تفارق النفس الجسد بالنوم أو بالموت أو بالجنون أو الغيبوبة فيكون معنى الوفاة استيفاء ما مضى من أجر على ما سبق من عمل وإيفاء أجره لصاحبه وتوقف جريان القلم عن المتوفّى لحين يقظته إن كان نائما أو غائبا عن الوعي أو مجنوناً.
رابعاً : أن الروح طاقة يبثها الله في المخلوقات الحية ومنها الإنسان تسري في البدن فينمو ويحيا ويتحرك فإذا حق القول وحان أجل الحي نزع الله من جسده هذه الروح فيحصل الموت فالموت متعلق بالروح ووجودها في البدن ، فإن وقع الموت بليت الأعضاء وسكنت عن الحركة وخبت فيها مظاهر الحياة ووقع على ذلك البدن الفناء (كلُّ من عليها فان).
خامساً: أن الموت حقٌّ على كل حي صَغُرَ أم كَبُر ، ولكن الوفاة لا تطلق إلا على المكلفين من المخلوقات وهم الإنس والجن لتعلقها بالعمل والكسب الأخروي.
سادساً: أن وقوع الموت بمفارقة الروح للبدن يلزمه وقوع الوفاة والاستيفاء بمغادرة النفس وتوقف جريان القلم بالأعمال وهذا اللزوم قطعي ، ولكن وقوع الوفاة لا يلزم أن يقع معها الموت وشاهد ذلك النوم والغيبوبة والجنون ونحو ذلك من الحالات التي يتوقف فيها جريان القلم بالكسب (الوفاة) ولا تنزع الروح من البدن ولا يفقد الجسد وظائفه الحية.
وهذه المفاهيم الدقيقة والعميقة تقودنا للتفكر والبحث في دور العقل وماهيته والدماغ والذاكرة ، ومادة المخ ووظائفها وحدود سيطرتها وعلاقتها بالنفس طالما كانت بالصورة التي توصلنا إليها ، وبالتالي فقد تولدت فكرة هذا البحث كمادة مكملة لما سبق.

soul and self

العقل و الدماغ البشري
إن الدماغ البشري ظل لغزاً عصياً تحدث عنه الفلاسفة وعلماء الطبيعة والفيزياء والطب منذ قديم الزمان ابتداءً من أفلاطون وأرسطو فغاصت في مفاهيم الإدراك والتحكم والوعي والذكاء وعلاقة تلك الوظائف مع تلك المادة الهلامية بتلافيفها وجذوعها وموصلاتها المختلفة وخلاياها العصبية التي تبلغ مائة مليار خلية ، فمن البحوث والدراسات ما تمكن من الوصول لنتائج مُقاسة ورصد استجابات الدماغ الكهربائية واستطاع عدد من الفلاسفة إبراز نظريات مختلفة تحاول تلمس معالم هذا العقل والدماغ وآلية عمله وارتباطه مع ذات الإنسان.
وحتى اليوم لا يزال العقل والدماغ لغزاً عميقاً لم يتجاوز البشر فيه إلا لمعارف محدودة تتعلق بالتحكم اللاإرادي والإشارات الكهربائية في الدماغ ولكن لا تزال الذاكرة والذكاء وما يتعلق بردود الأفعال وميكانيكية الغضب والاستثارة وسواها ليست واضحة بما يكفي للعلماء المتخصصين بصورة شاملة ووافية.
وفي هذه الدراسة المؤسسة على مفهوم الروح والنفس والموت والوفاة كما أسلفنا سنتعرف على آلية عمل هذا الدماغ وعلاقته بالنفس والبدن ونطلع على صورة شاملة لعمليات التفكير وأهمها الذاكرة ، والفرق بين الفعل الإرادي واللاإرادي و أي الأعضاء متعلق بتلك الأفعال.
نظرية الذاكرة البعيدة
تقوم هذه النظرية على تقسم التفاعلات بين الدماغ والجسد البشري إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
أولا : التفاعل اللاإرادي : وهذا التفاعل يقوم على الفطرة حيث أن أجزاء البدن التي يتحكم بها الدماغ بدون تدخل البشر كحركة القلب والتمثيل الغذائي في الجسم وردود فعل أجزاء الجسم الحية وهذا التفاعل ينحصر في علاقة مباشرة بين الدماغ وبين تلك الأعضاء مباشرة ولا يتمكن الإنسان من إيقافها حتى لو تمكن من التأثير عليها بصورة أو بأخرى كأن يوقع أثراً نفسياً يخفض معدل نبضات القلب أو خفض الضغط ولكنه لا يستطيع إيقاف قلبه أو منع الخلايا من حمل الغذاء لأجزاء الجسم المختلفة ، وهذه العملية تحدث طالما سرت الحياة في الجسد سواء كان ابن آدم نائماً أو واعياً أو غائباً عن الوعي فتأثير ذلك لا يعدو رفع وتيرة التفاعلات أو إضعافها وفق نشاط الجسم وبالتالي فهي تفاعلات حتمية لاإرادية يتحكم فيها الدماغ.
ثانيا: التفاعل الإرادي : وهو لبُّ القضية ، وهو كل الأفعال التي يفضي إليها الإنسان بوعي تام وإدراك ونية ، وهذا التفاعل منفصل عن التفاعل اللاإرادي ، فالنفس هي التي تلقي الأمر لأعضاء البدن لإتيان الفعل أو تركه أو الفعل ورد الفعل وهي (النفس) التي تقع عليها التفاعلات العاطفية كالغضب والرضا والحزن والسعادة فتصدر الأمر إلى الدماغ ومنه إلى العضو البشري ليؤدي وظيفة كالضحك أو البكاء أو الغضب أو الأفعال المحسوسة بكافة أشكالها ، فإذا حصل النوم فإن النفس تغادر البدن فيتوقف جانب التفاعل الإرادي بالضرورة.
ثالثا: الذاكرة : إن النظرية تقوم على أن الذاكرة ضمن النفس البشرية وليست في الدماغ ، فكل ما يحدث وتراه العين وتسمعه الأذن ويتسلل للعقل ، وكل فعل ورد فعل يتم التعامل معه من خلال العقل وهو مدون ومسجل في ما يسمى بالذاكرة المرتبطة بالعقل الباطن وكلاهما ضمن النفس ، ذلك المخلوق الذي يشكل ذات ابن آدم الحقيقية التي تشرع في الفعل الإرادي وتفضي إليه وتسترجع ما كان منها من أفعال ، والدماغ مجرد عضو بسيط تنتقل الأحداث والاستجابات من خلاله إلى البعد الذي توجد فيه النفس ، ويستقبل الأوامر من النفس ويترجمها إلى نبضات كهربائية تتوجه للأعضاء المخلوقة لتأمرها بالفعل ورد الفعل.
وبالتالي فإن الذاكرة والعقل الباطن والعقل الواعي كلها من جنس خلق النفس وتسكن بها وتتحرك بأمرها ضمن إطار الجسد البشري .
وكل الأمراض العضوية أو الإصابات ما هي إلا حوادث تصيب العضو الوسيط (الدماغ) فيحدث فيتلف جزئيا أو كلياً مما يعجزه أحيانا عن القيام بدور الوسيط لانقطاع وسيطة الإشارة ، ومثال ذلك عند وقوع حادث يتلف الحبل الشوكي فإن المصاب يصبح مشلولا لتلف الوسيطة التي تنقل الإشارة للتحكم في العضو ولكن ذلك العضو لا يزال حياً يستقبل الغذاء وتتفاعل أجزاءه بصورة محدودة مع الفعل اللإرادي ولا تتفاعل نهائيا مع الفعل الإرادي. 
وكذلك نفهم كيف أن الإدراك يفقد عندما يصاب ابن آدم بحادث مروري يصيبه بغيبوبة طويلة فإن التلف الذي يحدث في هذا الوسيط الحساس لا يمكِّن النفس من التواصل مع البدن وإحداث التفاعل المعتاد ، ولعل كثير ممن التقى مثل أولئك الناس يلمس تفاعل بدرجة معينة وتشعر بأن المريض يفهم ما تقول ويداخله الفرح والحزن ولكنه عاجز عن التعبير لأن التلف الذي أصاب الوسيط بين النفس والجسد عطل تلك الإمكانية.
العقل
إن النفس البشرية تتقمص البدن فتتحكم بأعضائه وتصدر الأوامر بالأفعال ولذلك فهي المعنية بحفظ سجل عملياتها ، ومن الجدير بالذكر أن ابن آدم قد تكون وفاته في حادث بشع قد يتمزق فيه دماغه أو يحترق جسده بالكامل ، فإن كانت الذاكرة جزء من ذلك الجسد المادي فهذا يعني أنه لن يتذكر سيئاته وسقطاته وأخطاءه ولن يتذكر إجابة سؤال الملكين وكل حياته البرزخية ستكون خالية من أي ذكريات أو عقائد.
 وعندما نلخص النتيجة نقول أن جهاز التحكم المركزي المتوسط هو الدماغ يتلقى الأوامر الإرادية من النفس ويرسلها على الأعضاء ويتلقى ردود الفعل من الأعضاء ويرسلها للنفس ويتلقى الإجابة ، بينما يقوم الدماغ ذاتياً بالتحكم بالحركات اللاإرادية ذاتياً
 الشواهد القرآنية والنبوية
{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ } [الأعراف:172]
وهذا شاهد قرآني رئيسي نستنبط منه أن عملية استنطاق الأنفس واستشهادها وإشهادها دلَّ على توافر الإدراك والوعي التام والذاكرة والتفاعل بكامل أهليتهم البشرية وبالتالي فإن هذا الشاهد القرآني كافٍ على الدلالة المباشرة لوجود العقل والمنطق والذاكرة والإرادة والوعي بدون توافر الجسد البشري والدماغ المادي بخلاياه وأنسجته وسوائله.
وبالتالي فكل تلك العناصر التي يظن البشر اليوم أنها مناط التفكير والذاكرة والعقل ليست في الحقيقة موجودة قبل خلق الجسم البشري وولادته ونموه فيكون لدينا ثابت مستقر الثبوت على أن الذاكرة متوافرة وموجودة قبل الخلق.
{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } [الأحزاب:72]
والآية الكريمة تقص علينا مرحلة الخلق الأول التي أشفقت فيها السموات والأرض والجبال من الإدراك والوعي وميزة الاختيار وأبين من ذلك واختاروا الطاعة الفطرية طوعاً لا يحتاجون معها لإكراه أنفسها لإتيان الطاعة وتكره أنفسها لتجنب المعصية ، بينما حمل الإنسان الطاعة بالإكراه (أي إكراه ذاته على الإتيان والترك)  ، وأرى من الجدير هنا مراجعة مقالة ( في ظلال الساجدين) التي بينَّا فيها معنى الطوع والكره في السجود وبالتالي الطوع والكره عند خلق السموات والارض والجبال ومفهوم الأمانة التي تميز بها بني آدم .
أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ” إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا
فهذا دليل على أن الذاكرة مضمنة في نفس الإنسان وهي التي تُسأل ، فالعبد عندما تنزع روحه من بدنه ويقبر جسده تؤخذ نفسه وتسأل لأنها هي التي كسبت وتحكمت في الجسد فأتت الخير وتركت الشر أو العكس ، فلا ضير في تلف البدن أو حرقه أو تمزقه لأن سؤال الميت وحياة البرزخ إنما تقع على النفس وبالتالي فلا بد أن الذاكرة والعقل والإدراك والوعي ليست متعلقة بذلك البدن وإلا لاستحال ذلك في حينه لتلف تلك الأعضاء وتحللها ونزع الروح منها.
قَالَ قَتَادَةُ وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ “وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ” .
فنستنتج ان النفس تنتقل لبعد آخر غير “البعد الدنيوي” له طيف معين وحالة فيزيائية خاصة ليست ضمن نطاق البعد الذي نعيش فيه وبالتالي فأدوات “البعد الدنيوي” ولنسميه “البعد البرزخي” وينتقل العبد لهذا البعد فيتمكن من رؤية مالا يرى في البعد الدنيوي ويسمع مالا يسمع في البعد الدنيوي فيقول تعالى:
{ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } [ق:22]
فيصبح بموته قادر على رؤية مالا يراه فتبدأ تتراءى له الكائنات في البعد البرزخي حال البدء في النزع الأخير ويلحظ ذلك من حوله لمشاهدته للعديد من الأشياء التي لا يراها من يحيط به لأنه في طور الخروج من بعد والدخول لبعد جديد وبالتالي فمادة الجسم الدنيوية لم يعد لها حاجة ولا دور فالألم والنعيم في أصلهما لا يشعر به البدن بل النفس هي التي تستلذ وتتنعم أو تتألم وتتعذب ، وهنا يعد هذا المفهوم رد على ذوي الفهم القاصر الذين يحتجون بتحلل الجثث وتفتت العظام وبقاء هذا الجثمان لا يظهر للناظر إلا ترمم وتعفن لا نعيم ولا عذاب والحقيقة أنه عاجز عن رؤية البعد الذي تتواجد فيه النفس.
وبالتالي نتساءل كيف يفهم العبد سبب عذابه أو نعيمه في حال البرزخ ما لم يكن لديه ذاكرة تحمل كل أفعاله خيرها وشرها ؟ فلا بد إذن أن الذاكرة مرتبطة بالنفس وليس الجسد.
وبالمناسبة فالروح طاقة مقدسة من أمر الله ومن لدن عزيز حكيم يبثها في أجساد المخلوقات فيجب أن يفهم أن العذاب لا يقع على الروح بل على النفس وأقول ذلك لما لاحظته من خلط في مفهوم النفس والروح فتجد البعض يصف العذاب بأنه يقع على الروح والحقيقة أنه يقع على النفس كما أسلفنا فالله يقول (نَفَخْتُ فِيْهِ مِنْ رُوْحِيْ) فكيف يقع عذاب على روح من الله ؟ .
 وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) سورة آل عمران
 فالفرحة والاستبشار بالمجاهدين المؤمنين الأحياء الذين لم يستشهدوا كل تلك المشاعر تلت الموت وسبقت البعث أي أنها وقعت بعد القتل والاستشهاد مباشرة ، ولولا أن الذاكرة والعقل والمنطق والإدراك متوافرة لما تمكن الشهداء من الشعور بتلك المشاعر العالية التأثير.
والسنة النبوية تحمل الكثير من الدلائل والشواهد على حالة العبد بعد الموت ولكن نكتفي بما سبق لكون الأدلة التي سقناها تحمل مفهوم الشعور والذاكرة والإدراك قبل الخلق ، وتحمل ذات المفهوم بعد الوفاة والموت ، وبالتالي تتحقق عدة ثوابت ونواتج لتلك الأدلة ومفاهيمها نجملها في النقاط التالية
ملخص نتائج الدراسة
أولا: أن الذاكرة والإدراك والشعور عناصر عقلية مرتبطة بالنفس وليست متعلقة بالدماغ والمخ وبالتالي فليس لها اصل مادي ملموس ضمن البعد الدنيوي.
ثانيا: أن الدماغ والجهاز العصبي ليس جهازاً مركزيا لتلك العناصر العقلية ولكنه وسيط قادر على نقلها من بعد النفس إلى بعد الجسد.
ثالثاً: أن تعلق النفس بتلك العناصر العقلية سبق خلق الجسد ويتلو حالة الموت والوفاة.
رابعا: أن كافة الأفعال الإرادية هي أفعال تنتجها النفس ويترجمها الدماغ لينقلها للبدن .
خامساً: أن كافة الأفعال اللاإرادية تدور ضمن دائرة داخلية بين الدماغ وأعضاء الجسم المحسوسة وتحكم النفس فيها محدود وغير متاح (كوظيفة القلب والرئتين والأعضاء الحيوية المتحركة لا إراديا).
سادساً : أن إصابة الوسيط (الدماغ) بالإصابات المادية التي تعجزه عن الاستمرار في القيام بوظيفته بتمرير وترجمة البيانات بين النفس وبين أجزاء البدن لا يعني فقدان ما سبق تلك الإصابة من معلومات وبيانات وذكريات لكونها ليست مخزنة ومحفوظة في هذا الدماغ.
صورة توضيحية

اطوار

ذاكرة الأعضاء
إن النفس بما تشتمل عليه من أقسام (العقل ، الوعي ، الإدراك ، الإرادة) تختزن كافة ذكريات ومشاهدات وأفعال المخلوق ، ولكن لعلنا ذكرنا بأن هناك دائرة قصيرة للأفعال اللاإرادية تكمن في الدماغ ولكنها ليست هي الذاكرة الرئيسية التي تختزن البيانات وتسترجعها وتتحكم بها ضمن المشيئة والإرادة بل تشتمل على ذاكرة صغيرة تسهم في عمل الأعضاء لا إرادياً ، وقد توصل العلم الحديث لوجود صورة من صور الذاكرة البسيطة لكل عضو من أعضاء الجسد ، ولم يقتصر الإدعاء على أن الذاكرة موجودة في الدماغ بل تبين بأن كل عضو له ذاكرته الخاصة وهذا مؤيد في كتاب الله إذ يقول تعالى :
{ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [النور:24]
فكل عضو يحمل ذاكرة للأعمال التي اجترحها ولكن ذاكرة العبد الرئيسية تشمل كل تلك الذكريات ، ومن هنا أتت الشهادة ، فالعضو ينطق بما أمرته النفس أن يرتكب من الآثام وكل عضو يشهد وفق ذاكرته فيتفق ما بذاكرة العضو مع ذاكرة العبد المتصلة بالنفس.
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) [فصلت]
فالنفس تخاطب البدن بأعضائه المختلفة معاتباً إياها لشهادتها بما تحمله من سوء ظن في حق الله بأنه لا يعلم عما يفعل الظالمون ، فتبين بأن تلك الذواكر المختلفة المرتبطة بالأعضاء تحمل معلومات متفرقة كتلك التي تحملها النفس إجمالا.
{ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [يس:65]
فذاكرة الأعضاء تستخدم للشهادة على أصحابها وهنا دلالة على أن الجسد المبعوث يشتمل على كافة الخلايا المتجددة التي سبق وأن خلقها الله لهذا الجسد وهذه ليست شهادة مجازية بل شهادة حقيقية من كل عضو فيتفق ما بذاكرة كل عضو مع ذاكرة النفس الكلية الممتدة طيلة حياة العبد.
والله أعلى و أعلم وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الحِجَازْ بَيْنَ القُرآنِ والإعْجَاز

بسم الله الرحمن الرحيم

الحِجَازْ بَيْنَ القُرآنِ والإعْجَاز
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
فقد لفت انتباهي أثناء متابعتي لأبحاث الأخ الدكتور زياد السلوادي في كتابه عجائب القرآن الكريم تجنبه لاستعمال مفردة الإعجاز التي تترافق مع المجالات المختلفة كالإعجاز العددي والإعجاز العلمي والإعجاز التشريعي إلى آخر ما هنالك من التعبيرات والمصطلحات التي تنسب الإعجاز للقرآن الكريم.
وبالفعل عندما راجعت المفردة وجدتها بالفعل لا تناسب القرآن الكريم وينبغي انتقاء التعبير المذكور في القرآن الكريم ويجب أن يحجز هذا المصطلح من الترافق مع القرآن الكريم ويستبدل بتعبير أفضل وانسب وذلك للأسباب التالية:
أولاً : لم يرد في كتاب الله نسبة الإعجاز إلى القرآن نصاً ولم ينسب أيضاً الإعجاز إلى ما أيد به جل جلاله رسله من آيات بينات ، وإن كان قد تحدى فقد تحدى من يأت بآية من مثله على أقل تقدير.
ثانياً : كتاب الله لم ينزل ليعجز البشر بل ليهديهم إلى سواء السبيل ولينير طريق المؤمنين عندما يتدبروا آياته فيجدونها تتفتق في كل عصر عن معان وفرائد وعجائب تدعو لتجديد الإيمان وتعميق الثقة بمنزل الكتاب العزيز.
ثالثاً : أن تعبير العجز والإعجاز يعود عادة لضعف وحقارة قدرة العاجز وقصورها ، بينما كان الأولى بيان تفوق النص القرآني بدلاً من نسبة العجز لمن يقرأه ويتدبره ، ونسبة العجز ووصم قارئ القرآن به لا يترافق مع الهدف الذي أنزل هذا الكتاب لأجله وهو الهداية وليس إعجاز الخلق.
رابعاً: لم تعقم اللغة العربية عن الإتيان بالتعبير المناسب وهي التي كانت المصدر الغني والثري الذي شكل المكون المقدس للنص القرآني.
وبالتالي فقد وجدت أن استعمال هذه المفردة ينم عن فقدان الإحساس والتذوق للغة العربية التي لا شك أن فهم دقائقها هو عماد فهم التنزيل وبقدر توغل الباحث في اللغة ودرء الترادف في ذهنه لما استطاع أن يقبل هذا التعبير.
خامساً : أن الخالق الحكيم جلت قدرته عندما أرسل الأنبياء بالآيات البينات لم يكن ذلك في سبيل إعجاز الخلق أو تحديهم بأن يأتوا بمثلها ولكن لكي يبين لهم قدرته عندما كان الناس قد اعتادوا على رؤية آلهتهم فكيف يؤمنون بإله لا يرونه ؟ فأراد الله أن يثبت لهم بأن الرؤية ليست مناط الإيمان بل أن اليقين اقوى من الرؤية في إدراك وجود الخالق فأيد الأنبياء بالآيات التي آمن بها المؤمنون وجحدها وأنكرها الجاحدون فكانت حجة البلاغ على المَبلَّغيِن.
فالعجز في القرآن الكريم غالباً ما أتى في سبيل تحقير الله لقدرة الإنسان أمام قدرة الله جل وعلا وأنه موجَّهٌ للكافرين حصراً دون سواهم إذ أن المؤمنين عارفين به جلت قدرته وعالمين باستحالة تفوقهم أو تمكنهم من الاختفاء عندما يريد الله بهم شراً.
ولكن أنسب تعبير يمكن استعماله يجب أن يكون قرآنياً فحق أن تسمى الفرائد والبينات العلمية التي تظهر وتتكشف للباحثين في المجالات العلمية والعددية والطبية وغيرها بالعجائب ، فنقول العجائب العددية في القرآن ، العجائب التشريعية في القرآن ، العجائب الطبية في القرآن وهكذا نسبة لما وصف الجن به هذا الكتاب العظيم في سورة الجن { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا } [الجن:1] فكان القرآن الكريم مثار عجب وذهول الجن فأتوا بالتعبير الملائم والمناسب وهو عجائب القرآن الكريم التي أقترح أن تكون بديلا لمصطلح (إعجاز القرآن الكريم)
والله الهادي إلى سواء السبيل
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

التَّعْرِيْفُ بِالمُتّقينْ وَالعُلَمَاءْ المُؤْمِنِيْنْ

بسم الله الرحمن الرحيم
التَّعْرِيْفُ بِالمُتّقينْ وَالعُلَمَاءْ المُؤْمِنِيْنْ
يقول تعالى :  إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) (سورة فاطر)
إن اختلاف العصر وتميز فئة من المشتغلين بعلوم الشريعة باسم العلماء أوجد اختلالاً في فهم الآية المسطرة أعلاه عند كثير من الناس فَفُهِمت بأن الحصر (إِنَّمَا) يختص فئة من الناس بأعيانهم دون سواهم ، وهذا برأيي لا يتفق و الفهم المراد من الآية وتضييق لأمر يقوم على العموم.
وباستقراء العلم والأمر به في كتاب الله نجده ذُكر وتم الأمر به  في ثلاثين موضعاً في كتاب الله ، ولو تتبعنا مواضع الأمر بالعلم في الثلاثين موضع لوجدناها جامعة لقدرة الله وصفاته سبحانه فمن آمن و علم بها كان من العلماء وتحققت في قلبه الخشية التي لا تتأتى لمن جهل ، وتعريف العلماء هنا كما أشرنا ليس تخصيص لفئة من المسلمين بالمصطلح الذي نعرفه اليوم وإلا لكان الحصر في قوله تعالى (إنَّما) يخرج عامة المسلمين والمؤمنين من الخشية لله ولكن العلماء هنا صفة لمن تحقق لديه العلم الذي أمر به الله في كتابه، فكل مؤمنٍ تحقق لديه ذلك دخل في هذه الآية.
ولنجتزئ مواضع الأمر بالعلم فنقول :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (البقرة الآية(194)
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (البقرة الآية(196)
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (البقرة الآية(203)
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (البقرة الآية (209)
وَاتَّقُوا اللَّهَ
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (البقرة الآية(223)
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة الآية 231)
اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (البقرة الآية 233)
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (البقرة الآية(235)
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة الآية(244)
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (البقرة الآية(260)
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (البقرة الآية(267)
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المائدة الآية(98)
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (المائدة الآية(49)
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (المائدة الآية(92)
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المائدة الآية(98)
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (الأنفال الآية(24)
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (الأنفال الآية(25)
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (الأنفال الآية 28)
إِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الأنفال الآية(40)
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الأنفال الآية(41)
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (التوبة الآية(2)
فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (التوبة الآية(3)
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (البقرة الآية(194)
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (التوبة الآية(123)
اعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (هود الآية(14)
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (القصص الآية(50)
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (سورة محمد الآية(19)
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (الحجرات الآية(7)
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا (الحديد الآية(17)
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.(الحديد الآية(20)
 ولو تتبعنا واستقرأنا ما أمر الله بالعلم به في الآنف من الآيات لوجدناه منصباً جلُّه على قدرة الله المطلقة وصفاته العليَّة التي لا يشاركه فيها أحد فالعلم والتقوى متلازمان فلا يتحقق التقوى بدون العلم والأمر بالتقوى يحققه العلم بالله ومن علم بالله كما أمر الله في كتابه في هذه المواضع على وجه كمال العلم وتمام الإيمان تحققت منه الخشية من الله وحصل التقوى.
والله أعلى وأعلم وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

أضْوَاءٌ عَلَى مَفَاهِيْمِ القَدَرِ وَالقَضَاءْ

أضْوَاءٌ عَلَى مَفَاهِيْمِ القَدَرِ وَالقَضَاءْ
مقدمة :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين   وبعد
لطالما برز جدل واسع بين علماء الشريعة حول مفاهيم القضاء والقدر وعلاقتهما بالدعاء وتلازم الأمرين وافتراقهما ، ولم يتفقوا اتفاقاً قطعيَّاً إلا على وجوب الإيمان بهما كركن  لا يتمُّ إيمان المسلم إلا به.
وبعد أن تقلبت في ما ذهب إليه السلف الصالح من آراء وتفصيلات في هذه المسألة كان أبرز نتيجة وصلت إليها وجود تناقض لدى كثير ممن طرق هذه المسألة ، وإن أقررنا -بلا نقاش ولا رد- وجوب الإيمان المطلق بالقضاء والقدر إلا أننا نختلف في مفاهيمهما ، فكيف لقائل مثلاً أن يقول أن الدعاء لا يقع إلا إذا وافق القدر ؟؟! ،فهذا يعني أن من قُدِّر عليه الموت قتلاً فلن ينفعه استيداع نفسه ودعاء الله بأن يحفظه حتى ولو عرف اسم الله الأعظم ، وفي ذلك تعطيل لصفات من صفاته تعالى.
ومن هنا ففي الوقت الذي يراد منه رسم صورة صارمة للقدر فإنه ينتقص من عبادة عظيمة وهي الدعاء فما نفع الدعاء إن كان كل الأقدار واقعة لا ترد ؟؟ ، ويحضرني أيضاً مسألة ملفتة أشار إليها الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله وهي أن القائلون بالجبر في القدر من حيث يشددون على إثبات صفة من صفات الله فهم في ذات الوقت يعطلون صفة العدل التي يحاسب الله عباده بها بناءً على أفعالهم الحرة المختارة.
لماذا أصبح لدينا قضاء وقدر طالما أنهما شيء واحد ؟؟ وهل أثر هذا الدمج على مفهوم القضاء والقدر ؟؟.
هل يؤثر فهم القضاء والقدر على حياتنا العامة وكيف سيكون التأثير سلبيا أو إيجابياً ؟ ، وكيف يستفيد المسلم من معرفته لقضية كهذه في عباداته وإيمانه؟
كيف نوفق بينما منحنا الله من ميزة الاختيار والإدراك والتمييز والإرادة الحرة وبين حتمية المكتوب ووقوع الشر بدون القدرة على تجاوزه أو تفاديه ؟؟.
كيف نُحاسب إذن على أعمال جُبرنا عليها جبراً ليس لنا فيها خيرة ولا مناص من ارتكابها ؟ وهل الأقدار من أعمال العباد أم من أعمال الله جل وعلا ؟؟
ما هو المفهوم الصحيح لقوله تعالى:
لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ  [الحديد:23]
منهج البحث:
كما المقالات والأبحاث السابقة سنبدأ من النهاية فنعرض ما توصلنا إليه من تعريف للقضاء والقدر والفرق بينهما ومن ثمَّ ننطلق لأدلة هذا القول وكيف يتسق ويتفق مع مفهوم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ومطلق عدل الله وعظيم قدرته وإحاطته في نفس الوقت ، وكل ما ارجوه من القارئ الكريم هو التريث والتمهل والقراءة بعناية حتى النهاية.
القضاء والقدر:
إن هاتين المفردتين تعرضتا لأنواع من إساءة الفهم والخلط بينهما ودمجهما في مفهوم واحد تارة وفصلهما عن بعضهما بالكلية ، وحصل في مفهوم (القَدَر) بفتح القاف والدال ، خلط بينه وبين (القَدْر) بفتح القاف وسكون الراء وبين فعلي (قَدَرَ) و (قَدَّرَ) وهذا الخلط بُنيَ عليهِ خللٌ في مفهوم القضاء والقدر ، ويستدلّ على الخلل في الفهم بأنه يُنْتِج تناقضاً بيّناً وتعارضاً مع مفاهيم أساسية وآيات قرآنية تترك الناس في حيرة من أمرهم لا يهتدون إلى فهم هذه المصطلحات.
وقد نتج عن هذا الخلل تغليظ النهي عن مناقشة القضاء والقدر والحديث فيها لما يقود ذلك من إيقاع الشك عند البعض والانحراف العقديّ عند البعض الآخر ، سيما إذا علمنا أن هذا الأمر أنتج فرقاً ومذاهب تتمايز وتتضاد في موقفها من القضاء والقدر كالجبرية والمعتزلة.
ومع تقدم العلوم الشرعية وتنوع أقوال المتقدمين والمتأخرين وتوسع مدارك الإنسان عما كان عليه الأمر في الماضي فقد أصبحت الرؤية المتزنة المحدودة بحدود العقيدة السليمة أصبحت ممكنة فيقود البحث حينذاك إلى مفاهيم مضيئة لا تتعارض مع أصول العقيدة السليمة ولا تترك الباحث والسائل حائراً لا يفهم ما يحيط بتلك المصطلحات من معاني.
القَدَرْ: هُوَ كُلُّ أعْمَالُ المًخْلوْقاتِ الَّتيْ لَمْ يُفْضُونَ إليْهَا بَعْدْ.
(سبع إضاءات على القدر)
الإضاءة الأولى: القَدَر هُوَ أعمال العباد التي سيفعلونها ويفضون إليها في المستقبل ولها أحوال واحتمالات يتنقل العبد بين احتمالاتها واختياراتها المختلفة بإرادته هو ولكن بعلم الله السابق الأزلي عما سيختار هذا العبد وقدرته جل وعلا على تغيير اختيار العبد أو إثباته.
الإضاءة الثانية: لا تكون الأقدار إلا في المستقبل والوقت القادم قبل إتيانه وحلوله فإن قَدِم وأصبح ماضياً مقضياً لم يعد يسمى قدراً ، وكل قدر يوقع بالعبد شراً أو خيراً إنما هو عمله أو عمل عبدٍ آخر أصابه فيحدث التدافع والتفاعل بين المخلوقات.
الإضاءة الثالثة : من تمام عدل الله أن يجعل الأقدار هي أعمال العباد قبل وقوعها فيكون هذا هو الكسب الذي تصيبهم به البأساء والضراء والسراء بما كسبت أيديهم ولكن نؤكد بأن ذلك بعلم الله السابق الأزلي وبقدرته النافذة على إيقاف العمل وتغييره وفق إرادته جلت قدرته.
الإضاءة الرابعة: الأقدار تتغير وتتبدل وتتأخر وتتقدم ولأفعال المخلوق تأثير على القدر فيمنع الله حدوث مكروه بعمل أو قول ، والجنة والنار من الأقدار المدونة لكل مكلف ، فإن سار في أقدار معينة باختياره وإرادته تقوده للجنة وإن اختار سواها قد تقوده إلى النار والعياذ بالله.
الإضاءة الخامسة: الأقدار دروب عملية متوازية يسلك العبد أحدها لا يمكن له أن يفضي إلى فعلين متوازيين فلا يمكن مثلا للعبد أن يكفر ويؤمن في وقت واحد كما أن ابن آدم لا يستطيع أن يؤدي نسك أو عبادة ويلهو في نفس الوقت .
الإضاءة السادسة: لا يعني تدوين أفعال العبد في كتاب وعلم الله الأزلي بأن جل جلاله مسبب الفعل ، فالفاعل هو العبد وهذا المتفق مع عدل الله وإن تجاوزنا وقلنا غير ذلك فهذا يعني أن الكافر لم يرتكب الكفر بإرادته واختياره بل هو مجبور على فعله كافر من الأزل وهذا منافٍ لقواعد العدل الإلهي وهو قول متبعي عقيدة الجبرية الذين ضلوا في فهم القضاء والقدر فجعلوا أعمال الخلق حتمية من أفعال الله لا دخل للعبد بها وهذا أحد صور ونتائج غياب الفهم الصحيح للقضاء والقدر.
الإضاءة السابعة: أن كل الأقدار لا تقع إلا وفق مشيئة الله وقدرته وعلمه فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأن قدرته عليها مطلقة .
القَضَاءْ: هُوَ مآلات الأقْدَارُ مِنْ الحَواَدِث الَوَاقِعَةُ والوقائع المُنْقَضِيَةْ ، وَالأَحْكَاَمُ الإِلَهِيَّةُ النَّاَفِذَةْ.
(سبع إضاءات على القضاء)
الإضاءة الأولى: مآلات أفعال العباد واختياراتهم من الأقدار وسبلها المختلفة يسمى قضاءً ، فإن سلك الإنسان سبيل الإيمان وقاده هذا السبيل للجنة فهذا المآل يسمى قضاءً ، وإن أفضى العبد لعمل ينسأ له به في أثره فتغير قدره وتأجلت ساعته كانت ساعته الجديدة هي قضاءه ، ولكن القضاء كله بعلم الله فهو جلت قدرته يعلم كل ما سينقضي ويقع وكل المآلات التي ستحدث للعبد.
الإضاءة الثانية: إن أحكام الله وأوامره هي “قضاء” فالله يقضي بأمر عندما ينزل أمراً أو نهياً لعباده ويوجب عليهم إتباعه .
الإضاءة الثالثة: قدرة الله في تغيير أقضية الأقدار مطلقة ، فمن كان قدره المؤاخذة ودخول جهنم يغير الله قضاءه المفترض ترتبه على فعله فيغفر له ، والعبد يُكْتَب على ولده الموت قتلا فيستودع الرجل ابنه فيغير الله قدره فيقضي بحفظه وهكذا ، فالله جل وعلا له مطلق القدرة والتصرف بالقضاء والقدر.
الإضاءة الرابعة: إن علم الله السابق الأزلي بما وقع ما سيقع من الأزل إلى الأبد أمر رباني لا تتسع أفهام العباد له وليس في نطاق ما يطلب منهم ، فعلمهم به يدخل فقط في العلم بمدى اتساع إحاطة الله بكل شيء ولا يترتب عليه علم ابعد من ذلك أو فعل يبنى عليه سوى الإيمان والتسليم .
الإضاءة الخامسة: أن ما يخبرنا الله به عن قضاءه جل وعلا هو إنباءٌ لعباده عن المستقبل فهو واقع حتماً ولكن البشر ليسوا مجبورين على سلوك الأقدار التي تقود لذلك القضاء ، ولكن إخبار الله لنا في سابق علمه لتثبيت قلوب المؤمنين والاستدلال على ضلال الضالين وإيمان المؤمنين .
الإضاءة السادسة: أن القضاء علمٌ أعلى من القدر لأنه المآل والنتيجة أما القدر فهو الكيفية التي نصل بها إلى النتيجة ، فالقدر علم مكتوب اختص به الله جل وعلا نفسه، والقضاء علم يفوق القدر علوا وخصوصية.
الإضاءة السابعة: إذا كان القدر يغيره العبد بتغيير أفعاله فإن القضاء لا يملك العبد له تغييراً ولا تبديلاً وكل قضاء في الكون غير خافٍ على الله وغير ممتنع التغيير والتبديل عليه سبحانه.
مصاديق قرآنية ونبوية:
في هذا المطلب سنستعرض بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لنرى مدى موائمتها مع التعريفات والإضاءات لكل من القدر والقضاء:
إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) سورة الليل
فقسم الله المآلات والقضاء قسمين كلٌّ منهما يترتب على أعمال يفعلها العبد فإن سلك أقدار العطاء والتقوى والتصديق يسره الله لليسرى فكان من أهل الجنة ، وأما إن بخل واستغنى وكذب فسييسره الله للعسرى وهي جهنم فهما طريقين متوازيين زمنياً لا يمكن لمكلف سلوكهما معاً فإما هذا الطريق وأقداره وإما الطريق الآخر وأقداره والعلم عن القضاء (المآل النهائي ) عند الله جل وعلا ، فلا يعلم الإنسان ماذا يختم له به وهل يثبت على الإيمان أم تتخطفه الشياطين فينحرف إلى الكفر .
مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) سورة الحديد.
وقد وقعتُ على مفاهيم متناقضة وغير دقيقة لهاتين الآيتين الكريمتين فالله جلَّ وعلا يخبرنا عن قضيتين مهمتين الأولى علم الله الأزلي بما سيقع إلى قيام الساعة وليس بالضرورة أنه محدثها بل حدثت بإذنه ومحدِثها قد يكون أحد مخلوقاته، والآية التالية يتحدث عما أصيب به المؤمنين من فوات الخير والفرح بما استقر في أيديهم من خير ، فالآية تخاطبهم عما حدث وانقضى فكان قضاءً وليس الحديث عن القدر الذي سيكون في المستقبل، ولو طبقنا هذه الآية على المستقبل لانتفى العمل وأصبح لا معنى للبحث عن الخير وتجنب الشر ، ولكن المراد أن ما وقع وانقضى من شر وما حصل وانتهى من خير كُتبِ من الأزل أن القضاء سيكون على تلك الصورة ، ولا تأتي بصيغة المستقبل إلا عند افتراض حصول المنفعة ووقوع المصيبة وانقضاء ذلك وليس عما سيحدث مستقبلاً.
إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) سورة المدثر
فالتقدم والتأخر رهنٌ بمشيئة العبد ، فكسبه من الحسنات والسيئات وعمله الصالح أو السيئ هو العامل الأساسي في تحديد مصير المخلوق المكلف ، ولن يحاسب الله العبد ما لم يكن حراً يملك الإرادة المستقلة للتفكير وإضمار الإيمان أو الكفر ، وبمجرد سلب تلك الإرادة فإن العبد المكلف يتوقف جريان القلم عن تدوين عمله سواءً بالجنون أو النوم أو الموت أو غياب الوعي.
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء:4]
وهنا القضاء يتضمن إخبار بني إسرائيل بما سيكون من سلالتهم وأبنائهم في المستقبل وليس من المخاطبين بأعيانهم وإخبار الله بالقضاء والقسم عليه صورة من صور قيام الحجة عليهم فلا مناص عن ارتكابهم هذا الفعل من الفساد ليس جبراً من الله لهم ولكن بسوء طويتهم وارتكابهم للشر والفساد بإرادتهم ، فلو أن قوم منهم وقعت في قلوبهم الخشية وتبرأوا من هذا الفساد خشيةً من وقوعهم ضمن من ستقع عليهم النبوءة كإيمانهم بالإسلام ديناً، لخرجوا من مظلة هذه الآية.
قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:47]
وقضاء الله هنا هو حكم إلهي نافذ وليس قدر متغير فاسمي قضاءً لأنه واقع لا مرد له ولا مغير له ولا مبدل ، والقضاء الإلهي إذا أراده الله وأمر به لا يتقيد بسنن الدنيا فالله خالق السنن والمتصرف بمشيئته بكل شيء.
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ [الشورى:47]
فيوم القيامة هو من صور القضاء المعلومة للبشر فلا يمكن له أن يتغير في الوقت الذي يتفاعل البشر مع الأقدار فتتغير مآلات بعضها تبعا لتعاملهم مع تلك الأفعال ، كما أن الحساب ، والموت واجتياز الصراط من الأقضية المحتومة التي لا مرد لها ولا مبدل لها.
وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [الحجر:66]
فأخبر ربنا جلت قدرته نبيه لوط عليه السلام بالقضاء الذي سيقع فأرشده إلى الرحيل عن تلك القرية بأهله حتى لا يقع عليه ما سيجري عليهم من أمر الله وقضاءه ، بينما أخفى قضاءه بموت سليمان عن الجن فلبثوا زمناً في عذاب مهين لاستتار الغيب عنهم وانعدام قدرتهم على معرفته فيقول تعالى:
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ:14]
يقول تعالى:
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23]
ويقول جل شأنه:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب:36]
القضاء هنا هو الأمر والحكم الإلهي النافذ المبلغ لعباده بوحيٍ إلى نبيه ، فعبادة الله وحده لا شريك له و الإحسان للوالدين وشرائع الدين وأحكامه التي نزلت للبشر هي قضاء وحكم لا ينقض ولا يتبدل ولا يجوز مخالفته.
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص:68]
فاختيار الله هو قضاؤه جلت قدرته وليس لأحد أن يرد قضاءه ويغير قراره ، ويمكن القول (يختار) يختار من عباده أنبياءً ورسلاً يكلفون ببلاغ الحق ومحاربة الباطل.
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) النمل
فكان قدرها بناءً على عملها واختيارها هو الهلاك مع قوم لوط عليه السلام ، ولو تابت قبل وقوع العذاب عليهم لنجاها الله من الهلاك بالعذاب ولكن إصرارها حوّل قدرها إلى قضاء فكان العذاب واقع عليها ، حتى لا يأتي من يظن أن الله خلقها لكي يهلكها ويعذبها ولكن بما كسبت يديها.
عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يزيد في العمر إلا البِرّ، ولا يرد القدر إلا الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة
وهذا الحديث يستدل منه على طبيعة الفرق بين القضاء والقدر ، فالقضاء هو الموت والقدر هو وقت وقوع هذا الموت فمن الأعمال ما يزيد في عمر ابن آدم كالبرِّ وصلة الرَّحم فيتأخر وقوع القضاء عليه إلا أنه واقع لا محالة ، والدعاء عبادة تغير الأقدار وتردها فالقدر المردود بالدعاء ينقل العبد لقدر آخر فمن دعا بالحفظ من السوء يَدْرأ الله عنه السوء إن استجاب دعاءه ويبدله بخير فيكون رد قدراً بقدر.
عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ما من مسلم يدعو دعوة ليس فيها إثم ، ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث : إما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يؤخرها له في الآخرة ، وإما أن يكف عنه من الشر مثلها ، قالوا : إذا نكثر ، قال : الله أكثر .
فيؤكد الحديث على أثر أعمال العبد في تغيير القدر فيكون الشر مقدراً على ابن آدم فيدعو الله فيدرأ عنه ما كان مقدراً عليه ويصبح قضاءه حسناً، ولكن إن لم تدرأ عنه الشر ووقع عليه يصبح الشر الواقع قضاءً.
حَديثِ مُسْلِمٍ أَنَّ الرَّسُولَ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ قالَ: سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي ثَلاثًا فَأَعْطَاني ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَني وَاحِدَةً، سَأَلْتُهُ أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتي بِالسَّنَةِ العَامَّةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسألْتُهُ أَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَسْتَأصِلَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يَجْعَلَ بأسَهُمْ بَيْنَهُم فَمَنَعَِيها، وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ” اهـ.
وهنا دليل بيِّن على أن القضاء ثابت لا يرد بعكس القدر الذي يرد بأمور كثيرة كالدعاء ، فما يقضي الله بأمر إلا نفذ ولا ينفذ أمر إلا كان نفاذه قضاءً.
الأمْرُ العُجَابْ
قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:” عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ “. رواهُ مُسْلِمٌ.
وفهم هذا الحديث فهم عميق وملفت ، وجلُّ ما قرأت شرح سطحي يبرز أسهل وجوه فهم الحديث ولكنه برأيي ليس أصحّها ، وما أن نتفهم المراد من هذا الحديث وحقيقته حتى نستوعب مسألة القضاء والقدر ودور المخلوق في التأثير في الأقدار فيقضي الله لهم بقضاء خير .
وبداية فإن المسلم لا يشكُّ في أن الله جل وعلا يثيب المؤمن الشاكر للنعمة، ويثيب المؤمن الصابر على المصيبة ، ولا يبدو أن هذا مصدراً للعجب عندما يتعجب من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم !! ، فضلا عن حصر ذلك على المؤمن دون غيره ، فلا بد أن وجه التعجب لدى النبي صلى الله عليه وسلم وجه آخر ، وجه عميق وعجيب يتطلب إدراكنا له وأن نشعر فعلا بتميز المؤمن عن غيره بهذا الأمر العجيب الذي لفت انتباه نبينا صلى الله عليه وسلم.
والحقيقة أنني رأيت في هذا الحديث ما غفلنا عنه لوقت طويل ، فقول النبي صلى الله عليه وسلم عن المؤمن بأن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكانت خيراً له فليس كل سراء تؤول إلى خير ، فقد يفرح الرجل بالمال يصيبه ثم يكون عليه وبالٌ وسوء ، ولكن المؤمن بالشكر يحيل هذه السراء في مآلاتها إلى خير يؤثر في أي قدر يقود هذه السراء إلى سوء وشر ويجعل مآلاتها غير حميدة ، ونلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الحالين بالسراء والضراء فما يسرُّ المؤمن لا يشترط أن يكون مآله خير .
والأمر العجيب الثاني هو أن المؤمن إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له فصبر المؤمن واستحضاره لحسن المآل يحيل الضراء لخير في مآلاتها فيكون مصاب الرجل في صحته أو في ماله باب يدرأ عنه مصيبة أكبر أو يجلب له خير لم يكن ليصيب المؤمن بلا وقوع تلك الضراء.
ويؤيد ذلك ما نعرفه من قصة أصحاب السفينة في سورة الكهف حين خرق الخضر سفينتهم فكانت هذه الضراء خير لهم منع عنهم ما هو أسوأ وهو سلب مصدر رزقهم الوحيد ، وكذلك الغلام الذي ذبحه الخضر لعلم لُدَنيّ عنده بأنه سيرهق أبويه عصياناً وكفراً فصبر أبويه على مصابهم بمقتل ابنهم يقود لمآل خير للغلام وأبويه الصالحين فالصلاح يستلزم الصبر على الشدائد بجانب الإخلاص في العبادة.
ونستنتج مما تقدم أن المؤمن من أعظم الخلق حظاً بإيمانه فإيمانه (بقدرة الله ومشيئته) يحيل الشدائد للخير إن استحضر إيمانه ووثق بربه وعلم أنها سنن الله التي لا تتبدل ولا تتحول ، وإن شكر الله على وقوع السراء وحصول الخير فإن مآل الخير سيكون خيراً بإذن الله ويصونه بالشكر من التحول والتبدل .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ فَقَالَ: لَهُ لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: قُلْتَ: طَهُورٌ ؟ كَلا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَنَعَمْ إِذًا
وهذا الحديث يحمل دلالات هامة أولها مآل الصبر على الضراء أو الضجر منه والتشاؤم بالموت وأثر ذلك في وقوعه، فلما اعترض الأعرابي على تفاؤل النبي صلى الله عليه وسلم بزوال البأس والطهور من المرض فقد استحال اعتراضه لواقع ضار يهلك صاحبه فيكون مآل مرضه الموت لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم (فنعم إذاً) معطوف على قول الأعرابي وكأنه يقول : إذا كنت ترى ذلك فأنت من يحقق الضرر على نفسه وسيتحقق قولك.
لا شك أن حال الضراء يترافق معه يأس من وقع عليه الضر فدرجات إيمان الخلق متفاوتة ومن الناس من يكون متماسكاً قوياً فيما يظهر ولكن خوافي الأنفس ودواخلها في علم الله جل وعلا ، ولكن السنة الربانية التي يريد صلى الله عليه وسلم أن يخبرنا بها أن نحسن الظن بالله لتكون السراء خير ويستحيل الضر خيراً أيضاً فهنا دليل على أن الأقدار هي أعمال العباد وإن آمنوا واستحضروا كيف أنهم قادرين بتأييد من الله وتوفيق على تجنب الشرور القادمة واستجلاب الخيرات الخافية بإصلاح أنفسهم وتطهير ذواتهم من الشك وسوء الظن وضعف الإيمان.
قال عمر ابن عبدالعزيز رحمه الله : (إن لي نفساً تواقة، وما حققت شيئاً إلا تاقت لما هو أعلى منه، تاقت نفسي إلى الزواج من ابنة عمي فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الإمارة فوليتها، وتاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، والآن يا رجاء تاقت نفسي إلى الجنة فأرجو أن أكون من أهلها.)
والنفس التواقة أنالت بقدرة الله كل خير في الدنيا لعمر ابن عبدالعزيز فلما رأى أن الدنيا مقبلة عليه بحسن ظنه بالله زهُدَ فيها وارتفعت همته لثقته بربه وعظيم كرمه وغزير عطاءه فصرف علمه بالله وجهد نفسه التواقة لأن تتوق للجنة بدلا من الدنيا فلم يعد في طلب الدنيا ما يسعده ويشبع نفسه الصالحة.
فإن صفت أنفسنا وعظُمَ إيماننا بربنا واستحضرنا سنته في خلقه وسعة ملكه وأنه يؤتي من يشاء بغير حساب لا تنفد خزائنه ولا ينقص ملكه فإننا سنحيل أنفسنا لأنفس تواقة تثق بكرم الله وجزيل عطاءه سبحانه .
عَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه َقَالَ :اسْتَعِينُوا عَلَى نَجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ ” صححه الألباني.
فقد جرى بين الناس أن من له حاجة سائرة ينتظر إنجاحها وأخبر بالأمر ولم يكتمه إلا فشلت وردت حاجته ، ذلك أن تشاؤم الناس من قضاء حوائج ونجاح المطالب لسواهم شائع فإن تشاءم الرجل من حصول مطلوب فقد يحصل المنع ، لذا حث صلى الله عليه وسلم على كتمان الحوائج حتى نجاحها.
وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]
إن لأحوال نفس ابن آدم تأثير وسبب على وقوع السوء واندفاعه وجلب الخير وابتعاده فنفهم كيف أن الناس يستجلبون الشر لأنفسهم فما أصابهم من سوء فمن أنفسهم ، لأنهم يستجلبون الشر ويخضعون لوساوس النفس فيصيبهم ما كانوا منه يحذرون.
روى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: “لا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ وَلَكِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْحُو بِالدُّعَاءِ مَا شَاءَ مِنَ الْقَدَرِ
إذا فالقدر يمحوه ويغيره الدعاء ولكن القضاء كما أسلفنا لا يرد ولا يتغير ، وطالما دعى الداعي وهو في شك من الإجابة ونفسه تفيض بالقنوط واليأس من وقوع المطلوب أو دفع المحذور ، لذلك حصر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أمر المؤمن فقال (وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ) فالإيمان شرط وقوع المطلوب ودفع المحذور.
ولا شك أن المؤمن الذي تتواتر الأحداث عليه فيجعل من نفسه نفساً تواقه ويمتلئ قلبه بالإيمان والامتنان لله جلت قدرته ويستقر في نفسه هوان الدنيا وسهولتها للمؤمن ويسر الله لعباده آنذاك سترتفع همتك وتبحث عما هو أعظم وأثمن وهو الجنة وستتعرف على شعور عمر ابن عبدالعزيز عندما اتجهت نفسه التواقه لنفي الدنيا والطمع في الجنة.
 تحري الموت :
لعله يمر بنا حالات عديدة يتحدث فيها المتوفى عن الموت وتصل في بعض الدرجات أن هذا المتوفى يسبق بالإخبار عن موته ، وفي حالات فإن أهل الميت يخبرون عادة بآخر أحوال ميتهم بأنه تحدث عن الموت أو ذكره أو ودع أهله وذريته ولبس اجمل ثيابه والكثير من القصص التي نسمعها ، وانتشرت أخبار عن مغردين في وسائل التواصل الاجتماعي تحدثوا عن الموت أو ودعوا أحبائهم فقضوا في حوادث مرورية بعد وقت قصير فهل هؤلاء يعلمون الغيب ؟؟.
ونظرا لتواتر تلك الأخبار والوقائع فقد شاع بين الناس أن الميت يعرف بدنو أجله قبل أربعين يوماً ، ما انتشر هذا الخبر الخاطيء إلا لعدم وجود تفسير لتلك الحالات المتكررة ، وكثيرون يسألون العلماء الذين يردون بأنه لا يمكن معرفة علم الغيب بالطبع.
والحقيقة أن ابن آدم له أحوال يكون في بعضها يائس يتمنى الموت ويتوقعه حتى أن تلك المشاعر تطغى على سلوكه وحديثه ونشاطاته ، والبعض من الناس يضمر ذلك الشعور فالنفوس تنطوي على أسرار ومشاعر مكتومة ولكن الأكيد أن من يطلب الموت يصيبه وفي ذلك شاهد قرآني :
قلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) البقرة
ويقول جل جلاله:
قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) الجمعة
ففي موضعين يوجه ربنا جل جلاله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يطلب من اليهود تمني الموت ، ولأنهم يعلمون بأن تمني الموت يجلبه فيقع فإنهم لن يتمنوه أبداً لعلمهم بجرائمهم وما ارتكبوه وقدمته أيديهم من أعمال سوء فيؤخرون لقائهم بالله لعلمهم ما سيكون عليه الحال بعد الموت.
ولولا أن التمني يوقع الموت بإذن الله لما كان هذا التحدي مجدياً ، فحتى لو تمنوه ما يدري النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ؟؟ ، سيعلم بأمنيتهم إذا وقع الموت عليهم .
وهذه صورة من صور التفاؤل والتشاؤم ، لذلك فمن لديه عزيز غالبه اليأس فإنه يجب أن يسارع لإخراجه مما هو فيه حتى لا تقع أماني السوء التي تمر في حياته ، وكذلك نحن علينا أن نستحضر خطورة تمني السوء أو التفكير به وتخيله لأن في ذلك استجلاباً له وهذه سنة وقانون مثبت بكتاب الله كما أسلفنا.
(العَدْوَى وَالطِيرَةَ)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ ” رواه البخاري .
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، ولا نوء ولا غول، ويعجبني الفأل))
وهذا الحديث من الأحاديث التي أُغلق على أفهام كثيرة فنتج عن عدم فهمه محاولات لوضعه وتصور لمناقضته لأحاديث الفرار من المجذوم واعتقد الكثير من العلماء فضلا عن العامة بوجود صورة من صور التعارض بين هذا الحديث وبين العلم والطب وبين احاديث أخرى تعارضه (وفق فهمهم) وحقيقة الأمر أنه لا تعارض ولا تناقض البتة.
فالعدوى هنا لا يقصد بها الأمراض التي تنتقل بالعدوى ولكن انتشار مرض بين الناس يجعل بعض الناس يدخله الوسواس والتشاؤم فيقول طالما انتشر هذا المرض بين الناس فلابد انني اصبت به ، فيبدأ في التحسس والتوجع وهنا يقع المحذور ويصيبه المرض الذي ارقه وانتظره ، والحديث كله يتحدث عن صور تشاؤم متعددة ولم ينهى عنها إلا لأنها تقع ولأنها مخالفة للعقيدة السليمة المتعلقة بالله جلت قدرته .
وهناك من الناس مثلا من يرى انتشار مرض كمرض السكر أو أمراض القلب تنتشر هنا وهناك وكل يوم يسمع خبر إصابة أحد من أهله أو أصدقاءه فيدخله الخوف والوساوس ويبدأ يظن أن المرض شائع وانه ضحية جديدة متوهماً بإصابته فيصاب حقيقة فتكون هذه العدوى التي نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يحثنا على التفاؤل بالصحة والخير لكي لا يقع ما يحذره المسلم فعلاً ويحصل عليه الضرر.
كان شهر صفر عند الناس في الجاهلية يشتهر بأنه شهر شؤم وتواطئوا على ذلك حتى أصبح شهر شؤم وضرر ، فلما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التشاؤم بالطير والعدوى وبصفر ، صار هذا الشهر شهراً كغيره من الشهور لا يزيد فيه شر ولا يختص بمصيبة عما سواه ، فتواطؤ الناس على التشاؤم من أمر يجعله أشد وقعاً وأشهر شؤماً ، فإن ترك التشاؤم من أمر عاد كسواه.
فوجب على المسلم إحسان ظنه بالله حتى في أحلك الظروف وأسوأها وأن يرسم خطاً للخير بين كل طرق الشر التي يسلكها ويؤمن في داخله بأن الفرج متحقق لا محالة كما كان الحال في يونس عليه السلام حين (ظنَّ في الله الظن الحسن بأنه جل جلاله لن يقدر عليه أي “لن يضيق عليه أكثر مما ضيق في بطن الحوت ” فدعا ربه فاستجاب وأنجاه من ضيق بطن الحوت والهلاك الحتمي فيه أصبح أمراً من الماضي).
وقوله صلى الله عليه وسلم (ويعجبني الفأل) والفأل الحسن هو الكلمة الطيبة وتوقع الخير وقوله صلى الله عليه وسلم (يعجبني) أي يصيبني بالعجب وهذا متفق مع قوله صلى الله عليه وسلم (عجباً لأمر المؤمن) فالتعجب كيف أن الفأل والشكر والصبر يحيل القدر لقضاء خير.
الفرق بين التقدير والمقادير (قدَرَ ، قدَّر ) :
اختلطت المفاهيم القدَرْ والتقدير التي وردت في القرآن الكريم لدى كثير من الناس فظنَّ البعض أن القدر هو القضاء وبالتالي أن التقدير هو القدر والحقيقة أن كل منها له معنى مختلفاً ، فالقضاء كما أسلفنا يختلف عن القدر ، والقدر يختلف عن التقدير:
أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ [الرعد:17]
بِقَدَرِهَا : بكمية المياة التي تقدر الأودية على احتمالها وتتسع لها.
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ [الرعد:26]
وَيَقْدِرُ : يضيِّق الرزق عكس البسط والاتساع فيكون مقدارها قليلاً.
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ [إبراهيم:18]
يَقْدِرُونَ : يعني بها المقدرة والاستطاعة والقدرة على الحفاظ على ما كسبوا.
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر:21]
بِقَدَرٍ : بكمية معلومة ومحددة فلا يزيد ويطغى ولا يقصر عما أريد له.
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ [سبأ:18]
وَقَدَّرْنَا : قصّرنا فيها مدة السير عما يجب ان تكون عليه .
وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس:39]
قَدَّرْنَاهُ : جعلنا كل مقدار من حركته ومواضعه بمنزلة حتى صارت حركته منازل مقدرة مقسمة .
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ [فصلت:10]
وَقَدَّرَ: جعل فيها ما يكفي من فيها مِن كل قوت من أقواتها بالكم المناسب فلا يزيد فيفسد ولا يقل فيهلك الخلق.
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]
نَقْدِرَ : نضيَّق عليه في بطن الحوت ، أو نضيّق عليه معيشته بسبب مغاضبته لمن أرسل لهم وتركه للدعوة التي كلف بها ، فأحسن الظن بالله واستشرف النجاة والمغفرة لقاء فعله فحقق الله ظنه الحسن بربه فأنجاه.
وبالتالي مما تقدم فمادة (ق د ر) في كتاب الله ليست في كل المواضع تعني القَدَرْ والجهل بذلك ينزلق بالمسلم لخلط المفاهيم وتعقد الأمر حتى تغيب الرؤية الصحيحة.
سنة كونية :
إن الغرب أدرك قيمة التفاؤل وأثره الملموس والمباشر ، فصرف علمائهم وباحثيهم أوقاتهم لمراقبة تلك الأحوال للناس ورأوا كيف أن من يحسن الظن ويتفائل يقع تفاؤله ومن يسيء الظن ويتشائم يقع تشاؤمه ، ولكنهم ولعدم معرفتهم بماهية هذه السنّة فقد أسموها “قانون الجذب” وتصوروا مخطئين بأن قوةً خفيةً تخرج من جسد الإنسان لتستدعي الوقائع المختلفة فتتغير المقادير للأسوأ أو الأحسن وفق الطاقة التي تنبعث من كل شخص.
والحقيقة أنهم ضلوا في فهم حسن الظن بالله وقيمة التفاؤل وفعلها الحاضر في حياة الإنسان في الوقت الذي كان هذا الأمر أساساً من أسس الإيمان بالله في ديننا الحنيف ومعلمٌ بارز من معالم العلاقة المثالية للمؤمن بربه سبحانه وتعالى.
وبالمقابل ولأن الغرب الكافر غاص في أعماق هذه الظاهرة الجلية وخرج بفهم مغلوط فقد رفض بعض علمائنا ومفكرينا تلك المفاهيم جملة وتفصيلاً لأنها في جزء منها تصادم مفاهيم ثابتة لديهم ولم يمعنوا النظر في الظاهرة ويبحثون عن أساسها في ديننا الحنيف وإلا لتوصلوا لخلاف ما انتهوا إليه.
الخاتمة :
إن أبلغ جملة تصف ما توصلنا إليه إجمالا هي :
الأقْدَارُ دُرُوْبٌ مُغْلَقَةٌ تَفْتَحُهَا النيِّاتُ ويُغْلِقُهَا القَضَاء
هذه الرؤى والمفاهيم أطرحها للقارئ الكريم وأنا أنتظر منه أن يرد ما يراه في قولي شططاً أو انحرافاً عن الحق ، أرجو من الله الهدى إلى سواء السبيل وأن يفتح على قلوبنا وقلوبكم فهم كتابه ، رب إن أصبت فمنك وحدك لا شريك لك ، وإن أخطأت فاغفر لي فإنك أنت الغفور الرحيم ، وفقني الله وإياكم لكل خير وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم.

سِـرُّ الأسْرَار فِي إجًابَةِ دُعاءِ المُؤمِنِيْنَ والكُفَّارْ

بسم الله الرحمن الرحيم
سِـرُّ الأسْرَار فِي إجًابَةِ دُعاءِ المُؤمِنِيْنَ والكُفَّارْ
مُقَدِّمَة:
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد ، فإن الدعاء من أعظم العبادات وأشملها وأعمها فهو من أبلغ صور الخضوع والتذلل والحاجة والاتصال بالخالق جلت قدرته ، وفي هذا المقال أعرض للقارئ الكريم تجربة استقرائية هامة للغاية تستجلي سراً من أهم أسرار الدعاء المستجاب استرشاداً بالقرآن العظيم ، كذلك وبجانب هذا السر المضيء الذي لم يكن خافياً في كتاب الله أبداً فإننا سنتعرف على التركيب البنائي لجمل الدعاء مستأنسين بكتاب الله جل وعلا وصيغ الدعاء المستجاب فيه.
بُنْيَوِيَّةُ الدُّعَاءِ رُكْنُ الإِجَابَةِِ الرَّكِيْن:
إن بناء الدعاء ومحتواه هو جزء هام وركن أساسي في القبول والإجابة بجانب عدد من العوامل الأخرى ، ولو عدنا للسيرة النبوية المطهرة لرأينا كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم تعجب من دعاء صحابة وأقرَّ ذلك الدعاء فكان جزءاً من صلاتنا المكتوبة ، وفي هذا البحث تتجسد قاعدة التركيب اللغوي للدعاء ونوعية المفردات والأسماء وأسلوب الدعاء كما سنرى.
إن من ندعوه جلت قدرته ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، فهو رب كل شيء ومليكه ومناجاته تستلزم سنناً خاصة يجيب سبحانه من يأتي بها على وجهها وهذا ما سنراه فيما يلي.
دعاء إبليس والمجرمين والكفار:
من عجائب سر الأسرار وسننه الثابتة أن من أتى به من وجهه أُجيْبَ ولو كان كافراً ، ومن لم يأتِ به بسننه وآدابه رُدَّ ولو كان الداعي مسلماً مؤمِناً بل إن إبليس اللعين أتى به من وجهه فأجاب الله دعوته وآتاه أمنيته كما سنرى ، وبلعام ابن باعوراء أوتي سر اسم الله الأعظم فكان كنزاً عظيماً لم يدرك عظمته وقيمة ما اختصه الله به فآثر الباطل على الحق فخاب وخسر.
ونتبين من ذلك أن الدعاء سنة كونية وليست مختصة بمؤمن وكافر ، بل إن كل مخلوق يدعو وحقيق على الله إجابة دعاءه إن أتى به من وجهه الصحيح ولو كان ملحداً كافراً جاحداً ولننظر لمصداق ذلك من كتاب الله تعالى:
وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67)الإسراء.
فالغارقون الهالكون في عواصف البحر وأمواجه إن أخلصوا في الدعاء نجَّاهم مع علمه جل وعلا بكفرهم بعد تحقق النجاة والفَرَج ويعودون لشركهم كما كانوا قبل محنتهم.
{ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)} [الأنعام]
قل (يا محمد) للمشركين من ينجيكم عندما تشرفون على الهلاك في البر والبحر ؟؟ فتدعونه وحده متضرعين فينجيكم ثم تعودون لشرككم به وظلمكم لأنفسكم ؟ .
ولا شك أن تلك من المواقف و المحن العظيمة التي يقترب فيها الإنسان من الهلاك حيث ييأس الهالك إلا من رحمة الله فتحيط به برغم علم الله بما سيكون منه بعد نجاته إذا أخلص دعائه لله وتوجه متضرعاً له سون سواه.
وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) التوبة
وهنا فئة جديدة غير المشركين وهم المنافقين ، فالمنافقون يعاهدون الله مخلصين حين عاهدوا فلما أجابهم الله بخلوا وبدلوا عهدهم مع الله وكذبوا وهو جل وعلا لم يفجأه ذلك بل كان عالماً به ولكن إخلاصهم في الدعاء أول مرة كان مناط الإجابة فلما بدلوا بدل الله عليهم بعاقبة سوء .
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)يونس
وهذا خطاب آخر للمشركين يتبين منه كيف أن الله سبحانه وتعالى برغم شركهم يجيب دعائهم برغم علمه جلت قدرته بكذبهم وتبديلهم وتغييرهم وبغيهم وما نستفيد هنا هو أن الأمر ليس مناطاً بالمآلات بل بإتباع سنن الدعاء وقوانينه وهذا المفهوم يكرس قيمة العدل الرباني المطلق فلن نجد لسنة الله تبديلا ولن نجد لسنة الله تحويلاً.
وأختم بأعظم صور تحقيق السنة الربانية في الدعاء وهو إجابة دعاء إبليس الرجيم إذ قال ربنا جلت قدرته:
قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) الحجر
فدعا الله أن ينظره ويمهله إلى يوم البعث فأجاب الله تعالى دعاءه ومن هذه الآية بالمناسبة ينقطع اللغط حول “الوقت المعلوم” وماهيته فالإجابة واضحة فاليوم المعلوم هو “يوم يبعثون” وفق طلب إبليس من الله جل وعلا ، فلماذا أجاب الله إبليس ؟ وما هي هذه السنة العظيمة التي أدت لإجابة الله لدعاء إبليس نفسه ؟.
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) ص
ففي هذا الموضع أيضاً يدعو الله ان يمهله فيجيب الله دعوته وهو يعلم أنه لن يستغل تلك الفترة الزمنية والمهلة التي أجيب إليها في الاستغفار والابتهال بل سيستغلها في إغواء المؤمنين والمخلصين لصدهم عن سبيل الله وبرغم ذلك أجابه عندما أتى بالدعاء من وجهه ، ومثله أولئك الذين ذكرناهم آنفاً من تعهد في ظلمات البحر بالإخلاص لله بعد أن ينجيهم فلما نجاهم نكصوا عما عاهدوا الله عليه ، ونلحظ (الفاء) التعقيبية في قوله تعالى (فإنك من المنظرين) والتي سنسميها فيما يلي فاء إجابة الدعاء
فبعد أن أجاب الله دعاءه ما كان قوله إلا :
قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) الحجر
وفي الموضع الثاني في صورة ص :
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) ص
فتتكرر الصورة النمطية بالدعاء والنكوص فيشابه المشركين والمنافقين إبليس حين نكص بعد أن أجيبت دعوته كما ينكصون وينكثون عهودهم مع الله بعد أن يجيبهم جل وعلا والمشترك هنا مما نريد إبرازه هو سنة الدعاء المستجاب حتى من إبليس الرجيم والكفار والمشركين والمنافقين.
إذن فالدعاء لله وحده دون اعتداء وعلى وجهه الصحيح وبيقين وإيمان حري بالإجابة سواءً كان الداعي مؤمناً أو منافقاً أو كافراً فالله جل وعلا ليس كالبشر ومصداق ذلك قوله تعالى:
{ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا } [الكهف:58]
فالرؤوف جلت قدرته ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب ولكن سنن تتلوها سنن ففي دار الممر في هذه الحياة الدنيا يقع قانون الله وتجري سننه فيؤتي الكافر العامل ويمنع المؤمن الخامل ، وينصر الكافر المظلوم ويقصم المؤمن الظالم ، فالحياة الدنيا كما الآخرة دار عدل يناسب تساوي الفرص بين أهلها بغض النظر عن إيمانهم وكفرهم ، ويبقى تمايز الفريقين بالقبول والتدوين فالدعاء عبادة يؤجر فاعلها وتدخر للآخرة ولكن غير المؤمن لا ينتفع بدعاءه في الآخرة وإن انتفع به في الدنيا.
وهذا من تمام عدله جلت قدرته فلا حجة لأحد من خلقه يوم يقف بين يديه فقد أعطى الدنيا للمؤمن والكافر على وجه التساوي ولم يمنع كافراً لكفره ولم يعط مؤمناً لإيمانه بل جعلها سنناً لا تتبدل ولا تتحول من أتاها كما ينبغي رزقه الله وأجابه وآتاه فكان ذلك كرامة للمؤمن وحجة على الكافر.
وفيما يلي نتعرف على سر الأسرار الذي أجيب به المؤمنين والفجار ونتتبع ذلك في كتابه الكريم.
سِرَُ الأسْرار
كتاب الله هو مصدر هذا السر ، ولم أسميه سرَّاً لاستتاره عن أنظار قارئي كتاب الله بل لاستتاره عن إفهام كثير منا برغم وضوحه وسهولة التعرف عليه ، ولمَّا كانت اللغة وتراكيبها هي صورة الإعجاز الكبرى في كتاب الله فإننا نفهم هنا كيف أن الكلمة ذات وزن في موضعها عن سواها ونعلم أن اسماً من أسماء الله أحرى بالإجابة من سواه فنعلم حين ذاك أن الكلمة من كلمات الله عندما تختار لتوضع في موضع فإن ذلك لم يكن ذلك عبثاً أو مصادفة بل لحكمة صارمة.
لا شك بأن الدعاء المستجاب في كتاب الله حريٌّ بالدراسة والتحليل لكي نميز ونفرق أين الدعاء الذي استجابه الله وبم تميز ، وأين الدعاء الذي رده الله ولم ردَّهُ ولم يجبه وبم تميز.
وهذا ما قمت به فتتبعت آيات الدعاء و استقريتها فوجدت أننا غفلنا عن أمر هام هو أن كل دعاء دعي الله به في الدنيا بدأ بصفة الله (رَبِّ) نجد أنه أجيب ولم يرد أبداً طالما انتفت موانع الإجابة وهنا سنبدأ رحلة ممتعة مع الدعاء بـ ( رَبِّ) لنشهد هذه السنة الربانية العظيمة وكيف تراتبت في كتاب الله ، ولقد ارشدنا إليها ربنا جلت قدرته إذ يقول :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) الأعراف
فاختص أمره جلت قدرته بقوله (أدعوا ربكم) فكان التوجيه واضحا بدعاء (الرب) بتضرع وخفية وبدون اعتداء .
  • قصة نوح عليه السلام:
وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47) هود
وهنا فإن نوح لم يطلب النجاه من لابنه من أهله مباشرة بل دعا ربه بأنه من أهله فأجابه الله أنه ليس من أهله ونهاه عن التمادي وسؤال النجاة له لأنه لم يعد من أهله والله أصدق القائلين فقد انتفى النسب عندما اثبت الكفر ، فكان لو دعا بالنجاة لابنه لكان ذلك اعتداءً في الدعاء فاستغفر الله وسأله الرحمة واستعاذ من سؤال ما ليس له به علم.
قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) المؤمنون
 فكان جواب دعاءه بـ (رَبِّ) انصرني بما كذبون أنه قضى عليهم (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) ثم تبعه قرن آخرين كذبوا رسولهم إذ قال تعالى:
قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) المؤمنون.
فجواب (رَبِّ انْصُرْنِي) قوله تعالى بفاء إجابة الدعاء (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ)
قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) الشعراء
فأجاب الله قوله (رَبِّ) افتح بيني وبينهم فتحاً ، بإغراقهم ونجاته ومن معه كما سأل ودعا بفاء إجابة الدعاء إذ قال (فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ)
وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)
فأجاب الله نداءه بـ (رَبِّ) فلم يذر على الأرض من الكافرين أحداً وأغرقهم جميعاً إلا المؤمنين الذين ركبوا في الفلك مع نوح ، وغفر لنوح ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات.
  • قصة إبراهيم عليه السلام:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126) البقرة
فأجابه الله تعالى وجعل من الوادي المقفر الموحش المخيف بلداً آمناً ورزق أهله مؤمنين وغير مؤمنين فأما من آمن فيرزقه الله في الدنيا والآخرة وأما من كفر فيرزقه الله متاعاً في الدنيا ولكنه في الآخرة من أصحاب النار.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)البقرة
فكان هذا السؤال الجريء من خليل الله إبراهيم فسأل ربه جلت قدرته بقوله (رَبِّ ) فيجيب الله سؤله فيريه كيف يحي الله الموتى ، فتحققت الرغبة وأجيبت الدعوة بفاء إجابة الدعاء في قوله تعالى (فَخُذْ ) .
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) البقرة
فاستجاب الله لهما فتقبل أعمالهما ، وجعلهما مسلمين فقال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ، وأجاب دعاء البعث فبعث فيهم نبياً منهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) لوط
وهذا لوط عليه السلام يدعو بالنجاة بقوله (رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي) فأجاب الله دعاءه بفاء إجابة الدعاء إذ يقول جل جلاله (فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ)
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) الصافات
ولما نادى إبراهيم ربه سائلا إياه أن يهبه ولداً من الصالحين فقال (رَبِّ) هب لي من الصالحين كانت الإجابة بفاء إجابة الدعاء فقال تعالى (فَبَشَّرْنَاهُ) بغلام حليم.
  • قصة موسى عليه السلام:
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) [المائدة]
فعندما دعا على قومه إذ عصوه بـ (رَبِّ ) فلم يطيعوه في دخول الأرض المباركة ومقاتلة العماليق فامتلأ صدره عليهم غيضاً ودعا بتلك الدعوة فأجيبت بقدرة الله تعالى مبتدأة بفاء إجابة الدعاء (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً).
قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) طه
فعندما دعى موسى ربه بقوله (رَبِّ) آتاه سؤله فشرح صدره ، ويسر أمره ، وحلَّ عقدة من لسانه وجعل له هارون وزيراً يشد أزره ويشاركه في رسالته فما كان من ربنا جلت قدرته إلا أن قال (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا موسى) ، فهذه صورة من سور الإجابة العظيمة بهذه الصيغة في الدعاء.
 
ولَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) البقرة
فعندما دعا جالوت وجنوده بـ (رَبَّنَا) استجاب ربنا جلت قدرته (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) والفاء لإجابة الدعاء كما سلف في كل مثيلات هذه الآية.
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) آل عمران
فكان دعاء الربيون مفتتحاً بـ (رَبَّنَا ) وعقب الله عليه مستهلاً بفاء إجابة الدعاء في قوله تعالى (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ) فحازوا النصر والتثبيت والمغفرة وحسن الثواب في الآخرة بأحسن مما سألوا.
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) الأعراف
فأجابه ربه فتجلى للجبل ، ولم يكن الجبل ليستقر مكانه وإلا لتمكن من رؤية الله ، فحقق الله أمنيته فقط بالنظر (إليه) أي باتجاهه ولو تعذرت رؤيته جل وعز سبحانه .
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) القصص
فعندما نادى الله بقوله (رَبِّ) إني ظلمت نفسي فاغفر لي فكان جواب دعاءه ونداءه مستهلاً بفاء إجابة الدعاء فكان قوله تعالى (فَغَفَرَ لَهُ) إنه هو الغفور الرحيم.
  • قصة يوسف عليه السلام:
قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) يوسف
فدعا بصرف كيد النسوة بقوله (رَبِّ) واستهلت الإجابة بفاء إجابة الدعاء في قوله (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ) واشتملت الإجابة على إيتاءه ما أحب وهو السجن فأدخل فيه تحقيقاً لإجابة الله ليوسف فنلحظ دقة إجابة الله ليوسف عليه السلام ، ولو دعا بصرف الكيد دون السجن لأجابه الله إلى سؤله.
  • قصة زكريا عليه السلام:
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) مريم
فدعاء زكريا كان قوامه قوله (ربِّ) فلما دعا به أجيب ، وكانت إجابته من الله بأن رزقه يحيى عليه السلام وجعل إجابة دعوة يحيى في صفاته وعلاماته وخلقه وعلمه ونبوته وزاده سبحانه إكراماً بما لم يسأله ويدعو به هذا النبي الصالح.
ثم إنه عليه السلام سأل ربه بذات الدعاء أن يجعل له علامة وآية فأجابه إلى طلبه:
قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) مريم
فلم يدعو ربه بياء النداء فهي لا تناسب الدعاء البتة فلم يسبق ان استعملت في القرآن إلا في موضع واحد لم يكن فيه النبي صلى الله عليه وسلم يرجو من هذا النداء إجابة فلم تأتِ إلا في موضع اعتذار.
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)
وذكر القصص في موضع آخر لم يغير صيغة النداء برغم تغير صيغة الدعاء فبقيت (رَبِّ) وما ذكرت في موضع إلا أجاب الله فيه .
وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) الأنبياء
وهنا أيضاً كان النداء بـ (رَبِّ ) والإجابة مستهلة بفاء إجابة الدعاء (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ)
  • قصة سليمان عليه السلام:
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (40) ص
فكان جواب دعاءه بـ (رَبِّ) بالإجابة بفاء إجابة الدعاء (فَسَخَّرْنَا) وما يتبع ذلك من مغفرة كما سأل و زلفى وحسن مآب.
  • قصة مريم عليهما السلام:
إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) آل عمران
دعت بالقبول (ربِّ تقَبَّل) وبرغم أنها أنثى فقد (تَقَبَّلَهَا ) وأعاذها وتولاها ورزقها وأصلحها وأخرج من بطنها رسولاً من أكرم أنبياء الله ورسله وفضلها على نساء العالمين.
وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) المائدة
فكان قولهم وافتتاحه بـ (رَبُّنَا) مآله الإجابة من الله جل وعلا بفاء إجابة الدعاء في قوله تعالى (فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا) فكان الثواب العظيم يعود لقولهم الذي نطقوه وقالوه معبراً عما في قلوبهم من إيمان مستقر .
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) المائدة
وهكذا فإن عيسى عليه السلام عندما سأل الله أن ينزّل مائدة من السماء سأله بقوله (رَبَّنَا) فتحقق ذلك بقول الله (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) ولم تستعمل فاء إجابة الدعاء لتأخرها لفاء الشرط و الوعيد في قوله تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ).
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) آل عمران
فأتبع الله دعائهم بقولهم (رَبَّنَا) بالإجابة بفاء إجابة الدعاء فكان قوله تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ)
وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) الأعراف
فأصحاب الأعراف حين قالوا (رَبَّنَا) لا تجعلنا مع القوم الظالمين استجاب لهم وأخلف ظن المستكبرين وقال لهم (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) الإسراء
فلا ينبغي بعد ذلك ان يأتي من يدعو بصيغة (اللهم ارحمهما ) مثلا ، والله قد ارشدنا لتركيب الدعاء المستجاب فوجب أن ندعوه كما أمر بلا زيادة ولا نقص ولا تحوير ولا تغيير فذلك أجدر بالإجابة وأقرب.
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) الأحقاف
فكان جواب (رَبِّ) هو القبول والتجاوز عن السيئات والخاتمة الحسنة بالجنة وعداً صادقاً متحققاً من رب العالمين.
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) التحريم
وبلا شك أن الله أجاب دعاءها وبنا لها بيتاً في الجنة ونجاها من فرعون ومن القوم الظالمين فإيراد دعاءها كافٍ للتحقق من تلك الإجابة وقبولها عند ربنا جلت قدرته.
 ومما سلف يتبين لنا بجلاء كيف أن صيغة الدعاء المستجاب في القرآن الكريم موحدة قطعية الدلالة لا تقتصر على الأنبياء والمرسلين بل استعمل الدعاء مفتتحاً بالنداء (ربِّ) من فئات شتى من الناس بل ومن إبليس نفسه .
وبذلك نعلم كيف أن الدعاء سلاح ماضٍ وقوة لا يستهان بها إذا توافرت شروط وأركان تجعله مجاباً من الله جل وعلا .
 الفرق في الدعاء بين افتتاحه بقول (ربِّ) والدعاء بقول (اللََهُمَّ)
إن دلالة الدعاء بالاسم الرباني هو من أظهر الأدعية في كتاب الله فنجد أنه تعالى في كتابه إذا دُعي لتحقيق طلب فإن الدعاء بتضمن أيضاً اسمه الموافق المحقق لتلك الصفة المطلقة فإن دعي بالرزق ختم الدعاء بأسماء ذات دلالة على الرزق والكرم (الرزاق الكريم) وعلى سبيل المثال إذا طلب من ربنا جلت قدرته التوبة والمغفرة فتجد الآية ختمت الدعوة بالتأكيد على صفتي التوبة والرحمة مثلا فيقول تعالى:
{ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [البقرة:128]
وهذا يقودنا لدلالة هامة مؤيدة لمحصلة هذا البحث وهي أن الدعاء بالاسم المناسب لحال الداعي وطلبه أقرب في الإجابة وأصح في الإتيان.
فنقول بناءً على ذلك بأن اسم الجلالة “الله” متعلق بإلوهيته واستحقاقه بالعبادة دون سواه وتفرده بالصفات الأزلية المطلقة فهذا الإسم العظيم هو مناط التنزيه والتسبيح والتعظيم والتمجيد أكثر من كونه مناط الدعاء والطلب ، واسمه تعالى (الربّْ) مناط الربوبية والعناية بخلقه ورعايتهم بالرزق والشفاء والحفظ والمغفرة ، وعليه فإن الدعاء بالربوبية إنما يكون لسؤال قضاء الحوائج ، والدعاء بالإلوهية إنما يكون للتنزيه والتمجيد والتعظيم ، مصداق ذلك في كتاب الله تعالى إذ مرت بنا في هذا البحث آيات الدعاء بالربوبية متعلقة بحاجة المخلوق بينما سنرى كيف أن الدعاء بإلوهيته تعالى إنما وردت على سبيل التنزيه والتعظيم والتمجيد ولم ترد للطلب :
{ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [آل عمران:26]
فلم تتضمن الآية سؤال الله بأن يحقق أمراً بل تضمنت تمجيده سبحانه وبيان مطلق قدرته وحكمه وسعة ملكه ، ويؤمر المؤمن بقول مضمون هذه الآية على سبيل تمجيد الله وتعظيمه لاستذكار مطلق قدرته جل جلاله.
{ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [يونس:10]
وهذا سياق دعاء أهل الجنة ، فلا شك أن الجنة دار جزاء وليست دار تكليف ، وحاجات أهل الجنة متحققة بدون دعاء ولهذا جعلها لأهلها ولا يلزم أهل الجنة دعاء الله لتحقيق مرادهم بل أن تمنيهم لما يشاؤون كافٍ لتحققه ، ويبقى التسبيح والتنزيه الحمد لله جل جلاله ، فيبين لنا تعالت ذاته أنهم لم يعودوا بحاجة للدعاء بالربوبية لتحقيق مرادهم في الجنة فكان دعائهم كله تنزيه وتمجيد وحمد.
{ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } [الزمر:46]
ولو اطلعنا على السياق لرأينا كيف أنه لبيان قدرة الله وعلوه سبحانه ، وهذه الآية لم تتضمن دعاء لله جل جلاله بل الجليّ فيها أن الدعاء بالإلوهية أتت في سبيل تنزيه الله وبيان مطلق قدرته وحكمه وعلمه بالغيب والشهادة.
{ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [الأنفال:32]
وهذا قول إنكاري من كفار قريش ولم تكن هذه الدعوى تتضمن مقتضى الربوبية والرعاية والحفظ كان الدعاء بالإلوهية غير متحقق فلم يمطر الله عليهم حجارة ولم يأتيهم بعذاب وهذا من أظهر الدلائل على عدم تحقق الدعاء بالإلوهية ، فكان قولهم في سبيل التحدي بإنكار حقيقة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم كقول الانسان : إن كان قولك حق فأسأل الله أن يصيبني بكذا وكذا ، امعانا في التكذيب والانكار.
{ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } [المائدة:114]
وهنا إذ تضمن الدعاء الألوهية في سبيل التعظيم فقد كان الدعاء بالنداء (ربَّنا) في سبيل الطلب ولذلك حقق الله دعاء عبده عيسى عليه السلام وحقق المعجزة بقدرته المطلقة .
وبالتالي فإن الله تعالى لم يترك في كتابه أمراً إلا بيَّنه لعباده ومنه الدعاء وصيغته الذي لم يذكر في كتاب الله سرداً وإخباراً فقط بل ليستن المؤمن به ويدعو باركانه ليتحقق طلبه ويجاب إلى حاجته.
مِن ْآدابِ الدُّعَاءِ الُمجَابْ
لكي يرتقي الدعاء للدرجة التي يكون فيها حريُّ بالإجابة بجانب افتتاحه بالنداء (ربِّ) فإنه يحسن بنا أن نتبع أموراً قلبية وعملية تعزز هذا الدعاء وتحققه بإذن الله وقدرته تتمثل فيما يلي:
أولا: اليقين بالإجابة: وهنا لا نقول حسن الظن بالله فحسب بل الشعور العميق بأن الله مجيب قريب وأن هذا الدعاء سيجاب بإذن الله وقدرته لا محالة ، وأن نلغي كل موانع نفسية أو شك أو يأس وقنوط فإنه أفسد عمل يفشل الدعاء.
ثانيا: الصدقة : فإن مما يرفع الدعاء هو الصدقة التي هي صورة من المسارعة في الخيرات وتطفئ غضب الرب جل جلاله مترافقة مع النية المخلصة واستحضار أن ما تتصدق به إنما هو من مال الله وتأدية لحق من حقوقه عليك رغبة في رضاه ومغفرته.
ثالثاً: الصلاة : فيحسن بالداعي أن يصلي ركعتين من غير الفريضة ، وذلك من السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليستحضر الخضوع والخشوع والتذلل والتضرع والذل لله جلت قدرته.
رابعاً: افتتاح الدعاء : أن يفتتح الداعي دعاءه بتنزيه الله وتمجيده وحمده وتسبيحه ويجعل ذلك جل دعاءه مستحضراً مطلق قدرته جل وعلا وعظيم إحاطته ثم يصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
خامساً : الاستغفار : ويلي افتتاح الدعاء الاستغفار ومن أفضل صيغه الواردة في كتاب الله والتي تجاب بقدرة الله قول ( ربِّ اغفر لي) وقول ( ربِّ اغفر لي وتب علي) فإن محو الذنوب من أسباب الرزق والمحبة وتحقيق الإجابة فبالمغفرة تزول موانع الإجابة.
سادساً : الدعاء : مفتتحاً دعائك بالنداء (ربِّ) مناجياً ربك بحاجتك وهو بها أعلم تضرعاً وخفية وهمساً دون رفع الصوت وفي انقطاع عن الأهل والولد متجها لله وحده واثقاً موقنا بإجابته جلت قدرته إنه هو السميع المجيب.
ربَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ , رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلي الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلي الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ، رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ،رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ
وصلِّ الله على محمَّدٍ وعَلى آله وَصَحْبِهِ أجْمَعِيْن والحَمْدُللهِ ربِّ العَالَميِنْ.

السَّبَبُ المَمْدُودْ وَ الحَبْلُ المَشْدُوْد

السَّبَبُ المَمْدُودْ وَ الحَبْلُ المَشْدُوْد
نظرة في قوله تعالى : { مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ } [الحج:15]
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
لا شك أن الآية الكريمة المسطرة في أعلى هذا المقال تستدعي التدبر والتفكير والبحث لمحاولة فهم أوجه البيان ومواطن الحكمة سواء ما سلف تأويلات وتفسيرات أو ما يمكن استنباطه من مفاهيم بالنظر للسياق ومحاولة تقديم قراءة تشتمل على تساؤلات عما سبق وتطرح رؤية جديدة ووجه آخر يقبل النقاش والرد والأخذ.
وفي بداية هذا المقال نحن بحاجة لمطالعة ودراسة أقوال علماء التفسير الأجلاء وما تأولوه من قراءتهم لهذه الآية الكريمة فنقول وبالله التوفيق:
  • ملخص ما ذكره الطبري رحمه الله:
  • القول الأول : بأن المراد بان من يظن بأن الله لن ينصر محمداً صلى الله عليه وسلم) (فليمدد بسبب إلى السماء) حبل إلى سقف الغرفة يعلق فيها رقبته حتى يختنق (وليقطع) ثم ليقطع الحبل (فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ) وبعد ذلك فلينظر هل سيزول غيظه وحقده الذي يحمله صدره ؟.
  • القول الثاني: أن المراد أن من كان يظن أن الله لن ينصر نبيه فليمدد بسبب على السماء وليقطع عنه الوحي الذي ينزل إليه فينقطع عنه النصر وإذا قدر على ذلك فينظر إن ذهب كيده الغيظ الذي في صدره.
  • القول الثالث أن الهاء في قوله (ينصره) أي يرزق محمدا صلى الله عليه وسلم والرزق من أوجه النصر.
  • القول الرابع : من كان يظنّ أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب إلى سماء البيت ثم ليختنق، فلينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ، أنه لا يرزق!
وقد كان ترجيح ابن جرير الطبري رحمه الله إمام المفسرين ما يلي:
(وأولى ذلك بالصواب عندي في تأويل ذلك قول من قال: الهاء من ذكر نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ودينه وذلك أن الله تعالى ذكره، ذكر قومًا يعبدونه على حرف وأنهم يطمئنون بالدين إن أصابوا خيرا في عبادتهم إياه، وأنهم يرتدّون عن دينهم لشدّة تصيبهم فيها، ثم أتبع ذلك هذه الآية، فمعلوم أنه إنما أتبعه إياها توبيخا لهم على ارتدادهم عن الدين، أو على شكهم فيه نفاقهم، استبطاء منهم السعة في العيش، أو السبوغ في الرزق. وإذا كان الواجب أن يكون ذلك عقيب الخبر عن نفاقهم، فمعنى الكلام إذن، إذ كان كذلك: من كان يحسب أن لن يرزق الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته في الدنيا، فيوسع عليهم من فضله فيها، ويرزقهم في الآخرة من سَني عطاياه وكرامته، استبطاء منه فعل الله ذلك به وبهم، فليمدد بحبل إلى سماء فوقه: إما سقف بيت، أو غيره مما يعلق به السبب من فوقه، ثم يختنق إذا اغتاظ من بعض ما قضى الله، فاستعجل انكشاف ذلك عنه، فلينظر هل يذهبنّ كيده اختناقه كذلك ما يغيظ، فإن لم يذهب ذلك غيظه؛ حتى يأتي الله بالفرج من عنده فيذهبه، فكذلك استعجاله نصر الله محمدا ودينه لن يُؤَخِّر ما قضى الله له من ذلك عن ميقاته، ولا يعجَّل قبل حينه، وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في أسد وغطفان، تباطئوا عن الإسلام، وقالوا: نخاف أن لا ينصر محمد صلى الله عليه وسلم، فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا ولا يُرَوُّوننا، فقال الله تبارك وتعالى لهم: من استعجل من الله نصر محمد، فليمدد بسبب إلى السماء فليختنق فلينظر استعجاله بذلك في نفسه، هل هو مُذْهِبٌ غيظه؟ فكذلك استعجاله من الله نصر محمد غير مقدّم نصره قبل حينه.
واختلف أهل العربية في ” ما ” التي في قوله: ( مَا يَغِيظُ ) فقال بعض نحوييِّ البصرة هي بمعنى الذي، وقال: معنى الكلام: هل يذهبنّ كيده الذي يغيظه، قال: وحذفت الهاء لأنها صلة الذي، لأنه إذا صارا جميعا اسما واحدا كان الحذف أخفّ. وقال غيره: بل هو مصدر لا حاجة به إلى الهاء، هل يذهبنّ كيده غيظه.)أ.هـ.
  • ملخص ترجيحات ابن عاشور رحمه الله:
لقد نص في أول تفسيره رحمه الله بالجملة التالية (موقع هذه الآية غامض ، ومُفادها كذلك) وبدأ في ربط الآية الكريمة بالسياق وما سبقها من تصنيف لفئات من الناس في قوله تعالى { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم } [ الحج : 8 ] وقوله تعالى { ومن الناس من يعبد الله على حرف } [ الحج : 11 ] فكانا فريقين وأن المراد في الآية موضع البحث أنهم فريق ثالث أسلموا واستبطأوا نصْر المسلمين فأيسوا منه وغاظهم تعجُّلهم للدخول في الإسلام وأن لم يتريثوا في ذلك وهؤلاء هم المنافقون .
والاحتمال الثاني عنده أن الآية استئناف وتذييل لوصف من ذكروا في قوله تعالى { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم } [ الحج : 8 ] بعد جمل اعتراضية ،ونص على ما يتعلق بالسبب والسماء بقوله :
“واسم { السماء } مرادٌ به المعنى المشهور على كلا الاحتمالين أيضاً أخذاً بما رواه القرطبي عن ابن زيد ( يعني عبد الرحمان بن زيد بن أسلم ) أنه قال في قوله تعالى : { فليمدد بسبب إلى السماء } قال : هي السماء المعروفة ، يعني المُظِلة . فالمعنى : فليَنُط حبلاً بالسماء مربوطاً به ثم يقطعه فيسقط من السماء فيتمزق كل ممزق فلا يغني عنه فعله شيئاً من إزالة غيظه” أ.هـ
ثم يشرح قوله في تفسير الآية فكان ذلك بهذا النص:
وأما استخراج معنى الآية من نظمها فإنها نُسجت على إيجاز بديع ، شُبهت حالة استبطان هذا الفريق الكفر وإظهارِهم الإسلام على حنَق ، أو حالةُ تردّدهم بين البقاء في المسلمين وبين الرجوع إلى الكفار بحالة المغتاظ مما صنع فقيل لهم : عليكم أن تفعلوا ما يفعله أمثالكم ممن ملأهم الغيظ وضاقت عليهم سُبل الانفراج ، فامدُدوا حبلاً بأقصى ما يُمَدّ إليه حبلٌ ، وتعلّقوا به في أعلى مكان ثم قطعوه تخرّوا إلى الأرض ، وذلك تهكم بهم في أنهم لا يجدون غنى في شيء من أفعالهم ، وإنذار باستمرار فتنتهم في الدنيا مع الخسران في الآخرة .
ويحتمل أن تكون الآية مشيرة إلى فريق آخر أسلموا في مدة ضعف الإسلام واستبطأوا النصر فضاقت صدورهم فخطرت لهم خواطر شيطانية أن يتركوا الإسلام ويرجعوا إلى الكفر فزجرهم الله وهددهم بأنهم إن كانوا آيسين من النصر في الدنيا ومُرتابين في نَيل ثواب الآخرة فإن ارتدادهم عن الإسلام لا يضرّ الله ولا رسوله ولا يكيد الدينَ وإن شاءوا فليختنقوا فينظروا هل يزيل الاختناق غيظهم ، ولعلّ هؤلاء من المنافقين .
فموقع الآية على هذا الوجه موقع الاستئناف الابتدائي لذكر فريق آخر يشبه من يعبد الله على حرف ، والمناسبة ظاهرة .
ويجيء على هذا الوجه أن يكون ضمير { ينصره الله } عائداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مروي عن ابن عباس واختاره الفرّاء والزجاج .
ويستتبع ذلك في كل الوجوه تعريضاً بالتنبيه لخلص المؤمنين أن لا ييأسوا من نصر الله في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط . قال تعالى : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين } [ الأحزاب : 2324 ] الآية .
والسبب : الحبل .
وتقدم في قوله { وتقطعت بهم الأسباب } في [ سورة البقرة : 166 ].
والقطع : قيل يطلق على الاختناق لأنه يقطع الأنفاس .
و ( مَا ) مصدرية ، أي غيظَهُ .
والاستفهام ب { هل } إنكاري ، وهو معلق فعلَ { فلينظر } عن العمل ، والنظر قلبي ، وسمي الفعلُ كيداً لأنه يشبه الكيد في أنه فعله لأن يكيد المسلمين على وجه الاستعارة التهكمية فإنه لا يكيد به المسلمين بل يضر به نفسه .” أ.هـ
(الإشكال على تأويلات الآية)
سأسرد الإشكالات على قبول تلك التأويلات سرداً عاماً مفصلاً في نقاط متتالية فأقول وبالله التوفيق:
أولاً: لاحظت في معظم الأقوال ضعفاً في ربط الآية بالسياق لاستجلاء المعنى عدا بعض ما أورده الإمام الطبري وابن عاشور رحمهما الله.
ثانياً: إرجاع الضمير في {ينصره الله} للنبي صلى الله عليه وسلم لا دليل عليه فلا ذكر له عليه الصلاة والسلام في السياق السابق ولا التالي ، كما أن نسبة الضمير للرسول صلى الله عليه وآله وسلم يحصر الآية في الإشارة لمن عاش في زمن الرسول بالنظر لقوله تعالى{في الدنيا والآخرة}.
ثالثاً: القول بأن السبب هو (حبل) بعيد الاحتمال لكون علة استعمال السبب في الآية لوظيفة محددة وهي وسيلة كيد فأي كيد في شنق الإنسان نفسه ؟ ومن هو المكاد له ؟
رابعاً: إن قلنا إن السبب حبلٌ يتصل بسقف الغرفة التي تظله فكيف يقطع بعد أن يشنق ؟؟ وما هي صورة الكيد في ذلك ؟؟.
خامساً: أن يكون السبب هو حبل يتصل بالسماء أمر محال فكيف يترتب عليه قطع أو نتيجة بالنظر في ذهاب الغيظ من عدمه ؟ فطالما استحال العمل المبدئي فلن يتحقق الفاعل من بقية الأفعال المترتبة ، بمعنى أن العمل هو (مدُّ السَّبب للسَّماء) ثم (القطع) ثم (النظر في أثر ذلك الكيد في ذهاب الغيظ) فإن استحال الأول فما جدوى الإغراق في الثاني والثالث ؟ فكان يمكن الاكتفاء بالتحدي بأن يصل إلى السماء بسبب.
 
(توجيه الآية الكريمة)
إن الكيد في هذه الآية الكريمة كان المفتاح لفهمها على هذا الوجه وذلك على ضوء تعريف الكيد في بحث سابق عن مفهوم المكر والكيد والخداع ، فلما كان فهم الكيد على الوجه الذي سبق بيانه ينطبق على هذا المفهوم فقد بينت حقيقتها وانجلى وجه هام وناصع لهذه الآية العظيمة.
ولا شك بأن فهم السياق واستعراضه أول عمل ينبغي لنا القيام به فننظر فيه عن بعد ونقسم السياق إلى سياقات فرعية ونوجد الروابط النسيجية التي تربط التراكيب بمفاهيمها المختلفة مع التراكيب التي تسبقها والتي تليها والتي تشابهها في مواضع أخرى حتى نصل إلى انبلاج صورة جديدة نرجو أن تكون صواباً.
ونبدأ في سرد السياق ونجد أن هذه الآيات من سورة الحج تأتي بعد ثلاث آيات هي فواتح السورة ثم يبدأ السياق الرئيسي في تصوير أصناف الناس (الكافرين متبعي الشياطين ، الكافرين مضلي الناس عن سواء السبيل، المنافقين المرتابين عابدي الله على حرف ، المؤمنين من أهل جنات النعيم ، ثم من في السماوات ومن في الأرض وباقي الخلق)
ونجمل الآيات الكريمة فنستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ (4) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18) [الحج]
وسنكتفي بتوضيح صورة السياق ومحتواه إجمالاً ثم ننطلق للآية التي نريد فهمها بدقة وهي الآية الخامسة عشرة من سورة الحج ، والتي نعتقد أنها استطراداً واستئنافاً للفئة الموصوفة في الآية الحادية عشرة .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) [الحج]
فهذا يعتقد أن مقابل عبادته هو تلقي النصر والرزق والخير من الله، فإن أصابه خير ظن أنه إنما هو ثمن عبادته التي أدّاها وإن ابتلاهم الله وأصابتهم فتنة بنقص الرزق أو المرض أو الفقر انقلب على وجهه فترك عبادة الله ظناً منه أن الله تخلى عنه فيرد عليه بالتخلي عن العبادة لأنه يظن أن الله محتاج للعبادة كما يحتاج هو للرزق فطالما مُنِع الرزق أو الخير أو الصحة فإنه يرد بالتمرد على خالقه فيمنع العبادة وهو لا يعلم أنه إنما يخسر بذلك دنياه وآخرته إذ يجعل من عبادته مقايضة مع ربٍّ لا يريد منه طعاما ولا عبادة ولا سجوداً وأن عبادته له وسجوده له ولا ينال الله منه خير ولا يناله من كفره شرّ.
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) [الحج]
ثم ينتقل ربنا يثني على المؤمنين عاملي الصالحات ويعدهم بالجنات التي تجري من تحتها الأنهار وفق إرادته سبحانه وتعالى وليس فرضاً عليه بسبب أعمالهم ، ثم يستأنف الحديث عن الفئة السابقة من العابدين على حرف ويبدأ من حيث انتهى حيث انتهى بانقلابه على وجهه وخسرانه فيقول تعالى:
مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) [الحج]
فإن أيقن هذا الخاسر الذي أصابته الفتنة أن الله لن ينصره ولن يرزقه وامتلأ قلبه غيظاً على ربه وندماً على ما قدم من عبادة فله أن يكيد لربه لينفِّسَ عن غيظه ويذهبه بأن (يَمْدُد) بسبب إلى السماء ، أي يقيم مع ربه عبادة والسبب هنا هو العبادة والطاعة المتصلة بالرب جل جلاله ، والسماء يراد بها إلى الله وقد عَبَّر عنها ربنا جل جلاله بالسماء لارتياب هذا الناكص في صاحب هذه السماء ، وقد ورد التعبير بالسماء كناية عن الله جل جلاله في كتاب الله إذ يقول تعالى { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [ الذاريات :22].
إذن فليمدد هذا المنُقلِب صلة وسبباً بعبادة متصلة لله في سماءه حتى إذا استقرت ورأى فيها ثمناً ومغنماً عظيماً قطعها عن الله لعل ذلك يذهب غيظهُ ويحقق انتقامه إن ظن أن الله ينتفع بعبادته كما ينتفع هو برعاية ربه ونصره ورزقه فإن قطع عبادته رد على قطع الله نصره كما يصور له ظنه.
ولنعود لتعريف الكيد ونرى كيف ينطبق على هذا الفعل :
الكيد : كل تَدْبِيرٍ لِفِعْلٍ خَفِيِّ أو ظَاهر يريدُ مِنهُ الكاَئِد استدراج و دَفعُ المكيدِ أنْ يرتكبَ فعلاً أو عملاً سيئاً أو جرماً وذنباً بإرادتهِ بدونِ جَبرٍ أو إرغام.
فالقيام بعبادة متصلة لله ثم قطعها فجأة فعلُ كيدٍ يريد الكائد منه استفزاز المكيد لظنه أن هذا الفعل يغضبه ويؤذيه في حين أن هذا الكائد هو من سيزيد خسراناً على خسرانه والله الذي يريد أن يكيد له لا حاجة له في عبادة ولا طاعة.
وفي الآية الثامنة عشرة يبين الله جلت قدرته بأن كل خلق الله يسجدون له ويسبحونه ويذكرونه إلا قلة من الناس فهم مقارنة مع عباد الله من البشر والملائكة والجان الجماد لا يذكرون وفوق ذلك فإن عبادة كل هؤلاء لله إنما هي لأنفسهم لا ينال الله منها منفعة ولا يضره منها نقص وأولئك القلة الشاذين بين الخلق مهانين أهانهم الله فلن يجدوا من يكرمهم ويرفع عنهم المهانة والذل وفق مشيئة الله وقدرته كما كان إكرام المؤمنين وإدخالهم الجنات ليس بأعمالهم بل بإرادة الله ومشيئته .
وهكذا كان الله جل وعلا فيما يظهر من الآية يتهكم على المنافقين المرتابين الذين يظنون أن الله ينتفع بعبادتهم كما ينتفعون هم برعايته ونصره ورزقه وحفظه تعالى لخلقه ، فإن قدر عليهم رزقهم أو حرمهم النصر لحكمة عنده غضبوا وندموا على عبادتهم فكانت النصيحة لهم أن يخلصوا له في عباده ثم يقطعونها كما في نظرهم مد الله لهم أسباب الدنيا من رزق ونصر وإرشاد ثم قطع عنهم شيئاً من ذلك وعندما يرتكبون هذا الفعل ربما يزول الغيظ من قلوبهم
إن البشر حين يعتادون من بعضهم صلة أو يداً أو رعاية ثم يقطع تلك العادة فإن ذلك القطع يولد غيظاً لدى البشر يظهر على وجوههم وأفعالهم والمنافقين الذين ما قدروا الله حق قدره يعتقدون واهمين أن الله كذلك لهذا اختار الله هذا المثل ليثبت لهم أن نتيجة ذلك الفعل لن تغير في الأمر شيئاً فهم الخاسرون خسراناً مبيناً.
والله أعلم وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم