رُؤيَــةٌ أُخْــرَى لِآيَــةِ الظِّــلّ

بسم الله الرحمن الرحيم

{ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46)  } [الفرقان]

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

مقدمــة :

سبق لي أن دونتُ رؤيةً للآيةِ الكريمةِ المتعلقة بالظل وبمدّ الظل في مبحث سابق ، وقد توصلنا فيه لرؤيةٍ ومفهومٍ آخر لهذه الآية  ، وقلنا أن الظل قد يشير إلى أمرين أولهما هو الليل ، فهو ظل ممتد لنصف الكرة الأرضية المضيء ويشكل ظلاً للنصف الآخر ، وقلنا أنه من نعم الله تعالى على خلقه فسكون هذا الظل يعني توقف الكرة الأرضية عن الدوران وبالتالي سرمدية الليل والنهار وفساد الحياة على الأرض  ، وقلنا أيضاً أن في هذه الآية دلالة على كروية الأرض ودورانها ، وقلنا أن الكسوف هو صورة أخرى من صور الظل الممتد ، فهو يغطي مساحات كبيرة من الأرض لوقت من الزمن فما أن تتحرك الأجرام وتدور الأفلاك حتى تنقشع هذه الظاهرة المخيفة ، ولو أنها سكنت فاستمرت لأفسدت الحياة في الموضع الذي تغطيه وكذلك بقية أجزاء الأرض.

إلا أن الأمر لم ينتهي عند هذا الحد فبقي الإشكال في نفسي من الظلال التي نعرف ، أعني ظلال الأشياء الناتجة من أشعة الشمس فكيف يمكن فهم هذه الظاهرة الكونية في ضوء هذه الآية العظيمة ؟؟ وكيف يحسن الإسقاط بلا خلل في الفهم ولا إشكال؟.

فالله تعالى يقول (أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) فعندما نتحدث عن ظلال الأشياء في النهار فليس الأمر مدٌّ كله طيلة النهار، بل من شروق الشمس يبدأ الظل في أصله ممدوداً ويتقلص شيئا فشيئاً حتى وقت الزوال ، وبعد الزوال يبدأ في الامتداد من بعد الزوال وحتى غروب الشمس ، وبذلك فالمدُّ في حقيقته مقتصر على نصف (مُدة الظل) وهي ما بعد الزوال أما فيما قبل الفجر لا يعد مداً بل تقلصاً.

فكيف يمكن وصف الظل في فترة تقلصه بأنه امتداد ؟؟ وكيف يمكن الجمع بين المرحلتين ؟؟ وهل يمكن الوصول لفهمٍ آخر للآية يزيل الإشكال ؟؟ ، وهذا ما سنبدأ في بيانه مستعينين بالله جل وعلا سائلينه تعالى التسديد.

معنى مرتكز على مفهوم المدّ والإمتداد :

إن الجذر (م د د) يحمل مفهومين رئيسيين متعلقين بهذه الآية ، الأول (مــدَّ) متعلق بالانتشار والاتساع المكاني ، والآخر (مـــدَّ) بالتحديد والتأجيل الزمني ، وهذا من اتساع الدلالات اللفظية لمفردات اللغة العربية التي أدت إلى اتساع المعاني في كتاب الله ، وبرغم ما في اللغة العربية من اتساع ودلالات متعددة للفظة فلا يستطيع مخلوقٌ مهما أوتي من مهارة وعلم أن يحيط بكل ما يريد بيانه في حروف معدودة بتوظيف أوجه المعاني للمفردة بما يحقق ما يرغب في بيانه.

فكان لبُّ ما وصلتُ إليه أنه تعالى يقول : (أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) أي جعله محدوداً بمدة من الزمن ، وهذا يستقيم مع حال الظل من الشروق إلى الزوال حيث يبدأ في أطول ما يكون من أحواله ثم يتقلص في مدة معلومة من الزمن حتى يكون عند التعامد في أقل حالاته ، وبعد ذلك تتحول الحالة إلى امتداد مكاني واتساع كلما اقتربت الشمس من الغروب حتى يصل لأطول مدىً عند بداية الغياب فيصبح المد في الآية الكريمة متعلقاً بالزمن والمدة التي حددها الخالق جل وعلا للظل من وقت الشروق إلى الزوال، ويشير أيضاً الامتداد والاستطالة المكانية التي نلحظها من الزوال وحتى الغروب.

وبذلك يصبح التركيب اللغوي والبلاغي للآية الكريمة والآية التالية لها متسقاً محتملاً كافة الوجوه الممكنة ، فهو ممكنُ الانطباقِ على حالة الكسوف وكذلك على الليل كظل ممتد ، وعلى حالة ظلال الأشياء في النهار ، وتحمل دلالة تشير إلى مسألة دوران الأرض وكرويتها ، وما يتعلق بهذه السنن الكونية من صلاح لحياة الناس وبقية المخلوقات ، وما ينطوي على اختلالها من فساد الأرض وحياة من عليها من المخلوقات .

ولا شك أن أقدر البشر وأبلغهم بياناً لا يستطيع من خلال جملة أو جملتين أن يحيط بمسائل كبرى وقوانين كونية ونعم عظيمة بأبعاد لغوية قابلة للاستعمال و أوجه بلاغية تتمايز وتتفاضل في الحسن والإحكام.

من مواضع الإشارة الزمنية بالُمَّدة :

حتى نطمئن من أن استعمال المفردة (مدَّ) في الاتجاهين سبق أن ورت في كتاب الله فإننا سنتتبع (اولاً) المواضع القرآنية التي استعملت فيها (المُدَّة) للإشارة للزمن  :

{ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [البقرة:15]

فالله تعالى يتحدث عن المنافقين وكيف أنه جل جلاله (وَيَمُدُّهُمْ ) ويمهلهم مُــدَّةً من الوقت فيزداد طغيانهم ويتضاعف عذابهم إن زهقت أنفسهم قبل أن يتوبوا إلى الله ، وفي هذا منحة وفرصة للتائب لكي عود لربه ، ومدة للمجرمين الذين يزدادون كفراً فإذا أتى اليوم الموعود كان عذابهم متطاولاً مضاعفاً كما تطاول عليهم الأمد فلم يعتبروا يراجعوا أنفسهم فاستحقوا آنذاك العذاب الأليم ، وهي في هذا الموضع تتسع لتحمل معنى آخر وهو معنى (المدد) والعطاء المتصل بجانب الاتساع المكاني والاستطالة الزمنية ، يقول ابن عاشور رحمه الله : و ( يمدّ ) فعل مشتق من المَدَد وهو الزيادة ، يقال مَدَّه إذا زاده وهو الأصل في الاشتقاق من غير حاجة إلى الهمزة لأنه متعد ، ودليله أنهم ضموا العين في المضارع على قياس المضاعف المتعدي ، وقد يقولون أمده بهمزة التعدية على تقدير جعله ذا مَدد ثم غلب استعمال مَد في الزيادة في ذات المفعول نحو مَدَّ له في عُمره ومَدَّ الأرض أي مططها وأطالها ، وغلب استعمال أمد المهموز في الزيادة للمفعول من أشياء يحتاجها نحو أمده بجيش) انتهى كلامه رحمه الله.

{ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا } [مريم:75]

يقول صاحب التحرير والتنوير رحمه الله (والمدّ : حقيقته إرخاء الحبل وإطالته ، ويستعمل مجازاً في الإمهال كما هنا ، وفي الإطالة كما في قولهم : مدّ الله في عمرك .

و { مَدّاً } مفعول مطلق مؤكد لعامله ، أي فليمدد له المدّ الشديد ، فيسينتهي ذلك .

و { حتى } لغاية المد ، وهي ابتدائية ، أي يمدّ له الرحمان إني أن يَروا ما يوعدون ، أي لا محيص لهم عن رؤية ما أوعدوا من العذاب ولا يدفعه عنه طول مدّتهم في النّعمة . فتكون الغاية مضمون الجملة التي بعدها { حتى } لا لفظاً مفرداً . والتقدير : يمدّ لهم الرحمان حتى يروا العذاب فيعلموا من هو أسعد ومن هو أشقى ) انتهى كلامه رحمه الله.

وقد استعملت مادة (م د د) مهموزاً (بإضافة الهمزة) في أوله وفتح عينه وسكون لامه (أَمَدْ) ، وهو الزمن والوقت يقول جل شأنه:

{ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } [آل عمران:30]

قال ابن جرير رحمه الله (حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ” أمدًا بعيدًا “، قال: أجلا) انتهى كلامه.

وقال ابن عاشور رحمه الله (يحضر لكلِّ نفس في يوم الإحضار ما عملت من خير وما عملت من سوء ، فتودّ في ذلك اليوم لو أنّ بينها وبين ما عملت من سوء أمداً بعيداً ، أي زماناً متأخّراً ، وأنّه لم يحضر ذلك اليومَ .)

{ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا } [الكهف:12]

واللبث متعلق بالزمن في المكان ، ومثله قوله تعالى عن يونس (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) فكان زمان متعلق بالمكان ، وقوله جل شأنه (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ) وهكذا فاللبث متعلق بالزمن في المكان ولكن ما يعنينا في هذا الموضع هو أن الأمد زمن.

الخلاصة :

أن الآية الكريمة تصور نعماً وسنناً جليلة وعظيمة ، ففي استهلاله تعالى للآية نجد الاستفهام التقريري في قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ) فبدأت بنسبة ما يلي ذلك للرب جل وعلا ، ذلك أن هذه النعمة من مظاهر ربوبيته جل وعلا لخلقه وقيامه على أمر ملكه ، (كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) فجعل الظل ذا مدَّةٍ مخصوصة ويتحول خلالها ويتبدل حتى يختفي فلا يسكن ويصبحُ مؤدياً لفساد حياة الناس ، وقلنا أن عزو المدِّ هنا إلى المدة الزمنية مناسب لحال الظل من الشروق وحتى وقت الزوال ، ثم أنه يستطيل ويمتد “مكانياً” من بعد الزوال فأصبح معنى المفردة متحول من حاله السابق كإشارة للزمن إلى حال آخر يشير لامتداده مكانياً ، فتحولت المفردة في معناها كما تحول الظل في اتجاهه في صورة بلاغية بديعة مبهرة ، فكما أن الظل هو ذاته قبل الزوال وبعد الزوال ظلاً ، فكذلك تكون مفردة المدّ قبل الزوال وبعد الزوال مدّاً ، ولكنها تكون مُدّةً زمنية من الشروق الى الزوال ، وامتدادا مكانياً من الزوال إلى الغروب فكان تحول معنى المفردة مع بقاء طبيعتها كما تحول اتجاه الظل برغم بقاء طبيعته ، وقلنا أن هذا الجزء من الآية يحتمل أيضاً مسألة الكسوف والخسوف وكذلك الليل فكلها ظواهر متعلقة بالضوء والظل ، وسكون الظل فيها استمرار له وهذا يحمل الضرر والفساد لحياة الناس ، (وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا) فسكونه يحصل بسكون الأرض عن الدوران وسكون الشمس عن الحركة (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ) فالظل من نواتج الشمس فحيثما وجد الظل نستدل منه على موضع الشمس ، وأينما وجدنا الشمس كانت دليلاً على موضع الظل ، ولو توقفت الشمس عن الحركة وسكنت الأرض عن الدوران لأدى ذلك لسكون الظل فلا يكون له (مُــدَّةٌ) معلومة يتضائل فيها ، ولا (امتدادٌ) واستطالة تقود لغيابه وانتهاءه فيبقى ساكناً لا يتحرك.

( ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا) وقبض الظلّ هنا بقبضِ مُسَبِّبِهِ وانطفاء الضوء الذي يحدثه وهو الشمس ، فإذا هي بلغت مستقرها وانتهى ضياءها فإن الذهاب بضوءها وقبضه على الله يسير فهو مالك الملك سبحانه لا يستعصي عليه شيء ولا يمتنع عن إرادته أمر (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا)وهنا أجمل تعالى معنىً متعلق بما سبق وهو الليل والنهار وتعلقهما بالسبات والنشور ، وهو المتصرف جل وعلا في ملكه فتبارك الله أحسن الخالقين والله تعالى أعلم ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

رابط المقال السابق

سِلْسِلَةُ : إبْطَال دَعَاوَى نَسْخِ الكِتَابِ الحَكِيْم

بسم الله الرحمن الرحيم

توطئة

الحمد لله منزل الكتاب العظيم المحكم الذي جعله ناسخاً لما سبقه من الشرائع ، والمعجزة التي أنست ما سبقها من المعجزات وأصلي وأسلم على أشرف من وطئ الثرى وأرسل بشيراً ونذيراً للورى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

نبدأ بعون الله وتوفيقه في استجلاء مواضع النسخ المزعومة في القرآن الكريم ونوضح بإذنه تعالى أوجه الالتباس التي أدت لهذا المفهوم ، إلا أننا في هذه المقدمة سوف نطرح عدداً من النقاط الهامة التي تؤسس لتصحيح مفهوم النسخ ونفي هذا القول عن كتاب الله تعالى وذلك على النحو التالي:

أولاً : منشأ القول بالنسخ:

 إن منشأ سوء الفهم لمسألة النسخ وما أحاط بها من خلاف يعود لخلل في فهم قوله تعالى : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة:106] الآية التي لم يرد حديث نبوي واحد يقول أنها تؤول بنسخ الأحكام والنصوص والقرآنية ، وكل ما نجده في كتب المفسرين هي أقوال غير معصومة لا ترد رأيها إلى قول معصوم .

 والنسخ بصورته التي يعتقدها مثبتي النسخ أمر عظيم يحذف ويثبت ، يزيد وينقص في كتاب الله فإن لم يكن ذلك بقول المعصوم الذي نزل عليه الوحي فلن يقبل البتة.

ثم إن القول بالنسخ ليس من الأمور الجانبية التي لا تهم المسلم ، بل هو أمر في غاية الأهمية وهو أمر عظيم للغاية فكيف تمر 23 سنة من حياة أفضل الخلق وهو يتقلب بين آيات القرآن الكريم وسوره لم يذكر فيها نسخ الآيات ونسخ الأحكام وتغيير كلام الله بغيره وهو الذي أوصى بالجار حتى ظن الصحابة أنه سيورثه فأي الأمرين أهم ؟؟ وايهما أجدر بالتبيان والاستفاضة والتوضيح ، وكيف يترك أمر يشتمل على ابطال أحكام وابطال نصوص وآيات كاملة بل وقيل سور بطولها من القرآن لا يلفت النبي صلى الله عليه وسلم لها نظر ولا يبين فيها بيان يشفي ، وهو المعني بالوحي وهو المبلغ المعصوم الذي لا يقبل قول قائل سواه ؟.

ثانياً : النسخ والإبطال:

إن النسخ بصورته التي قررها أصحاب دعوى النسخ هو إبطال ، وهذا يجب أن يتقرر لدى كل باحث عن الحق ، فالنسخ –حسب دعواهم- إبطال حكم مع بقاء النص ، أو إبطال نص مع بقاء الحكم ، أو إبطال نص وحكم في آن واحد ، وبرغم أن أشكال النسخ هذه لا يوجد إجماع عليها فإنها بلا شك إبطال لكلام الله فما نُسِخَ صار باطلاً ، وما أثبت بقي فكان النسخ تبديلاً وإبطالا لكلمات الله وهذا يناقض قوله تعالى : { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [فصلت:42] وهذا كافٍ لرد دعاوى النسخ.

ثالثاً: منهج القبول والرد :

 ليس كل ما نسب للصحابة الكرام من أقوال هي صحيحة في نسبتها ، وليس كل ما يرد مسلم بصوابه وسلامته لمجرد أنه ورد عن صحابي أو تابعي حتى لو حمل في ثناياه ما يخلّ بسلامة الوحي في حين أنه لا يستند لقول صاحب العصمة ومتلقي الوحي ، فمنهج القبول والرد محكوم بعوامل عدة تؤيد القول أو ترده ، أولها وجود النص القرآني البين الذي يؤيد القول ، ثانيها تأييد القول بحديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وثالثها انتفاء ما يعارض القول من مناقضة قول آخر او نص شرعي ينقضه ، أو منافاة القول للعقل والفطرة السليمة ، فإن كان العقل هو أول وسيلة لمعرفة الله فكيف نحيّده ونعطله عندما يأتي الحديث لكلام الله تعالى ذاته ؟؟.

رابعاً : النسخ دعوى وليست أصل:

إن النسخ ليس بأصل مرجعي حتى نرجع إليه بل هو دعوى يلزم مدعيها الدليل والاثبات وبالتالي فالأصل في كتاب الله أنه كما وصلنا من نبيه صلى الله عليه وسلم متواتراً والقول بالنسخ دعوى طارئة تتطلب الإثبات ، ثم أن هذه الدعوى لها لوازم ومن أهم لوازمها وجود تناقض بين آي القرآن الكريم حتى نستطيع التسليم بدعوى أن هذه ناسخة لتلك ، وليس هذا فقط بل يجب الا يكون لها تأويل ولكن إن حدث ذلك فينبغي أن تكون إحدى الآيتين مبطلة والثانية باطلة وحاشا لكتاب الله ذلك.

خامساً : النسخ حقيقة ولكن !:

نعم النسخ حقيقة والنسخ موجود ومثبت ولكن ليس في القرآن الكريم، فقد نسخ الله شريعة موسى عليه السلام بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، ونسخ شرائع سابقة بالتوراة ونسخ التوراة بالقرآن ، ومعجزات الأنبياء السابقين كانت ناسخة لبعضها البعض ، وقد نسيّ الناس معجزات وآيات عظام فصارت عصى موسى طي النسيان فلم تعد حاضرة في أذهان الناس وهناك من المعجزات والآيات ما نسي ولم يذكر حتى في كتاب الله ، يقول تعالى:

{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ } [غافر:78]

فممن لم يقصص الله على نبينا من الرسل من أتى بآيات بإذن الله فنسخت ونسيت وأحل الله محلها آيات أخرى ، والقرآن المعجزة والآية الناسخة لما سبقها والمُنْسِيَة لما سواها.

سادساً : إضطراب الآراء:

إن مما يستدل به على فساد القول بالنسخ أن كل ما قيل فيه مجرد آراء لم تجمع عليها الأمة فجمع من القائلين بالنسخ يدعون النسخ في عدد يجاوز المائتي آية ، وآخرون يقولون إنها 6 آيات فقط وهنا أقتبس من بحث للدكتور عبدالرحمن الشهري ما يوضح كيفية اضطراب الآراء في مسألة عظيمة كنسخ القرآن :

وقد تعددت دعاوى النسخ في الكتب التي تعرضت لمسائل النسخ ، وقد رتبها الدكتور عبدالله الشنقيطي وفقه الله على النحو التالي مبتدأً بأكثرها :

  1. الدكتور مصطفى زيد ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (293) آية.
  2. ابن الجوزي رحمه الله ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (247) آية.
  3. السكري ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (218) آية.
  4. ابن حزم ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (214) آية.
  5. ابن سلامة ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (213) آية.
  6. الأجهوري ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (213) آية.
  7. ابن بركات ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (210) آية.
  8. مكي بن أبي طالب ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (200) آية.
  9. النحاس ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (134) آية.
  10. عبدالقاهر ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (66) آية.
  11. محمد عبدالعظيم الزرقاني / عدد الآيات المدعى عليها النسخ (22) آية.
  12. السيوطي ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (20) آية.
  13. الدهلوي ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (5) آية.

فهذه هي جملة الدعاوى ، مع التنبه إلى أن كل من هؤلاء المؤلفين رحمهم الله لا يقبل هذه الدعاوى ، بل كثير منهم يذكرها ويفندها.

فالدكتور مصطفى زيد رحمه الله هو أكثر من تعرض لقضايا النسخ وناقشها ، وقد قرر في النهاية أنها لا تزيد عن ست آيات ، علماً بأنه عند البحث أتى بـ(293) آية قيل بنسخها.

وكذلك العلامة ابن الجوزي رحمه الله عند مناقشة القضية جاء بـ(247) آية ، ولكن بعد البحث قبل منها (22) آية فقط ، ورد النسخ في (205) آيات ، وقال : إن الصحيح أنها محكمة ، وتوقف في الباقي وهو (20) آية ، لم يبين فيها حكماً ولم يصرح بالنسخ إلا في سبعة مواضع فقط.

أما الزرقاني – رحمه الله – فقد تعرض لـ(22) واقعة قبل النسخ في (12) منها.

وأقل من قبل النسخ الإمام الدهلوي رحمه الله حيث قبله في خمس آيات فقط ، وهي آية الوصية في النساء ، وآية المصابرة الواحد للعشرة في الأنفال ، وآية الأحزاب : (لا يحل لك النساء من بعد) ، وآية المجادلة : (إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) وآية المزمل : (قم الليل إلا قليلاً) الآية. انتهى كلامه.

فهل يمكن أن يقبل العقل هذا التخبط في توزيع دعاوى النسخ بالجملة على آيات القرآن الكريم  ؟؟ وهل لمدعي النسخ أن يرشدونا مشكورين لأي من هؤلاء نتبع ؟؟ مع التقرير بأن من يدعون أنه هو الحق فإن سواه على باطل وإثم عظيم لأن قوله طعن وإبطال لقول الله الذي لم يبطل فمن يستطيع أن يتحمل وزراً كهذا؟؟

وفيما يلي إن شاء الله سنتستعرض الآيات التي يدعي فيها القائلون بالنسخ ويتضح بطلان تلك الدعوى واحدة تلو الأخرى والله الموفق.

دعوى نسخ القبلة

يَعتبرُ فئةٌ من المعتقدين بوقوع النسخ أن مسألةً  كمسألة تحديد القبلة نسخاً، و يدرجون هذا الأمر من الحجج على ثبوت النسخ في كتاب الله ، وهذا خلط مبنيٌّ إما على سوء فهم أو محاولة لإثبات النسخ كيفما اتفق.

ومسألة القبلة تحمل دلالة واضحة على عكس ما يريد مؤيدي القول بالنسخ ، ذلك أن مفهومنا للنسخ يقتصر على نسخ الشرائع السابقة وليس نسخ القرآن الكريم واحكام الشريعة الاسلامية ، وتتمثل الدلالة في كون الصلاة تجاه بيت المقدس هو شرع من قبلنا ، فبني اسرائيل كانوا متبعين لشريعة موسى عليه السلام التي كانت هي الشريعة المهيمنة على المسلمين قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، بقول تعالى { قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ } [الأحقاف:30] فلم يأت ذكر عيسى لأن المراد بالكتاب (الشريعة) فكانت شريعة موسى وكتابه هي الشريعة المهيمنة على المسلمين فلما جاء القرآن نسخ تلك الشريعة وابطل كثيراً من أحكامها.

وبني إسرائيل كانوا يتوجهون لبيت المقدس قبلةً لهم ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بقي على القبلة التي يستقبلها اليهود وهي بيت المقدس حتى أنزل الله نسخ الحكم التوراتي بالحكم القرآني (فبدل الله آية مكان آية) وجعل الكعبة قبلة للنبي صلى الله عليه وسلم من تبعه من المسلمين فقال جل شأنه:

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) البقرة

ولا يستطيع أحد ان يثبت أن تحويل القبلة هو نسخ لحكم سابق نزل في كتاب الله فالتوجه لبيت المقدس لم يكن بنص قرآني وبالتالي فالقول بأن هذه الآية تحمل دلالة على نسخ القرآن بأي صورة قول باطل ولا يصح أبداً فالقبلة حكم جديد لم يسري قبله حرف واحد ينقضه آخر.

وهنا نؤكد على أن الأحكام المنسوخة لا يمكن أن تكون مما أنزله الله في كتابه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بل أحكاماً مهيمنة من شرائع سابقة نسخها القرآن وابدل مكانها احكاماً أخرى.

صورة من صور سوء الفهم:

نلحظ أحاديث منسوبة لابن عباس رحمه الله تدعي أن تحويل القبلة هي أول ما نسخ من القرآن (قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : كان أول ما نسخ من القرآن القبلة ) ولكل من يعتقد بصحة هذا القول نطالبه بالبرهان ، فأين الآية التي تأمر بالصلاة لبيت المقدس والتي نسخت بآيات تحويل القبلة ؟؟ ، لن تجد شيئاً منسوخاً في كتاب الله ، ولن تجد امراً باستقبال بيت المقدس نسخه تحويل القبلة إلى الكعبة وبالتالي فالاثر قطعاً غير صحيح ولا يحتاج تخريج ولا بحث بل لا يؤيده نص واحد في القرآن فكيف نسلم بالنسخ في القرآن بناسخ دون منسوخ ؟؟.

حقيقة دامغة

ومن أظهر الأدلة واقواها على انتفاء النسخ وأن الحكم القرآني حكم مبتدأه في تلك الآية وليس ناسخاً لقرآن قبله هو قوله تعالى (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) فلو كان استقبال بيت المقدس وحي وأمر مخصوص للنبي صلى الله عليه وسلم ينقض امر سبقه وينسخه لما وسعه إلا الرضى والتسليم ولم يقلب وجهه في السماء بحثاً عن قبلة يرضى بها لأن القرآن قرر قبلته فليس له إلا الرضا والتسليم ، ولكن الحقيقة أن تحديد القبلة ارضاء لنبي الله جل وعلا الذي لم يكن عنده أمر بقبلة محددة قبل الكعبة وقال قتادة: كان الناس يتوجهون إلى أي جهة شاءوا، بقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ثم أمرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم باستقبال بيت المقدس.

وقال ابن زيد: كانوا ينحون أن يصلوا إلى قبلة شاءوا، لأن المشارق والمغارب لله، وأنزل الله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هؤلاء يهود قد استقبلوا بيتا من بيوت الله- يعني بيت المقدس- فصلوا إليه» فصلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه بضعة عشر شهرا، فقالت اليهود: ما اهتدى لقبلته حتى هديناه، فكره النبي صلّى الله عليه وسلّم قولهم ورفع طرفه إلى السماء فأنزل الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ (1) [البقرة: 144].

نسخ عدة المتوفى عنها زوجها

قال الحق جل شأنه :

{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [البقرة:240]

يُدَّعَى نسخها بقوله تعالى:

{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [البقرة:234]

متاع الأرملة حق لها:

وهذه الدعوى مردودة جملة وتفصيلاً فآية متاع الحول تلت آية العدة ، وفي الأصل فلا علاقة بين الآيتين فواحدة حكم والثانية حق فكيف والنسخ لا يكون إلا حكماً بحكم .

يقول تعالى (وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) فجعل للرجل أن يوصي بأن تبقى أرملته في بيته بعد وفاته حولاً كاملاً فكانت تلك الوصية حق من حقوق الارملة في حين أن العدة فريضة عليها ، وهذا من مقاصد الشرع الحنيف فالنساء اللائي لديهن ذرية صغاراً أو كن لا أهل لهن ولا منزل سوى منزل الزوج فقد أعطاهن الله فسحة من الأمر حولاً كاملاً يحق لهن البقاء في منزل الزوج المتوفى حتى يجدن سبيلاً إما بزواج أو بشراء منزل ونحوه ، وهذا في سبيل الحفاظ على نساء المسلمين وصيانة حقوقهن وكرامتهن.

ولكن إن أرادت الأرملة غير ذلك وخرجت قبل تمام الحول فلا جناح عليها ولا على أولياء الزوج المتوفى فيما تفعل في نفسها من فعلٍ معروفٍ سواء بزواج أو باستقلال في منزل تملكه.

عدة الأرملة فريضة عليها:

بينما نجد في آية العدة أمراً آخر تماما لا علاقة له بالمتاع فهو فرض على كل من توفى عنها زوجها ، لا خيار لها في تركه وهو العدة ، يقول تعالى (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) فهنا يجب عليهن فريضة من الله فإن انقضى الأجل فلها حق استمرار المتاع في منزل المتوفى ولها أن تنزل منزلا غيره.

فلو انقضت عدتها وكان المنزل الذي تسكنه معروضاً للبيع ولها فيه ميراث ولها منزل لأهلها أو ملكاً لها فآثرت بعد العدة أن تنتقل لمنزلها او منزل أهلها حتى يتحقق تقسيم الميراث فلها ذلك ولكن بعد انقضاء عدتها.

ولو انقضت عدتها (أربعة أشهر وعشراً) وأرادت أن تمكث في منزل الزوج ما يكمل الحول فلا يجوز إخراجها منه لقوله تعالى (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) غير إخراج ولم يقل غير خروج أي لا يجوز (إخراجها) من منزل الزوج.

ولو توفي رجل عن امرأة حامل فيقول تعالى { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } [الطلاق:4]، فتنتهي عدة الحامل بوضعها ولكن يبقى لها إن كان توفي عنها زوجها بقية الحول ، وهذا من المقاصد العظيمة للشرع الحنيف فلولا أن لها التمتع في بيت المتوفى عنها حولاً كاملاً لا يجوز إخراجها لحق لأهل المتوفى اخراجها بعد الوضع مباشرة وهذا فيه ارهاق وجور على الوالدة وولدها ، فكان حول السكنى حقٌّ يمكّن الأرملة والوالدة من المكوث في راحة وأمن حتى يحصل لهن سبيل يخرجن به من منزل المتوفى.

وهنا فقبل القول بالنسخ ينبغي أن نفقه المواضع الثلاثة ونميز بين (الحق) و(الفريضة) فلا ينبغي أن نخلط الشرائع والأوامر بلا تمييز وننسخ واحدة بما لا ينبغي أن ينسخها.

وهنا فالقول بالتناسخ بين هاتين الآيتين باطل غير متحقق لعدم التجانس بين الآيتين ولأن لكل آية مقصد مختلف عن الآية الأخرى والله أعلم.

دعوى نسخ قيام الليل

قال الحق جل وعلا :

يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) {المزمل}

يُدَّعَى نسخها بقوله تعالى:

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20) {المزمل}

وهي دعوى مجانبةُ للصواب فالله تعالى لم يفترض على المؤمنينَ قيام الليل وبالتالي فلم ينسخ هذه الفريضة ، وسأسوق من الدلائل والحجج في ثنايا هذا التفصيل ما يثبت ذلك ويدرأ القول بالنسخ تماماً في هذا الموضع بصورةٍ بيِّنة واضحة لا لبسَ فيها.

أمر خاص للنبي صلى الله عليه وسلم :

إنَّ الأمرَ بقيامِ الليلِ مختصُّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ولا يشمل المؤمنين وإثبات ذلك فيما يلي :

أولاً: طبيعة الخطاب ، فالنداء موجهٌ حصراً للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله (يا أيها المزمل) ولم يتبعهُ توجيهٌ بفرضهِ على بقية المؤمنين كفرائض الله الأخرى التي وجه فيها النبي وأمره أن يأمر المؤمنين بمؤداها ، وهو مشابه لأمره في قوله يا أيها المدثر إذ كان الأمر كذلك مخصوص للنبي صلى الله عليه وسلم دون سواه.

ثانياً: اشتمل الأمر على علة قيام الليل ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) ، فكان نزول الوحي علة اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بقيام الليل وهو القول الثقيل الذي سينزل على النبي في هذه الفريضة مما يؤكد اختصاص النبيّ بالأمر.

ثالثاً : أن الأمرَ بالقيام لو كان شاملاً عَاماً على المسلمين لقام كل المسلمين اللّيل مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف عنه أحد ولكن تأسَّى به طائفة من المؤمنين فقط وليس كل المؤمنين (وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) فكيف يكون فرضاً ويتقاعس عنه المسلمين ؟؟ ولا يأتيه إلا طائفة من الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم ؟؟ ، والسورة عرفت بأنها مكية حيث كان أتباع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أشد أحوالهم اتباعاً له تنفيذاً لأوامره والوحي الذي أتى به.

رابعاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم حين توقف الناس عن قيام الليل معه لم يتركها لأنها فريضة عليه بقوله تعالى (قم الليل إلا قليلاً) وبقي عليها حتى قبض عليه صلوات الله وسلامه ، جاء في سنن أبي داود حدثنا مؤمل بن هشام حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن منصور بن عبد الرحمن عن أبي إسحق الهمداني عن الأسود بن يزيد أنه دخل على عائشة فسألها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل فقالت (كان يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل ثم إنه صلى إحدى عشرة ركعة وترك ركعتين ثم قبض صلى الله عليه وسلم حين قبض وهو يصلي من الليل تسع ركعات وكان آخر صلاته من الليل الوتر)

خامساً: هذه الفريضة التي اختص الله بها نبيه لم تكن كبقية الفرائض بل كانت ركعاتها و مدتها على سبيل التخيير (ثلثي الليل ، ونصفه ، وثلثه).

حقيقة الآية السادسة:

إن حقيقة الآية السادسة المدعى بأنها ناسخة لأمر القيام هي أن طائفة من الذين آمنوا بدأوا يتأسّون بالنبي صلى الله عليه وسلم فيقومون الليل معه فأراد الله بالأسلوب القرآني المهذب أن يبين لهم بأن هذا الأمر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وليس عاماً لبقية المسلمين (وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) ، ثم يقرر تعالى أنه لم يفترضها عليهم لعلمه بحالهم (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)أي علم بأحوالكم فاستثناكم ، ثم فصل في أحوال المسلمين التي لا يستطيعون فيها مجاراة النبي صلى الله عليه وسلم لما اختصه الله من طاقة تفوق بقية المؤمنين (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).

وعِلْمُ اللهِ بِذلك لَم يكن بعد أن افترض القيام ثمَّ بدا له مشقة ذلك على المؤمنين بل كان علمه سابق لذلك وإنما أتى بها هنا ليبين سبب اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام وسقوطه كفريضة من البدء وليس عند نزول الآية السادسة.

القول بالنسخ في هذا الموضع مجازفة:

إن القول بأن الله افترض على الناس قيام الليل في أول السورة في حد ذاته مجازفة إذ أن الله تعالى يقول { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا } [الأحزاب:36] والقائمين  مع النبي صلى الله عليه وسلم طائفة محدودة من المسلمين وبقية المسلمين – حسب هذا الفهم – تخلفت عن إتيان هذه الفريضة وهذا يشي بالبطلان والخلل ، ثم أن القول بتراجع ونسخ الحكم مجازفة أعظم ومقولة أخطر فالآية المدعى أنها ناسخة تضمنت أحوالاً عديدة للمسلمين في قوله تعالى (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فالقول بالنسخ يوحي بأن الله رجع عن افتراض ذلك بعد ما علم بأحوال المسلمين فرأف بحالهم ورفع الحكم عنهم ونسخه لدواعي عديدة كالمرض وكسب الرزق والقتال وحاشا لله أن يكون ذلك ، ولكن الله علم بذلك من الأزل إنما أراد أن يبين للصحابة أنه اختص النبي بذلك الأمر واستثناكم أيها المؤمنين لما يكتنف حياتكم من أحوال وحاجات ونوازل ، وهذا أسلوب قرآني راقٍ ومهذب في تعريف الناس بمقاصد الشرع وأن الله يريد أن يخفف عنهم ويفترض عليهم ما يناسب طاقتهم ووسعهم.

ولكن هذا القيام بقي للناس نافلة (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على تبيان ذلك في أكثر من موضع.

وهنا يثبت بأن إتيان جمع من الصحابة لهذه الطاعة كان نافلة وقد  سارع طائفة منهم لإتيانها ، وتركها آخرون لعلمهم بأنها دون الفريضة.

جاء في صحيح الإمام مسلم حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت قال احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيها قال فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته قال ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم قال فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة) وحدثني محمد بن حاتم حدثنا بهز حدثنا وهيب حدثنا موسى بن عقبة قال سمعت أبا النضر عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناس فذكر نحوه وزاد فيه ولو كتب عليكم ما قمتم به

فنرى كيف كانت مسارعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الخيرات وتتبعهم لمواقيت الصلوات ولكن النبي صلى الله عليه وسلم في مقام تشريع فكان موقفه من ذلك واضحاً حتى لا يفترض على أمته ما لم يفترضه الله عليهم ، وحتى لا يسيرون في ذلك حتى تصير فريضة عليهم ، فهذا ابن حبان في صحيحه في (حديث مرفوع) أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : أخبرنا أبو الربيع الزهراني ، قال : حدثنا يعقوب القمي ، قال : حدثنا عيسى بن جارية ، عن جابر بن عبد الله ، قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر ، فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد ، ورجونا أن يخرج إلينا ، فلم نزل فيه حتى أصبحنا ، ثم دخلنا فقلنا : يا رسول الله ، اجتمعنا في المسجد ، ورجونا أن تصلي بنا ، فقال : إني خشيت أو كرهت أن يكتب عليكم الوتر

اختصاص النبي الكريم بما يفوق طاقة أصحابه :

إن النبي صلى الله عليه وسلم قد اختصه الله في مقام النبوة بأقصى مما كلف به أتباعه ، فقد أعطي صلى الله عليه وآله وسلم ما يفوق قوة الرجال وإذا أوعك كانت وعكته شديدة بضعف ما يصيب الرجال.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطال حتى هممت بأمر سوء.

قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه.

وعن المغيرة بن شعبة , قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تفطرت قدماه دما ، قالوا : يا رسول الله ، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر , قال : “ أفلا أكون عبدا شكورا ” ، حدثنا الحسين , قال : أخبرنا سفيان بإسناده ، إلا أنه قال : حتى تورمت قدماه .

فكان صلى الله عليه وآله وسلم يتميز عن الناس بمزيدٍ من القوة ومزيد من العبادة ، والوحي (القول الثقيل) الذي يتطلب تحمله قوة فائقة وتحملاً يفوق ما يحمله الرجال يقول تعالى : { لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [الحشر:21].

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يُوعَكُ فَمَسِسْتُهُ بِيَدِى فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ( أَجَلْ إِنِّى أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلاَنِ مِنْكُمْ ). قَالَ فَقُلْتُ ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ( أَجَلْ ). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إِلاَّ حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا ) متفق عليه.

فاختص الله نبيه بقيام الليل بصورته التي أمره به في سورة المزمل بما يتفق رسالته ووظيفته الجليلة وهي الرسالة الربانية وما يتبعها من أحمال لا يقواها أي أحد ، لذلك لم تكن هذه العبادة تناسب أصحابه وطبيعة وظيفتهم الدنيوية وحاجاتهم اليومية.

تحول الخطاب في الآية:

إن الإدعاء بأن الأمر بالقيام موجه للمؤمنين في قوله تعالى (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) بخطاب فردي كان ينتظر أن يكون النسخ أيضاً بخطاب فردي ولكن الآية السادسة قررت علم الله بأن النبي أتى ما أُمِرَ به (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) ولكنه حين رفع الحرج عن الطائفة الذين مع النبي حول الخطاب لهم فقال جل من قائل (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فكان هذا التحول من التوجه للنبي إلى المؤمنين تبياناً جلياً بأنكم أيها المؤمنون غير معنيين بهذا الأمر لما علم الله من أحوالكم وما يلحقكم من مشقة ، ولو كان الخطاب الموجه للنبي في رأس السورة يعني بقية المؤمنين لكان النسخ على نفس الصيغة ليرفع ما فُرِض ، ولذلك لم يتوقف النبي صلى الله عليه وسلم عن القيام حتى قبض لأنه أمرٌ وفرضٌ مخصوص عليه غير متعلق ببقية المسلمين.

ملخصُ ردِّ شبهة النسخ في هذا الموضع:

أن الله تعالى اختص نبيه صلى الله عليه وسلم بالأمر بقيام الليل بصيغ وصفات محددة في سورة المزمل معللاً ذلك بتلقي الوحي الذي سيلقى إليه ، ثم أن طائفةٌ من أصحابهِ رضوان الله عليهم بدأوا يصلون معه قيام الليل فأراد الله أن ينبههم لخصوصية هذه الصلاة وأنها ليست مفروضة عليهم ولم تنزل في مبدأها عامة عليهم ، ذلك أنه جل جلاله علم أحوال الناس وما يحيط بهم من أحوال ومرض وطلبٍ للرزق وقتالٍ وغيره فنبّههم بأنهم غير مشمولين في أمر القيام مع النبي صلى الله عليه وسلم وأرشدهم لما يرفع الحرج عنهم.

أمَّا الصَّلوات المفروضة فخمسُ صلواتٍ لم يزدنَ ولم ينقصنْ ، ولم يحصل نسخ في هذا الموضع وقد علمَ اللهُ بأحوالِ الناسِ علماً سَابقاً لنزولِ السُّورة ولم يَظهر بَعد افتراض القيام – كما يزعم من يقول بذلك – وحَاشَا أنْ يتراجعِ اللهُ عنِ افتراضِ أمرٍ على عبادهِ فينسخَ أمْرَهُ البتَّة ، وإنما كانت الآية تبياناً موجهاً للطائفة الذين اعتادوا صلاة الليل خلف النبي خشية أن تفرض على المسلمين عامة.

دعوى أن حكم تحريم الخمر نسخ لحكم سبقه

يقول جل شأنه : {وَمِن ثَمَرَ‌اتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرً‌ا وَرِ‌زْقًا حَسَنًا} [النحل:67]

يَقُولُ تَعَالَتْ ذَاتُه :{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ‌ وَالْمَيْسِرِ‌ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ‌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ‌ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة:219]

ويقولُ جََلّ وعَلا : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَ‌بُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَ‌ىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43]

مدَّعى نَسخَها بِقَوله تَعَالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ‌ وَالْمَيْسِرُ‌ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِ‌جْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٩٠﴾ إِنَّمَا يُرِ‌يدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ‌ وَالْمَيْسِرِ‌ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ‌ اللَّـهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [المائدة:90-91]

النسخ يلزم التعارض:

لاشك أن النسخ هو إبطال حكم منصوص بنصٍّ جديد ، ولكي نتوصل لحقيقة النسخ في الآيات الكريمة الخاصة بتحريم الخمر لابد أن نجد نصاً يفيد بحليَّة الخمر حتى نقول أن حكم الحليّة نُسِخَ بحكم التحريم ، وسنستعرض الآيات المدعى إنها منسوخة لنتحقق من أن الخمر قد أحله الله في هذه الآيات ثم نسخ الحكم وحرمه في آية المائدة ، وسنتتبع كل الآيات الكريمة التي تناولت مسألة الخمر ، وسنتتبع مسألة التحليل والتحريم في كتاب الله لنصل لحقيقة النسخ في هذه الآيات المباركات من عدمه.

الخمر محرمة قبل صراحة التحريم :

ينبغي قبل أن نثبت أن الله لم يحكم بحليّة الخمر في كتابه ثم ينسخ حكمه ويحلله ، ينبغي أن نثبت أن الخمر سبق تحريمها من عدة وجوه قبل آية التحريم الصريحة :

أولاً: أن الخمر حرمها الله في كل شرائعه السابقة للإسلام ، ورأينا فيما سبق كيف أن نبينا صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة متبعاً لشريعة أخيه موسى عليه السلام حتى أنزل الله قرآنا ينسخ قبلة أهل الكتاب بالكعبة المشرفة وعليه فإن الخمر لم يحلها الله أبداً قبل الإسلام فكيف يدعى أنها أحلت في الإسلام ؟؟ ، والقاعدة تقول أن شرع من قبلنا شرع لنا مالم يرد نص ينسخه.

فحرمة المحرمات في الديانات السماوية المتعاقبة سارية مالم يرد نص ينسخ الحرمة السارية ، ولذلك فقد صرح عيسى عليه السلام بأنه سيضع عن بني اسرائيل بعض ما حملوا ويحل لهم بعض الذي حرم عليهم يقول تعالى:

{ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } [آل عمران:50]

فلا ينبغي لهم أن يحلوا أو يحرموا من عند أنفسهم إلا بنص شرعي ، والخمر شرعاً محرمة قبل الإسلام فلزم أن تبقى الحرمة سارية لحين نزول نص يحلها.

وبالتالي فإن القائلين بالنسخ يلزمهم اثبات وجود نص يحل الخمر لأنها حرامٌ أصلاً وهذا ما لا يتأتَّى أبداً.

ثانياً : أن الخمر (من الخبائث) ، فإن أتينا لحكم الخمر العام فهومحرم ابتداءً لقول الله جل وعلا :{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [الأعراف:157]

وهذه الآية وردت في سورة الأعراف التي تحتل المرتبة (39) في تاريخ النزول أي قبل كل السور التي اشتملت على ذكر الخمر (النحل ، النساء ، البقرة ، المائدة) وتضمنت هذه الآية نقطتين ما يحسن لفت الانتباه له:

  • دخول الخمر في المنكر والخبائث أمر مقطوع به وهذا يعني تحريم مسبق للخمر ضمن الخبائث التي أتى صلى الله عليه وسلم لتحريمها.
  • أن الأحكام الشرعية السابقة سارية ما لم يرد نص بتحريمها لذلك كانت شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم امتداداً لما قبلها فتثبت بعضاً من الأحكام وتنسخ أخرى ، فكون الخمر محرمة في مسبقاً في شريعة الله التي افترضها على اليهود والنصارى يعني استمرار حرمتها في شرع نبينا صلى الله عليه وسلم وإلا فينبغي إثبات تحليل الخمر بعد البعثة ثم نقول أنها حرمت بنسخ حكم سابق.

صيغة التحليل في النص القرآني:

إن ما سبق تحريمه في الديانات والشرائع السابقة لا نجد له سبيلاً لتحليله في كتاب الله إلا بأن يسبقه ما يفيد التحليل فنجده تعالى يسبق الحلال بقوله (أحل لكم ، أحل الله ، أحلل) كقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } [المائدة:87] فضلا عن ما تضمنته الآية بأن التحليل يكون للطيبات فقط ويمتنع على الخبائث.

التحريم مثبت في آيات ذكر الخمر:

لقد علم الله تعالى ثقل الفجأة في الأحكام فلم يصرح في التنزيل الحكيم بالتحريم ولكنه عرَّض به على مستويات عدة بدأت بالتلميح حتى وصلت إلى مرحلة التحريم التام والصريح وفي كل مستوى من مستويات التحريم كان هناك من الصحابة من يمتنع ويترك الخمر بما فقهه من آيات، فآية الأعراف السالفة الذكر كانت أول المستويات للتحريم  (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) فهذا أول مستويات التحريم لكل الخبائث ولذلك فإنه يتضمن يتضمن حرمة مستترة للخمر.

وفي سورة النحل (وَمِن ثَمَرَ‌اتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرً‌ا وَرِ‌زْقًا حَسَنًا) ولم تشتمل هذه الآية على أي صورة من صور تحليل الخمر بل كان يصف حال الناس في اتخاذهم للرزق الطيب فسماه (رزقاً حسناً) ووصف اتخاذهم للسكر من ثمرات النخيل والأعناب ، وهذا حق إلى اليوم لم ينتفي ولم يتوقف ، وكان يصف الرزق (بالحَسَنْ) مما يبين أن السكر ليس بحسن ، وهذه الآية لا تعد من آيات الأحكام حتى يستنبط منها حكم أصلاً.

وفي سورة البقرة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ‌ وَالْمَيْسِرِ‌ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ‌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ‌ مِن نَّفْعِهِمَا) فهل نقول أن هذه الآية منسوخة ؟؟ لا طبعاً ، فالخمر فيها منافع للناس في تحصيل اثمانها والاستفادة من المحاصيل التالفة وبيعها وشراءها عموماً ، ولكن الله تعالى قدم الإثم ، وعظَّمهُ قبل أن يأتي على ذكر المنفعة فقال تعالى (فيهما إثم كبير) وهذه حرمة ظاهرة بعد الحرمة المستترة

ثم ما جاء في سورة النساء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَ‌بُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَ‌ىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) وهذا حكم سارٍ حتى الآن ، فالخمر محرمة صلاة السكران باطلة ،  ولكن هل تقبل صلاة شارب الخمر إن صلى غير سكران ؟؟ ، لا شك أن شرب الخمر لا ينفي امتناع قبول الصلاة سائر اليوم بل وقت السكر فقط ، وهذا حكم سارٍ لم ينتهي بالتصريح بالحرمة التامة.

ثم إن هذه الآية درجة أعلى وأظهر من درجات التحريم ، ولو لم ينزل إلا هي لكفت للتحريم التام للخمر لما تتسبب فيه من حجب للمؤمن عن الاتصال بربه حال شربه لها فهذا دليل خبثها لمن في قلبه ذرة شك أو حب لها.

دليل انتفاء التحريم بعد تحليل:

قال القرطبي رحمه الله:

(وإنما نزل تحريم الخمر في سنة ثلاث بعد وقعة أُحُدٍ… وقال ما نصه: وتحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة، فإنهم كانوا مُولَعين بشربِها، وأول ما نزل في شأنها: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾ [البقرة: 219]؛ أي: في تجارتِهم، فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس، وقالوا: نأخذ منفعتَها ونترك إثمها، فنزلت هذه الآية: ﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ [النساء: 43]، فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشرِبَها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 90، 91]، فصارت حرامًا عليهم حتى صار يقول بعضهم: ما حرَّم الله شيئًا أشد من الخمرِ).

ومما سبق ينتفي تماما أي قول بتحليل الخمر في الإسلام ، فقد كان التشريع تحريماً من أوله لآخره ، وينتفي معه أي قول بالنسخ لأن القول بالنسخ يلزم وجود حليّة نسختها حرمة ، والحليَّة لم تكن لا في شرع الأمم السابقة ، ولا بعدها في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يكون الأمر نسخاً ؟ .

فينتفي القول بالنسخ تماماً في مسألة تحريم الخمر، وعلى من يريد إثبات النسخ أن يثبت أن الخمر أخذ حكم الحليّة وهذا ممتنع تماماً عدا أن القول بالتدرج في التحريم يتعارض مع القول بالنسخ أصلاً ، وكل علماء السلف يقولون بالتدرج في التحريم فكيف نجمع بين القول بالتدرج في التحريم وبين النسخ؟.

وكل من قال أن الخمر كانت مباحة أول الإسلام فقد افترى على الله الكذب ولزمه الدليل على تحلة الخمر قبل تحريمه

هذا والله أعلى وأعلم.

دعوى نسخ الآية (284) من سورة البقرة

قال تعالى :

{ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة:284]

مدَّعى بأنها نسخت بقوله تعالى:

{ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } [البقرة:286]

الاضطراب دليل الخلل فهل هي منسوخة أم محكمة ؟ :

وهذا مما نصرخ به دوما بأن نسبة القول بالنسخ للصحابي لا تعني أنه صدر منه هذا القول فعلاً ، وأننا ينبغي أن نجعل استقامة القول واتساقه مرجعا فإن التسليم بصحة الروايات بلا تفكير ولا تدبر جعل المنقول المقدم على المعقول مصدراً لإشكالات لم يصمد النسخ امامها فكان باطلاً بيِّن البطلان :

قرر القرطبي رحمه الله وجود خمسة اختلافات بقوله (اختلف الناس في معنى قوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله على أقوال خمسة)

واورد في القول الأول أنها نسخت بقوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وهو قول جماعة من الصحابة منهم (ابن عباس) رضي الله عنه ، فقال رحمه الله:

“( الأول ) أنها منسوخة ، قاله ابن عباس وابن مسعود وعائشة وأبو هريرة والشعبي وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وموسى بن عبيدة وجماعة من الصحابة والتابعين ، وأنه بقي هذا التكليف حولا حتى أنزل الله الفرج بقوله : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها . وهو قول ابن مسعود وعائشة وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وغيرهم . وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : لما نزلت وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله قال : دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا قال : فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال : ( قد فعلت ) ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا قال : ( قد فعلت ) ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين قال : ( قد فعلت ) : في رواية فلما فعلوا ذلك نسخها الله ثم أنزل تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وسيأتي” .انتهى كلامه

ثم قرر في القول الثاني أن ابن عباس قال أنها محكمة مخصوصة بالشهادة :

“( الثاني ) قال ابن عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد : إنها محكمة مخصوصة ، وهي في معنى الشهادة التي نهى عن كتمها ، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي ما في نفسه محاسب .” انتهى كلامه

وفي القول الرابع يقول الطبري رحمه الله بأن ابن عباس قال (لم تنسخ) وأنها محكمة عامة :

“( الرابع ) أنها محكمة عامة غير منسوخة ، والله محاسب خلقه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في نفوسهم وأضمروه ونووه وأرادوه ، فيغفر للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنفاق ، ذكره الطبري عن قوم ، وأدخل عن ابن عباس ما يشبه هذا . روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال : لم تنسخ ، ولكن إذا جمع الله الخلائق يقول : ( إني أخبركم بما أكننتم في أنفسكم ) فأما المؤمنون فيخبرهم ثم يغفر لهم ، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب”انتهى كلامه

وبذلك لزم أن يتبع هذا الاضطراب البيّن كذبٌ في أكثر من موضع والأظهر أن الكذب كان في موضع تقرير النسخ كما اعتدنا.

النسخ يقتضي الإبطال:

تكرر معنا أن النسخ يقتضي الإبطال ، والآن نحن أمام صورة فريدة من صور النسخ المزعوم ، فالنسخ لم يطال الآية بكاملها بل طال جزءاً منها وهو قوله تعالى (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) وأما الباقي فلم يقع فيه نسخ -على حد زعمهم- فقوله تعالى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) من الثوابت التي يقتضي القول بنسخها الكفر البواح ، وكذلك قوله تعالى (وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فمن يقول بان هذا القول منسوخ كافر بلا شك.

ولذلك نجد أن القول بنسخ جزء من آية بدون قول صحيح ثابت  أو تقرير من معصوم مجازفة أخرى تجزِّئ السياق وتجعل قوله تعالى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) نسخاً لذلك الجزء برغم أنه متعلق بالتكاليف والعبادات المقررة بالجوارح فما دخل النوايا والاعتقاد حتى تلغيه وتنسخه ؟؟.

ومن المهم القول بأن النسخ بهذه الصورة يتعارض مع مفهوم القائلين بالنسخ بقوله تعالى (ما ننسخ من آية) لأن النسخ وقع على جزء من آية ولم ينسخ الآية كاملة وهذا من دلائل بطلان النسخ ايضاً.

حقائق متصلة تقررها الآيات الكريمة :

بعد أن اثبتنا انتفاء النسخ وتناقض الأقوال المنسوبة لابن عباس وأنه لا ينبغي أن يقع في هذا الموضع كما أنه لا ينبغي أن يقع على سواه في كتاب الله سنتتبع موضع هذه الآية في السياق الذي تضمنته الآيات الثلاث في سورة البقرة لنعلم مقدماً بأن النسخ لا يجوز عليها أصلا.

إن الآيات الثلاث في ختام سورة البقرة اتت على ثلاث حقائق أصولية مترابطة في عقيدة الإسلام كل آية قررت حقيقة من الحقائق الثلاث وكل منها ملازمة لما جاورها :

الحقيقة الأولى :

أن العبرة عند الله بما استقر في نفس العبد من اعتقاد ونية ، وأن مبدأ الإيمان من دواخل النفس التي يعلمها الله وحده ، فمن ادعى أنه من أهل الإيمان وكانت نفسه ترفض الإيمان وتبطن النفاق والبغض وأصبح يظهر مالا يبطن فإن الله سيحاسبه على عقيدته وهذا لازم من لوازم الإعتقاد لا يجوز نسخه بل لا سبيل إلى إلغاءه أو تعطيله لأنه هو أسُّ العمل ومزرعته ، وقد قرره صلى الله عليه وسلم في حديث عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في الحديث المتفق على صحته قال قال صلى الله عليه وسلم : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) وهذا ما يواطئ الآية الكريمة ويتساوى معها في المعنى ، ونسخ هذه الآية يجب ان ينسخ معه الحديث أيضاً.

فهو جل جلاله يخبرنا أولاً بإحاطته بكل شئ ( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) وانه يملك الكون كله ، ثم يقرر علمه بملكه ومافيه من غيب وشهادة (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) ولما كان الإيمان محله القلب وهذا متسق مع كل المواضع المشابهة ومستقيم معها تماما ، ومثل أولئك الذين يظهرون مالا يخفون من قال تعالى فيه (يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ) فهل مثل هذا مقطوع له بالغفران  لقاء ما أضمره في قلبه من خصام ونفاقه وسوء طويته ؟؟ ، بل هو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ، ولكن الاعتبار بما تضمره الأنفس وليس على ظواهر الأفعال.

وهذا الموضع في قوله تعالى (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) يشابه ما في قوله تعالى { وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } [هود:108] ، فمشيئة الله مطلقة لا يقيدها شئ أبداً لذلك فهو تعالى إن شاء أخرج أهل الجنة منها وجعل بقائهم في الجنة مرهوناً بمشيئة الله تعالى ، حتى مع تقرير خلود أهل الجنة فيها تبقى مشيئة الله فوق كل حال.

الحقيقة الثانية :

قررتها الآية التي تليها (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)  فبعد تهيئة الأنفس بأن ما يستقر فيها هو رأس الأمر في الحساب والثواب والعقاب قرر تعالى ما يجب الإيمان به وتجري المحاسبة عليه في سياق متصل ببعضه البعض ، فلو أن عبداً قال (سمعنا وأطعنا) بجارحة اللسان ولم يستقر في قلبه ما آمن به الرسول ومن تبعه من اصحابه وما اعتقدوه من عقائد في هذه الآية فإنه محاسب بما أخفى وليس بما أظهر ، لأن ما اخفاه محبط للعمل لا تقبل معه طاعة يقول تعالى (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .

والله وحده يعلم حقائق الأمور فيأتي المؤمنين يوم القيامة يدافعون عن إخوان لهم فيكتشفون أن أعمالهم حبطت لأن أعمالهم شكلية ولم يستقر معها إيمان :

{ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ } [المائدة:53]

فعمل الجوارح الذي لا يتبعه إيمان راسخ في النفس سيحبط كما وقع للمنافقين الذين انطبقت عليهم (الحقيقة الأولى) فيجري حسابهم بما يخفون من الاعتقاد فإن أخفوا الكفر فإن أعمال الظاهر محبطة لا قيمة لها:

{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ (25) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29)} محمد

كرهوا رضوانه ، والكره عمل قلبي ،وإسرارهم عمل قلبي ، ومرض القلب لا يعلمه إلا الله ولكنهم ظنوا أن الله لا يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فأِمنوا بما يخفون من الكفر والله بما يعملون محيط.

الحقيقة الثالثة :

قررتها الآية الأخيرة في سورة البقرة وهي متعلقة بعمل الجوارح والعبادات ، فما كانت الحقيقة الأولى أن المحاسبة مبنية على مافي النفوس ، والحقيقة الثانية أن الإيمان بأركانه المقررة هو ما يجب ان يستقر قبل العمل فإن الحقيقة الثالثة تقرر أن الله افترض من العبادات ما يطيقه ابن آدم ولم يضع عليهم من الشرائع والعبادات والتكاليف الشرعية ما يخرج عن الوسع والطاقة (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) ويقرر ان ميزان الاعمال يستوعب المكتسبات من الأجور على العمل الصالح ، والمكتسبات من الآثام على العمل الفاسد وعلى ترك أداء تلك التكاليف ، ثم يرشد المؤمنين للتضرع لله بالقول (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) فقرر تعالى الابتداء بالعفو عن العقوبات المقررة ، ثم المغفرة للذنوب المدونة ، ثم الرحمة بدخول الجنة ضمن مبدا التخلية قبل التحلية فلا جنة بلا رحمة الله ، ولا رحمة بلا غفران للذنوب.

وهكذا فإن الآيات الثلاث ضمن سياق متصل تقرر مسألة عقدية هامة للغاية بشأن موقف الشارع الحكيم من الاعتقاد والعمل والعلاقة بينها فلا نسخ فيها لامتناع نسخ العقائد أصلا.

هذا والله تعالى أعلم.

يتبع بإذن الله …

بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ، فَمَنْ هُمْ ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول الحق جل وعلا :

إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) النمل

تَقْدِيم :

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد

مررت بعدد من المقالات والآراء التي تستظهر معنى الآية الثامنة من سورة النمل ، ومنها قوله تعالى (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا) وكانت التفاسير المختلفة والنظرات التي تحوم حول تلك الآية تدل في مجملها على الإضطراب في تحديد المقصود بمن في النار ومن حولها وحملت تلك التفسيرات أقوال منكرة ، وقد رايت كيف أمعن الطاعنين من المنصرين والملحدين في استعمال هذه التفسيرات ساعين للنيل من العقيدة ونسبة مختلف النقائص للقرآن الكريم وللإسلام ، فسعيت لكتابة هذا البحث سائلا التوفيق والسداد.

أقوال أهل التفسير :

وجدت أن الطبري رحمه الله جمع أشهر الأقوال وعرضها في تفسيره فاخترته لاستعراض تلك الأقوال وهي على النحو التالي :

فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)

وقوله: (فَلَمَّا جَاءَهَا ) يقول: فلما جاء موسى النار التي آنسها (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ).

كما حدثنا عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) يقول: قدّس.

واختلف أهل التأويل في المعنِّي بقوله (مَنْ فِي النَّارِ) فقال بعضهم: عنى جلّ جلاله بذلك نفسه, وهو الذي كان في النار, وكانت النار نوره تعالى ذكره في قول جماعة من أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله: (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) يعني نفسه; قال: كان نور ربّ العالمين في الشجرة.

حدثني إسماعيل بن الهيثم أبو العالية العبدي, قال: ثنا أبو قُتَيبة, عن ورقاء, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جُبير, في قول الله: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) قال: ناداه وهو في النار.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن الحسن في قوله: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) قال: هو النور.

قال معمر: قال قَتادة: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) قال: نور الله بورك.

قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال الحسن البصري: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) (2) .

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بوركت النار.

*ذكر من قال ذلك:

حدثني الحارث, قال: ثنا الأشيب, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) بوركت النار. كذلك قاله ابن عباس.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) قال: بوركت النار.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال مجاهد: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) قال: بوركت النار.

حدثنا محمد بن سنان القزاز قال: ثنا مكي بن إبراهيم, قال: ثنا موسى, عن محمد بن كعب, في قوله: (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) نور الرحمن, والنور هو الله (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ).

واختلف أهل التأويل في معنى النار في هذا الموضع, فقال بعضهم: معناه: النور، كما ذكرت عمن ذكرت ذلك عنه.

وقال آخرون: معناه النار لا النور.

*ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن سعيد بن جبير, أنه قال: حجاب العزّة, وحجاب المَلِكَ, وحجاب السلطان, وحجاب النار, وهي تلك النار التي نودي منها. قال: وحجاب النور, وحجاب الغمام, وحجاب الماء, وإنما قيل: بورك من في النار, ولم يقل: بورك فيمن في النار على لغة الذين يقولون: باركك الله. والعرب تقول: باركك الله, وبارك فيك.

وقوله: (وَمَنْ حَوْلَهَا) يقول: ومن حول النار. وقيل: عَنى بمن حولها: الملائكة.

*ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (وَمَنْ حَوْلَهَا) قال: يعني الملائكة.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن الحسن, مثله.

وقال آخرون: هو موسى والملائكة.

حدثنا محمد بن سنان القزّاز, قال: ثنا مكي بن إبراهيم, قال: ثنا موسى, عن محمد بن كعب (وَمَنْ حَوْلَهَا) قال: موسى النبيّ والملائكة, ثم قال: يَا مُوسَى (19-430)  إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .

وقوله: (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يقول: وتنـزيها لله رب العالمين, مما يصفه به الظالمون.

ملاحظات وتعقيب :

لا شك ان ما قاله المفسرون رحمهم الله افتقر إلى العناية بالىراء المطروحة وتوجيهها توجيها سديداً ، فلما كانت الآية الكريمة لا تاويل لها من قرآن كريم أو حديث صحيح فينبغي على من تأول أن يعمل عقله وتفكره وتدبره في الآية بما لا يؤدي للمجازفة في مسائل الأسماء والصفات والعقيدة المتعلقة بالخالق جل وعلا ، ويستقر لدى كل من يستعرض تلك التفاسير أن جلَّ من قال في ذلك بشيء قرر بلا تبرير ولا توضيح يسند رأيه فتجده يقول مثلا ( قال : هو النور ، قال : هو النار .. الخ) ولكن لا يستند في قوله غلى قرينة ولا دليل ولا مَعْلم من معالم الاستنباط يمكن أن يلتمس له به عذراً.

وقد نتج عن تلك المجازفات أقوال مخيفة وآراء خطيرة وضارة لمفهوم الخلف عن السلف ولعلها نقلت عنهم في حين لا يوجد ما يؤكد قولهم لذلك ، كما أن عزاؤنا أنهم بشر يؤخذ من قولهم ويرد ويجوز عليهم الإشتباه والخطأ والاستدراك ، وهنا نحاول بجهدنا أن نتعرف على مدلولات هذه الآية الكريمة مستصحبين تنزيه الحق تعالت ذاته عن كل مالا يليق مستحضرين قوله في آخر الآية (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فإن اصبنا فالحمدلله وإن أخطأنا فنستغفر الله رب العالمين.

توجيه الآية الكريمة:

قبل أن أفصِّلَ في سبل الوصول لتوجيه الآية الكريمة سأقدم للقارئ الكريم نتيجة البحث ومن هو الذي حول النار ومن هو الذي فيها ومن ثم سأطلق إضاءات متتابعة تشرح سبب اختياري لذلك التوجيه .

إن ما أعتقده هو أن المراد بقوله تعالى (بورك من في النار) انه موسى عليه السلام (ومن حولها) اهله الذين مكثوا بعيدا عنها ، لتفصيل مسوغات هذا القول ودلائله التي يستنبط منها ذلك أقول وبالله التوفيق :

أولاً : يقول تعالى :إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) النمل.

ولو عدنا للمثاني المتشابهة في القرآن الكريم لهذه الآية لوجدنا :

{ إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى } [طه:10]

{ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } [القصص:29]

فنستدل من ذلك :

بقاء أهله ومكوثهم بعيداً عن مكان النار التي تراءت له فغاب عنهم بحثاً عمن يدله بخبر أو هداية أو جذوة يدَّفئون بها من شدة البرد ، كما نستدل أيضاً أنه عرف ما رأى وأنها ناراً وليست نوراً كما قرر بعض المفسرين فالله جل وعلا أراه ناراً وقرر أنها ناراً كما فيما يليها من الآيات ومواضع القصة الأخرى التي قررت فعلاً أنها كانت ناراً.

ثانياً : ثم قال جل جلاله : فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) النمل ، وفور وصول موسى إلى موضع النار سمع نداء الله جل جلاله يقول (بورك من في النار) والنداء هنا موجه لموسى عليه السلام فلا معنى أن تكون البركة موجهة لمن لا يدركهم ببصره ولا قرينة على وجودهم (جبريل والملائكة) فالله يرحب بعبده ويطمئنه ويحتفي بمثوله في حضرة ربه جل وعلا.

فموسى أتى حذراً مستطلعاً متوجساً تاركاً أهله فابتدره الحق جل جلاله بالترحيب به وإسبال بركته جل وعلا عليه حتى يستأنس ويطمئن بأن من ينادي ليس عدواً أو يضمر شراً له أو لأهله ، وهنا فقد أشكل على كل من قرأ هذه الآية قوله تعالى (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) فاضطربت أفهامهم ، وتوجيه ذلك أن النار (نور ودفء) وعين النار (حرٌّ ونور) وكل ما ابتعدت عنها قل النور وقل الدفء ولما كان موسى عليه السلام في تستوعبه تلك النار بهالتها التي تحيط بها وبدفئها ونورها كان كمن هو (فيها) وفي كتاب الله تعبيرات شبيهة استعمل فيها حرف الجر للدلالة على القرب في محيط التأثر والتأثير فيقول الحق تعالى:

{ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } [يونس:16]

وفيكم أي (بين ظهرانيكم) ولا تعني في دواخلكم فهو في محيط تاثيرهم وتأثرهم وفي داخل مجال حياتهم ومعرفتهم وكذلك النار فإنَّ مِن آنِسَ دفئها وامتلأت عينه من نورها كان كمن هو فيها ، ويقول العرب (فلان يقف في الشمس) أي تحت ضوءها وحرها يناله من خواصها تلك شيء منها قل أو كثر ، ومثلها وقولهم (مشيت في المطر) ، أو (ارتحلت في البرد) ونحو ذلك.

{ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } [الشعراء:18]  

وقد عاش موسى بين ظهراني فرعون وقومه وفي محيط تأثيره وتاثرهم فكان التعبير (فينا) للدلالة على ذلك .

{ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [يوسف:82]

ولم يقل معها ، فالظرف بيّن يوضح في قوله القرية التي كنا فيها أي كنا بين اهلها ، والعير التي اقبلنا فيها (أصحاب العير الذين هم اصحاب القافلة) وهذه من استعمالات حرف الجر (في)

{ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر:4]

أي يكون جبريل علي السلام من بين الملائكة النازلة في ليلة القدر غلى السماء الدنيا فكان التعبير (فيها) للدلالة على المعية القريبة وكذلك في قوله تعالى (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) فلم يكن المراد بالصلب داخل الجذوع ولكن على الجذع ذاته.

وبذلك فموسى كان في النار طالما ناله من دفئها ونورها فرحب به ربه ليهدئ روعه ويؤمن نفسه ويسكن خوفه تمهيداً لما يلي ذلك من تكليم لعبده موسى.

 

ثالثاً : قوله (وَمَنْ حَوْلَهَا) يشير إلى أهله الذين تركهم حول النار لا يستدفئون بدفئها ولا يهتدون بنورها فلم يكونوا فيها ، ولما كان نبي الله في موقف عظيم لا يميز فيه من حول تلك النار التي يراها فقد كان قلبه عند أهله خشية عليهم فاراد الله أن يؤمِّنَ نفسه ويزيَّل خوفه بإضفاء البركة الربانية على أهله أيضاً.

والله جل وعلا دوما ما يضفي البركة على الأنبياء وأهليهم لذلك بارك على إبراهيم عليه السلام وعلى أهل بيته ، فيقول جل وعلا :

{ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ } [هود:73]

وقد ذكر جل وعلا في أكثر من موضع ما أحله تعالى من البركة على أنبياء عدة وعلى ذراريهم  ومثال ذلك قوله تعالى :

وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) الصافات

وكذلك فإن ما تركه موسى وهارون وآلهما (عليهم السلام) في التابوت كان آية عظيمة لبني إسرائيل تحمل البركة الأولى التي أسبلها ربنا جل وعلا على نبي الله وآله :

{ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [البقرة:248]

ونحن اليوم ندعو في كل صلاة بالبركة على سيدنا محمد وآله كما حلت البركة على سيدنا إبراهيم وآله ، كانت البركة التي نودي بها موسى عليه السلام من الله جلت قدرته ضافية عليه وعلى أهله الذي مكثوا منتظرين عودته بجذوة يتدفئون منها لأنهم هم الذي حول النار فكانت ظواهر الآية بيّنة الدلالة بهذه الصورة ، وأن مسألة أن الله أو نوره كان في النار قول لا ينبغي فقد أتبع الله تلك الآية بقوله (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) تنزيها لله جل وعلا وإشارة تدل على علو الله عما يتبادر لذهن اي كان من ظن بلا دليل.

 

والله اعلى وأعلم وصل اللهم على محمد وىله وصحبه وسلم

 

الصَّوْمُ وَالصِّيَامْ ، المَفْهُوْمُ وَ الفَرْقُ فِيْ السِّيَاقِ القُرْآنيّ

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الصَّوْمُ وَالصِّيَامْ ، المَفْهُوْمُ وَ الفَرْقُ فِيْ السِّيَاقِ القُرْآنيّ

 

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

ظَهَرَت مُؤخَّراً مُحاولاتٌ لإنزالِ مفاهيم للتفريق بين الصوم والصيام تراوحت بين الإقرار بأنهما يحملان نفس المعنى ولا فرق بين المفردتين ، وبين مفاهيم أخرى تشط إلى ما يشذ عن المفهوم المتبادر للذهن ، وقد تتبعت تلك المفردتين وبحثت عما إذا كان هنالك فروق حقيقية بين المفردتين مستحضراً إستحالة وجود الترادف بين المفردات القرآنية فوصلت بفضل الله ما أعتقد بأنه هو المفهوم الصحيح والفرق الصريح بين المفردتين وهو مفهوم شديد البساطة وقوي الارتباط بالنص القرآني مقارنة مع الادعاءات المنشورة.

وقبل البدء في طرح ما تم التوصل إليه من خلال الاستقراء والبحث سأتطرق لمواضع المفردة في القرآن الكريم ثم سأنطلق- على غير المعتاد – إلى الأقوال السالفة والحالية ووجه الخلل فيها ومن ثم سأختم شارحاً الفكرة البسيطة التي توضح هذا المفهوم ومدى اتساقه مع طبيعة المفردة وسياق استعمالها.

 

مواضع ذكر الصوم والصيام في القرآن الكريم

ذكر الصوم بهذا اللفظ في موضع واحد وهو أمر الله لمريم عليها السلام عند لقاءها لقومها وهي تحمل وليدها نبي الله عيسى عليه السلام للدلالة على الامتناع عن الكلام دون سواه فيقول تعالى :

(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)  مريم:26

فكانت الآية تحمل توجيهاً ربانياً ضمنياً هو أن تمتنع عن الكلام نذراً وتوجيها صريحاً أن تخبر قومها بذلك النذر وتمتنع عن إجابة ما تُسأل عنه وتترك الحديث لوليدها.

وقد ورد الأمر بالصوم عن الكلام لنبي الله زكريا ولكنه لم يكن مذكوراً كصوم ولكن ذكر في موضعين على النحو التالي:

{ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } [مريم:10]

وفي موضع آخر جاءت صيغة الامر بالصوم عن الكلام في قوله تعالى:

{ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } [آل عمران:41]

فلم يرد الأمر بالنهي عن الكلام باسم الصوم إلا في قصة مريم عليها السلام كما سلف.

أما مواضع ذكر الصيام فقد أتت في القرآن الكريم للدلالة على فريضة الامساك عن الأكل والشرب والجماع والسباب والفاحش من القول في تسع مواضع:

فذكر الصيام في تفصيل أحكام صيام رمضان في موضعين:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة:183]

{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [البقرة:187]

في أحكام الحج :

{ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [البقرة:196]

في كفارة القتل الخطأ :

{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } [النساء:92]

في كفارة اليمين:

{ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [المائدة:89]       

في قتل صيد المحرم:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } [المائدة:95]

في كفارة الظهار:

{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [المجادلة:4]

 

 أقوال السلف في مفاهيم الصوم والصيام

أما الصيام فجرى اتفاق وإجماع على أنه ما عرف أهل الملة من ترك الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ولم يشذ عن ذلك القول أحد ولكن ما قيل في الصوم في الموضع الوحيد الذي ورد فيه وهو قوله تعالى

(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) مريم:26

فساورده على قولين أولهما قول ابن جرير رحمه الله حيث أنه أشار للمشهور من أقوال السلف في ذلك وثانيهما قول ابن عاشور

فنبدأ بقول الطبري رحمه الله :

وقوله ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا ) يقول: فإن رأيت من بني آدم أحدا يكلمك أو يسائلك عن شيء أمرك وأمر ولدك وسبب ولادتكه ( فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) يقول : فقولي: إني أوجبت على نفسي لله صمتا ألا أُكَلِّم أحدًا من بني آدم اليوم ( فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا )

وبنحو الذي قلنا في معنى الصوم، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سمعت أنس بن مالك يقول في هذه الآية ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) صمتا.

حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال : أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني المغيرة بن عثمان، قال: سمعت أنس بن مالك يقول ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) قال: صمتا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) قال : يعني بالصوم: الصمت.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن سليمان التيميّ، قال: سمعت أنسا قرأ (إنِّي نَذَرْتُ للرَّحْمَن صَوْما وَصَمْتا ) .

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) أما قوله (صَوْما) فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام.

انتهى كلامه رحمه الله.

أما قول ابن عاشور رحمه الله في ذلك فهو :

هذا من بقية ما ناداها به عيسى ، وهو وحي من الله إلى مريم أجراه على لسان الطفل ، تلقيناً من الله لمريم وإرشاداً لقطع المراجعة مع من يريدُ مجادلتها ، فعلّمها أن تنذر صوماً يقارنه انقطاع عن الكلام ، فتكون في عبادة وتستريح من سؤال السائلين ومجادلة الجهلة .

وكان الانقطاع عن الكلام من ضروب العبادة في بعض الشرائع السالفة ، وقد اقتبسه العرب في الجاهلية كما دلّ عليه حديث المرأة من أحمس التي حجّت مُصمتة . ونسخ في شريعة الإسلام بالسنة ، ففي «الموطأ» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قائماً في الشمس فقال : ما بال هذا؟ فقالوا : نذر أن لا يتكلم ولا يستظل من الشمس ولا يجلسَ ويصوم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” مروه فليتكلم وليستظل وليجلس وليُتم صيامه ” وكان هذا الرجل يدعَى أبا إسرائيل .

وروي عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه دخل على امرأة قد نذرت أن لا تتكلم ، فقال لها : «إن الإسلام قد هدم هذا فتكلمي» . وفي الحديث أن امرأة من أحْمَسَ حجّت مُصمتة ، أي لا تتكلّم . فالصمت كان عبادة في شرع من قبلنا وليس هو بشرع لنا لأنه نسخه الإسلام بقول النبي صلى الله عليه وسلم «مروه فليتكلّم» ، وعملِ أصحابه .

وقد دلّت الآثار الواردة في هذه على أشياء :

الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب الوفاء بالنذر في مثل هذا ، فدلّ على أنه غير قربة .

الثاني : أنه لم يأمر فيه بكفارة شأن النذر الذي يتعذر الوفاء به أو الذي لم يسم له عمل معيّن كقوله : عليّ نذر . وفي «الموطأ» عقب ذكر الحديث المذكور قال مالك : ولم يأمره بكفارة ولو كانت فيه كفارة لأمره بها فدلّ ذلك على أنه عمل لا اعتداد به بوجه .

الثالث : أنه أومأ إلى علّة عدم انعقاد النذر به بقوله : «إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغنيّ» .

فعلمنا من ذلك أنّ معنى العبادة أن تكون قولاً أو فعلاً يشتمل على معنى يكسب النفس تزكية ويبلغ بها إلى غاية محمودة مثل الصوم والحج ، فيُحتمل ما فيها من المشقة لأجل الغاية السامية ، وليست العبادة بانتقام من الله لعبده ولا تعذيب له كما كان أهل الضلال يتقربون بتعذيب نفوسهم ، وكما شرع في بعض الأديان التعذيب القليل لخضد جلافتهم .

وفي هذا المعنى قوله تعالى : { فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم } [ الحج : 36 37 ] ، لأنهم كانوا يحسبون أن القربة إلى الله في الهدايا أن يريقوا دماءها ويتركوا لحومها ملقاة للعوافي .

وفي «البخاري» : عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخاً يُهادَى بين ابنيه فقال : ما بال هذا؟ قالوا : نذر أن يمشي . قال : إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغنيّ . وأمره أن يركب» ، فلم ير له في المشي في الطواف قربة .

وفيه عن ابن عباس : «أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ وهو يطوف بالكعبة بإنسان رَبط يده إلى إنسان بِسِيَرٍ أو بخيط أو بشيء غير ذلك ، فقطعه النبي بيده ثم قال : قده بيده» .

وفي «مسند أحمد» عن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاصي : ” أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك رجلين وهما مقترنان . فقال : ما بالهما؟ قالا : إنّا نذرنا لنقترنن حتى نأتي الكعبة ، فقال : أطلقا أنفُسكما ليس هذا نذراً إنما النذر ما يبتغى به وجه الله ” وقال : إسناده حسن .

الرابع : أنّ الراوي لبعض هذه الآثار رواها بلفظ : نهى رسول الله عن ذلك ، ولذلك قال مالك في »الموطأ» عقب حديث الرجل الذي نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس : «قال مالك : قد أمره رسول الله أن يتمّ ما كان لله طاعة ويترك ما كان لله معصية» .

ووجه كونه معصية أنه جراءة على الله بأن يعبده بما لم يشرع له ولو لم يكن فيه حَرج على النفس كنذر صمت ساعة ، وأنه تعذيب للنفس التي كرّمها الله تعالى من التعذيب بوجوه التعذيب إلا لعمل اعتبره الإسلام مصلحة للمرء في خاصته أو للأمة أو لدرْء مفسدة مثل القصاص والجَلد . ولذلك قال : { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً } [ النساء : 29 ].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم ” إنّ دماءكم وأموالكم وأنفسكم وأبْشاركم عليكم حرام ” لأن شريعة الإسلام لا تُناط شرائعها إلاّ بجلب المصالح ودَرء المفاسد .

والمأخوذ من قول مالك في هذا أنه معصية كما قاله في «الموطأ» . ولذلك قال الشيخ أبو محمد في «الرسالة» : «ومَن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر أو نحوه أو ما ليس بطاعة ولا معصية فلا شيء عليه ، وليستغفر الله» ، فقوله : «وليستغفر الله» بناء على أنه أتى بنذره مخالفاً لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه . ولو فعل أحد صمتاً بدون نذر ولا قصد عبادة لم يكن حراماً إلا إذا بلغ إلى حد المشقة المضنية .

وقد بقي عند النصارى اعتبار الصمت عبادة وهم يجعلونه ترحماً على الميت أن يقفوا صامتين هنيهة .

ومعنى { فقولي إني نَذَرْت للرحمن صَوْماً } فانذري صوماً وإن لقيت من البشر أحداً فقولي : إنّي نذرت صوماً فحذفت جملة للقرينة . وقد جعل القول المتضمن إخباراً بالنذر عبارة عن إيقاع النذر وعن الإخبار به كناية عن إيقاع النذر لتلازمهما لأن الأصل في الخبر الصدق والمطابقة للواقع مثل قوله تعالى : { قولوا آمنا بالله} [ البقرة : 136 ]. وليس المراد أنها تقول ذلك ولا تفعله لأن الله تعالى لا يأذن في الكذب إلاّ في حال الضرورة مع عدم تأتّي الصدق معها ، ولذلك جاء في الحديث : “ إن في المعاريض مندوحة عن الكذب

وأطلق القول على ما يدلّ على ما في النفس ، وهو الإيماء إلى أنها نذرت صوماً مجازاً بقرينة قوله { فلن أُكلِمَ اليَوْمَ إنْسِيّاً }. فالمراد أن تؤدي ذلك بإشارة إلى أنها نذرت صوماً بأن تشير إشارة تدلّ على الانقطاع عن الأكل ، وإشارةً تدل على أنها لا تتكلّم لأجل ذلك ، فإن كان الصوم في شرعهم مشروطاً بترك الكلام كما قيل فالإشارة الواحدة كافية ، وإن كان الصوم عبادة مستقلة قد يأتي بها الصائم مع ترك الكلام تشير إشارتين للدلالة على أنها نذرت الأمرين ، وقد علمت مريم أنّ الطفل الذي كلّمها هو الذي يتولى الجواب عنها حِين تُسأل بقرينة قوله تعالى :{ فأشارت إليه } [ مريم : 29 ].

والنون في قوله { تَرَيِنَّ } نون التوكيد الشديدة اتصلت بالفعل الذي صار آخره ياء بسبب حذف نون الرفع لأجل حرف الشرط فحركت الياء بحركة مجانسة لها كما هو الشأن مع نون التوكيد الشديدة .

والإنْسِي : الإنسان ، والياء فيه للنسب إلى الإنس ، وهو اسم جمع إنسان ، فياء النسب لإفادة فرد من الجنس مثل : ياء حَرْسي لواحد من الحرس . وهذا نكرة في سياق النفي يُفيد العموم ، أي لن أكلم أحداً .

وعدل عن أحد إلى { إنسياً } للرّعي على فاصلة الياء ، وليس ذلك احترازاً عن تكليمها الملائكة إذ لا يخطر ذلك بالبال عندالمخاطبين بمن هيئت لهم هذه المقالة فالحمل عليه سماجة . انتهى كلامه رحمه الله.

 

الأقوال المحدثة الشاذة

ظهر بعض من قال آراءً متناقضة مع القرآن فقال أحدهم أن الصوم هو الإمساك عن الحديث السيء والاكتفاء بالطيب من القول وهذا غير دقيق لمناقضته لقوله تعالى (فلن أكلم اليوم إنسياً) فلو كان الصوم عن شيء من الكلام وترك شيء آخر لما جرى النفي بالجملة لتكليم الإنس جميعاً ، وقد لوحظ على القائلين بذلك تركهم لسياق الآية كاملة واجتزاءها وبناء رأيهم على جزء دون النظر في ما يليه وهذا خطأ يبنى عليه رأي فيكون خطأ مركَّباً

التوجيه الأنسب لمفهوم الصوم والصيام

 لقد تبين بأن الصوم الذي أمرت به مريم عليها السلام هو الإمساك التام عن الحديث دون سواه من الامتناعات فقد سبق أن قال تعالى حين وضعت عيسى :

{ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا } [مريم:26]

فلم يكن صومٌ عن الطعام والشراب بمعنى الصيام الذي نعرفه بل كان صمتاً وامتناعاً عن الكلام دون سواه ، وقد يكون ذلك عبادة سالفة شرعت على بني إسرائيل ونسخت في ديننا.

أما الصيام فهو ما عرف من ترك الشراب والطعام والجماع من طلوع الشمس وحتى غروبها .

ولكن ما العلاقة بين مفردتي الصوم والصيام ؟؟

عند مقارنة المفردتين بمعانيها ومبانيها اتضح بأن:

الصَّوم (اسم ثلاثي أجوف معتل ) هو : عَمَلٌ يَمْتَنِعُ فِيْهِ الصَّائِمُ عَنِ أمْرٍ مُفْرَدٍ وَاحِدٍ لِمُدَّةٍ مَعْلُوْمَة.

أما الصِّيام فهو : عَمَلٌ يَمْتَنِعُ فِيْهِ الصَّائِمُ عَنِ عَدَدٍ مِنَ الإمْسَاكَاتِ وَ الامْتِنَاعَاتِ لِمُدَّةٍ مَعْلُوْمَة.

فكان الصوم مفرد والصيام جمع ، والصيام يتضمن (صوم عن الطعام ، صوم عن الشراب ، صوم عن الجماع ، صوم عن السيء من القول)  فتضمن امساكات متعددة وامتناعات متنوعة فجمعت في كلمة “الصيام

وعندما كان فعل مريم عليها السلام فعل امتناع وامساك مفرد صح ان يسمى صوماً وليس صياماً ، ولما كان صيام رمضان يشتمل على امتناعات متعددة كما اسلفنا فوجب أن يسمى صياماً (صيغة جمع للصوم ) فالزيادة في المبنى زيادة في المعنى.

وهذه الاسماء في اللغة صوم (مفرد) و صيام (جمع) يشبهها كذلك قولنا (ثوب و ثياب) ، (سوط و سياط ) ، (روض و رياض ) ، (ضوء و ضياء) ، (حوض و حياض) وكذلك (صوم و صيام).

أما القول بأن الحديث النبوي والقدسي تضمن تسمية (الصوم) كحديث:

((عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)) [ متفق عليه]

وسواه من الأحاديث والآثار فأقول وبالله التوفيق :

أولاً : هذا لا يشكل على القول بأن الصوم امتناع وامساك مفرد ، فلا يتعارض ذلك الفهم مع المعنى ابداً ، بل إن الاشارة للصوم كعمل مفرد أبلغ من الاشارة إليه كصيام (مجموعة الامساكات) ونرى أن القرآن يستعمل الصلاة كوحدة أصلية للدلالة على الصلوات بعمومها و نجده تارة يذكر الصدقة كعمل مفرد للدلالة على الصدقات بأنواعها وأحيانا يرودها بصيغة الجمع يقول تعالى :

{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [التوبة:103]

وفي موضع آخر يقول جل شأنه

{ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [المجادلة:13]

ثانياً : في هذا رد بيّن على القائلين بأن الصوم مختص بالإمساك عن الكلام ، فلو كان الأمر كذلك لما ورد استعماله في الحديث بل أن استعماله هنا يدل على أنه يشير للإمساك والامتناع بعمومه كعبادة .

ثالثاً : فلا يخفى بأن القرآن الكريم له خصوصية في استعمال المفردات ودقة في مواضعها واستعمالاتها وليس الأمر جزافاً ولا يشبه استعمال الناس في حياتهم العامة ، وسواءً جهلنا أم علمنا فإن استعمال مفرادات بصيغ مختلفة له دلالاته في القرآن الكريم نصل إليها بالتدبر والمراجعة والاستقراء والمتابعة وقد لا يفتح الله بشيء ولكن هذا لا يعني انتفاء الغرض وخلو النص من البيان بأعمق مما تراه أعيننا.

ومصنفات علوم القرآن مليئة بالأمثلة والنكت اللطيفة التي تبين كيف أن توظيف الجمع والإفراد ينطوي على بلاغة مخصوصة بالقرآن الكريم وقد خصص لها السيوطي في كتاب الاتقان قاعدة للجمع والإفراد أورد فيها صور من مفردات القرآن جمعاً وإفراداً مع ايراد أوجه التناسب في استعمال المفردة مما لا نجد مثله في كلام البشر فلا يعتنى بذلك كما هو في كتاب الله وبرغم هذ فلا شك ان هناك ما يدق خفاءهُ عن المتدبرين.

القول الوحيد في الجمع والإفراد للصوم

لم اقع على قول بالتفريق بين الصوم والصيام بالإفراد والجمع إلا قولاً واحداً لبعض فقهاء الأحناف ورد على ذلك ابن عابدين -بدون ذكر اسم القائل- في كتابه “رد المحتار على الدر المختار” فقال في كتاب الصوم [ ص: 370 ] :

“قيل لو قال الصيام لكان أولى لما في الظهيرية لو قال : لله علي صوم لزمه يوم ، ولو قال : صيام لزمه ثلاثة أيام كما في قوله تعالى – { ففدية من صيام } – وتعقب بأن الصوم له أنواع على أن أل تبطل معنى الجمع والأصح أنه لا يكره قول رمضان “

وجاء في الحاشية ما يبين ذلك القول:

”  كذا في شرح ابن الشلبي ( قوله : قيل ) قائله صاحب البحر ح ( قوله : لما في الظهيرية إلخ ) وجه الاستشهاد أن هذا الفرع يدل على أن الصيام جمع أقله ثلاثة أيام كما في الآية فإن فدية اليمين صوم ثلاثة أيام فكان التعبير به أولى لدلالته على التعدد ، فإن الترجمة لأنواع الصيام الثلاثة أعني الفرض والواجب والنفل ( قوله : وتعقب إلخ ) المتعقب صاحب النهر .

حاصل كلام الشارح أن الصوم اسم جنس له أنواع وهي الثلاثة المذكورة ، فحيث عبر عنه بالصوم أو الصيام يراد منه أنواعه المترجم لها لا ثلاثة أيام فأكثر قال في المغرب يقال صام صوما وصياما فهو صائم وهم صوم وصيام ا هـ فأفاد أن مدلول كل من الصوم والصيام واحد ولا دلالة في واحد منهما على التعدد ولذا قال القاضي في تفسير قوله تعالى { ففدية من صيام } أنه بيان لجنس الفدية وأما قدرها فبينه عليه الصلاة والسلام في حديث كعب . ا هـ . نعم يأتي الصيام جمعا لصائم كما علمته لكن لا تصح إرادته هنا ولا في الآية كما لا يخفى ، ولو سلم أن الصيام جمع لأفراد الصوم فلا أولوية في العدول إليه لأن أل الجنسية تبطل معنى الجمعية فيتساوى التعبير بالصوم وبالصيام هذا تقرير كلام الشارح على وفق ما في النهر فافهم ، وعلى هذا فيشكل ما مر عن الظهيرية وإن قال في النهر لعل وجهه أنه أريد بلفظ صيام في لسان الشارع ثلاثة أيام فكذا في النذر خروجا عن العهدة بخلاف صوم ا هـ يعني أن لفظ صيام وإن لم يكن جمعا لكنه لما أطلق في آية الفدية مرادا به ثلاثة أيام كما بين إجماله الحديث فيراد في كلام الناذر كذلك احتياطا فتأمل ( قوله : والأصح إلخ ) انتهى كلامه.

أقول :

هذا القول بأن الجمع يشير إلى تعدد المدة وليس تعدد الامساكات ، فكان القول هو أن صوم يوم يقال له (صوم) فإن كان ثلاثة أيام فأكثر كان (صياماً) وهذه صورة أخرى انكرها صاحب المصنف ، فأقول لما كان الصيام مناطه الامساك والامتناع عن فعل محدد وجب تقديم الامساكات -عند الاشارة إلى عبادة الصوم – على المدة فلا يصح القول بأن الصوم لما دون ثلاثة أيام وما يزيد يكون صياما ، بل كما أسلفنا فإن العبرة بعدة الامساكات والامتناعات للتفريق بين الصوم والصيام ، ووجاهة ذلك القول مستمدة من النص القرآني الذي يفرد الامتناع الواحد المفرد بقوله (صوم ) ويجمع الامتناعات المتعددة فيسميها (صياماً).

هذا والله أعلى وعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

الوَجْهُ الأسْلَمُ لِمَفْهُومِ المُتَشَابِهِ وَالمُحْكَمْ

بسم الله الرحمن الرحيم

الوَجْهُ الأسْلَمُ لِمَفْهُومِ المُتَشَابِهِ وَالمُحْكَمْ

 

 الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده                           وبعد

 

يقول الحق جل جلاله :

 

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [آل عمران:7]

 

توطئــة

 

استوقفتني هذه الآية الكريمة كما استوقفت غيري فأدركت أهمية تدبرها والبحث حتى الوصول لمفهومها فتتبعت أقوال علمائنا الأجلاء فيها فكان حولها الكثير من الإشكالات والتساؤلات والتعارضات ، فلم أقع على إجماع على المتشابه وتحديد دقيق للمحكم ، ولم أجد حديثاً نبوياً شريفاً بشأن التفريق بين المحكم والمتشابه بل أقوال منقولة يختلف بعضها عن بعض وتتلاقى في مواضع أخرى.

وقد بحثت منطلقاً من لبنات الآية ومفرداتها حتى وصلت من خلال هذا البحث لنتيجة وجيهة استناداً للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، وقد قسمت البحث إلى قسمين أتطرق في أولهما تلمس الفرق بين مفردات متكررة متعلقة بهذا المطلب وهي مفردات (القرآن ، الفرقان ، الكتاب ) ، إذ وجدت أن كلاً منها يختلف عن الآخر دلالياً ولم تستعمل في مواضعها في القرآن الكريم جزافاً بل لأن كلا منها يناسب الموضع الذي وضعت فيه ولا يناسبه سواها كما اعتدنا عليه في كتاب الله جل وعلا ، فسأتطرق لتعريف كل منها ومن ثم يسهل علي في المطلب الذي يليه أن أصلها بمفهوم الفرق بين المحكم والمشابه.

 

وكل أملي من القارئ الكريم أن يقرأ ويتتبع ما كتبت بتأنٍ وروية ومراجعة ، وأن يدون ملاحظاته حتى ينتهي من قراءة البحث كاملاً فإن كان ما كتبته صدقاً وهدىً وفتحاً فالحمد لله ، وإن كان خطأً وسوء تقدير وفهم فاستغفر الله تعالى من الزلل وأرجو تصويب خطأي وستجدونني إن شاء الله من الصالحين.

 

مواطن الإختلاف عن المفاهيم السابقة

إن مفهومنا للمحكم والمتشابه وفق ما شرحه علمائنا باختلاف أقوالهم رحمهم الله كان يستند إلى جذر أساسي ينظر إلى الكتاب على أنه تسمية أخرى للقرآن الكريم وأن أي إشارة وذكر لمفردة الكتاب فإنه يشير إلى القرآن الكريم أو يشير إلى التوراة والكتب السماوية الأخرى بمعنى الوحي المنزل على أنبياء الله والذي دُوِّن وكُتِبَ بالأقلام على صحائف ورقية جمعت بين دفتين فكانت كتابا.

وفي مفهومنا الأدق الذي توصلنا إليه ونطرح اليوم إثباته هنا نقول بأن هذا القول غير دقيق فقد وجدنا أن مفردة الكتاب في التعبير القرآني لا يقصد بها الوحي السماوي المسمى بالقرآن والتوراة والإنجيل والزبور ولا تعني مفردة كتاب ما جمع مكتوبا على صحف بين دفتين كما يُعْتَقد.

وبالتالي سيختلف مفهوم المحكم والمتشابه طالما أن الأساس الذي بنى العلماء مفهومهم للمحكم والمتشابه وهو الكتاب وطالما اختلف فسيختلف ما يتبع ذلك في الآية السابعة من آل عمران وهي موضع البحث هنا.

إن مفهوم الأوراق المكتوبة بالحبر والمجموعة بين دفتين وتسميتها كتاب إنما هو تحور في المفهوم حدث بمرور الزمن وإلا فإن القرآن الكريم أسمى تلك الأوراق (قراطيس) يقول تعالى :

{ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } [الأنعام:91]

أي شرعاً منزلاً تكتبونه في صحائف تظهرون منها ما وافق أهوائكم وتخفون من الشرائع ما خالف شهواتكم وأقام عليكم الحجة فتتلاعبون بفرائض الله وتعبثون  بالتنزيل تحريفا وإخفاءً.

ويقول جل شأنه :

{ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } [الأنعام:7]

فلو كان الكتاب هو الورق المجموع بين الدفتين لما استدعى الأمر أن يؤتى بمفردة (قرطاس ، قراطيس) ، فطالما كان كتابا (مجموعاً) لوجب أن يكون في ورق ولكن المراد من قوله تعالى  “كتاب في قرطاس أي شريعة مدونة على ورق ، أي لو أن الله أنزل شريعته من السماء إلى الأرض مكتوبة في صحائف فرأوها بأعينهم ولمسوها بأيديهم فلن يكفهم ذلك وسيصفونه بالسحر المبين  فهذا تبيان آخر للفرق بين مفهوم الكتاب في استعمالنا اليوم وبين المفهوم القرآني للمفردة.

إننا يجب أن نقر بأن استعمال المفردات اعتراه الكثير من التحوير والتغيير فأضحت تستعمل على غير ما كانت تستعمل في أصلها وأمثلة ذلك في حياتنا كثيرة نذكر منها على سبيل المثال في مفردة (الإنسان) التي ما وردت في كتاب الله  إلا على سبيل التحقير والوضاعة في مادة الخلق وفي سوء الخلق ولكن استعمالنا لها اليوم أصبح للتكريم والتبجيل فصارت الإنسانية مرادف للعطف وحسن الخلق (وسبق لي نشر بحث بذلك) ، فهل نحتج الآن بسوء استعمالنا للمفردة على القرآن ؟ أم أن القرآن الكريم هو الحجة ؟؟.

وهكذا فإن مفهوم مفردة الكتاب يجب ردها لسياقها القرآني ومفهومها الحقيقي فيكون هو الحجة وليس ما درج عليه الآباء والأجداد هو الحجة على التنزيل الحكيم.

إن مفهومنا للكتاب وفق السرد القرآني الدقيق هو الشرائع المكتوبة والفرائض الواجبة على المسلمين دون سواها وتلك الفرائض منزلة في القرآن الكريم محكمة مجملة ومنزلة أيضا في السنة النبوية والحديث الشريف ولكنها مفصلة وهنا نجد المتشابه أما التنزيل الحكيم فكله محكم كما سنرى في هذا البحث.

ومن أحد الظواهر القرآنية الجديرة بالتأمل والتي تثبت ما سنصل إليه في هذا البحث هو تسمية “أهل الكتاب”  فلك أيها القارئ الكريم أن تتساءل، لماذا جمع اليهود والنصارى تحت إسم (أهل الكتاب)؟ ، فلو كان القرآن كتاب والإنجيل كتاب والتوراة كتاب بمفهوم المخطوط بالحبر على الورق لأسمى الله اليهود والنصارى (أهل الكتابين) بصيغة المثنى ،  ولكن لمَّا كان المعنى من مفردة الكتاب (الشريعة) وما كتبه الله عليهم من الفرائض ولمَّا كان عيسى عليه السلام أتى متبعا لشريعة موسى عليه السلام ولم يأت بشريعة جديدة فقد نُسِبَ أهل الديانتين (اليهود والنصارى) إلى كتاب واحد أي شريعة واحدة.

وهي كما في الدين الإسلامي نزلت ضمن التوراة وفصلت وحيا آخراً ضمن سنن موسى عليه السلام القولية والفعلية.

الاحتجاج بأقوال العلماء رحمهم الله

إن الاحتجاج على مفهومنا بأقوال العلماء رحمهم الله في مفهوم المحكم والمتشابه لا يمكن اعتباره وجيها يرد القول ويظهر الخطأ فيه ، ذلك أن الإتيان بتلك الأقوال على سبيل الاحتجاج لا محل له هنا لأن الاختلاف يعود لأصل المسألة وهو اعتبار الكتاب هو مرادف للقرآن والكتاب هو القرآن وهذا مفترق الطرق فإن أراد أحد أن يرد القول بالحجة فعليه أولا أن يثبت خطأ القول بأن مفهوم مفردة الكتاب تعني الشريعة الموحى بها من الله وما كتبه على خلقه وليس ما بين الدفتين من أوراق مدونة مكتوبة هنا تكون قضيت على الفكرة في مهدها وبينت خطأها بدون الحاجة للانتقال لما بعد ذلك وهو مفهوم المحكم والمتشابه.

وهذا المفهوم إنما تأسس على غير ما تأسس عليه المفهوم التقليدي لذلك فلا ينقض الفكرة إلا ما ينقض أساسها. ولكننا في سبيل تبيان أقوال العلماء رحمهم الله في المحكم والمتشابه سنورد ملخصا للمشهور من أقوالهم مما سيساعد القارئ الكريم على تبين مانحن بصدد إثباته ومقارنته مع سبق من أقوال :

فتح القدير للشوكاني (1/ 360)

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ الْمُحْكَمَاتِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ عَلَى أَقْوَالٍ

1-فَقِيلَ: إِنَّ الْمُحْكَمَ: مَا عُرِفَ تَأْوِيلُهُ، وَفُهِمَ مَعْنَاهُ، وَتَفْسِيرُهُ. وَالْمُتَشَابِهُ: مَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ سَبِيلٌ. وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، قَالُوا: وَذَلِكَ نَحْوُ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ

2-وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ: مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا، وَالْمُتَشَابِهُ: مَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، فَإِذَا رُدَّتْ إِلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَأُبْطِلَ الْبَاقِي صَارَ الْمُتَشَابِهُ مُحْكَمًا وَقِيلَ: إِنَّ الْمُحْكَمَ: نَاسِخُهُ، وَحَرَامُهُ، وَحَلَالُهُ، وَفَرَائِضُهُ، وَمَا نُؤْمِنُ بِهِ وَنَعْمَلُ عَلَيْهِ، وَالْمُتَشَابِهُ: مَنْسُوخُهُ، وَأَمْثَالُهُ، وَأَقْسَامُهُ، وَمَا نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نَعْمَلُ بِهِ. رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،

3-وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ: الذي ليس فيه تصريف ولا تحريف عما وضع له، والمتشابه: ما فيه تصريف، وتحريف، وَتَأْوِيلٌ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ

4-وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ: مَا كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يرجع فيه إِلَى غَيْرِهِ، وَالْمُتَشَابِهُ:

مَا يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْمُحْكَمَاتِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ. ا.هـ

وهنا يحضرني تعليق على القول الرابع وهو ما وصفه النحاس بأنه أحسن ما قيل في المتشابهات إذ يقول : المحكم ما كان قائما بنفسه لا يحتاج إلى أن يرجع فيه إلى غيره والمتشابه ما يرجع فيه إلى غيره ا.هـ.

وأقول كيف ذاك والله يقرر بأنه لا يعلم تأويله إلا الله ؟؟ ومن هذا الغير الذي يشارك الله في علم لا يعلمه سواه ؟؟

 

المطلب الأول : مفهوم مفردة (القرآن)

 

إن هذا البحث يقوم في أساسه على إعادة فهم وتعريف وتحديد المعنى الدقيق لمفردتي الكتاب والقرآن حتى نتمكن من إثبات أنهما ليسا مترادفين وأن كلا المفردتين تحمل كل منهما دلالة تختلف عن الأخرى .

وهذا البحث كما سبقه من الأبحاث فإني سأبدأ بالتعريف ومنه سننطلق لأبعاد البحث الأخرى لنستطيع مقارنة استقرائنا مع التعريف فنقول وبالله التوفيق بعد البحث والتقصي واستقراء الآيات تبين لي بأن تعريف القرآن هو:

 

هو : كَلاَمُ اللهِ تَعَالَى الّذِيْ نَزَّلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ مِنَ الوَحْيِ المُحْكَمِ المُثْبَتِ رَسْمَاً وَنَصَّاً المُتَعَبَّدِ بِقِرَاءَتِهِ وَتَرْتِيِلِه.

 

وهو : كُلُّ مَابَيْنَ الدَّفَّتيْن مِنْ بَسْمَلَة الفَاتِحَةِ إلى آخِرِ سُوْرَةِ النَّاسْ.

 

وهنا نعلم أن الله جلت قدرته قد أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وحييْن اثنين ، أحدهما القرآن الكريم والآخر هو الحديث الشريف الذي يحمل تفصيلاً للتشريع ، ولكن الحديث لا يتعبد المسلم بقراءته كالقرآن وقد يختلف لفظه من راوٍ لآخر مما يفرد ويميز القرآن عما يتوافر في السنة النبوية وعلى هذا الأساس كان القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع مكتسباً صفة قطعية الثبوت.

والله جل وعلا حين يورد مفردة القرآن فإنها ترد على سبيل تمييز الوحي الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم عن سواه حيث أن التوراة نزلت على موسى والإنجيل على عيسى عليهما السلام ، وتأتي على سبيل التذكير بميزة القرآن المتعلقة باسمه وهي “القراءة” المتعبد بها ، ما يميزه عما سبقه من الوحي النازل على أنبياء الله ، وسنتتبع فيما يلي ذكر مفردة القرآن في التنزيل الحكيم باستعمالين فالمجموعة الأولى تصنف على أنها ذكر القرآن في إشارة للقراءة أو الإنصات كعبادة في حد ذاتها ، والثانية للإشارة تمييزاً للوحي المحكم المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن بقية الكتب السماوية النازلة على سواه من الأنبياء عليهم السلام.

يقول تعالى:

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [البقرة:185]

وهنا نلحظ بوضوح استعمال تسمية “القرآن” لارتباط شهر رمضان بقراءة القرآن تعبداً.

{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الأعراف:204]

 

وهنا استعملت التسمية في سياق الحديث عن القراءة بصوت مسموع وما يتعلق بها من حكم وهو الإنصات والاستماع و لم يتطرق لتسمية التنزيل الحكيم بالكتاب في هذه الآيات .

 

{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [النحل:98]

{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } [الإسراء:45]

{وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا } [الإسراء:46]

 

{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [الإسراء:78]

{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا } [الإسراء:106]

 

فأشار تعالى للتنزيل الحكيم في المواضع السابقة باسم القرآن لأن المسلم يتعبد بقراءته أو الإنصات له فلم يسمِّه بالكتاب إلا أن القرآن الكريم يشتمل عليهما وسنأتي على ذلك لاحقا.

وفيما يلي سنستعرض نماذج من الآيات التي يرد فيها اسم التنزيل الحكيم “القرآن” على سبيل التمييز كوحي اختص به محمد صلى الله عليه وسلم دون بقية الأنبياء والرسل عليهم السلام.

 

يقول تعالى :

 

{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [النساء:82]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } [المائدة:101]

{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة:111]

{مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ } [طه:2]

{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ } [يس:69]

{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } [الزخرف:31]

وأختم بآية بينة تثبت بأن القرآن والكتاب ليسا بذات الشيء فيقول تعالى:

{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [الإسراء:88]

 

فالتحدي في هذه الآية هو الإتيان بآية من القرآن وليس من الكتاب ذلك أن القرآن كله محكم ولكن الكتاب فيه المحكم والمتشابه والقرآن توقيفي في نصه بينما الكتاب تصنيف وليس اسم جنس والكتاب كتصنيف أوتي موسى قبل محمد صلى الله عليهما وسلم كما أنه يشتمل على ما هو دون ذلك وسيأتي توضيح ذلك في نتيجة هذا البحث .

 

المطلب الثاني : مفهوم مفردة (الكتاب)

 

نجد أن مفردة “الكتاب” وردت في وصف ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك ما نزل على موسى عليه السلام ، والحقيقة أني لاحظت -كما سبق وقلت- خلطاً بين مفهوم الكتاب الذي نعرفه اليوم وهو الصحائف الورقية المكتوبة وبين المفهوم الحقيقي لمفردة “كتاب” في القرآن الكريم .

وبعد تتبع واستقراء المفردة فقد وجدت ان معنى مفردة كتاب هو:

 كُلُّ مَا فَرَضَهُ اللهُ وَأوْجَبَهُ عَلى خَلْقِهِ مِنْ شَرَائِعَ وَفَرَائِضَ ومحرمات سَوَاءً وَرَدَتْ فِي التَّوْرَاةِ أوْ فِيْ القُرْآنِ أوْ فِي مَا سِوَاهُمَا مِن الوَحْيِ المُنزَّلِ عَلَى أنْبيَائهِ عَليْهِمُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمْ.

 

وهنا سأورد حول مفردة الكتاب عدة إضاءات أرجو أن تبين المراد وتوضح المقصد:

 

الإضاءة الأولى : ليست كل آيات القرآن الكريم كتاباً (أي شريعة وفرائض) بل يشتمل القرآن الكريم على الفرقان والذكر والبينات سوى الكتاب.

 

الإضاءة الثانية : أن الحديث الشريف يشتمل على الكتاب أيضاً ذلك أن الله تعالى يفصل شرائعه المكتوبة على خلقه وحياً إلى نبيه فيكون سنة عملية أو قولية يتبعها المسلمون يعتبرونها شريعة وواجباً ينبغي اتباعه ، فالكثير من الشرائع لم يرد تفصيلها في القرآن بل أتى من خلال الوحي الآخر المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم ، فها هو صلى الله عليه وسلم يقول:

 

عن عبد الرحمن بن أبي عوف عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه. أهـ.

 

فاشتمل الحديث على تشريع وواجب ومحظور وهذا من الكتاب في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم كثير.

 

الاضاءة الثالثة : أن نبي الله موسى عليه السلام أوتي كتاباً أي شريعة بعضها في التوراة وبعضها نزلت وحياً عليه في حينها ، واشتملت التوراة على الكتاب وعلى الفرقان (ما نزل على سبيل الاحتجاج على أهل الكفر والباطل) ، فأما الكتاب فقد أثبت منه ما أثبت وقد نسخ منه ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب ناسخاً لشريعة سابقة.

وفيما يلي سنتتبع مفردة “الكتاب” في القرآن وفي الحديث الشريف لنجد أنها في كل مواضعها تدل على الشرائع والفرائض والواجبات .

 

تتبع مفردة “الكتاب” في القرآن الكريم

 

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } [البقرة:44]

 

هنا يخاطب الله أهل الكتاب فقرن مفردة الكتاب بالأمر والنهي وذلك مقتضى مفردة “الكتاب” ولم يقل التوراة لأن المراد هنا اتباع واجبات الشريعة وفرائضها ، ولو عدنا للآية السابقة لمراعاة السياق لرأيناها تتحدث عن الشرائع والفرائض (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِين).            

 

{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [البقرة:53]

 

وهما وجهان من وجوه التنزيل على موسى ، الأول الشرائع والواجبات وهو (الكتاب) والثاني هو (الفرقان) وهو كل ما نزل على سبيل الاحتجاج والتفريق بين الحق والباطل و كلا التصنيفين ينطبق على ما نزل أيضا على نبينا صلى الله عليه وسلم.

 

{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}  (79البقرة)

 

أي يفرضون شرعاً ويوجبون أمراً مدعين أنه من الله ليجمعوا المال من الناس بالباطل (الثمن القليل) وهو ليس من الكتاب بل كتبوه بأيديهم فأدخلوا في الوحي ما ليس منه.

 

{ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [البقرة:85]

 

فأتت مفردة الكتاب في معرض الحديث عن الأمر والنهي والفرض والواجب والترك فناسب الإتيان بمفردة الكتاب للاشارة لما يناسبها وهو الأمر والنهي.

 

{قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ } [الأحقاف:30]

 

وهنا يحسن بنا التأكيد على وجود التفريق بين الكتاب كأوراق مصففة بين غلافين والكتاب بمعنى (الشرع والفرض) وما كُتب على الناس من واجبات ومنهيات ، وهنا نذكر بأن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أتت ناسخة لشريعة موسى لأن عيسى ما أتى إلا متبعاً لموسى عليهما السلام وللكتاب الذي تضمنته التوراة (الشريعة)  وليس مجدداً بشريعة أخرى سوى بعض التخفيف عن بني اسرائيل فسمي اليهود والنصارى في القرآن أهل الكتاب أي اتباع الشريعة شريعة موسى كما أسلفنا من قبل :

 

{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } [آل عمران:50]

 

فهو عليه السلام في الأصل متبع للتوراة ولشريعة موسى عليه السلام وإذا نزل آخر الزمان أتى متبعاً أيضاً لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

 

قال صاحب التحرير والتنوير رحمه الله:

ووصْف الكتاب بأنه { أنزل من بعد موسى } دون : أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن «التوراة» آخر كتاب من كتب الشرائع نزل قبل القرآن ، وأما ما جاء بعده فكتب مكملة للتوراة ومبينة لها مثل «زبور داود» و«إنجيل عيسى» ، فكأنه لم ينزل شيء جديد بعد «التوراة» فلما نَزل القرآن جاء بهدي مستقل غير مقصود منه بيان التوراة ولكنه مصدق للتوراة وهادٍ إلى أزيد مما هدت إليه «التوراة» إ هـ .

 

{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}  ( البقرة 176).

 

فأتت مفردة الكتاب متلازمة مع الشرائع والفرائض فنراها قد سُبقت بأحكام الذبائح وتلاها تفاصيل لشرائع وفرائض الوصية وأحكامها ونذكر منها على سبيل المثال قوله تعالى:

 

{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}   (183البقرة )

 

ما فُرض فهو فريضة وما أوجِب فهو واجب وما شرع فهو شريعة وبالتالي فإن ما كتب فهو كتاب.

 

وقد ترافقت مفردتي (الحكم) و(الكتاب) ليتحقق جلياً مفهوم التشريع والحكم به على المؤمنين من قبل أنبيائهم أو من تولوا أمرهم في هذه المفردة فيقول تعالى:

 

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [البقرة:213]

 

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ } [آل عمران:23]

{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } [آل عمران:79]

{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } [النساء:105]

{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [المائدة:48]

وهذه الآية الكريمة من أبرز وأوضح ما يبين أن الكتاب هو الشريعة والمنهاج وجدت أولها عند أهل الكتاب فكانت الشرعة والمنهاج الذي هيمن عليه الكتاب الذي أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

 

{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } [هود:1]

ولو طبقنا مفهومنا للكتاب على هذه الآية لوجدناه متسقا منضبطا فالآيات المحكمات هي الشرائع المجملة الواردة ضمن القرآن الكريم وأتى بعد ذلك “ثم” التي تفيد الترتيب على التراخي وهو الجزء من الكتاب الذي أوحي به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فكان سنته القولية والفعلية تفصيلا للمحكم من الكتاب.

 

{أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } [الأنعام:114]

وهنا أيضا نجد مفهوم الآية متمما للتي سبقتها ، فالله أنزل الكتاب مفصلا فكانت صفة الصلاة مثلا التي فصلت في السنة مشابهة إلى حد كبير لصلاة اليهود لذلك قال تعالى “وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ” ذلك أن تفصيل الشرائع مطابقة لما هم عليه من الكتاب لأنهما من مشكاة واحدة.

وفي الآيتين السابقتين نجد أن (التفصيل) يتلازم مع الكتاب (التشريع).

 

{يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } [مريم:12]

وهكذا يتلازم الكتاب والحكم وتتراوح القوة مع الشريعة “الكتاب” لأن تحقيق شرع الله وفرضه في الأرض يستلزم الحزم والقوة ونبذ التراخي والتجاهل والتساهل.

 

{وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } [الجاثية:16]

{مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ}  (القلم 38)

 

ونجد هنا أيضاً التلازم بين الحكم والكتاب.

 

{ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ } [فاطر:29]

 

وهنا يجدر بنا تبيان مفهوم التلاوة ، فتلاوة كتاب الله هنا لا تعني قراءة القرآن بل اتباع شرائعه، فقوله تعالى (يتلون) أي يتبعون فالتالي هو المتبع ، وكتاب الله بمعنى فرائضه ونلحظ كيف أتت الفرائض المقصودة بعد ذلك في قوله (وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم) فأنت بصيغة الماضي بينما تلاوة كتاب الله التي سبقتها ورجاء التجارة التي لن تبور فكانت الواو العاطفة في (وأقاموا) قائمة محل الفاء السببية وأتت بصيغة المضارع ليستقر المعنى التالي :

 

إن الذين يتبعون شرائع الله وفرائضه فيـصومون وينفقون فإنهم يرجون تجارة لن تبور.

 

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [البقرة:121]

وهنا يكون اتساق المعنى فالذين يتلون الكتاب حق تلاوته أي:  يتبعون الشرع حق الاتباع ، أولئك باتباعهم هذا يثبتون إيمانهم بشريعة الله ، ولو كان المراد بتلاوة الكتاب قراءة القرآن فإن ذلك لن يكون كافياً لإثبات الإيمان ما لم يرافقه اتباع لما افترض الله على عباده من واجبات وشرائع فنجده تعالى يقول (أولئك يؤمنون به) فأثبت صفة الإيمان لمتبعي الشرع الذي آتاهم الله وأما القراءة وحدها فلا تكفي لإثبات الإيمان.

قبل ان ننظر فيما ورد مختلفاً عما سلف وددت ان أوضح الوجه الآخر من التلاوة ، فقد تحدثنا عن تلاوة الكتاب وقلنا أنها اتباع الشرع والواجب وترك المنهيات والمحرمات ، ولكن ماذا عن تلاوة الآيات ؟

إن (تلاوة الآيات) و(تلاوة القرآن) كما سياتي تعني قراءة اتباع وخضوع وإذعان ، وقد سبق في بحث سابق تبيان مفهوم التلاوة إجمالاً على أنها قراءة أوامر من سلطة عليا قراءة خضوع وإذعان واتباع فالقارئ لا يقرأها مجردة بل يتبع ما جاء فيها ويأتمر بما فيها من أوامر ، فعموم المعنى لمفردة التلاوة هو الاتباع والخضوع والاذعان وليس القراءة المجردة.

 

مَوَاضِعُ الاخْتِلاَفِ عَمَّا ذُكِر

 

هناك موضعين في القرآن الكريم ربطت فيه القراءة بالكتاب والتلاوة بالقرآن خلاف المواضع الأخرى التي مررنا عليها وتوجيهها هو كما يلي:

{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} (94) يونس .

فقال (يقرءون الكتاب وليس يتلون الكتاب ) والمراد (اليهود والنصارى) وكتابهم فيه نبوءة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو كتاب (فرض وأمر) ولكنهم لا (يتلونه) أي لا يتبعونه (في هذا الأمر) بل يقرأونه لأنهم لو اتبعوه لاتبعوا دعوتك المكتوبة في الكتاب المفروض عليهم ، ولكنهم لا يتلون الكتاب حق تلاوته بل (يتبعون الشريعة) في فرائض أخرى ولكن تحديداً كانت الآية تعني الجزء الخاص بالإخبار بمجيئه صلى الله عليه وسلم وفرض اتباعه على الأمم كافة ، وتقدير الآية (فاسأل يا محمد الذين يقرأون ما أنزل إليهم من الكتاب ويجدون البشارة بمجيئك)

 

{ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ} (92) النمل .

 

وقد قلنا بأن القرآن اشتمل على كتاب وذكر وحكمة وموعظة ، وتلاوة القرآن لا تتعارض مع قراءته ، فالتلاوة تعبد باتباع ما فيه من الكتاب وقراءة القرآن تعبد بالقراءة ، والكافر المخالف إذا قرأ القرآن لا يصح القول (يَتلوَ القرآن) لأنه غير متبع فهو يقرأ ولكنه لا يتلو ، والتلاوة متلازمة مع القراءة فليس كل قارئ تالٍ ولكن كل تالٍ قاريء بالضرورة ، وهنا نجد أن الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للكافر المخالف أنني أمرت باتباع ما يوحى إلي (القرآن) وأفرده دون الوحي الآخر لأنه وجه الإعجاز الذي كان الحجة والبينة الرئيسية التي أوتيها نبينا صلى الله عليه وسلم.

 

المطلب الثالث : مفهوم التأويل

التّأويْل : مَآلُ الأَمرِ الغَامِضْ وَ مَقْصِدُهُ وَمُنْتَهَاهْ.

وما هو على مراد الله تعالى من القول على وجه الدقة ، وسمي تأويلاٍ لأنه يحمل على (أوّل) معنى مقصود من القول ، وهو منتهى حقيقة الشيء حسب مراد الله.

أما التَّفْسِيْر : رَأيُ القَاَرِئِ فِيْ النَّصِّ بِنَاءً عَلَى قَرَائِنَ وَدَلالاتٍ وَاسْتِنْبَاط .

وقد يصيب التفسير تأويلاً وقد لا يصيب ، والتفسير يحمل أوجه عدة قد تصح وقد لا تصح فهي اجتهاد يعمل المفسر فيه عقله أما التأويل فهو لا يحتمل الخطأ ، وقد يحتمل النص تفسيرات مختلفة باختلاف العصور والأزمان والظروف وقد تصيب كلٌ في وقته والظرف المحيط به ولكن التأويل واحدٌ لا يتغير ، ويمكن الاجتهاد و القول بتفسيرات متعددة كما اسلفنا ولكن لا يجوز الجزم بتأويلٍ إلا ما أوَّلهُ الله لنا في كتابه.

لننظر في كتاب الله ونتتبع مفردة التأويل :

وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف:6]

ففي الوقت الذي يحتمل التفسير معانٍ عدة فيها الصواب وفيها الخطأ فإن التأويل لا يحتمل الخطأ لذلك كانت معرفة يوسف  بقراءة الرؤى وتعبيرها تأويلاً لا يحتمل الخطأ وليس تفسيراً لأن الله  من علمه هذا العلم ، وتعبير الرؤى يسمى تفسيراً فإن وقع مثل ما عبره المعبر كان تأويلاً لموافقته لحقيقة الرمز.

 

{قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:78]

 

فما أخبر به الخضر إنما كان من خبر الله له فكان تأويلا على مراد الله أما لو كان اجتهاداً يتلمس المراد مما لم يستطع عليه صبراً لسمي ذلك تفسيراً

 

وعندما دعى الرسول  لابن عباس  ففي المستدرك على الصحيحين للحاكم عن ابن عباس ـ  ـ قال: كان رسول الله  في بيت ميمونة فوضعت له وضوءا فقالت له ميمونة: وضع لك عبدالله بن العباس وضوءا، فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي والعراقي والبوصيري والألباني.

فلا شك ان الدعاء بالتاويل هو ابلغ فالتأويل معرفة مراد الله على وجه الدقة وإلا فالتفسير يقول فيه كل أحد ولكن لا يوافق قول التأويل إلا من فتح الله عليه أو أكرمه بدعوة النبي  كابن عباس  وأرضاه (بغض النظر عن صحة الروايات المنسوبة إليه في زماننا هذا).

 

ونعود للآية موضع البحث:

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [آل عمران:7]

 

وهنا فقد قلنا بأن المراد من المحكم هو القرآن الكريم فكله محكم ، وأما المتشابه فهو (بعض السنة والحديث) وليس كله والتبعيض أتى في الآية الكريمة لا يدل على أن كل السنة متشابه بل أن المتشابه لا يخرج من الفرائض (الكتاب) الوارد في السنة النبوية المطهرة.

ولكن كيف يكون ابتغاء التأويل:

عندما يبتغي من في قلوبهم زيغ تأويل تفصيل الكتاب ولِمَ كانت الركعات في الصلوات كذا ، أو أحكام النسك المختلفة من أحرام ورجم وميقات وعدد اشواط طواف وغيرها من الأحكام الواردة مجملة في القرآن وفصلت في السنة كالزكوات والصدقات وتفصيل الشرائع النازلة في ضمن الحديث الشريف فيستخدمون تلك الاسئلة في الطعن في الشريعة كما نرى اليوم من طعن في الاحكام والحدود والحجاب بل وحتى الصلاة فهذا الأمر واقع منذ زمن النبي  إلى يومنا هذا.

 

المطلب الرابع: مفهوم المحكم والمتشابه

 

والآن وقبل أن نعرض ما توصلنا إليه سنلخص ما سبق فنقول وبالله التوفيق:

 

أولاً: إن مفردة الكتاب في القرآن الكريم تعني الفرائض والشرائع ولا يقصد بها ما بين دفتي القرآن من أوراق مكتوبة.

ثانياً: إن الكتاب (الشرع والواجبات) ليست حصراً ضمن القرآن الكريم فقد نزلت على النبي ضمن سنته القولية والفعلية وتواترت إلينا.

ثالثاً: وبالتالي فإن (القرآن) لا يقصد به (الكتاب) فالقرآن يشتمل على جزء من الكتاب وكما يشتمل على الفرقان وهو ما نزل في القرآن على سبيل الاحتجاج على أهل الكفر والباطل.

رابعاً: إن تلاوة الكتاب لا تعني قراءة القرآن ، فقراءة القرآن أتت بهذا التعبير مباشرة أما تلاوة الكتاب فكانت تشير إلى اتباع الشرائع المكتوبة (المفروضة).

 

وبالتالي وعلى ضوء ما تقدم من مفاهيم فإن المحكم من الكتاب هو:

 

{مَا أنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الشَّـرَائِعِ وَالفَــرَائِضِ وَالأَمْــرِ وَالنَّهْيِ بِالإتْيَــانِ والتَّــرْكِ ضِمْــن القُــرْآنِ الكَــرِيْم وَ آيَاتِهِ وَ سُــوَرِهِ.}

 

والمتشابه من الكتاب هو:

 

{مَا أنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الشَّرَائِعِ وَالفَرَائِضِ وَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالإتْيَانِ والتَّرْكِ ضِمْن سُنّةِ مُحَمَّدٍ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم القَوْلِيَّةِ وَالفِعْلِيَّةِ المُتَوَاتِرَةِ والصَّحِيْحَة.}

 

ولعل فهم مسمى (المتشابه) يقودنا لتأكيد التعريف الذي وصلنا إليه ونلحظ أن تصنيف مواضع من القرآن على أنه متشابه ليس لثبوت كونه من المتشابه بنص شرعي بل لأن من نسب إليه التشابه خفي عليه معناه أو جهل توجيهه فلجأ لتصنيفه من ضمن المتشابه.

ولذلك فإن المتشابه الذي يصنف من القرآن الكريم ليس من الثابت نسبة التشابه إليه فالأمر متعلق بالقارئ وليس بحقيقة النص.

إن مفردة (المتشابه) تدل في أصلها على وجود مشبه ومشبه به بينما نجد المنسوب إليه التشابه لا يعلم مشبه بماذا ؟؟.

 

قراءة في أحد الأقوال

جاء في كتاب (الواضح في علوم القرآن) الفصل الثالث نماذج من الآيات المنسوب إليها التشابه ، وقبل أن أقتبس النص المشتمل على تلك الآيات فإني أدعو القاريء الكريم الى تحديد ماهية التشابه ومع ماذا تتشابه ؟ وسيغلق على كل قارئ فلن يجد أية صورة من صور التشابه يقول الكاتب معدداً نماذج من المتشابه (على حد قوله) :

” قال الله تعالى:

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ} [المجادلة: 7].

{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85].

{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا} [الطور: 48].

وقال سبحانه: {الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى} [طه: 5]

{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ} [الزخرف: 84]

{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 3].

وقال جل جلاله: {وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22].

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ} [البقرة: 210].

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً} [الأنعام: 158].

وقال سبحانه: {يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]

{وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54- 55].

تلك آيات من المتشابه من جهة المعاني في القرآن الكريم، ولا سبيل إلى معرفة حقيقة المراد بها”.

انتهى كلامه.

 

فما هو السبيل للإقرار بأن الآيات الآنفة من المتشابه؟ وأين المشبه والمشبه به في تلك الآيات؟ وإذا كان المتشابه قد ذكر في القرآن فتحديد ماهيته وموضعه يجب أن يكون من القرآن وما نراه هو رأي بشري ليس له سند من وحي قرآني أو حديث نبوي.

إن الآيات الآنف عرضها في كتاب الواضح في علوم القرآن لها توجيه وفهم متفق مع مثيلاتها وأوجه متعددة من التفسير وليست مبهمة فالله جل وعلا أنزله قرآنا عربياً ليفهمه الناس ويعوا حروفه وكلماته وجعله مبين واضح لا لبس فيه ولا اختلاط ، ولو قيل إنها (مشتبهة) لكان الأمر مفهوماً ، فالاشتباه في مفاهيم الآيات واقع وممكن ولكن أن يقال (متشابه) وجب حينذاك أن يوضح المشبه والمشبه به وهذا ما لا يتوافر في الآيات المذكورة.

 

شَوَاهِدٌ قُرْآنِيَّةٌ عَلَى مَعْنَى التَّشَابُه

 

إن معنى التشابه في القرآن الكريم واستعمال هذه المفردة لم يأتِ إلا بتوضيح المشبه والمشبه به وسأعرض بعض أمثلة على ذلك:

 

{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [البقرة:25]

 

وهنا يفهم التشابه بوجود مقارنة بما رزقهم الله في الدنيا مع ما رزقهم به في الجنة فكانت المقارنة بين صنفين .

 

{ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } [البقرة:70]

 

وهذه صورة أخرى يوضح فيها أن التشابه حدث بين البقر وبين الوصف الذي تلقوه للبقرة المقصودة.

 

{ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [الزمر:23]

 

والتشابه هنا ليس المراد به ما يتبعه أهل الزيع (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة) بل تشابه آياته في حسن نظمها وكمال سبكها وتشابه أحكامه وتكاملها بين القرآن الكريم وبين السنة النبوية المطهرة.

 

وجْهُ نِسْبَةُ التَّشَابُه لِلسُّنَّة

 

نحن توصلنا إلى أن القرآن الكريم محكم كله وأن السنة المطهرة هي المقصودة بالتشابه ووجه نسبة التشابه للسنة هو أن الحديث النبوي يشابه قول البشر ولكن القرآن لا يتشابه مع قول البشر وقول البشر لا يشبه القرآن الكريم فالكتاب المضمن في القرآن من الفرائض والواجبات واضح بيّن لا يمكن لأحد أن يدخل فيها ما ليس منها ولكن الحديث النبوي وصف للوحي النازل على نبيه صلى الله عليه وسلم بلسانه فكان متشابهاً مع كلام البشر ولذلك تعرضت السنة للطعن والتشكيك والإنكار من أهل الزيغ والانحراف.

ومن آثار التشابه على السنة النبوية هو الوضع فيها ونسبة الحديث المكذوب للنبي صلى الله عليه وسلم فكان علم مصطلح الحديث سبيلاً لتنقية الحديث من الكذب ، بينما لم يحدث ذلك مع القرآن الكريم لأنه محفوظ بالتواتر ولا يشابه كلام البشر حتى يضاف إليه ما يحرف معناه أو محتواه.

ومن صور (التشابه) في الإرث النبوي الشريف هو تشابه أقواله البشرية صلى الله عليه وسلم التي لم يكن لها علاقة بإتيان الوحي والتشريع مع أحاديث التشريع النازلة عليه من ربه يعلم بها أصحابه التي نعدها حسب مؤدى هذا البحث من “الكتاب”

 

ومن امثلة ذلك ما ورد في صحيح مسلم :

” عن موسى بن طلحة عن أبيه قال مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل فقال ما يصنع هؤلاء ” فقالوا يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” [ ما أظن ] يغني ذلك شيئا ” . قال فأُخبروا بذلك فتركوه فأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال ” إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني [ إنما ظننت ظنا ] فلا تؤاخذوني [ بالظن ] ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل ” )

 

وفيما قرأنا يتبين لنا كيف يكون المتشابه ، فهو من جهة تشابه كلام النبي صلى الله عليه وسلم بطبيعته البشرية مع كلامه الذي يحكيه عن ربه غير القرآن .

 

ملخص مفهوم الآية الكريمة

 

وعلى ضوء ما تقدم من تفصيلات للمفهوم الذي نراه للمتشابه والمحكم فإن هذه الآية يكون مفهومها كالتالي :

 

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ : والمراد بالكتاب الشرائع والفرائض

 

مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ : وهي ما ذكر في القرآن من الشرائع والفرائض دون بقية آيات القرآن من المواعظ الامثال والقصص والذكر والتنزيه والتعظيم ، يقول تعالى :  الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ  [هود:1] واسميت (ام الكتاب) لأنها أتت مجملة تفرض الحكم الكلي ثم تفصيل الكتاب يبين ذلك المجمل.

 

وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ : هي ضمن الجزء الآخر من الكتاب (الفرائض والشرائع) تشابهت مع قول البشر ولكنها نزلت على النبي من الله وليست من بنات افكاره ولكنها نطقت بلفظه  وليست من القرآن ، ونجد فيها تفصيل للمحكم وتبيان للأحكام .

 

فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْــه : منه أي من الكتاب فإن المنافقين والمرجفين يقعون في الشرائع التي نزلت ضمن السنة النبوية فيطعنون فيها ويشككون في صحتها ويدعون تأويلها على غير حقيقة.

 

ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ : ليفتنون الناس ويصرفونهم عن الكتاب (الشريعة) ويتهيأ بذلك الطعن في القرآن وصرف معانيه إلى غير ما بينته السنة حيث انهم “على حد زعمهم” اسقطوا السنة وشككوا فيها.

 

وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ : الضمير في تأويله يعود على (الكتاب ) ويصح أن يكون الضمير يعود على المتشابه من الكتاب أي الشرائع والفرائض المفصلة في السنة النبوية الشريفة بتتبع مراد الله من تلك الشرائع وصرفها عن حقيقتها إلى ما يوافق اهوائهم كصرف حكم القطع عن معناه الصحيح ، وكالرجم و الجلد واستلام الحجر وأحكام الشريعة عامة .

 

وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ : فالمراد من الكتاب الاتباع بلا نقاش ولا رد ، بل قبول للشرائع وتنفيذ لها كما نزلت وكما أمر بها الله في الكتاب (القرآن ، السنة) فهو وحده يعلم تاويله وحقيقة منتهاه ومآله.

 

وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا : جملة منقطعة ، تعني أن الراسخين في العلم يؤمنون (بالكتاب) محكمه ومتشابهه ، ما نزل ضمن القرآن الكريم مجملا محكما وما نزل ضمن السنة النبوية متشابهاً.

 

وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ : فمن كان من اصحاب العقول السليمة والفطرة النقية الخالية من الزيغ فإن الذكرى بهذا الأمر تتحقق لهم فكل ما تعرضوا لمحاولة صرفهم وفتنتهم عن الكتاب (قرآنا و سنة) تذكروا فعادوا إلى الحق وثابوا إلى الرشد والصواب.

صورة توضيحية لمفهوم المحكم والمتشابه

توضيح مفهوم المحكم والمتشابه

الوحي وتوضيح المحكم والمتشابه والمجمل والمفصل وما يخرج عن ذلك

صور اتباع أهل الزيغ للمتشابهات

ما فتئ أهل الزيغ والفتنة والفساد ينتقصون من الكتاب المفصل “السنة النبوية” طاعنين في السنن بصور عدة نذكر منها:

  • التشكيك في صفة الصلاة.
  • التشكيك في الحدود الشرعية.
  • التشكيك في الحجاب والجلباب
  • الطعن في المناسك كاستلام الحجر والطواف والرمي ونسبة ذلك للوثنية، مبتغين تأويل تلك الأحكام ومعلوم أن الله وحده يعلم تأويلها والحكمة التشريعية منها.
  • التشكيك والطعن في الجهاد وأحكامه .

وغير ذلك كثير من أحكام الشرع عامة والأحكام المفصلة في السنن النبوية على وجه الخصوص ، فظهرت الفرق المنحرفة كالقرآنيين وغيرهم ممن ينبذ السنة الشريفة ويسعى للاستهزاء بها والطعن والتشكيك في صحتها وسلامة توافرها.

أما المؤمنين المتقين فيتبعون الكتاب محكمه “ما جاء في القرآن” ومتشابهه “ما جاء في السنة النبوية المطهرة” مؤمنين بأن القرآن والسنة كلاهما من عند الله إيمان لا يخالطه شك

إن هذا الفهم للمحكم والمتشابه متسق مع الواقع وتتحقق من خلاله مصالح عظيمة للدين ولمصادر التشريع في ظل الهجمات الشرسة الموجهة للإسلام ولكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم نذكر منها:

  • تثبيت قلوب المؤمنين تجاه سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ودفع الإيهام والاضطراب الذي يحدثه الطاعنون في الحديث الشريف من أبناء الإسلام ومن أعدائه تجاه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وسنته القولية والفعلية.

  • تحقيق القول بالإحكام للقرآن الكريم كله وعدم نسبة التشابه إليه مع أي من اقوال البشر.

  • تحقق قاعدة رد المتشابه إلى المحكم فالنص المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم المتعارض مع القرآن الكريم لا شك أنه مكذوب عليه صلى الله عليه وسلم وهنا تتحقق فائدة رد المتشابه إلى المحكم وهذا من أصول علم مصطلح الحديث الذي نقل إلينا السنة النبوية الشريفة مهذبة مبينة واضحة .

وختاماً فأرجو من الله جل وعلا أن يرينا وإياكم الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وييسرنا جميعاً لاتباع كتاب الله على الوجه الذي يرضيه عنا وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

تَصْنِيْفُ الأَصْنَاَفِ فِيْ تَعْرِيْفِ أَصْحَاَبِ الأَعْرَاف

بسم الله الرحمن الرحيم

تصنيف الأصناف في تعريف أصحاب الأعراف

يقول الحق سبحانه وتعالى :
وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) الأعرف
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وجنده
الآيات المباركات الأربع من سورة الأعراف هي الآيات الفريدة الوحيدة التي تتحدث عن هذه الفئة من الناس يوم القيامة والذي يظهر من السياق تأخرهم عن الناس في الفصل والقضاء وينتهي بهم الأمر للجنة مناً وكرماً ورحمة من الله رب العالمين.
لم يرد لأصحاب الأعراف ذكرٌ في أي موضع آخر في القرآن ولم يرد نص صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعريف أولئك الناس ومن يكونون وماهو حالهم عدا حديث مرفوع ولو كان صحيحاً لما اختلف المفسرين بعده فضلاً عما يشكل عليه من إشكالات ، وجل ما نقل فيهم أقوال منسوبة لابن عباس رضي الله عنه وأقوال المفسرين رحمهم الله تعالى.
وقد ورد التفصيل والرأي في حال أصحاب الأعراف على أقوال شتى تجاوزت اثني عشر قولاً ، وطالماً لم يفصل في الأمر فالمجال رحب في قراءة السياق وربط معطيات الآيات الكريمة مع سواها لاستجلاء حال أولئك الناس ، ولن أغرق في تفنيد الأقوال وما يشكل عليها فبعضها بيّن التهافت والضعف كالقول بأنهم ملائكة والقول بأنهم أولاد الزنا ، أما أقواها (وهو القول بأنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فحجزوا بين الجنة والنار) فعليه مآخذ عديدة أبرزها أن الله وصفهم بقوله (رجال) ولم يرد في كتاب الله مفردة رجال لتشمل الجنسين بل في كل موضع شمل الجنسين كان يذكر رجال ونساء وبالتالي فلا يستقيم ذلك القول مع مقتضى الآيات .
ثم بعد ذلك سأبدأ في منهج استجلاء الآيات بتتبع أحوال الناس يوم القيامة وكيف يتميزون عن بعضهم البعض ؟ ، وماهي أسس تمييز الخلق يوم العرض الأكبر ، وكيف تم تمييز أصحاب الأعراف وبالتالي استنباط سبب تمييز أولئك القوم استناداً على ما قد وصلنا من الهدي النبوي الشريف عن حال الناس يوم القيامة ، وفي الخلاصة نبين التوجيه الذي نرى صحته في حال أصحاب الأعراف بكل إقناع وتبيان إن شاء الله ، فإن أصبنا فربِّ ثوابكَ وأجريكَ ، وإن أخطأت فمغفرتك وعفوك وأجرك.
أحوال الناس وأصنافهم يوم القيامة
لكي نتعرف على أصحاب الأعراف يجب أن نستعرض أحوال الخلق يوم العرض بين يدي الله ، فلو علمنا حال المجرمين الذين يستكبرون عن السجود لله في الدنيا فإنهم يحرمون منه يوم القيامة فتتصل سوقهم بأفخاذهم فلا يقدرون على السجود ، فيكون حالهم متعلق بحالهم في الدنيا ، فإن قيل أن قوماً يحاولون السجود فلا يستطيعون فسنستدل على حالهم وعملهم في الدنيا بحالهم يوم القيامة.
ولو أخبرنا عن رجل خفي حسابه عن الناس ولم يعلم أهل الموقف بذنوبه علمنا بأنه كان يستر الناس فستره الله في الآخرة ، وهكذا فإن أحوال الناس يوم القيامة يستدل بها على حالهم في الدنيا والأمثلة لذلك اكثر من أن تعد وتحصر في كتاب الله تعالى وفي الحديث الشريف عن نبيه صلى الله عليه وسلم،ولذلك واستناداً لهذه القاعدة فإن أفضل أدوات فهم هذه الآية هو تتبع سمات أهل الأعراف وحالهم في الآخرة.
* دلالة “سيماهم” في قصتهم
نلحظ استعمال مفردة “سيماهم في موضعين في قصة أصحاب الأعراف ، فقد تعلقت المفردة بأصحاب النار ، وأصحاب الجنة (يعرفون كلا بسيماهم) ، وهناك فئة ثالثة تتميز من ضمن أهل النار وهم الذي قيل فيهم (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ) وهؤلاء فيما يبدو يتميزون بسمات عن بقية أهل النار.
* ارتباط الأعراف بالمعرفة
ذكرت مفردة الأعراف في الآيات مرتين ومفردة (يعرفون) مرتين فكانت دلالة المعرفة في القرآن أن الجمع كلهم متعارفين يعرف بعضهم بعضاً من الدنيا وليسوا مجاهيل فلهم ببعضهم علاقة في الدنيا انعكست على موقفهم في الآخرة ، ولهم عمل في الدنيا انعكس وظهر على حالهم في الآخرة.
سيماهم وما يعرِّفنا بهم ويعرفُّهُم بمن في الآية
هنا نستعرض سيماهم التي ذكرت في الآيات الكريمة لنستدل على هويتهم ونعلم من أولئك الرجال فنقول وبالله التوفيق:
أولاً : هم رجال مؤمنون من بني آدم  وليس بينهم جنس غير ذلك أو خلق آخر كالملائكة وغيرهم وليس بينهم نساء وهذا واضح ثابت في الآيات الكريمة.
ثانياً : أنهم معروفين معلومي الأسماء والهوية لأهل الجنة ولأهل النار فقد وضعوا على الاعراف لأنهم معروفين في الدنيا فعرَّفهم الله في الآخرة وأبرزهم عن سواهم لأنهم في الدنيا كانوا كذلك وقلنا أن حال الخلق في الآخرة انعكاس لحاله في الدنيا ولكن لا يحب أحد من الخلق التشهير به في يوم العرض والحساب ، فهم على الأعراف رغماً عنهم ليس لهم وسيلة للنزول إلى الناس والسير معهم ودخول الجنة (لم يدخلوها وهم يطمعون).
ثالثاً : أنهم متأخرين في الحساب وظاهر الآيات ينبئنا بأنهم آخر من دخل الجنة ، وهنا دلالة بأنهم كانوا متقدمين في الدنيا على الخلق فأخرهم الله عن أهل المشهد في الآخرة.
رابعاً : أن من تألى على الله وأقسم فقال ( لا ينالهم الله برحمة) قالها عنهم في الدنيا تألياً على الله فلقي عقوبة ذلك بأن دخل في ضمن أهل النار وميز بعلامة وسمات عرفها أصحاب الأعراف.
خامساً : أن الغاية من تعريف أهل المشهد بهم ووضعهم على الأعراف ليُعرَفوا وليشهد الناس كلهم حسابهم فهذه سيماهم ، كما أن الساجدين تظهر سيماهم في وجوههم من أثر السجود في الدنيا فارتبطت السمة بسمة أخرى في الآخرة في الموضع الذي ارتبط به حال السجود وهو الوجه ، وكذلك أهل الأعراف فإن سيماهم في الأعراف التي هم عليها.
أصحاب الأعراف ومن يكونون ؟
استدلالا واستنباطاً مما تقدم من خلاصة مفهوم الآيات الكريمة فإن أصحاب الأعراف هم ولاة المسلمين وأئمتهم من الحكام والملوك ، فهم من ينطبق عليهم هذا الوصف:
    أولا : الحاكم الشرعي المسلم رجل ولا ينبغي أن يكون امرأة وهذا أصل فقهي لا نختلف عليه ، ولو شذ رأي بالقول بغير ذلك فهو لن يغير الواقع بأن حكام المسلمين بل وجل غير المسلمين رجال.
                        ثانياً : أن هؤلاء الحكام والأئمة والولاة معروفين عند عامة الناس معلومي الهوية وقلنا أن حال الخلق يوم القيامة أن تكون سيماهم انعكاس لحالهم في الدنيا وسيما أصحاب الأعراف كانت العلو والسلطة والارتفاع عن الناس في الدنيا فرفعهم الله وعرَّفهم للناس يوم الوقوف بين يديه ولكنهم لا يملكون النزول عن الاعراف الشاهقة ليلحقوا بأهل الجنة كما كانوا يملكون النزول عن عروشهم في الدنيا.
                       ثالثاً : أن تأخرهم لازم لأنهم رعاة ومسئولين عن رعيتهم فيستحيل دخول أحدهم الجنة لأحد من رعيته مظلمة عنده فينبغي أولاً سؤاله و الاقتصاص منه قبل الدخول للجنة أو للنار ، ونتيجة ذلك أنهم سيكونون آخر من يغادر أرض الموقف العظيم.
                       رابعاً : أن مناوئي الحكام وأعدائهم طالما رموهم بالكفر وشتموهم وانتقصوا من دينهم وإيمانهم وكفروهم فينطبق عليهم التألي على الله وهذا من أخطر الكبائر أن يجعل الإنسان نفسه مكان الإله يحكم بجنة  أو بنار ، فيدخل الله أولئك المتألين للنار ، ويمن على أصحاب الأعراف بدخول الجنة منَّاً وكرماً وعطاءً منه جلت قدرته وإلا فهم أخطر الخلق حالاً وأقربهم للعقاب لما للناس عندهم من مظالم وحقوق.

تحليل الاقوال في أصحاب الأعراف والرد عليها

بعد أن برهنتُ وسقتُ الاستنتاجات والاستنباط بأن أصحاب الأعراف هم ملوك المسلمين وولاتهم يوم القيامة وجدت أن تفنيد الأقوال التي خاضت في مسألة أصحاب الأعراف أمر هام للغاية لبيان ضعف تلك الأقوال ومواطن تعارضها مع القرآن الكريم والحديث الشريف فنقول وبالله التوفيق:
القول الأول : أن أصحاب الأعراف هم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم فجازت بهم حسناتهم عن النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وسأردُّ عليها في موضعين يكفي أولهما عن التالي ولكن للإحاطة بما يمكن الإحاطة به.
1- أن المشار إليهم في الآية رجال ولا يوجد بينهم نساء بينما تساوي الحسنات والسيئات لا يقتصر على جنس دون سواه فقد يحدث التساوي للنساء كما هو للرجال ، وكذلك فإن القرآن الكريم يستعمل مفردة (رجال) للرجال دون النساء وكل المواضع التي تشمل الرجال والنساء نجد الآيات تفرق فتذكر الرجال ثم تذكر النساء ولا تجملهم تحت اسم واحد ، ومن الأمثلة قوله تعالى : وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء:32] ويقول تعالى : إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء:98] وقوله تعالى : أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل:55]
والآية التي يحتج بها البعض أنها تحتمل التغليب وهي قوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهعَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23] فلو تجاوزنا سبب النزول الذي يبين أن المراد هو الرجال دون النساء فإن الإشارة فيها إلى الرجال (من المؤمنين) تبعيضاً ، والمراد المؤمنين المجاهدين في سبيل الله والجهاد والقتال يكلف به الرجال من المؤمنين ولا يلزم النساء فكانت الإشارة للرجال تبعيضاً من بقية المؤمنين.
2- يظهر من الآية أن مِن أصحاب النار من سبق منه التألي بأن هؤلاء بأعيانهم لن ينالهم الله برحمة وهذا لا شك أنه في الدنيا ففي موقف العرض كلا شغل بنفسه عن سواه والموقف موقف جزاء على أقوال وأعمال الدنيا ، فما وجه الربط بين تألِّي أهل النار على من تساوت حسناتهم وسيئاتهم ؟؟ هل علموا من الدنيا أنهم سيقفون على الأعراف ويتأخرون عن دخول الجنة واللحاق بالمؤمنين ؟؟ ومن اين لهم القول بذلك بمعنى ماهي القرينة التي تسوغ لنا فهم هذا الحوار بهذه الصورة ؟؟.
القول الثاني : أنهم الملائكة :
وهو قول متهافت لم يكلف القائلنفسه بالبحث والاستقراء وهو قول لا يستحق الالتفات ولكني لا أستبعد أن هناك من يقول به ومقتنع بذلك فالرد عليه:
1-أن الملائكة مخلوقات تختلف عن جنس بني آدم فهم لا ينقسمون لرجال ونساء يقول تعالى : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام:9] فالملك لا ليس برجل ولكنه في حال ارسله الله فإنه يجعله يشبه رجال بني آدم.
2-أن الملائكة مخلوقات غير مكلفة فهي لا تذنب حتى تتستوجب المغفرة وبالتالي فهي لا تطلب الجنة التي اقتصرت على المكلفين من الخلق وهما الثقلان.
3-متى تألى أحد من الخلق بان الملائكة لا ينالهم الله برحمة ؟؟ بل إن كل ديانات الكفر تنزه الملائكة وتعظمها.
4-أن الملائكة تدخل الجنة على المؤمنين تهنئهم بصبرهم (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (24) الرعد
5-بعد انقضاء الحساب ودخول أهل الجنة الى الجنة وأهل النار إلى النار فحال الملائكة : وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:75]
القول الثالث : أنهم أولاد الزنا
وهذا قول لا يحتاج للكثير لبيان بطلانه فكل نفس بما كسبت رهينة ولا يؤخذ إنسان بجريرة والديه فالله حكم عدل .
القول الرابع : أنهم الشهداء الذين خرجوا للقتال بدون إذن آبائهم فقتلوا في سبيل الله فقصر بهم عصيانهم لآبائهم عن الجنة وجاز بهم استشهادهم عن النار
1- الفصل في ذلك لكتاب الله إذ يقول تعالى (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) [آل عمران:157] فالقتل في سبيل الله جزاءه المغفرة والرحمة.
2- السيئات التي تدون على الشهيد يغفرها الله بالشهادة يقول تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ الله وَ الله عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ) [آل عمران:195]
3- ويقول (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:74]
4- في الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ’ أن رسول الله قال : ( يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين )
5- إذا كان الشهيد يشفع في سبعين من اهل بيته فكيف يشفع من بقي متخلفاً عن دخول الجنة بعد أن دخل أهل الجنة كلهم إلى الجنة ؟ عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله يقول : ( الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته ) حديث صحيح.
6- وإن كان الشهيد العاق يقف على الأعراف فكيف بمن أذنب بالعقوق وغفر الله له من غير الشهداء ؟؟ أيدخلون الجنة قبل الشهداء ؟؟.
القول الخامس : بأن أصحاب الأعراف هم الأنبياء.
وقبل أن أبدا بتفنيد هذا القول سأستعرض السياق لنصل إلى حقيقة هي أن أصحاب الأعراف آخر الخلق دخولاً الجنة فيقول الحق :
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) (37)
وهنا انتهى الحساب وصدر الحكم بكفرهم بشهادتهم على أنفسهم
(قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ) (38)
ادَّارَكُوا (أي ادرك بعضهم بعضا في النار فلحق المتأخرون بالمتقدمين إلى دركات جهنم) فأهل النار قد ولجوا النار واجتمع أولهم وآخرهم يصطرخون ويدعون بالثبور على بعضهم بعضاً.
(وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) (41)
فهذا الجزاء بأن يدخلون النار وتحرم الجنة عليهم حتى يستحيل عليهم دخولها جزاءً لجرمهم وكفرهم ، ويصف ربنا حالهم من فوقهم ومن اسفل منهم تلتهب عليهم جهنم فلا منفذ ولا مهرب ولا مأوى.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (43)
وهؤلاء اصحاب الجنة بجميع درجاتهم خالدين في جنات النعيم نزع الله الغل من قلوبهم وحمدوا ربهم على حسن الجزاء ولقاء عملهم وحسن صنيعهم في الدنيا.
(وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ ) (45)
وهنا الحوار بين أصحاب الجنة واصحاب النار يتسائلون بينهم عن وعد الله للفئتين في الدنيا وانهم وجدوا وعد الله حق بعد انقضاء الحساب ودخول الناس إلى الجنة وإلى النار.
ثم ينتقل بنا السياق إلى الآية التالية مباشرة (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) (46)
أولاً : فهل من المقبول أن ننسب للأنبياء أن يكونون هم اصحاب الأعراف فيتاخرون عن الخلق في الحساب ولا يدخلون للجنة إلا بعد دخول أصحاب الجنة للجنة وأصحاب النار للنار ؟؟ ونحن نعلم يقيناً أن أنبياء الله أول الداخلين للجنة وفي مقدمتهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو أول من يستفتح ابواب الجنة فيفتح له لقاء مقامهم العظيم واصطفائهم وبلاغهم للحق للأمم، روى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله قالَ: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ “. (الأنبياءُ لا يُسألونَ هذهِ الأسئلةَ الأربعةَ، يُسألونَ لإظهارِ شَرَفِهم هل بلَّغتم ؟).
ثانياً: أيُقبل أن يحرم الأنبياء من الدخول للجنة وهم يطمعون في دخولها (وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) فهم يلقون السلام على أهل الجنة وهم خارجها فهل يعقل أن يسبق أدنى اهل الجنة أن يسبقون الانبياء ؟؟
ثالثاً : نلحظ الخوف الشديد والخشية من دخول النار والفزع من ذلك (وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) فإن كان المؤمنين من دون الأنبياء وعدهم الله بالأمن من الفزع يوم القيامة فكيف لا يأمن الأنبياء وهم أولى بالأمن من سواهم (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) [النمل:89]
رابعاً : لم يرد في التاريخ والسير قولاً واحداً قيل في الأنبياء بان الله لن ينالهم برحمة ، فالكفار لم يطرقوا ذلك الأمر ولا يستقيم أصلا قول كهذا في حق الأنبياء.
خامساً : لا شك أن الأعراف ليسوا هم الأنبياء فالأنبياء أعلام لهم سورة بإسم (الأنبياء) وترتيبها (21) وعدد آياتها (112) آية فكيف يسمي سورة أخرى الأعراف إذا كانت تدل على نفس الفئة من البشر وهم أنبياء الله ورسله في حين أن لهم سورة تحمل اسم الأنبياء ؟.
ونقتصر على الأقوال الآنفة ونختم تلخيصاً بأن أصحاب الأعراف :
* قوم مؤمنون متأخرون في دخول الجنة
* مشفقون خائفون فزعون من دخول النار 
*معروفون في الدنيا فعرفهم الله في الآخرة بأن جعل لهم مواضع مرتفعة لا يملكون النزول عنها
* تألى على الله فيهم خلق كثير ، فأدخل الله من تألى عليه فيهم واقسم لا ينالهم الله برحمة أدخلهم إلى النار وغفر لأصحاب الأعراف وأدخلهم الجنة.
وقلنا أن من ينطبق عليهم القول من أهل الدنيا هم حكام المسلمين وولاتهم ،
* فهم معروفين لأهل النار ولأهل الجنة
* وهم مرتفعين عمن سواهم في مواضع مخصوصة ليكون حسابهم مشهوداً وليواطئ ذلك علوهم في الدنيا ولكنهم لا يستطيعون نزولاً عن أعرافهم كما كانوا يستطيعون النزول عن عروشهم في الدنيا وهم يستطيعون ،
*وهم سابقون في كل أمر في الدنيا فيؤخرهم الله في الآخرة.
* لا يمكن أن يدخلون الجنة قبل رعاياهم فلكل من رعيتهم قصاص وحق ينبغي أن يقتصه من الحاكم
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّىالله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، -قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عمر]
فالمسئولية ليست عن عدد قليل بل عن كل رعيته وهذا يستلزم البقاء حتى زوال من سواه من أرض الموقف العظيم.
* ولهم من المناوئين والأعداء من يكفرهم في الدنيا ويحكم بأنهم في النار متألياً على الله.
* ويقترن الولاة بوفرة المال والغنى وهذا يستلزم حساباً يطول كل ما زاد المال اتفاقاً مع ما رواه ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله قالَ: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ “.
وإذا تلمسنا حال الأغنياء يوم القيامة في الحديث الشريف روى مسلم في (صحيحه) عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله – -: ((إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً)). (1) وروى الترمذي عن أبي سعيد (2) ، وأحمد والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله – -: ((فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة)) (3)
وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم في موضع آخر أن هؤلاء لم يكن عندهم شيء يحاسبون عليه، هذا مع جهادهم وفضلهم، أخرج الحاكم في (مستدركه) عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله – -: ((أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أو قد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ قال: فيفتح لهم، فيقيلون فيه أربعين عاماً قبل أن يدخلها الناس)) (4) وفي (صحيح البخاري) عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار)).
فإن كان هذا التأخر عن دخول الجنة حال الأغنياء المؤمنين فكيف بالحكام والولاة الذين جمعوا الغنى والمسئولية عمن ولاهم الله عليهم من الناس ؟؟
هذا والله ولي التوفيق والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وَجْهٌ لِفَهْمِ آيَةِ النِّزَاعِ فيْ أهْلِ الكَهْفِ وَالبِنَاءِ عَلَيْهِم

بسم الله الرحمن الرحيم
وَجْهٌ لِفَهْمِ آيَةِ النِّزَاعِ فيْ أهْلِ الكَهْفِ وَالبِنَاءِ عَلَيْهِم
يقول الحق تبارك وتعالى:
وكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21) الكهف
 
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
فطالما كانت هذه الآية الكريمة مرجعاً في جدال القبوريين والمتصوفة وسواهم من أهل السنة في مسألة البناء على القبور ، وكثيراً ما يستدل بها البعض على جواز تعظيم قبور الأولياء وأضرحتهم في الوقت الذي يستدل أهل العلم من صحيح السنة النبوية على عدم جواز ذلك وأمر بإزالة كل بناء على القبور وهدم معالم التقديس والتكريم للأضرحة.
وهنا ترتسم حيرة كبيرة عندما يفهم البعض أن هناك تعارضاً ما بين الحكم الشرعي والنص القرآني ، وقد وقفت على هذه الآية فوجدت أن العلة لم تكن في الآية بل في فهم هذه الآية الفهم المتسق مع حال أصحاب الكهف فوصلت من هذه الآية إلى أن البناء لا علاقة له بتعظيم أضرحة أولئك الفتية أو تقديسها مما يجلو الفهم يدرأ تعارض السنة النبوية الكريمة مع كتاب الله لمن ظن أو دخل لنفسه شيء من ذلك.
وعندما رجعت إلى الأقوال التي دونت في هذا الباب وجدت أن هناك من ينسب القائلين ببناء المسجد إلى الكفر فغلبوا ومضى قولهم وعليه فلا يصار إلى تحليل البناء على القبور ، وهناك من يدرأ ذلك ويقول المسجد خاص بأهل الإيمان فكيف يأمر الكفار ببناء مسجد ؟ ونلمس التعارض في كلا القولين ، ولكني رأيت أن هناك وجهاً ثالثاً يدرأ ما يتبع كل قول من القولين من إشكالات ولكن قبل عرض هذا الوجه من أوجه الفهم لآية رأيت أن أتتبع أبرز ما قال السلف في ذلك وأهل التفسير بهذا الشأن.
أقوال المفسرين رحمهم الله في هذه الآية
أولا : تفسير ابن كثيررحمه الله:
وقوله : ( وكذلك أعثرنا عليهم ) أي : كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيئاتهم ، أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان ( ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم ) أي : في أمر القيامة ، فمن مثبت لها ومن منكر ، فجعل الله ظهورهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم ( فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم ) أي : سدوا عليهم باب كهفهم ، وذروهم على حالهم ( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا )
حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين : أحدهما : إنهم المسلمون منهم . والثاني : أهل الشرك منهم ، فالله أعلم .
والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ . ولكن هل هم محمودون أم لا ؟ فيه نظر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” لعن الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ” يحذر ما فعلوا . وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق ، أمر أن يخفى عن الناس ، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده ، فيها شيء من الملاحم وغيرها .
 ثانيا : قول ابن جرير رحمه الله:
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( وكذلك أعثرنا عليهم ) يقول : أطلعنا عليهم ليعلم من كذب بهذا الحديث ، أن وعد الله حق ، وأن الساعة لا ريب فيها .
وقوله : ( إذ يتنازعون بينهم أمرهم )
يعني : الذين أعثروا على الفتية يقول تعالى : وكذلك أعثرنا هؤلاء المختلفين في قيام الساعة ، وإحياء الله الموتى بعد مماتهم من قوم تيذوسيس ، حين يتنازعون بينهم أمرهم فيما الله فاعل بمن أفناه من عباده ، فأبلاه في قبره بعد مماته ، أمنشئهم هو أم غير منشئهم ، وقوله ( فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ) يقول : فقال الذين أعثرناهم على أصحاب الكهف : ابنوا عليهم بنيانا ( ربهم أعلم بهم ) يقول : رب الفتية أعلم بالفتية وشأنهم ، وقوله : ( قال الذين غلبوا على أمرهم ) يقول جل ثناؤه : قال القوم الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف ( لنتخذن عليهم مسجدا ) .
وقد اختلف في قائلي هذه المقالة ، أهم الرهط المسلمون ، أم هم الكفار؟ وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى ، وسنذكر إن شاء الله ما لم يمض منه .
حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ) قال : يعني عدوهم .
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، قال : عمى الله على الذين أعثرهم على أصحاب الكهف مكانهم ، فلم يهتدوا ، فقال المشركون : نبني عليهم بنيانا ، فإنهم أبناء آبائنا ، ونعبد الله فيها ، وقال المسلمون : بل نحن أحق بهم ، هم منا ، نبني عليهم مسجدا نصلي فيه ، ونعبد الله فيه .
 
ثالثا : قال صاحب التحرير والتنوير رحمه الله :
(إذ يتنازعون بينهم أمرهم)
الظرف متعلق بـ أعثرنا ، أي أعثرنا عليهم حين تنازعوا أمرهم ، وصيغ ذلك بصيغة الظرفية ; للدلالة على اتصال التنازع في أمر أهل الكهف بالعثور عليهم بحيث تبادروا إلى الخوض في كرامة يجعلونها لهم ، وهذا إدماج لذكر نزاع جرى بين الذين اعتدوا عليهم في أمور شتى جمعها قوله تعالى ” أمرهم ” ، فضمير ” يتنازعون ” و ” بينهم ” عائدان إلى ما عاد الله ضمير ” ليعلموا ” .
وضمير ” أمرهم ” يجوز أن يعود إلى أصحاب الكهف ، والأمر هنا بمعنى الشأن .
[ ص: 289 ] والتنازع : الجدال القوي ، أي يتنازع أهل المدينة بينهم شأن أهل الكهف ، مثل : أكانوا نياما أم أمواتا ، وأيبقون أحياء أم يموتون ، وأيبقون في ذلك الكهف أم يرجعون إلى سكنى المدينة ، وفي مدة مكثهم .
ويجوز أن يكون ضمير ” أمرهم ” عائدا إلى ما عاد عليه ضمير ” يتنازعون ” ، أي : شأنهم فيما يفعلونه بهم .
والإتيان بالمضارع ; لاستحضار حالة التنازع .
فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا
طوي هنا وصف العثور عليهم ، وذكر عودهم إلى الكهف ; لعدم تعلق الغرض بذكره ، إذ ليس موضع عبرة ; لأن المصير إلى مرقدهم وطرو الموت عليهم شأن معتاد لكل حي .
وتفريع ” فقالوا ” على ” يتنازعون ” .
وإنما ارتأوا أن يبنوا عليهم بنيانا ; لأنهم خشوا عليهم من تردد الزائرين غير المتأدبين ، فلعلهم أن يؤذوا أجسادهم وثيابهم باللمس والتقليب ، فأرادوا أن يبنوا عليهم بناء يمكن غلق بابه وحراسته .
وجملة ربهم أعلم بهم يجوز أن تكون من حكاية كلام الذين قالوا : ابنوا عليهم بنيانا ، والمعنى : ربهم أعلم بشئونهم التي تنازعنا فيها ، فهذا تنهية للتنازع في أمرهم ، ويجوز أن تكون معترضة من كلام الله تعالى في أثناء حكاية تنازع الذين أعثروا عليهم ، أي : رب أهل الكهف أو رب المتنازعين في أمرهم أعلم منهم بواقع ما تنازعوا فيه .
[ ص: 290 ] والذين غلبوا على أمرهم ولاة الأمور بالمدينة ، فضمير ” أمرهم ” يعود إلى ما عاد إليه ضمير ” فقالوا ” ، أي اللذين غلبوا على أمر القائلين : ابنوا عليهم بنيانا .
 وإنما رأوا أن يكون البناء مسجدا ليكون إكراما لهم ، ويدوم تعهد الناس كهفهم ، وقد كان اتخاذ المساجد على قبور الصالحين من سنة النصارى ، ونهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة رضي الله عنها : ولولا ذلك لأبرز قبره ، أي لأبرز في المسجد النبوي ، ولم يجعل وراء جدار الحجرة .
واتخاذ المساجد على القبور ، والصلاة فيها منهي عنه ; لأن ذلك ذريعة إلى عبادة صاحب القبر أو شبيه بفعل من يعبدون صالحي ملتهم ، وإنما كانت الذريعة مخصوصة بالأموات ; لأن ما يعرض لأصحابهم من الأسف على فقدانهم يبعثهم على الإفراط فيما يحسبون أنه إكرام لهم بعد موتهم ، ثم يتناسى الأمر ، ويظن الناس أن ذلك لخاصية في ذلك الميت ، وكان بناء المساجد على القبور سنة لأهل النصرانية ، فإن كان شرعا لهم فقد نسخه الإسلام ، وإن كان بدعة منهم في دينهم فأجدر .
 رابعاً : ما جاء في أضواء البيان :
قوله تعالى : قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا .
لم يبين الله هنا من هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم ، هل هم من المسلمين أو من الكفار ؟ وذكر ابن جرير وغيره فيهم قولين : أحدهما أنهم كفار ، والثاني أنهم مسلمون ; [ ص: 252 ] وهي قولهم : لنتخذن عليهم مسجدا [ 18 \ 21 ] ; لأن اتخاذ المساجد من صفات المؤمنين لا من صفات الكفار ، هكذا قال بعض أهل العلم . ولقائل أن يقول : اتخاذ المساجد على القبور من فعل الملعونين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا من فعل المسلمين ، وقد قدمنا ذلك مستوفى بأدلته في سورة ” الحجر ” في الكــــلام على قوله تعالى : ولقد كذب أصحــاب الحجـــر المرسلين الآية [ 15 \ 80 ] .
 
الإشكالات على مفاهيم الآية وأقوال المفسرين رحمهم الله
تشتمل المفاهيم الشائعة عن هذه الآية الكريم على عدد من الإشكالات الظاهرة والضمنية والتي وجدت في التفاسير ولوحظت من خلال استقراء قصة أهل الكهف ولعلنا نجملها هنا:
أولاً : القول بأن المتنازعين مسلمين وكفار وأن الغالبين على أمرهم كفار ربما ينافي وعد الله لهم بأن يهيئ لهم من أمرهم رشداً (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) فانتهى بهم الأمر إلى البناء عليهم فأصبحوا مزار ضلال وشرك.
ثانياً : فإن القول بأن الغالبين على أمرهم مسلمين فهذا أشد وأنكى إذ كيف يعظم هؤلاء بفعل يعد مخالفاً لأصول العقيدة الإسلامية الصحيحة؟ خصوصاً إذا علمنا أن الحكم في هذه المسائل ثابت منذ خلق الأرض ومن عليها وليست مختصة بأتباع محمد صلى الله عليه وسلم فقد لعن عليه الصلاة والسلام النصارى واليهود عندما ارتكبوا هذا الفعل.
توجيه الآية الكريمة
قبل تفصيل التوجيه أقول بترجيح أن القوم المتنازعين في أمر أهل الكهف مسلمين مؤمنين وليس فيهم أهل كفر لان ذلك متسق مع ما هيأه الله من أمر رشيد لعباده المؤمنين ولكنهم تنازعوا في أمر لا علاقة له بتعظيم مقامهم أو تكريمهم او تقديسهم كما سيأتي ، ونقول تفصيلا في الآية:
وكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ : هيأنا السبب ليعثر أهل المدينة على أولئك الفتية بما كان منهم من إرسال احدهم بفضة مسكوكة من عهدهم البائد فعرفوا واستدل الناس عليهم والتقوا بهم ، وهنا وبهذا التعبير (أعثرنا) دليل كما قال أشار ابن عاشور أن اختفائهم كان معلوماً عند أهل المدينة تأسيساً على قوله (أعثرنا عليهم).
لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا : أي يعلم الفتية أن الله وقاهم من شر عدوهم وحقق وعده للعباد المؤمنين بإضفاء الحماية والحفظ لهم طيلة هذه السنين ، ذلك ابتداءً ، ثم يعرف المؤمنين من أهل المدينة الذين عثروا عليهم بذلك الوعد الحق من الله فيثبت الإيمان في قلوبهم.
إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ : أي أهل المدينة يتنازعون في أمر الفتية بعد موتهم ولا يلزم ان يكونوا فريقين فقد يكونوا أكثر من ذلك ولكن ما هو وجه الخلاف ؟
يتبين بوضوح أن الخلاف متعلق بجثامين أولئك الفتية ، ففي حين أفضى بعض القوم لدفنهم اعترض على الدفن آخرين فلم يتحققوا من أن موتتهم تلك لا قيامة بعدها حتى الساعة ، فخافوا أن يبعثهم الله قبل الساعة كما بعثهم فيكون دفنهم خطأً بذلك فبقي فريقين متفقين على عدم جواز دفنهم خشية من بعثهم مرة أخرى.
فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ : أي اجعلوا أجسادهم تحت سقف وابنوا بناءً فإن بعثوا قبل قيام الساعة كان بعثهم متحققاً وربهم أعلم بهم (أي ربهم أعلم بموعد بعثهم) وهو أعلم إن كانت هذه موتتهم الكبرى أم سيقومون من موتتهم هذه كما قاموا بعد ثلاثمائة وتسع سنين.
قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا : أي يكونوا في بناء ضمن مسجد يختلف الناس إليه حتى لا يعبث أحدٌ بأجسادهم التي (لم تدفن) ولا يقصد أن يكون مسجداً على قبورهم لأنهم لم يدفنوا أصلا ولكن ضمن حرم مسجدٍ لكي لا يتجرأ أحد على أجسادهم بالسوء.
ولنا في كتاب الله مرجع في ذلك إذ يقول تعالى (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) فلا يقصد ذات المقام لأنه لا يحتمل اتخاذه مكانا للصلاة بذاته ولكن ما يحيط به مما يلي الكعبة (الحجر) وفي أقوال الجمهور هو كل الحرم كما ورد في أقوال المفسرين رحمهم الله.
  إذاً فخلاصة الأمرمما يظهر والله أعلم  أن الله هيأ لهم من أمرهم رشداً وأعثر المؤمنين من أهل المدينة عليهم وحصلت العبرة لدى الفريقين فأهل الكهف اعتبروا من حالهم فتحققت ثقتهم بوعد الله وحفظه وحمايته وتهيئة الرشد والخير لأوليائه ، وأهل المدينة من المؤمنين تحقق لهم رؤية اهل الكهف والعثور عليهم بعد سنين طويلة تواتر الحديث عنهم ورأوا بأنفسهم كيف أن الله يحفظ المؤمنين الصادقين بحفظه.
ثم أنهم ما لبثوا أن ماتوا فاضطرب أهل المدينة هل يدفنونهم ويقبرون أجسادهم ؟ فاعترض ونازع في ذلك عدد منهم خشية أن يبعثهم الله ثانية فيكون دفنهم حائلاً دون تحقق ذلك ، فأشاروا أن يجعلون أجسادهم ضمن بناء يحميهم إن حدث وبعثهم الله لقوم آخرين ، وكان رأي الغالبين إما لسلطةٍ في أيديهم أو لغلبةٍ عدد أو وجاهة رأيهم ورجحانه أن يكون هذا البناء ضمن مسجد يختلف الناس إليه فتسلم أبدانهم من العبث ، إلا أن دفنهم وقبرهم لم يرد ولا دليل عليه أصلاً.
وبهذا ندرأ الأقوال التي تنسب البناء على القبور أو اتخاذها مصلى أو الصلاة إليها فلم يرد أساساً ما يدل على دفنهم أو التبرك بهم حتى يتخذ أحدٌ هذه الآية ذريعة للتبرك بالقبور ، وبذلك الفهم أيضاً يدرأ التعارض مع الصحيح من الأحاديث الشريفة التي ينهى فيها صلى الله عليه وسلم عن البناء على القبور أو اتخاذها مساجد لعدم المجئ على ذلك في الآية أصلاً، والله أعلى وأعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
 

نَظَرِيَّةُ الذَّاكِرَةِ البَعِيْدَةِ وَوَظَائِفِ المُخِّ وَالدِّمَاغْ

بسم الله الرحمن الرحيم
نَظَرِيَّةُ الذَّاكِرَةِ البَعِيْدَةِ وَوَظَائِفِ المُخِّ وَالدِّمَاغْ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم   وبعد
مقدمة
قادني بحثي في مسألة الموت والوفاة والروح والنفس لفهم عميق ذا دلالة هامة للغاية لمعرفة كنه النفس وماهيتها مقارنة بالروح بالإضافة لفهم الفرق بين الموت والوفاة مستشهدا بالنص القرآني الكريم الذي تبين من خلاله فروق حساسة ومهمة ، وهذا المقال يشتمل على نتائج توصلت إليها تأسيساً على بحث الفرق بين الموت والوفاة والروح والنفس وباعتقادي أن قراءته واستيعابه هام لمواصلة فهم ما سأستعرضه في هذا المقام.
ولكني سأوجز الفكرة التي توصلت إليها بدون سوق الدلائل أو الحجة ، فأقول أننا توصلنا إلى عدة حقائق أوجزها في ست نقاط رئيسية :
أولا: أن النفس هي ذات الإنسان الحقيقية التي تتنقل من جرم لآخر وتتقمص بدن وتغادره لآخر، وأنها موجودة منذ خلق أبينا آدم .
ثانياً : أن النفس هي مناط الفعل والإدراك والإرادة وهي التي تحكم البدن الذي تسكن فيه إذا كان بدناً حياً وتوجهه لإتيان الأفعال العاقلة.
ثالثاً: أن الوفاة هي متعلقة بالنفس وتحصل عندما تفارق النفس الجسد بالنوم أو بالموت أو بالجنون أو الغيبوبة فيكون معنى الوفاة استيفاء ما مضى من أجر على ما سبق من عمل وإيفاء أجره لصاحبه وتوقف جريان القلم عن المتوفّى لحين يقظته إن كان نائما أو غائبا عن الوعي أو مجنوناً.
رابعاً : أن الروح طاقة يبثها الله في المخلوقات الحية ومنها الإنسان تسري في البدن فينمو ويحيا ويتحرك فإذا حق القول وحان أجل الحي نزع الله من جسده هذه الروح فيحصل الموت فالموت متعلق بالروح ووجودها في البدن ، فإن وقع الموت بليت الأعضاء وسكنت عن الحركة وخبت فيها مظاهر الحياة ووقع على ذلك البدن الفناء (كلُّ من عليها فان).
خامساً: أن الموت حقٌّ على كل حي صَغُرَ أم كَبُر ، ولكن الوفاة لا تطلق إلا على المكلفين من المخلوقات وهم الإنس والجن لتعلقها بالعمل والكسب الأخروي.
سادساً: أن وقوع الموت بمفارقة الروح للبدن يلزمه وقوع الوفاة والاستيفاء بمغادرة النفس وتوقف جريان القلم بالأعمال وهذا اللزوم قطعي ، ولكن وقوع الوفاة لا يلزم أن يقع معها الموت وشاهد ذلك النوم والغيبوبة والجنون ونحو ذلك من الحالات التي يتوقف فيها جريان القلم بالكسب (الوفاة) ولا تنزع الروح من البدن ولا يفقد الجسد وظائفه الحية.
وهذه المفاهيم الدقيقة والعميقة تقودنا للتفكر والبحث في دور العقل وماهيته والدماغ والذاكرة ، ومادة المخ ووظائفها وحدود سيطرتها وعلاقتها بالنفس طالما كانت بالصورة التي توصلنا إليها ، وبالتالي فقد تولدت فكرة هذا البحث كمادة مكملة لما سبق.

soul and self

العقل و الدماغ البشري
إن الدماغ البشري ظل لغزاً عصياً تحدث عنه الفلاسفة وعلماء الطبيعة والفيزياء والطب منذ قديم الزمان ابتداءً من أفلاطون وأرسطو فغاصت في مفاهيم الإدراك والتحكم والوعي والذكاء وعلاقة تلك الوظائف مع تلك المادة الهلامية بتلافيفها وجذوعها وموصلاتها المختلفة وخلاياها العصبية التي تبلغ مائة مليار خلية ، فمن البحوث والدراسات ما تمكن من الوصول لنتائج مُقاسة ورصد استجابات الدماغ الكهربائية واستطاع عدد من الفلاسفة إبراز نظريات مختلفة تحاول تلمس معالم هذا العقل والدماغ وآلية عمله وارتباطه مع ذات الإنسان.
وحتى اليوم لا يزال العقل والدماغ لغزاً عميقاً لم يتجاوز البشر فيه إلا لمعارف محدودة تتعلق بالتحكم اللاإرادي والإشارات الكهربائية في الدماغ ولكن لا تزال الذاكرة والذكاء وما يتعلق بردود الأفعال وميكانيكية الغضب والاستثارة وسواها ليست واضحة بما يكفي للعلماء المتخصصين بصورة شاملة ووافية.
وفي هذه الدراسة المؤسسة على مفهوم الروح والنفس والموت والوفاة كما أسلفنا سنتعرف على آلية عمل هذا الدماغ وعلاقته بالنفس والبدن ونطلع على صورة شاملة لعمليات التفكير وأهمها الذاكرة ، والفرق بين الفعل الإرادي واللاإرادي و أي الأعضاء متعلق بتلك الأفعال.
نظرية الذاكرة البعيدة
تقوم هذه النظرية على تقسم التفاعلات بين الدماغ والجسد البشري إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
أولا : التفاعل اللاإرادي : وهذا التفاعل يقوم على الفطرة حيث أن أجزاء البدن التي يتحكم بها الدماغ بدون تدخل البشر كحركة القلب والتمثيل الغذائي في الجسم وردود فعل أجزاء الجسم الحية وهذا التفاعل ينحصر في علاقة مباشرة بين الدماغ وبين تلك الأعضاء مباشرة ولا يتمكن الإنسان من إيقافها حتى لو تمكن من التأثير عليها بصورة أو بأخرى كأن يوقع أثراً نفسياً يخفض معدل نبضات القلب أو خفض الضغط ولكنه لا يستطيع إيقاف قلبه أو منع الخلايا من حمل الغذاء لأجزاء الجسم المختلفة ، وهذه العملية تحدث طالما سرت الحياة في الجسد سواء كان ابن آدم نائماً أو واعياً أو غائباً عن الوعي فتأثير ذلك لا يعدو رفع وتيرة التفاعلات أو إضعافها وفق نشاط الجسم وبالتالي فهي تفاعلات حتمية لاإرادية يتحكم فيها الدماغ.
ثانيا: التفاعل الإرادي : وهو لبُّ القضية ، وهو كل الأفعال التي يفضي إليها الإنسان بوعي تام وإدراك ونية ، وهذا التفاعل منفصل عن التفاعل اللاإرادي ، فالنفس هي التي تلقي الأمر لأعضاء البدن لإتيان الفعل أو تركه أو الفعل ورد الفعل وهي (النفس) التي تقع عليها التفاعلات العاطفية كالغضب والرضا والحزن والسعادة فتصدر الأمر إلى الدماغ ومنه إلى العضو البشري ليؤدي وظيفة كالضحك أو البكاء أو الغضب أو الأفعال المحسوسة بكافة أشكالها ، فإذا حصل النوم فإن النفس تغادر البدن فيتوقف جانب التفاعل الإرادي بالضرورة.
ثالثا: الذاكرة : إن النظرية تقوم على أن الذاكرة ضمن النفس البشرية وليست في الدماغ ، فكل ما يحدث وتراه العين وتسمعه الأذن ويتسلل للعقل ، وكل فعل ورد فعل يتم التعامل معه من خلال العقل وهو مدون ومسجل في ما يسمى بالذاكرة المرتبطة بالعقل الباطن وكلاهما ضمن النفس ، ذلك المخلوق الذي يشكل ذات ابن آدم الحقيقية التي تشرع في الفعل الإرادي وتفضي إليه وتسترجع ما كان منها من أفعال ، والدماغ مجرد عضو بسيط تنتقل الأحداث والاستجابات من خلاله إلى البعد الذي توجد فيه النفس ، ويستقبل الأوامر من النفس ويترجمها إلى نبضات كهربائية تتوجه للأعضاء المخلوقة لتأمرها بالفعل ورد الفعل.
وبالتالي فإن الذاكرة والعقل الباطن والعقل الواعي كلها من جنس خلق النفس وتسكن بها وتتحرك بأمرها ضمن إطار الجسد البشري .
وكل الأمراض العضوية أو الإصابات ما هي إلا حوادث تصيب العضو الوسيط (الدماغ) فيحدث فيتلف جزئيا أو كلياً مما يعجزه أحيانا عن القيام بدور الوسيط لانقطاع وسيطة الإشارة ، ومثال ذلك عند وقوع حادث يتلف الحبل الشوكي فإن المصاب يصبح مشلولا لتلف الوسيطة التي تنقل الإشارة للتحكم في العضو ولكن ذلك العضو لا يزال حياً يستقبل الغذاء وتتفاعل أجزاءه بصورة محدودة مع الفعل اللإرادي ولا تتفاعل نهائيا مع الفعل الإرادي. 
وكذلك نفهم كيف أن الإدراك يفقد عندما يصاب ابن آدم بحادث مروري يصيبه بغيبوبة طويلة فإن التلف الذي يحدث في هذا الوسيط الحساس لا يمكِّن النفس من التواصل مع البدن وإحداث التفاعل المعتاد ، ولعل كثير ممن التقى مثل أولئك الناس يلمس تفاعل بدرجة معينة وتشعر بأن المريض يفهم ما تقول ويداخله الفرح والحزن ولكنه عاجز عن التعبير لأن التلف الذي أصاب الوسيط بين النفس والجسد عطل تلك الإمكانية.
العقل
إن النفس البشرية تتقمص البدن فتتحكم بأعضائه وتصدر الأوامر بالأفعال ولذلك فهي المعنية بحفظ سجل عملياتها ، ومن الجدير بالذكر أن ابن آدم قد تكون وفاته في حادث بشع قد يتمزق فيه دماغه أو يحترق جسده بالكامل ، فإن كانت الذاكرة جزء من ذلك الجسد المادي فهذا يعني أنه لن يتذكر سيئاته وسقطاته وأخطاءه ولن يتذكر إجابة سؤال الملكين وكل حياته البرزخية ستكون خالية من أي ذكريات أو عقائد.
 وعندما نلخص النتيجة نقول أن جهاز التحكم المركزي المتوسط هو الدماغ يتلقى الأوامر الإرادية من النفس ويرسلها على الأعضاء ويتلقى ردود الفعل من الأعضاء ويرسلها للنفس ويتلقى الإجابة ، بينما يقوم الدماغ ذاتياً بالتحكم بالحركات اللاإرادية ذاتياً
 الشواهد القرآنية والنبوية
{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ } [الأعراف:172]
وهذا شاهد قرآني رئيسي نستنبط منه أن عملية استنطاق الأنفس واستشهادها وإشهادها دلَّ على توافر الإدراك والوعي التام والذاكرة والتفاعل بكامل أهليتهم البشرية وبالتالي فإن هذا الشاهد القرآني كافٍ على الدلالة المباشرة لوجود العقل والمنطق والذاكرة والإرادة والوعي بدون توافر الجسد البشري والدماغ المادي بخلاياه وأنسجته وسوائله.
وبالتالي فكل تلك العناصر التي يظن البشر اليوم أنها مناط التفكير والذاكرة والعقل ليست في الحقيقة موجودة قبل خلق الجسم البشري وولادته ونموه فيكون لدينا ثابت مستقر الثبوت على أن الذاكرة متوافرة وموجودة قبل الخلق.
{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } [الأحزاب:72]
والآية الكريمة تقص علينا مرحلة الخلق الأول التي أشفقت فيها السموات والأرض والجبال من الإدراك والوعي وميزة الاختيار وأبين من ذلك واختاروا الطاعة الفطرية طوعاً لا يحتاجون معها لإكراه أنفسها لإتيان الطاعة وتكره أنفسها لتجنب المعصية ، بينما حمل الإنسان الطاعة بالإكراه (أي إكراه ذاته على الإتيان والترك)  ، وأرى من الجدير هنا مراجعة مقالة ( في ظلال الساجدين) التي بينَّا فيها معنى الطوع والكره في السجود وبالتالي الطوع والكره عند خلق السموات والارض والجبال ومفهوم الأمانة التي تميز بها بني آدم .
أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ” إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا
فهذا دليل على أن الذاكرة مضمنة في نفس الإنسان وهي التي تُسأل ، فالعبد عندما تنزع روحه من بدنه ويقبر جسده تؤخذ نفسه وتسأل لأنها هي التي كسبت وتحكمت في الجسد فأتت الخير وتركت الشر أو العكس ، فلا ضير في تلف البدن أو حرقه أو تمزقه لأن سؤال الميت وحياة البرزخ إنما تقع على النفس وبالتالي فلا بد أن الذاكرة والعقل والإدراك والوعي ليست متعلقة بذلك البدن وإلا لاستحال ذلك في حينه لتلف تلك الأعضاء وتحللها ونزع الروح منها.
قَالَ قَتَادَةُ وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ “وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ” .
فنستنتج ان النفس تنتقل لبعد آخر غير “البعد الدنيوي” له طيف معين وحالة فيزيائية خاصة ليست ضمن نطاق البعد الذي نعيش فيه وبالتالي فأدوات “البعد الدنيوي” ولنسميه “البعد البرزخي” وينتقل العبد لهذا البعد فيتمكن من رؤية مالا يرى في البعد الدنيوي ويسمع مالا يسمع في البعد الدنيوي فيقول تعالى:
{ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } [ق:22]
فيصبح بموته قادر على رؤية مالا يراه فتبدأ تتراءى له الكائنات في البعد البرزخي حال البدء في النزع الأخير ويلحظ ذلك من حوله لمشاهدته للعديد من الأشياء التي لا يراها من يحيط به لأنه في طور الخروج من بعد والدخول لبعد جديد وبالتالي فمادة الجسم الدنيوية لم يعد لها حاجة ولا دور فالألم والنعيم في أصلهما لا يشعر به البدن بل النفس هي التي تستلذ وتتنعم أو تتألم وتتعذب ، وهنا يعد هذا المفهوم رد على ذوي الفهم القاصر الذين يحتجون بتحلل الجثث وتفتت العظام وبقاء هذا الجثمان لا يظهر للناظر إلا ترمم وتعفن لا نعيم ولا عذاب والحقيقة أنه عاجز عن رؤية البعد الذي تتواجد فيه النفس.
وبالتالي نتساءل كيف يفهم العبد سبب عذابه أو نعيمه في حال البرزخ ما لم يكن لديه ذاكرة تحمل كل أفعاله خيرها وشرها ؟ فلا بد إذن أن الذاكرة مرتبطة بالنفس وليس الجسد.
وبالمناسبة فالروح طاقة مقدسة من أمر الله ومن لدن عزيز حكيم يبثها في أجساد المخلوقات فيجب أن يفهم أن العذاب لا يقع على الروح بل على النفس وأقول ذلك لما لاحظته من خلط في مفهوم النفس والروح فتجد البعض يصف العذاب بأنه يقع على الروح والحقيقة أنه يقع على النفس كما أسلفنا فالله يقول (نَفَخْتُ فِيْهِ مِنْ رُوْحِيْ) فكيف يقع عذاب على روح من الله ؟ .
 وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) سورة آل عمران
 فالفرحة والاستبشار بالمجاهدين المؤمنين الأحياء الذين لم يستشهدوا كل تلك المشاعر تلت الموت وسبقت البعث أي أنها وقعت بعد القتل والاستشهاد مباشرة ، ولولا أن الذاكرة والعقل والمنطق والإدراك متوافرة لما تمكن الشهداء من الشعور بتلك المشاعر العالية التأثير.
والسنة النبوية تحمل الكثير من الدلائل والشواهد على حالة العبد بعد الموت ولكن نكتفي بما سبق لكون الأدلة التي سقناها تحمل مفهوم الشعور والذاكرة والإدراك قبل الخلق ، وتحمل ذات المفهوم بعد الوفاة والموت ، وبالتالي تتحقق عدة ثوابت ونواتج لتلك الأدلة ومفاهيمها نجملها في النقاط التالية
ملخص نتائج الدراسة
أولا: أن الذاكرة والإدراك والشعور عناصر عقلية مرتبطة بالنفس وليست متعلقة بالدماغ والمخ وبالتالي فليس لها اصل مادي ملموس ضمن البعد الدنيوي.
ثانيا: أن الدماغ والجهاز العصبي ليس جهازاً مركزيا لتلك العناصر العقلية ولكنه وسيط قادر على نقلها من بعد النفس إلى بعد الجسد.
ثالثاً: أن تعلق النفس بتلك العناصر العقلية سبق خلق الجسد ويتلو حالة الموت والوفاة.
رابعا: أن كافة الأفعال الإرادية هي أفعال تنتجها النفس ويترجمها الدماغ لينقلها للبدن .
خامساً: أن كافة الأفعال اللاإرادية تدور ضمن دائرة داخلية بين الدماغ وأعضاء الجسم المحسوسة وتحكم النفس فيها محدود وغير متاح (كوظيفة القلب والرئتين والأعضاء الحيوية المتحركة لا إراديا).
سادساً : أن إصابة الوسيط (الدماغ) بالإصابات المادية التي تعجزه عن الاستمرار في القيام بوظيفته بتمرير وترجمة البيانات بين النفس وبين أجزاء البدن لا يعني فقدان ما سبق تلك الإصابة من معلومات وبيانات وذكريات لكونها ليست مخزنة ومحفوظة في هذا الدماغ.
صورة توضيحية

اطوار

ذاكرة الأعضاء
إن النفس بما تشتمل عليه من أقسام (العقل ، الوعي ، الإدراك ، الإرادة) تختزن كافة ذكريات ومشاهدات وأفعال المخلوق ، ولكن لعلنا ذكرنا بأن هناك دائرة قصيرة للأفعال اللاإرادية تكمن في الدماغ ولكنها ليست هي الذاكرة الرئيسية التي تختزن البيانات وتسترجعها وتتحكم بها ضمن المشيئة والإرادة بل تشتمل على ذاكرة صغيرة تسهم في عمل الأعضاء لا إرادياً ، وقد توصل العلم الحديث لوجود صورة من صور الذاكرة البسيطة لكل عضو من أعضاء الجسد ، ولم يقتصر الإدعاء على أن الذاكرة موجودة في الدماغ بل تبين بأن كل عضو له ذاكرته الخاصة وهذا مؤيد في كتاب الله إذ يقول تعالى :
{ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [النور:24]
فكل عضو يحمل ذاكرة للأعمال التي اجترحها ولكن ذاكرة العبد الرئيسية تشمل كل تلك الذكريات ، ومن هنا أتت الشهادة ، فالعضو ينطق بما أمرته النفس أن يرتكب من الآثام وكل عضو يشهد وفق ذاكرته فيتفق ما بذاكرة العضو مع ذاكرة العبد المتصلة بالنفس.
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) [فصلت]
فالنفس تخاطب البدن بأعضائه المختلفة معاتباً إياها لشهادتها بما تحمله من سوء ظن في حق الله بأنه لا يعلم عما يفعل الظالمون ، فتبين بأن تلك الذواكر المختلفة المرتبطة بالأعضاء تحمل معلومات متفرقة كتلك التي تحملها النفس إجمالا.
{ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [يس:65]
فذاكرة الأعضاء تستخدم للشهادة على أصحابها وهنا دلالة على أن الجسد المبعوث يشتمل على كافة الخلايا المتجددة التي سبق وأن خلقها الله لهذا الجسد وهذه ليست شهادة مجازية بل شهادة حقيقية من كل عضو فيتفق ما بذاكرة كل عضو مع ذاكرة النفس الكلية الممتدة طيلة حياة العبد.
والله أعلى و أعلم وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الحِجَازْ بَيْنَ القُرآنِ والإعْجَاز

بسم الله الرحمن الرحيم

الحِجَازْ بَيْنَ القُرآنِ والإعْجَاز
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
فقد لفت انتباهي أثناء متابعتي لأبحاث الأخ الدكتور زياد السلوادي في كتابه عجائب القرآن الكريم تجنبه لاستعمال مفردة الإعجاز التي تترافق مع المجالات المختلفة كالإعجاز العددي والإعجاز العلمي والإعجاز التشريعي إلى آخر ما هنالك من التعبيرات والمصطلحات التي تنسب الإعجاز للقرآن الكريم.
وبالفعل عندما راجعت المفردة وجدتها بالفعل لا تناسب القرآن الكريم وينبغي انتقاء التعبير المذكور في القرآن الكريم ويجب أن يحجز هذا المصطلح من الترافق مع القرآن الكريم ويستبدل بتعبير أفضل وانسب وذلك للأسباب التالية:
أولاً : لم يرد في كتاب الله نسبة الإعجاز إلى القرآن نصاً ولم ينسب أيضاً الإعجاز إلى ما أيد به جل جلاله رسله من آيات بينات ، وإن كان قد تحدى فقد تحدى من يأت بآية من مثله على أقل تقدير.
ثانياً : كتاب الله لم ينزل ليعجز البشر بل ليهديهم إلى سواء السبيل ولينير طريق المؤمنين عندما يتدبروا آياته فيجدونها تتفتق في كل عصر عن معان وفرائد وعجائب تدعو لتجديد الإيمان وتعميق الثقة بمنزل الكتاب العزيز.
ثالثاً : أن تعبير العجز والإعجاز يعود عادة لضعف وحقارة قدرة العاجز وقصورها ، بينما كان الأولى بيان تفوق النص القرآني بدلاً من نسبة العجز لمن يقرأه ويتدبره ، ونسبة العجز ووصم قارئ القرآن به لا يترافق مع الهدف الذي أنزل هذا الكتاب لأجله وهو الهداية وليس إعجاز الخلق.
رابعاً: لم تعقم اللغة العربية عن الإتيان بالتعبير المناسب وهي التي كانت المصدر الغني والثري الذي شكل المكون المقدس للنص القرآني.
وبالتالي فقد وجدت أن استعمال هذه المفردة ينم عن فقدان الإحساس والتذوق للغة العربية التي لا شك أن فهم دقائقها هو عماد فهم التنزيل وبقدر توغل الباحث في اللغة ودرء الترادف في ذهنه لما استطاع أن يقبل هذا التعبير.
خامساً : أن الخالق الحكيم جلت قدرته عندما أرسل الأنبياء بالآيات البينات لم يكن ذلك في سبيل إعجاز الخلق أو تحديهم بأن يأتوا بمثلها ولكن لكي يبين لهم قدرته عندما كان الناس قد اعتادوا على رؤية آلهتهم فكيف يؤمنون بإله لا يرونه ؟ فأراد الله أن يثبت لهم بأن الرؤية ليست مناط الإيمان بل أن اليقين اقوى من الرؤية في إدراك وجود الخالق فأيد الأنبياء بالآيات التي آمن بها المؤمنون وجحدها وأنكرها الجاحدون فكانت حجة البلاغ على المَبلَّغيِن.
فالعجز في القرآن الكريم غالباً ما أتى في سبيل تحقير الله لقدرة الإنسان أمام قدرة الله جل وعلا وأنه موجَّهٌ للكافرين حصراً دون سواهم إذ أن المؤمنين عارفين به جلت قدرته وعالمين باستحالة تفوقهم أو تمكنهم من الاختفاء عندما يريد الله بهم شراً.
ولكن أنسب تعبير يمكن استعماله يجب أن يكون قرآنياً فحق أن تسمى الفرائد والبينات العلمية التي تظهر وتتكشف للباحثين في المجالات العلمية والعددية والطبية وغيرها بالعجائب ، فنقول العجائب العددية في القرآن ، العجائب التشريعية في القرآن ، العجائب الطبية في القرآن وهكذا نسبة لما وصف الجن به هذا الكتاب العظيم في سورة الجن { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا } [الجن:1] فكان القرآن الكريم مثار عجب وذهول الجن فأتوا بالتعبير الملائم والمناسب وهو عجائب القرآن الكريم التي أقترح أن تكون بديلا لمصطلح (إعجاز القرآن الكريم)
والله الهادي إلى سواء السبيل
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

التَّعْرِيْفُ بِالمُتّقينْ وَالعُلَمَاءْ المُؤْمِنِيْنْ

بسم الله الرحمن الرحيم
التَّعْرِيْفُ بِالمُتّقينْ وَالعُلَمَاءْ المُؤْمِنِيْنْ
يقول تعالى :  إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) (سورة فاطر)
إن اختلاف العصر وتميز فئة من المشتغلين بعلوم الشريعة باسم العلماء أوجد اختلالاً في فهم الآية المسطرة أعلاه عند كثير من الناس فَفُهِمت بأن الحصر (إِنَّمَا) يختص فئة من الناس بأعيانهم دون سواهم ، وهذا برأيي لا يتفق و الفهم المراد من الآية وتضييق لأمر يقوم على العموم.
وباستقراء العلم والأمر به في كتاب الله نجده ذُكر وتم الأمر به  في ثلاثين موضعاً في كتاب الله ، ولو تتبعنا مواضع الأمر بالعلم في الثلاثين موضع لوجدناها جامعة لقدرة الله وصفاته سبحانه فمن آمن و علم بها كان من العلماء وتحققت في قلبه الخشية التي لا تتأتى لمن جهل ، وتعريف العلماء هنا كما أشرنا ليس تخصيص لفئة من المسلمين بالمصطلح الذي نعرفه اليوم وإلا لكان الحصر في قوله تعالى (إنَّما) يخرج عامة المسلمين والمؤمنين من الخشية لله ولكن العلماء هنا صفة لمن تحقق لديه العلم الذي أمر به الله في كتابه، فكل مؤمنٍ تحقق لديه ذلك دخل في هذه الآية.
ولنجتزئ مواضع الأمر بالعلم فنقول :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (البقرة الآية(194)
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (البقرة الآية(196)
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (البقرة الآية(203)
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (البقرة الآية (209)
وَاتَّقُوا اللَّهَ
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (البقرة الآية(223)
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة الآية 231)
اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (البقرة الآية 233)
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (البقرة الآية(235)
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة الآية(244)
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (البقرة الآية(260)
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (البقرة الآية(267)
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المائدة الآية(98)
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (المائدة الآية(49)
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (المائدة الآية(92)
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المائدة الآية(98)
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (الأنفال الآية(24)
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (الأنفال الآية(25)
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (الأنفال الآية 28)
إِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الأنفال الآية(40)
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الأنفال الآية(41)
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (التوبة الآية(2)
فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (التوبة الآية(3)
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (البقرة الآية(194)
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (التوبة الآية(123)
اعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (هود الآية(14)
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (القصص الآية(50)
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (سورة محمد الآية(19)
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (الحجرات الآية(7)
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا (الحديد الآية(17)
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.(الحديد الآية(20)
 ولو تتبعنا واستقرأنا ما أمر الله بالعلم به في الآنف من الآيات لوجدناه منصباً جلُّه على قدرة الله المطلقة وصفاته العليَّة التي لا يشاركه فيها أحد فالعلم والتقوى متلازمان فلا يتحقق التقوى بدون العلم والأمر بالتقوى يحققه العلم بالله ومن علم بالله كما أمر الله في كتابه في هذه المواضع على وجه كمال العلم وتمام الإيمان تحققت منه الخشية من الله وحصل التقوى.
والله أعلى وأعلم وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.