القَدَاسَةُ والتَّقْديْس فِي السِّيَاقِ القُرآنيّ

بِسْم الله الرحمن الرحيم

قال الحق تبارك وتعالى:

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} البقرة:30

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على نبي بعده          وبعد

مضى وقتٌ طويل وأنا أراجعُ هذه الآية الكريمة باحثاً عن أسرارها ومفاهيمها، ساعياً في الوصول لما تطمئن إليه النّفس، وقد اطلعت على أقوال مفسرينا الأجلاء وأقوال السلف والخلف من الأئمة والعلماء وطلبة العلم، فلم أقع على ما يروي غليلاً ولم أجد الأقوم قيلاً بل وجدت من الاضطراب في فهم الآية ما يشط بالتفاسير لتناقضات مع مواضع أخرى في القرآن الكريم، بل كان تعدد الآراء واللجوء للإسرائيليات دلالة واضحة على هذا الاضطراب، وفي نهاية الأمر لم أجد الكفاية عن مؤونة البحث والاستقراء والتدبر والاستقصاء.

وفي هذا البحث سنتتبع ونستقرئ مفردات هذه الآية لمحاولة الوصول لفهم سليم بتوفيق الله وتيسيره مسترشداً باستقراء مفردات الآية في القرآن الكريم ومقارنة المفاهيم المتشابهة.

 

أسئلة محيرة

من ابرز التساؤلات والإشكالات في ذهن بعض قراء هذه الآية ماهية العلاقة بين سؤال الملائكة وبين استخلاف الله لآدم وذريته في الأرض، فقد يصعب تبيُّن طبيعة السؤال ومؤداه، هل هو تعجبي؟ أم استنكاري؟ استفهامي؟؟ ولماذا لم يرد الجواب عن سؤال الملائكة إن كان سؤالهم على سبيل الاستفهام؟

وقد يصعب الوصول لمفهوم قوله تعالى:

(وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)

فالتسبيح بحمد الله هو تنزيهه جلّ وعلا عما لا يليق، ولكن ما معنى قوله نقدس لك؟؟.

لقد وجدت أن فهم التقديس في هذا الموضع وفي كل القرآن الكريم هو محور فهم هذه الآية على وجه دقيق متسق، فانطلقت من هنا حتى فتح الله علي بفهم ارجو أن يكون هو الأقرب للحق.

 

مفهوم التقديس والمعاني المرتبطة به

القُدْس، الْقَدَاسَة: ويعني الطهر والبراءة من الدنس والسوء من الأفعال والأقوال.

والتقديس: هو التطهير والتبرئة من الذنوب والآثام.

والملائكة مخلوقات قدسها الله أي طهرها ونزهها عن الذنوب والخطايا فلا ينبغي لها العصيان أو الرذل من الأفعال فيقول تعالى (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ، والواحد من الملائكة (الملك) يسمى “قُدَاسْ” أي الطَّاهر المطهر ، والجمع “قُدُسْ” أي الأطهار ، فالقُدَاس يجمع إلى قُدُس ، كالحجاب يجمع إلى حُجُب ، والكتاب يجمع إلى كُتُبْ ، وهي صيغة جمع التكسير لكل اسم ثلاثي معتل العين فيجمع على صيغة فُعُل ، وجبريل عليه السلام رئيس الملائكة ، ويسميه الله تعالى في القرآن الكريم “رُوْحُ القُدُس” فهو رئيس الأطهار وروحهم.

والقداسة تشمل طهارة الموضع كالوادي المقدس طوى، فطهارته وقيمته المقدسة جعلت الرحمن يأمرُ عبده موسى عليه السلام أن يخلع نعليه بعلّةِ قداسةِ الموضع وطهره فيقول جل شأنه:

 

{إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} طه:12

 

هل تصح نسبة القداسة لله؟؟

لقد طهر الله تعالى ملائكته طهارة تكوينية ، فلا ينبغي لهم إتيان المعاصي أو ترك العبادة ونبذها ، فالقداسة حلت عليهم من (القدوس) وهو اسم من أسماء الله الحسنى يشير لتفرده بتحقيق القداسة وإضفاءها على من يشاء وما يشاء من خلقه.

لا تصحُّ نسبةُ الطُّهْر إلى الله فيقال المُطَهَّر ، لأن ذلك يعني أنه قبل التقديس لم يكن كذلك تعالى ربنا عن ذلك ، بل هو القدوس الذي به يتحقق التطهير ، فعندما يجعل من الملائكة طاهرين فقد قدسهم ونزههم عن الذنوب ، وهو عندما يغفر ذنوب المذنبين فهو يطهرهم من دنس الذنب فيتقدسون حتى يعودون ويذنبون فتنتفي عنهم القداسة حتى يعود الله عليهم بالغفران والتطهير فكان اسم القدوس دليل على مصدر التطهير وليس هدفه.

والنصارى يسمون صلاتهم (قُدّاساً) فتحصل المغفرة بزعمهم لمن يشارك في هذه الطقوس الكنسية، وهم يسمون العالم الرباني الجليل أو الوليُّ من أولياء الله عندهم (القدّيس) لامتناعه عن إتيان الذنب وطهارته عن النقائص برأيهم.

فالله تعالى وحده مصدر القداسة، فهو سبوح منزه عن الدنايا قدُّوس مُطَهِّرٌ لمن يشاء له ذلك من خلقه وهذا متفق مع طبيعة كل أسماء الله الحسنى .

وظيفة الملائكة الكرام

إن القرآن الكريم يعرّفنا على وظيفتين أساسيتين هما تكاليف الملائكة وعبادتهم التي افترضها الله عليهم وهما:

أولاً: الوظيفة العلوية وهي: التسبيح بحمد ربهم جل وعلا.

ثانياً: الوظيفة السفلية وهي : الاستغفار للمؤمنين (التقديس).

 

ودلالة ذلك في قوله جلَّ شأنه:

{تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الشورى:5

 

{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} غافر:7

 

إن استغفار الملائكة لمن في الأرض هو بذاته التقديس لأنهم يطهِّرون من في الأرض باستغفارهم لهم ويستجيب القدوس سبحانه لاستغفارهم فيمحو ذنوب المكلفين فيتحقق التطهير وتحل عليهم القداسة.

وبعد الحساب ودخول أهل الجنة لمأواهم، ودخول أهل النار لمستقرهم يبقى التسبيح – وهو الوظيفة العلوية – ويتوقف التقديس – وهو الوظيفة السفلية – ويحلّ محلّهُ الحمد وذلك لتحقق الحساب والثواب والعقاب وانتهاء التكليف وفي ذلك يقول تعالى :

 

{وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } الزمر:75

 

مفهوم الآية الكريمة

هنا يتبين لنا بجلاء ووضوح مفاد هذه الآية الكريمة، فالملائكة الكرام عالمين بما في اللوح المحفوظ وعارفين بعلم من الله بما سيكون من البشر على الأرض، وقد سبق أن علمنا كيف أن الشياطين كانت تقعد مقاعد للاستماع فيعلمون شيئا من الغيوب حتى حَرَمَهُم الله جلّ جلاله من ذلك بالشهب الحارقة ترصدهم وتمزق من يحاول الاستماع.

فالملائكة يتفكرون بتعجب فيما علموا من الغيب – المستثنى – الذي علمهم الله (لا علم لنا إلا ما علمتنا) عن خلق الله وفعله بهم ، فكيف يجعل في الأرض قوما يبارزونه بالمعاصي ، ويسفكون الدماء ، وبالمقابل فإن الملائكة تؤمر بالاستغفار لهم وتقديسهم برغم سوء فعلهم و عظيم جرمهم ؟.

وهذا من أعظم المفاهيم وأجلّها، وفيها ما يبعث على الرهبة والامتنان والخشية والتذلل لهذا الرب العظيم وهذا الإله الكريم.

فالله يخبرهم بحلول أمره بتكوين الإنسان وخلق آدم وجعله خليفة فيقول تعالت ذاته :

(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة)

فيقول الملائكة الكرام بعد علمهم بما يكون من نتائج هذا الاستخلاف متعجبين من فعل الله : أتجعلُ في هذه الأرض مفسدين مذنبين طغاة بغاة (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) وهي الوظيفة الأولى، العلوية.

(وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي نستغفر لهم بأمرك ونطهرهم لأجلك رغم ما يقع منهم من سوء وسفك للدماء ؟ ، وهي الوظيفة الثانية ، السفلية.

فلو كان التقديس يقصد به تنزيه الله لقال (نقدسك) أما قوله (نقدس لك) فالتقديس لم يقع على الله بل وقع على سواه ولكن لأجله تعالى وبأمره ، فعندما يقول الرجل لأخيه إني استغفر لك ، فالمعنى اني اطلب من الله أن يحقق المغفرة لذنوبك فالعمل أقوم به لأجلك ، وعندما يقول قائل إني أذبح لله ، فالمذبوح ومن وقع عليه الذبح من النعم غير من كان الذبح تقربا إليه.

وعندما يقول لي قائلٌ : لقد طَهوتُ لك، فلا يراد أن الطهي وقع علي بل وقع لي ولأجلي ولكن الفعل وقع على الطعام المطبوخ ، وكذلك قول الملائكة (نقدس لك) نستغفر لخلقك تطهيراً لهم من آثامهم لأجلك وتنفيذاً لأمرك.

فكيف يا رب تبادل هذه المخلوقات العاصية المجرمة بالمغفرة والتطهير الدائم مع ما يبتدرونك به من العصيان والإجرام وسفك الدماء؟

وهو سؤال يعجبون فيه من فعل الرحمن بخلقه في حين أن المتبادر للذهن أن مثل أولئك قوم يستحقون العقاب الشديد على فعلهم ولكن الله يُمهلهم ويُطهرهم ويأمر الملائكة بالاستغفار لهم ويسخرهم لذلك الفعل.

لا شك أن هذه الرأفة والإشفاق على بني آدم من أسمى معاني الربوبية والرحمة، وليعلم أهل الأرض كرامة الله لهذا المخلوق العاصي وإمهاله له وعنايته به حتى أنه سخر له الملأ الأعلى ليقوم على شئونه ويصرف نصف عبادته مستغفراً له مطهراً لسجله من المعاصي والآثام.

مراجعة لبعض أقوال المفسرين

من المهم أن نراجع أقوال المفسرين في هذا الباب ونتعرف على آرائهم حيال تفسير هذه الآية ومفهومها ونعلق على كل فقرة قدر الإمكان ودائما ما نجد ابن جرير الطبري رحمه الله أكثر المفسرين إحاطة بالأقوال المتنوعة، المتفق منها والمتضارب، الشائع والشاذ فنقتبس من تفسيره رحمه الله بتصرف غير مخل اقتصر على إغفال الاسرائيليات ومالا سند له من قرآن ولا حديث فنقول وبالله التوفيق:

حدثنا به بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : ” وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ” فاستشار الملائكة في خلق آدم ، فقالوا : ” أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ” وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض ” ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ” فكان في علم الله جل ثناؤه أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة . قال : وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول : إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة : ما الله خالق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا ؟ فابتلوا بخلق آدم – وكل خلق مبتلى ، كما ابتليت السماوات والأرض بالطاعة ، فقال الله : ( ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) [ سورة فصلت : 11 ] .

وهذا الخبر عن قتادة يدل على أن قتادة كان يرى أن الملائكة قالت ما قالت من قولها : ” أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ” على غير يقين علم تقدم منها بأن ذلك كائن ، ولكن على الرأي منها والظن ، وأن الله جل ثناؤه أنكر ذلك من [ ص: 464 ] قيلها ، ورد عليها ما رأت بقوله : ” إني أعلم ما لا تعلمون ” من أنه يكون من ذرية ذلك الخليفة الأنبياء والرسل والمجتهد في طاعة الله . انتهى

أقول في هذا الباب : وهذا القول ينفي تنزيه الملائكة بالقول بالهوى والظن وعصمتهم عن الرجم بالغيب وهو فعل ذميم ، فهم ما قالوا قولهم إلا لاطلاعهم على ما قرروه وعلمهم من علم بالله بما قالوه ، ونفيهم العلم بالأسماء في قولهم ” سبحانك لا علم لنا ” مستثنى منه ما علمهم الله ” إلا ما علمتنا ” فكان دلالة على أن الملائكة علموا من علم الله شيئاً وخفي عنهم أشياء ، فالمعرفة والعلم ليست قاطعة بالعلم بكل شيء وليست منفية فيقال الجهل بكل شيء ودلالتها في الآية وهذا مما لا يحتاج معه لمزيد بحث.

وقال ابن جريج بما :

حدثنا به القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : إنما تكلموا بما أعلمهم أنه كائن من خلق آدم ، فقالوا : ” أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ” ؟ وقال بعضهم : إنما قالت الملائكة ما قالت : ” أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماءلأن الله أذن لها في السؤال عن ذلك ، بعد ما أخبرها أن ذلك كائن من بني آدم . فسألته الملائكة ، فقالت ، على التعجب منها : وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم ؟ فأجابهم ربهم : إني أعلم ما لا تعلمون ، يعني : أن ذلك كائن منهم – وإن لم تعلموه أنتم – ومن بعض من ترونه لي طائعا . يعرفهم بذلك قصور علمهم عن علمه .

وقال بعض أهل العربية : قول الملائكة : ” أتجعل فيها من يفسد فيها ” على غير وجه الإنكار منهم على ربهم ، وإنما سألوه ليعلموا ، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يسبحون . وقال : قالوا ذلك لأنهم كرهوا أن يعصى الله ، لأن الجن قد كانت أمرت قبل ذلك فعصت .

وقال بعضهم : ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك ، فكأنهم قالوا : ” يا رب خبرنا ” مسألة استخبار منهم لله ، لا على وجه مسألة التوبيخ .

قال أبو جعفر : وأولى هذه التأويلات بقول الله جل ثناؤه ، مخبرا عن ملائكته قيلها له : ” أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ” [ ص: 470 ] ، تأويل من قال : إن ذلك منها استخبار لربها ، بمعنى : أعلمنا يا ربنا أجاعل أنت في الأرض من هذه صفته ، وتارك أن تجعل خلفاءك منا ، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، لا إنكار منها لما أعلمها ربها أنه فاعل . وإن كانت قد استعظمت لما أخبرت بذلك ، أن يكون لله خلق يعصيه .

وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بالسؤال عن ذلك فسألته على [ ص: 471 ] وجه التعجب ، فدعوى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل ، ولا خبر بها من الحجة يقطع العذر . وغير جائز أن يقال في تأويل كتاب الله بما لا دلالة عليه من بعض الوجوه التي تقوم بها الحجة .

وأما وصف الملائكة من وصفت – في استخبارها ربها عنه – بالفساد في الأرض وسفك الدماء ، فغير مستحيل فيه ما روي عن ابن عباس وابن مسعود من القول الذي رواه السدي ، ووافقهما عليه قتادة من التأويل : وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا ، فقالوا : ” أتجعل فيها من يفسد فيها ” على ما وصفت من الاستخبار .

فإن قال لنا قائل : وما وجه استخبارها ، والأمر على ما وصفت ، من أنها قد أخبرت أن ذلك كائن ؟

قيل : وجه استخبارها حينئذ يكون عن حالهم عن وقوع ذلك . وهل ذلك منهم ؟ ومسألتهم ربهم أن يجعلهم الخلفاء في الأرض حتى لا يعصوه . وغير فاسد أيضا ما رواه الضحاك عن ابن عباس ، وتابعه عليه الربيع بن أنس ، من أن الملائكة قالت ذلك لما كان عندها من علم سكان الأرض – قبل آدم – من الجن ، فقالت لربها : ” أجاعل فيها أنت مثلهم من الخلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون ” ؟ على وجه الاستعلام منهم لربهم ، لا على وجه الإيجاب أن ذلك كائن كذلك ، فيكون ذلك منها إخبارا عما لم تطلع عليه من علم الغيب . وغير خطأ أيضا ما قاله ابن زيد من أن يكون قيل الملائكة ما قالت من ذلك ، على وجه التعجب منها من أن يكون لله خلق يعصي خالقه .

وإنما تركنا القول بالذي رواه الضحاك عن ابن عباس ، ووافقه عليه الربيع بن أنس ، وبالذي قاله ابن زيد في تأويل ذلك ، لأنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يقطع مجيئه العذر ، ويلزم سامعه به الحجة . والخبر عما مضى وما قد سلف ، لا يدرك علم صحته إلا بمجيئه مجيئا يمتنع معه التشاغب والتواطؤ ، ويستحيل معه الكذب والخطأ والسهو . وليس ذلك بموجود كذلك فيما حكاه الضحاك عن ابن عباس ووافقه عليه الربيع ، ولا فيما قاله ابن زيد .

نكتفي بما قد سبق وأستغفر الله العلي العظيم من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم

اللهُ وَالرَّحْمنُ جَلَّ جَلَالُه ، دِرَاسَةٌ مُقَارِنَةٌ لِلدَّلاَلاَتِ وَالمَضَامِيْنْ

اللهُ وَالرَّحْمنُ جَلَّ جَلَالُه

دِرَاسَةٌ مُقَارِنَةٌ لِلدَّلاَلاَتِ وَالمَضَامِيْنْ

تمهيد :

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .

إن أسماء الله الحسنى تحملُ ظواهرَ لافتة ومعانٍ مباغتة تلتمع في أذهان المتدبرين وتستقر في أفهام المؤمنين ، وهنا وَجَبَ عليهم تتبّعها واستنطاقها ودراستها.

وعند استقراء الاسمين الأعظمين لله جل وعلا (الله والرَّحمَن) وجدتُ أننّا قد غفِلنا لزمن طويل عن جوانبَ هامّة ودلالاتٍ أصوليّة لهذين الاسمين من أسماء لله دون بقية أسمائه وصفاته جل في علاه.

وفي هذه الدراسة سأقدم ما توصلت إليه من حقائق وما يؤيدها من قول الله في كتابه الكريم وكيف أن هذين الاسمين مرتبطين ببعضهما البعض وما هي دلالة كل منهما مستدلاً بالسياق القرآني .

وبعد ذلك سأعرض للقارئ الكريم أبرز ما قيل في التراث الإسلامي عن هذين الاسمين ، وقد أخرت الرجوع لأقوال العلماء لعدة أسباب:

أولاً: أسلوب الدراسة والبحث ، فلم تكن استنتاجات وترجيحات مما سبق من أقوال ، ذلك أني رأيت أن هذا النوع من البحوث يستلزم أولاً طرح ما قيل في المسألة ثم ترجيح الأصوَب في نظر الباحث ومسوغات هذا الترجيح ، إلا أننا في هذه الدراسة وبعد أن تدوين الرأي شرعنا في مراجعة أقوال العلماء للتحقق مما إذا كان قد سبق التطرق إليه بهذه الصورة أو أن نتيجة قد رشحت مشابهة لما توصلنا إليه أم لا فلم نجد لذلك أثراً.

ثانياً: ضرورة إيراد تلك الأقوال لأن الحكم في تقييم نتائج الدراسة لا يمكن أن يحصل مالم يتمكن القارئ الكريم من الإحاطة بكل ما قيل في المسألة فتستقر لديه القناعة بأحد الأقوال إما القول الذي ذهبنا إليه أو سواه.

ثالثاً: أن الأمانة العلمية تفرض على كل باحث توسيع مداركه ومباحثه ومفاهيمه وأن لا تكون حكراً على فهمه وذهنه بل ينبغي أن يضمنها في متن الدراسة ليثبت قيامه بالخطوات العلمية السليمة فيكون عمله متقناً مقبولاً شكلاً ولو لم يقبل مضموناً عند البعض.

ظواهر تفرد الاسمين(الله والرَّحمَن) دون سواهما

يعلم كل مسلم أن لله أسماءً وصفات عديدة وصلت في قول جمهور العلماء إلى تسعة وتسعين إسماً ثابتاً لله جل جلاله ، ولكن الاسمين الجليلين موضع البحث تَميَّزا عن بقية أسماء الله تعالى من عدة وجوه:

الوجه الأول : اجتماعهما في البسملة دون سواهما من أسماء الله تعالى (بسم الله الرَّحمَن الرحيم) فما عدا سورة التوبة فلا توجد سورة من سور القرآن الكريم  لا تفتتح بالبسملة بهذه الصيغة التوقيفية ، في حين أن للاستعاذة أكثر من صيغة.

الوجه الثاني : تشابه السياقات التي يرد فيها كل اسم منهما ضمن القرآن الكريم ، فنجد أن اسم الجلالة (الله) له سياقات شائعة يأتي فيها ، ولاسم الجلالة (الرَّحمَن) سياقات شائعة أخرى يأتي فيها ، لذا فكانت ظاهرة لافتة تستدعي البحث والاستقراء.

الوجه الثالث : في حين أن المبالغة في الرحمة هي الصيغة المتبادرة لذهن من يقرأ الاسم إلا أن اسم الجلالة (الرَّحمَن) أتى في سياقات أخرى تحمل الدلالة على البطش والعذاب والخشية والعقاب فكيف يكون ذلك إلا أن يكون للاسم دلالات تتجاوز مفهوم الرحمة من جهة ودلالات على أن من العدل البطش بالمعتدي رحمة بالمعتدى عليه.

الوجه الرابع : أن الله جل وعلا لفت الأنظار لهذين الاسمين دون سواهما وأمر عباده بالدعاء بهما أو بأحدهما وأجمل بقية الأسماء الحسنى بعدهما فقال تعالى :

{ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا } [الإسراء:110]

فاختص هذين الاسمين دون سواهما بالذكر والأمر بدعاءه جل شأنه بهما وهو أمر لا ينبغي أن يمر علينا بلا تدبر واستظهار ، بل يجب إخضاعه للبحث والتحليل حتى نصل للنتيجة التي تطمئن إليها القلوب.

دلالات إسميّ الجلالة (الله ، الرحمن)

لا شك أن هذين الاسمين دون سواهما يحملان دلالات خاصة تظهر في سياق استعمال هذين الاسمين العظيمين، ومن خلال البحث والاستقراء تبين بأن هذين الاسمين لهما خصائص لا توجد في سواهما من أسماء الله الحسنى و نلحظ ما يلي :

اسم الجلاله “الله :

وهذا الاسم العظيم متعلق باستحقاقه جل جلاله لعبادة العابدين وتفرده بالألوهية فالله هو المألوه الذي يُتّخَذُ إلهاً يعبد، فتعلق هذا الإسم بما يصعد إليه جل جلاله من عبادة العابدين وتأليه وتنزيه وإعلاء في قلوبهم ، ولو تتبعنا مواضع هذا الاسم العظيم في القرآن لوجدناه يحمل دلالة التأليه والتنزيه والعبادة .

اسم الجلاله ” الرَّحمَن:

وهذا الإسم متعلق بربوبيته جل في علاه لخلقه وإحاطته وقدرته واختصاصه بجميع ما ينزل إليهم من كرمه وعطاءه أو من قوته وعذابه فكانت ذات دلالة مكملة لدلالة الالوهية عند الخلق ، ففي حين كانوا يؤلهون الأصنام وينزهونها ويفردونها بالعبادة فقد كانوا يدركون عجزها عن الربوبية والحفظ والعقاب والحساب والتصرف في الكون فيصرفون لها مالا يستقيم مع حالها وحقارتها فلا تقدر على ربوبية حتى ولو كانت مألوهة من ضُلَّالِ الخلق وكفارهم.

فلا إله في الكون يستحق التأليه والعبادة وهو لا يملك القدرة والكمال ، ولا تتجلى هاتين الصفتين إلا في الله الرَّحمَن الرحيم فهو إله منزه متعالٍ مستحق لصعود العبادات إليه وخضوع الخلق ، وهو في نفس الوقت متصرف رب ليس كبقية الارباب بل رب بحق ، تتحقق منه الربوبية بكل معانيها ومفاهيمها ، وبذلك كان اسم الجلالة الرحمن غير متعلق بالرحمة بقدر ماهو متعلق بالربوبية عامة بكل صورها.

ولو أخذنا مثلاً – ولله المثل الأعلى – بالأب الذي هو ربُّ بيته فنجد من ربوبيته عقاب المعتدي من أبنائه رحمة وعدلا بمن استرعاه الله عليهم من أهل بيته المعتدى عليهم، فلا تكون الربوبية بالرأفة والرزق والعطاء وحدها بل يشمل المنع والشدة والعقاب أيضاً حتى تستقيم الحياة ويسود العدل .

لذلك يقول جل شأنه:

{ وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ } [البقرة:163]

فجمع تعالى رأسي الأمر “الألوهية” و “الربوبية” ليبين لنا كمالات لا تتحقق إلا فيه جلَّ في علاه.

{ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا } [مريم:18]

ولما كان الموقف موقف حفظ ولجوء حَسُنَ أن يُؤتَى بمناط الربوبيّة في هذا الموضع فالرَّحمَن لا تحمل الدلالة على الرحمة فحسب بل على كل قدرة نازلة من الله إلى خلقه كما ان الألوهية استحقاق كل عبودية من الخلق إلى الله ، ولجوء مريم للرحمن هو عين الحق فعقاب الله للمعتدي رحمة للمعتدى عليه في أصلها ، وعدله جلَّ جلاله في خلقه منتهى الرحمة بهم وهي مناط الربوبية التي لا يقدر عليها سواه.

{ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا } [مريم:45]

فقد يقول قائل كيف يناسب اسم “الرَّحمَن” موضع عذاب ؟ ، وهنا يتجلى لنا هذا المفهوم المتعلق بالربوبية بكل صورها أي بكل ما ينزل لخلقه من قدرة وحفظ ورزق وهداية وتصرف وعقاب وعذاب لأن كل ذلك عدل ، فلما كان عدلاً كان رحمة بالخلق.

فاختيار ابراهيم لاسم الرحمن لم يكن لتعلق الاسم بصفة الرحمة فقط بل لتعلقه بصفة الربوبية والتصرف في الكون والخلق بما يشمل الثواب والعقاب.

ويمكن القول بأن إبراهيم ربما أراد أن يلفت نظر أبيه إلى أن الله جل وعلا رحمن لن يمس عذابه بشر إلا وهو قد أتى أمراً خطيراً لا تشمل فاعله رأفة ولا رحمة.

ولو تتبعنا ارتباط الربوبية بالرَّحمَن لوجدناها تبرز في أكثر من موضع تجد فيه العطاء والاحاطة والقدرة النازلة للخلق مرتبطة باسم الرَّحمَن دون غيره من اسماء الله وخاصة عندما يراد ذكر عموم الربوبية بلا تخصيص ، وفيما يلي من آيات ما يُبْرِزُ لنا هذا المفهوم بجلاء فيقول جل من قائل :

{ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي } [طه:90]

فارتبطت الربوبية باسم الرحمن ، وجُمع ذلك بالاتباع والطاعة للأمر والنهي النازل من الرحمن إلى خلقه من خلال أنبياءه ، والحديث هنا في سياق الحديث عن العجل الذي فتنهم به السامري فعبدوه من دون الله ، ولما كان العجل لا يملك من الربوبية شيئاً ولا قدرة له على ما يقدر عليه الرحمن فكان تصحيح المفهوم الفاسد لدى بني اسرائيل بأن (ربكم الرحمن) وليس العجل الذي لا يقدر من الربوبية على شيء ، ولم يأتي الأمر على ذكر الألوهية لأنهم اتخذوه إلها ورباً فكان موضع الاحتجاج القوي هو نفي ربوبيته لانتفاء قدرته أصلا فإن انتفت الربوبية عنه كان انتفاء ألوهيته أولى.

قال الطبري رحمه الله في هذا الموضع :

” وقوله ( وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ) يقول: وإن ربكم الرحمن الذي يعم جميع الخلق نعمه، فاتَّبعوني على ما آمركم به من عبادة الله، وترك عبادة العجل، وأطيعوا أمري فيما آمركم به من طاعة الله، وإخلاص العبادة له ” انتهى كلامه رحمه الله.

{ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ } [الأنبياء:42]

وهنا ارتبطت العناية الربانية للخلق والتصرف والحفظ في الليل والنهار باسم الرحمن دون كل أسمائه الحسنى ، فنرى كيف كان الإتيان باسم الرحمن في سياق الربوبية والرعاية الربانية.

ويقول تعالى : قل للمشركين يا محمد ، من الذي يحفظكم من أمر الرحمن إن أراد بكم ضراً ؟. وهنا أتى اسم الرحمن في سبيل التخويف وذلك لبيان عجز آلهتهم عن منع قدرة الرحمن عليهم ومشيئته إن حلت بهم ، ثم قال (بل هم عن ذكر ربهم) فأتى بالربوبية هنا التي في أصلها من مناط قدرة الرحمن الرحيم.

{ قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ } [الأنبياء:112]

وهكذا اقترنت أيضا الربوبية باسم الرحمن ، وهو جل في علاه المستعان على أعداء المؤمنين وقولهم الباطل في حق الله تعالى.

قال الطبري رحمه الله في هذا الموضع :

“و قوله ( وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) يقول جلّ ثناؤه: وقل يا محمد: وربنا الذي يرحم عباده ويعمّهم بنعمته ، الذي أستعينه عليكم فيما تقولون وتصفون من قولكم لي فيما أتيتكم به من عند الله.) انتهى كلامه رحمه الله.

فنلحظ ان ابن جرير رحمه الله علق اسم الرحمن بالرحمة ، وقد رأينا أن ذلك ليس بشرط إنما كان اسم الرحمن جماع كل أفعال الربوبية بما فيها النصرة والعذاب والرزق والحفظ بالإصافة للرحمة.

والرحمن هو المستعان لربوبيته لخلقه فيقول تعالى:

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) [الفاتحة]

فنجد أن البسملة تسبق فيها الالوهية الربوبية ، فيسبق اسم الجلالة الله ، اسم الجلالة الرحمن (بسم الله الرحمن الرحيم) وكذلك هو الامر في سورة الفاتحة ، فنلحظ بدأ الحمد لله ، ثم تبعه الاقرار بربوبيته للعالمين ، وكونه الرحمن الرحيم ، ثم قوله إياك نعبد وهي متعلقة باسم الجلالة (الله) وإياك نستعين وهي متعلقة باسم الجلالة (الرحمن).

{ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ } [يس:23]

وهكذا فكما تقدم فإن اسم الرَّحمَن متعلق بالربوبية والقدرة النازلة من الله الى عباده خيراً كانت أو ضراً ، واسم الله متعلق بالالوهية وما يتعلق بها من عبادات صاعدة وتنزيه وعلو واستحقاق للخضوع من خلقه ، ولذلك كان لجوء مريم لاسم الرَّحمَن تستجير به بقوته وربوبيته لخلقه.

{ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا } [مريم:75]

وهنا أيضاً نلحظ أن مجيء اسم الجلالة الرحمن في مقام الوعيد والتخويف ، كما أنه في مقام الربوبية والعناية ، (فليمدد له الرحمن مداً) و يحمل معنيين الأول يمدد له ( مدَّةً ) من الزمن تطول حتى يتحول فإما ينقلب للحق فينجو وإما يبقى على الضلال فيضاعف له العذاب ، والمعنى الثاني ، يمدد له (مدداً) من المال والرزق والذرية بقوته الرحمانية الربانية فإما ينظر لإمهال الله له فيرعوي ويعود للحق وإما يزداد كفراً فيظن هذا إنما كان لصدق ظنه بسلامة منهجه وعدم وجود الله في اعتقاده ليردعه عن فعله ، غيرَ مدركٍ أن الرزق والمدد الدنيوي ليس مرتبطاً بالصلاح ولا بالتقوى ولا اللإيمان ، بل يتوالى عطاء الرحمن للمؤمن والكافر في هذه الدنيا وفق سننه تعالى وما كان عطاء ربك محظوراً.

إذاً فإن الموضع موضع ربوبية وتصرف رحماني رباني فناسب أن يؤتى باسم الجلالة الرحمن في هذا السياق.

{ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا } [مريم:88]

لا شك أن الولد سندٌ ومدَدْ ، ونفعٌ وعَقِبْ ، فالوالدُ دائماً ما يكون في حاجةٍ لولده إما لبقاء النوع واستمرار النسل أو ليكون عوناً له في كسب الرزق وإقامة حياته وصلاحها وخاصة في أرذل العمر وآخره ، وهذا ما لا ينبغي في حق الرحمن جل جلاله ، فهو جل وعلا ليس كالبشر يفنى فيكون بحاجة لوريث له بعد وفاته ، وليس بحاجة عون ولا شريك ، لأن أمر الكون لا يمكن أن يقوم إلا على واحدٍ صمدٍ ، فكان الإتيان باسم الجلالة الرحمن أنسب ما يكون في هذا الموضع لأنه الرحمن الذي يقوم عليه وبه الكون والمخلوقات كلها في رزقها وحاجاتها وتدبيرها ، ولأنه الرحمن الذي لا حدَّ لقدرته وإحاطته و ربوبيته فكيف له أن يتخذ ولداً ؟.

وهذه من المثاني المتشابهة ففي موضع آخر يقول تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ } [الأنبياء:26] فسبحان الله الرحمن ، الرب المتعالِ عن الشريك والولد.

{ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ } [طه:5]

إن الإتيان باسم الجلالة الرحمن في هذا الموضع لتنزيهه تعالى عن الحاجة لهذا العرض إنما هو من مخلوقاته التي في حاجته كباقي مخلوقاته وأكوانه لا تستقل بأمر ولا تبقى لبرهة مالم يكلؤها الرحمن بحفظه وتيسيره ورزقه وكمال ربوبيته.

{ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا } [النبأ:37]

إن اسم الجلالة الرحمن دليل على الإله العظيم وربوبيته المطلقة وسلطته على ملكوته ، وهنا فيبدو أن كل مخلوقاته بين السماوات والأرض بما فيهم الملائكة وسائر الخلق المكلف وغير المكلف بدلالة تبيانه بقوله (لايملكون منه خطاباً) فكانت بمثابة الإشارة للسماوات والأرض وما بينهما من مخلوقات.

سورة “الرحمن” قاطعة الدلالة

إن هذا الإسم العظيم “الرحمن” لله جل وعلا والذي قلنا أنه الاسم المكافئ لاسم الجلالة “الله” من حيث أن الله مناط استحقاق العبادة والأعمال الصاعدة ، والرحمن مناط الربوبية والتصرفات النازلة فقد أفرد الله جلت قدرته سورة اسمها الرحمن جسدت معاني الربوبية المتعلقة بهذا الاسم العظيم ولعلنا نقتطف منها بعض اللفتات :

اللفتة الأولى : خصوصية افتتاح السورة ، فقد كان اسم الرحمن آية مستقلة مفتتحة للسورة بأكملها وردت فيها تصريفات الربوبية بقوله (رب) 36 مرة ضمن ثمانٍ وسبعين آية ، ووردت فيها آية متكررة (فبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) إحدى وثلاثين مرة.

اللفتة الثانية : اشتملت السورة على كل معاني الربوبية ابتداء من تعليم القرآن قبل الخلق ، ثم خلق المخلوقات جميعها ، ثم التصرف في الملك وتسيير الكون ثم القيامة وأبرز مظاهرها ومن ثمَّ الحساب والعقاب والجزاء والانعام على أهل الحق والايمان ثم صفة الجنة وما أعده الله فيها لأهل طاعته وعبادته ، فكل تلك الجوامع العظيمة أتت تحت اسمه الجليل الرحمن الذي هو مناط كل تلك الأفعال الربانية التي لا طاقة لأحد بها إلا هو جل جلاله.

اللفتة الثالثة : أن السورة لم تأت على شيء من الأوامر والنواهي بل خصصت لتعداد الوظائف الرحمانية الربانية النازلةُ للخلقِ بأصنافها و طبائعها المختلفة فكانت تحملُ دلالةً على اسم الرحمن وخصوصيته بالمقارنة مع اسم الجلالة (الله) الذي يتعلق بالألوهية والعبادة والعلو المطلق والإحاطة اللامتناهية بكل شيء.

اللفتة الرابعة : أن السورة اختتمت بقوله تعالى (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) فاسم الرب بلا شك هو “الرحمن” الذي أسميت السورة باسمه ، ولو رجعنا إلى مواضع كلمة “تبارك” في القرآن الكريم نجدها دائما تشير لمعالم الربوبية ودلائلها وسماتها المختلفة .

مشركو قريش بين الإقرار والإنكار

قد لا يكون هناك ارتباط مباشر بين صلب هذه الدراسة وبين هذا الباب ، ولكن رأيت أنه مما يحسن إيراده لما يحيط به من إشكال :

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا } [الفرقان:60]

وهكذا نجد أن كفار قريش ينكرون معرفة الرحمن في هذا الموضع بينما يقرون بوجوده وإنما أُتي بالرحمن هنا لتذكيرهم بربوبيته التي تستلزم صرف السجود والعبادة به جلت قدرته ،  يقول تعالى :

وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20) [الزخرف]

فنلحظ هنا إقرارهم بالرحمن فكيف نجمع بين الإقرار والإنكار؟

والجمع بين الحالتين يسير بإذن الله ولا يشكل عليه شيء ، ذلك أن الموضع الأول هو أصل اعتقادهم فهم لا يؤمنون بالرحمن وينفرون من ذكره والأمر بالخضوع له ، وينفون عنه صفات القدرة والاستحقاق ، ويحتجون على المؤمنين عندما ينكرون عليهم عبادتهم للملائكة بحجة أن الرحمن الذي تذكرونه وتأمرونّا أن نتبع أمره لمطلق قدرته لم يمنعنا من عبادتهم ولو كانت عبادتهم أمراً منكراً والرحمن – الذي تدعون ربوبيته – قادرٌ على خلقه فليمنع عبادتهم إن كان قادراً كما تقولون .

ففي الأصل هم منكرون كافرون بالرحمن وإنما كان قولهم على سبيل الجدال والاحتجاج الفاسد.

ما قيل في مفاهيم اسم الرحمن (جل جلاله)

سنورد في هذا الموضع تقريرات بعض أهل العلم بشأن اسم الجلالة  “الرحمن” فقد قال الصابوني في روائع البيان تفسير آيات الأحكام عن اسم الرحمن والرحيم :

” {الرحمن} : المنعم بجلائل النعم، ومعنى {الرحيم} : المنعم بدقائقها.

ولفظ {الرحمن} مبنيّ على المبالغة، ومعناه: ذو الرحمة التي لا نظير له فيها، لأن بناء (فعلان) في كلامهم للمبالغة، فإنهم يقولون للشديد الامتلاء: ملآن، وللشديد الشبَع: شبعان.

قال الخطّابي: ف {الرحمن} ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم ومصالحهم، وعمّت المؤمن والكافر.

و {الرحيم} خاص للمؤمنين كما قال تعالى: {وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً} [الأحزاب: 43] .

ولا يجوز إطلاق اسم (الرحمن) على غير الله تعالى لأنه مختص به جلّ وعلا، بخلاف الرحيم فإنه يطلق على المخلوق أيضاً قال تعالى: {بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] قال القرطبي: «وأكثرُ العلماء على أن الرحمن مختصّ بالله عَزَّ وَجَلَّ، لا يجوز أن يسمّى به غيره، ألا تراه قال: {قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110] فعادَل الاسم الذي لا يَشْركه فيه غيره: {أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرحمن آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] فأخبر الرحمن هو المستحق للعبادة جلّ وعزّ، وقد تجاسر (مسيلمة الكذاب) لعنه الله فتسمى ب (رحمان اليمامة) ولم يتسمّ به حتى قرع مسامَعه نعت الكذّاب، فألزمه الله ذلك حتى صار هذا الوصف لمسيلمة عَلَماً يُعرف به» “. انتهى كلامه

وفي مفهوم الأسماء والصفات لسعد ندا يقول عن الرحمن :

” وقد ذكر البعض: أن (الرحمن) يرحم أهل الدنيا والآخرة، و (الرحيم) خاص بالمؤمنين يوم القيامة، إذ أن الله يرحم المؤمنين والكافرين في الدنيا على السواء وذلك من نواحي أمورهم المعيشية، وأسباب حياتهم، وما يكفل لهم حياتهم الدنيا، فرحمته هنا (أي رحمة الرحمن) عامة، وإذا لم تكن الرحمة هذه عامة، لا تتكامل أسباب التكليف من الإنعام عليهم بنعمة العقل الذي بواسطته يعرفون الحق من الباطل، ونعمة تسخير ما في الكون ليستفيد منها أهل الأرض من الإنس والجن {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعا} . فتكامل أسباب التكليف في الدنيا سيكون عليه في الآخرة مدار الحساب. انتهى كلامه.

بطلان القول باختصاص الرحمن للدنيا والرحيم للآخرة

لقد أدركنا أن الرحمن ليس كباقي أسماء الله الحسنى ، بل هو أجلُّ اسمٍ بعد اسم الجلالة (الله) ومكافئ له فيما يتعلق بالربوبية ، وقلنا بأن الرحمن يحمل كافة معاني الربوبية وصورها ، وهذه الربوبية لا تنتهي بنهاية الكون ولا بقيامته وانتهاء الحساب لأن رحمانيته جلَّ وعلا مستمرة من الأزل إلى الأبد ، والقول باختصاص اسم الرحمن للدنيا والرحيم للآخرة فيه تعطيل لصفة من صفات الله وذلك الفهم ناشيءٌ من عدم إدراك مفهوم هذا الاسم الجليل.

ولقد لاحظنا وجود مقارنات وربط بين أسماء الله بلا دليل ، في حين أن النصوص المتظافرة دلت على أن اسم الرحمن اسم تام مستمر مرتبط بذات الله جل وعلا لا ينفصل عنها ولا يتعطل البتة ، وهو اسم أما “الرحيم” صفة اسمية من صفاته فرحمته سابقة لعذابه إلا أن رحمته وعذابه ضمن رحمانيته جل وعلا.

والله أعلى وأعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم

العَقْلُ وَ الْقَلْبُ وَ الفُؤَادُ فِيْ ضَوْءِ الْمَفْهُومِ القُرْآنِيّ

العَقْلُ وَ الْقَلْبُ وَ الفُؤَادُ فِيْ ضَوْءِ الْمَفْهُومِ القُرْآنِيّ

القلبُ سلطانٌ يملكُ فارساً اسمه العقل ، وجواداً اسمهُ الفؤاد،  وَإدراك مدى صَلاحُ هذهِ المملكةٍ وَدمارها يَتْحَدّد عِنْدَما يَرْكَبُ أحَدَهُما على الآخر

تمهيد وتعريف:

استطراداً لما قد بدأناه في استجلاء مفاهيم الروح والنفس والموت والوفاة ، فقد كان لزاماً أن نمضي في مراجعة وفهم المكونات الداخلية للنفس البشرية والتي من أهمها (العقل و القلب و الفؤاد) والفرق بينها في ضوء السياق القرآني ، مع التنويه بأن اتساق ما يتم التوصل إليه مع ما سبق يحقق الطمأنينة إلى التوجيه الخاص بمفاهيم الروح والنفس والموت والوفاة.

وقد سبق لنا القول في الفصل الأول (الفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْوَفَاة وبَيْنَ الرُّوح وَ النَّفْس) أن القلب الذي يشيع ذكره والإشارة إليه في النص القرآني لا يعني المضغة التي تضخ الدم للجسد ، فقلنا في سبيل تصحيح مفهوم الحديث ما نصه:

عن أبي عبد الله النعـمان بن بشير رضي الله عـنهما قـال: سمعـت رسـول الله صلي الله عـليه وسلم يقول: (إن الحلال بين وإن الحـرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعـلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فـقـد استبرأ لديـنه وعـرضه ومن وقع في الشبهات وقـع في الحرام كـالراعي يـرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجـسد مضغة إذا صلحـت صلح الجسد كله وإذا فـسـدت فـسـد الجسـد كـلـه ألا وهي الـقـلب)

وإنما جيء بالقلب هنا لتقريب المفهوم للصحابة بأن النوايا الخفية وما تحويه نفس الإنسان هي مناط صلاح العمل وفساده فذلك كالقلب فإنه إن مَرِضَ وفسد فإن ذلك يفسد كل الجسد وهذا من حقائق الطب هذا اليوم فتلف القلب يؤثر على كافة الأعضاء وموته يعني موت ابن آدم ، بينما هناك من الأعضاء مالا يؤدي تلفها للموت ، وكذلك العمل فإنه إن كان خالياً من النفاق وسوء النية فإنه يقبل ويصلح وإن كانت النية فاسدة والنفس خبيثة أفسدت العمل كله وهذا مصداق حديث (عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه) . رواه البخاري ومسلم ).

فالقلب المقصود في السياق القرآني ليس المضغة المتعلقة بالجسد كما أسلفنا ولكنها مقلوب النفس وجوهرها وذلك العضو المتقلب الذي لا يستقر على حال ، فتارة نجده مسارعاً للطاعة وتارة نراه منقلباً إلى المعصية ، ونحن الآن بصدد استظهار الفرق بين القلب و العقل والفؤاد لتتضح لنا بمشيئة الله وظيفة كل منهما وعلاقتها بالعقل وكما اعتدنا سوف نبدأ بتبيان مفهوم كلا من المفردتين وننطلق لربط هذا التعريف بالمفهوم والسياق القرآني بإذن الله تعالى.

ولعلي استغل هذه المقدمة لأنبه على قاعدة مهمة ينبغي بقاؤها نصب عين القارئ وهي تجنب الخلط في التصور والمفهوم بين الأعضاء الشرعية والأعضاء الحسية فالأعضاء الحسية كالدماغ والقلب والسمع والبصر ليست هي الأعضاء الشرعية بل هي مقابلة لها متصلة بها فالقلب الشرعي داخل النفس في بعد غير محسوس وكذلك العقل والفؤاد ، والأعضاء الحسية جسد بالٍ وَخَلَقٌ فانٍ ، بينما الأعضاء الشرعية متصلة بالنفس البشرية من جنسها وباقية معها تستعملها النفس منذ خلقها وحتى مآلها سواء للجنة أو للسعير ، وبالتالي فعند الإتيان بهذه التسميات فينبغي عدم خلط الصورة المستقرة للعضو الحسي مع صورة العضو الشرعي.

وأعضاء كالقلب وما يحتويه (العقل والفؤاد) هي أعضاء مخلوقة من جنس خلق النفس وليست من أعضاء الجسد وهذا ما نحن بصدده.

وقبل أن نورد التعريفات للقلب والعقل والفؤاد أود أن أبين بأن أولا الفرق بين (القلب الحسي) (المضغة أو المضخة) وبين (القلب الشرعي) الذي هو جوهر النفس ومركز القرار ، كما أن هناك فرقاً بين الدماغ وبين العقل فالدماغ ما هو إلا أداة تترجم أوامر النفس للبدن على شكل نبضات كهربية وليس وعاء للذاكرة أو وسيلة لاتخاذ القرار كما يعتقد ، وذلك وفق المفهوم الشرعي في القرآن الكريم بماهية القلب والعقل والفؤاد.

تعريف العقل : هُوَ وِعَاَءُ الْفِطْرَةِ وَأدَاةُ ضَبْطِ السُّلُوك البَشَرِيّ المَبْنيّ عَلَى تَحْقِيْقِ فِهْمِ المُحِيْطِ المادّيّ ،وَالعَقْلُ السَّليم هُوَ مَنَاطُ كُلَّ فِعْلٍ حَسَنْ إذا اسْتَعْلَى فِيْهِ عَلَى الفُؤَادِ وضَبَطَ سُلُوكَه.

تعريف الفؤاد : هُوَ وِعَاءُ الحَاَضِرِ الَّذِيْ يَتَلَقَّىَ مَاَ يَلِجُ فِيِهِ مِنْ خِلَالِ الحَوَاسّ وَهُوُ مَنَاَطُ العَوَاطِفِ والشُّعور مِنْ خَوْفٍ وَحُبٍّ وَرَجَاءٍ وَبُغْضٍ وَحِقْدٍ وَرِضًىً وَشَهْوَةٍ وَسَعَادَةٍ وَحُزْنٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ المَشَاعِرِ البَشَريّة ، وَهُوُ مُتَعَلّقٌ بِكُلِّ فِعْلٍ قَبِيْحْ إذا اسْتَعْلَى عَلَىْ العَقْلْ وَتَقَدَّمَ عَلَيْه.

تعريف القَلْبْ : هُوَ جِمَاعُ العَقْلُ وَالفُؤَاد وقائدهما يُرَجِّحُ ويتبع العَقْل عندمَاَ يعتليْ عَلَى الشَّهْوَةِ (الفُؤَاَدْ) أو العَكْسْ ، وهو مَنَاطُ الإدْرَاكِ وَمَنْشَأ الفِعْلِ والقَرار.

ومن خلال الأبواب التالية سنتعرف على دلالات هذه التعريفات وعرضها على القرآن الكريم والحديث النبوي الكريم بمشيئة الله تعالى.

إضاءات حول المفرادات وتعريفاتها

قبل أن نشرع في استعراض التنزيل الحكيم ومواضع ذكر هذه المفردات وفحص سياقها وتوجيهها سننثر مجموعة من الإضاءات حول تلك المفرادت لتعزيز فهم التعاريف وربطها ببعضها البعض للوصول لتصور دقيق قدر الإمكان لهذه المكونات الثلاث :

الإضاءة الأولى :

العقل يسميه أهل النفس وعلومها (العقل الباطن) ويسمونه (اللاوعي) ويسمى قديما وحديثاً (بالضمير) لأن محتواه مضمر خفي عن البشر .

الإضاءة الثانية :

ما يظهر لنا من سلوك بشري إنما هو قرار القلب الناتج عن تمازج العقل والفؤاد وتفاعلهما، فالعقل لا يطرح للقلب إلا الحق أما الفؤاد فمصدر رأيه العاطفة والشهوة والهوى والقلب يختار بينهما.

الإضاءة الثالثة :

خفاء القلب والعقل عن التحكم والمشاهدة هو ما جعل من اسمه (قلباً) فهو في أعماق النفس البشرية في حين ان الفؤاد ظاهر عارض للعبد تظهره العواطف على صفحات الوجه وبنات شفاهه فهو متصل بالحواس وفيه تستقر المشاهدات والمسموعات وعموم الأحاسيس ، كما أن تقلبه واختلاف يقينه وعدم استقراره على أمر واحد جعل من اسمه قلبا لتقلبه من حال إلى حال.

الإضاءة الرابعة :

خضوع القلب للشهوة خاصة ولبقية المشاعر عامة ينتج عن إعلاء الفؤاد على العقل فيجترح الباطل ويكبت صوت العقل والفطرة ، فالقلب إما أن يأخذ من الفؤاد فيخضع قراره للعاطفة والهوى والشهوة ، أو يجعل العقل حاجزا بينه وبين الفؤاد فلا يمر شيء إلا أخضعه للعقل ووزنه بميزانه.

الإضاءة الخامسة :

الفؤاد ليس شراً محضاً فلولاه لفقد البشر قيماً سامية كالشفقة ، والمحبة والسعادة ، وقيماً حيوية كالخوف والشجاعة و الحذر ، فيستحيل عضوا قيِّماً وسامياً عندما ينقاد ويخضع للعقل ، ويصبح بهيميا شهوانيا عندما يستعلي الفؤاد على العقل ، وكل ذلك بقرار القلب ورضاه.

الإضاءة السادسة :

أن قلب النفس يقابله قلب الجسد من جهة تأثيره على صلاح العمل والاعتقاد ، فإن فساد القلب ومرضه يؤدي لفساد الاعتقاد في النفس وفساد الأعضاء في الجسد ولكنهما شيئان مختلفان أحدهما مادي ملموس متعلق بالبدن (حسي) والآخر غيبي في بعد آخر يتعلق بالنفس وأحوالها (القلب الشرعي).

الإضاءة السابعة :

نؤكد على أن الدماغ المادي والجهاز العصبي إنما هو وسيطة تترجم من خلالها أوامر النفس في بعدها الخفي إلى أعضاء الجسد ببعده المادي فليس في جوهر الجهاز العصبي قدرة على أخذ قرار وترك فعل بل إن كل ذلك يتم في القلب ، وبالتالي يترجم ذلك القرار على صورة إشارات عصبية تمر عبر الشبكة العصبية للعضو المراد تحريكه وكل ذلك يتم بصورة فائقة السرعة.

الإضاءة الثامنة :

العقل الذي نقصده ليس الدماغ بل هو مكون رئيسي من مكونات النفس وهو خاضع للقلب بجانب الفؤاد ، والقلب يوازن بينهما ويختار ، فأنواع النفس الثلاث إنما هي أحوالها التي تتقلب فيها وليست ثلاث أنفس كما يظن البعض، فالنفس الأمارة ما استعلى عليها الفؤاد ، والنفس اللوامة ما استعلى عليها العقل ،  والقلب له بين هذا وذاك أحوال عديدة .

الإضاءة التاسعة :

إن الكافر حين يستمع للدعوة لدين الله فإنه قد يُعلي قيم الفؤاد على قيم العقل فيعاند ، أو يعلي قيم العقل (الفطرة) على قيم الفؤاد فيؤمن ، فالمعاند يقدم عواطفه وفؤاده وهواه على عقله وفطرته (كالخوف من فقدان مال أو جاه أو نبذ المجتمع له أو بغضه للمسلمين ورفضه لهم) ، ومنهم من يخشى فواتِ شهوة كالزنا أو الربا أو الخمر فيرفض الإذعان للعقل بل لا يدع له مجالاً ليزن الأمور فيقدم العاطفة والشهوة (الفؤاد) ويعليها ويؤخر العقل ويغيبه فيخفيه ، فيكون قرار القلب على ضوء ذلك ، وهكذا فإن كل فعل ينشأ من إطاعة الفؤاد وإقصاء العقل فهو يتأثر بالعاطفة ويغض الطرف عن السنن والقوانين والحقائق.

الإضاءة العاشرة :

إن فهم هذا التفصيل غاية في الأهمية لتشريح النفس البشرية بصورة واقعية ومعرفة كنهها وكيفية عملها وتفاعل مكوناتها من عقل وفؤاد تحت قلب هذه النفس وهنا يتمكن ابن آدم من تحليل وتفسير ما يواجهه من تناقضات ويستطيع أيضا أن يحسن التعامل مع ذاته والسيطرة على تصرفاته.

الإضاءة الحادية عشر :

إنما سمي العقل عقلاً لأنه يناط به (تقييدُ) الفؤاد والتقدم عليه في المرتبة وكبح جماح الشهوة وإحكام وثاق العاطفة وشد عقالها واستعمالها في جوانب البذل والخير وزجرها عن مواطن الشر  فإن غابت وظيفته كان ابن آدم والحيوان – في مسألة الاعتقاد- واحد حتى لو تفوق في الجوانب الحياتية الأخرى ، وبمنطقنا يصبح ابن آدم (إنساناً) وهي التسمية ذات الدلالة على حقارة خلق البشر سوء طويتهم كما أثبتنا في بحث آخر.

الإضاءة الثانية عشر :

إن الفؤاد تتنازعه شهواته وعواطفه بين جانبين أحدهما خير والآخر شر فما إن يميل للشر وجب على القلب أن يزجره ويصلح أمره ويقدم العقل ويعليه، فإن استعلى الفؤاد على العقل أضعف القلب وامرضه وحجبه فيفسد بذلك العمل.

الإضاءة الثالثة عشر :

إن حركة العقل والفؤاد الدائبة تحت ظل القلب وسيطرته لا تقتصر على الدين والاعتقاد بل تسري على كل جوانب الحياة اليومية اجتماعيةً وتجارية وتعليمية وغيرها فعندما تجد الكافر يجيد استعمال عقله ويعليه في مسائل المادة ثم إذا عرض عليه الدين قدم الفؤاد وغيب العقل كان ذلك مدعاة ومبرراً لعقاب الله له إن استوفي عمله وهو كافر معاند.

الإضاءة الرابعة عشر:

إن المجنون قد يفسد عقله ويغيب ويبقى فؤاده سليماً فتجده عند عواطفه وفطرته في مسائل الخوف والرجاء حاضرة ولكن عقله فسد وتلف  فيفقد ميزة التكليف ، والجنون من استتار القلب بفعل فساد العقل أو فساد الوسيطة المادية التي تربطه بالبدن (الدماغ) .

الإضاءة الخامسة عشر :

إن ابن آدم لا يملك العقل ولا يستطيع النفاذ إليه أو العبث بمحتواه ولكنه يملك الفؤاد ويستطيع التصنّع والخضوع للشهوة والكذب متأثراً بعاطفة او مقاوماً لتلك الجوانب العاطفية السلبية عندما يخضعها للعقل.

الإضاءة السادسة عشر:

إن الملائكة لا تحتوي أنفسها على أفئدة ، فلا تتنازعها قوة خير وشر ، ولا تؤثر فيها العاطفة كالشهوة والعطف والطمع والحب وسواه بل تشتمل أنفسها على قلوب عاقلة تحتوي الفطرة ولا شيء سوى الفطرة ، فلا يستمتعون بمتع الدنيا والآخرة ولا يتأثرون بعاطفة تجاه الخلق فخزنة جهنم ينفذون أوامر الله بمعزل عن أي عاطفة أو اسف أو حزن على مآل أولئك المعذبين.

الإضاءة السابعة عشر:

قيمة الفؤاد لدى الشيطان أعلى من قيمة العقل فكان علو الفؤاد لديه سببا في حصول الكبر والحقد والبغض في نفسه فمن أعلى قلبه الفؤاد وأقصى العقل كان من الشيطان أقرب بل وأسوأ ، ومن أعلى قلبه العقل وأقصى الفؤاد كان إلى الملائكة أقرب بل وأفضل ، وما أورد ابليس لمهلكة الغضب الإلهي إلا الفؤاد فالكبر والغرور والغضب والبغض والحسد كلها قيم الفؤاد ، طغت على قلب ابليس فقادته إلى المهالك ، وسبق لنا إثبات مسألة أن العواطف بتناقضاتها المختلفة متعلقة بهذا الفؤاد.

لذلك نفهم كيف أن هذه المشاعر مرتبطة بالتفؤد والاشتعال وبالتالي فهي الموضع المفضل للشيطان الذي يشبهه في مادة خلقه وهي النار ، ولذا كان جريانه في ابن آدم مجرى الدم ، وقد جاء في الحديث عن عروة بن محمد ، عن أبيه عن جده عطية بن عروة السعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إِنَّ الْغَضَبَ مِنْ الشَّيْطَانِ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنْ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضأ).

فهذه المشاعر المتفئدة المشتعلة إذا غيبت العقل وانساق القلب خلفها أفضت لارتكاب الزلل والخطأ.

هذا الغضب والتفؤد جعل نبي الله موسى يلقي الألواح المقدسة التي كتبها الله له فيها الوصايا والشرائع وكادت الدعوة أن تنشطر ويدب فيها الخلاف : يقول تعالى )ولما رجع موسى الى قومه غضبان اسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي اعجلتم امر ربكم والقى  الالواح واخذ براس اخيه يجره اليه) الآية.

ولكن بعد سيطرته على نفسه وتقديم عقله على فؤاده أدرك ما يحدث فيصف تعالى ذلك بقوله :

(ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الالواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون)

وكذلك نبي الله يونس عليه السلام عندما قدم فؤاده على عقله وخضع للغضب ، يقول تعالى

(وذا النون اذ ذهب مغاضبا فظن ان لن نقدر عليه فنادى في الظلمات ان لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين )

فكان الغضب بابا لسوء الظن والتقدير وتغييب العقل واقصاءه.

وقد أثنى الله تعالى على المؤمنين الذين يملكون قلوبهم فلا ينساقون لإملاءات الفؤاد فيكون الفعل المتوقع حال الغضب هو الفعل المدفوع بالعقل وليس بالفؤاد ، يقول تعالى :

(وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ) الشورى (37)  فكانت المغفرة والمسامحة قيمة عقلية تكبت اتجاه الفؤاد نحو الانتقام ، وإنما كان ذلك بفعل استقرار الايمان ، فلم ينف الله تفؤد النفس واشتعالها غضبا ولكنه حدد السلوك الايماني الذي ينبغي أن يتبع تلك الحالة ، وهذا السلوك ليس بسلوك مصطنع بل سلوك طبيعي أصيل سببه استقرار الإيمان ، وعليه فكل فعل انتقامي إنما هو حالة غير إيمانية تعتري الإنسان وتسيطر عليه بفعل ذلك الغضب.

الإضاءة الثامنة عشر:

لتقريب المفهوم للقارئ الكريم نستشهد بمثال جهاز كشف الكذب فالفؤاد هو من يدفع القلب لإظهار الانفعالات الكاذبة والملامح المزورة إلا أن العقل (يصرخ) بعكس ذلك لأن فطرته لا تقبل الكذب ولكن استعلاء الفؤاد والشهوة واستيلاءها على القلب كبت قدرة العقل على فرض الحق ونبذ الباطل ، ولكن الحقيقة أن ظاهر هذه الفعلة المشينة مهما كان خفاؤه فهو في حقيقته يخفي صراعا شرسا يمكن قياس حدته بما تتركه من آثار على أعضاء الجسد من ارتفاع في نبضات القلب أو تعرق ولغة جسدية فاضحة وقد تكون خفية جدا لدرجة لا تقاس إلا بأجهزة إلكترونية تتحسس التفاعلات الحيوية أثناء إجراء اختبار معين لكشف الكذب.

الإضاءة التاسعة عشر :

عندما نستظهر هذه العلاقة والتفاعل بين العقل والفؤاد وسباقهما للقلب واقناعه كلا بما لديه فإننا سنتمكن من فهم الحديث الشريف :

 حَدَّثَنَا أَبُو هَانِئٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يَقُولُ إِنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يَقْلِبُ وَيَصْرِفُ كَيْفَ شَاءَ»

وهنا تظهر بوضوح هاتين القوتين (اصبعي الرحمن) اللتين تقلبان (قلب) العبد ، فالله الذي يريه الحق والباطل بعينيه ويسمعه بأذنيه ويتفاعل معه بفؤاده آتاه عقلا وفطره على الحق وطهره من الباطل فإن استعلى الفؤاد على العقل تحول القلب وانقلب الى الباطل وإن استعلى العقل على الفؤاد تحول القلب وانقلب عن الباطل إلى الحق فالقرار زمامه بيد العبد وعلى الله الدلالة والهداية والتوفيق فهذين (الاصبعين) من خلق الله عقلا وفؤادا يتنازعان القلب ويتجاذبانه وهو بالخيار على أي اتجاه ينقلب ، ومن عدله جلت قدرته أن أودع الأمانة في ابن آدم (أمانة الاختيار) فيحاسبه على ما يختار بذاته ولا يأطره أو يجبره على شيء ، وفي رواية :ما من قلب إلاّ هو بين اصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه ، فكان العقل مناط الإقامة والصلاح  وكان الفؤاد مناط الهوى والزيغ.

وهذا لا يعني امتناع الجبر على الله بل إنه جل شأنه يملك القدرة المطلقة على كل شيء بلا قيد ولا حد.

ومن الناس من ضل في فهم المسألة فنسب العضو المادي إلى الله تعالى وظن أن القلب المراد به القلب الحسي والمضخة التي تدفع الدم في الجسد البالي الفاني وهذا الفهم قد يشي بتجسيم باطل في حق الله ، في حين أن هذا غير متحقق بصورته التي يتوهمها البعض ، ولكنها كما أسلفنا متسقة مفهومة لا توقع في النفس الشك أو الريب أو الاستغراب ، فقد أشار مفهوم الاصبعين إلى قدرتين أودعهما الله في قلب ابن آدم هما القلب والفؤاد يقلبان رأي العبد ويغيران اتجاهه من عقيدة إلى أخرى ومن سلوك إلى سلوك ، وإن أراد الله هداية عبد من عبادة كبت فؤاده وأعلى عقله فلا يرى القلب أمامه سوى الحق فيذعن ، والعكس صحيح ، وفي نهاية الأمر فإن القلب مالك الإرادة فهو ينوب عن النفس في الاختيار بين السبيلين.

وهنا نتمكن من فهم الرسالات ، فالله يخاطب برسالاته عقول العباد ويستحثها على الوقوف والتقدم على الهوى والعاطفة والشهوة فينقلب قلب العبد من المعصية إلى الطاعة ومن الكفر إلى الإيمان ، فإن أبى وفضل الركون للفؤاد والعاطفة فإن الله يمده بالقوة والمال والحفظ والخيرات ، فيظن المسكين أن منهجه حق ولولا ذلك لانتقم الله منه فيتمسك بكفره ويعتوا عتواً شديداً ، وهنا يحق عليه القول فيبدو ما يحدث وكأن الله أضله ولكن الحقيقة أنه ضل بإرادته ورغبته بلا جبر ولا إرغام.

الإضاءة العشرون :

إن القلوب الغلف هي تلك القلوب التي طغت عليها الأفئدة فغلفت القلب بغلافها وسيطرت على منافذها حتى صمت آذانها عن سماع الحق وأبصارها عن رؤيته فحيدت العقل وأطغت الفؤاد عليه فرفضت الحق تحت قيم الفؤاد الشريرة (الكبر ، الحسد ، الطمع ، الشح ).

الإضاءة الحادية والعشرون:

من فضل الله على بني آدم أن جعل القرار لدى القلب لتتحقق ميزة الاختيار وتتحقق المسؤولية عن الأفعال الصادرة من العبد ، فالفؤاد يقول للقلب شيئا والعقل قد يقول شيئا آخر فيكون الاختيار بيد القلب إن انساق خلف الفؤاد خاب وإن كان انسياقه خلف العقل سلم وفاز.

الإضاءة الثانية و العشرون :

لم يكن الخضر عليه السلام سوى ملكا من الملائكة جعله الله رجلا ولبس عليه ما يلبسون غاب عنده الفؤاد فلم تدخله عاطفة الحزن تجاه أصحاب السفينة ، ولم تدخله عاطفة الانتقام والبغض تجاه أهل القرية التي منع أهلها الضيافة عنه وعن موسى عليه السلام ، ولم تأخذه شفقة ولا عطف تجاه الغلام الذي ذبحه لأنه يتعامل بالعقل ويقصي الفؤاد ، العقل الذي يتبع أوامر الله وينفذها مقصيا الفؤاد بالكلية بل لا يحمل في قلبه فؤاداً ، وفي ذات الوقت كان فؤاد موسى عليه السلام متوقداً مشتعلا تجاه أفعال الخضر رافضا لها متعجبا من فعله ، فكان الدرس الرباني لعبده موسى حمل دروسا هامة منها أن اتباع شرائع الله وأوامره لا تخضع للفؤاد وعواطفه بل تخضع للعقل وثوابته.

الإضاءة الثالثة والعشرون:

الملكين هاروت وماروت لم يحملا أفئدة تدفعهما للإيمان بالسحر واستعماله أو الانحراف بحيازتهما لذلك العلم الشرير فاختار الله ملائكة لهذا الغرض فمن جهة لديهما من القدرات والخوارق ما يفوق السحر والتخييل فلا ينتفعان اصلا بذلك العلم ومن جهة أخرى فهما لا ينبغي لهما أن يخالفان أمر الله وينحرفان لشهوة أو رغبة من فؤاد زائغ يصغي القلب ويحرفه عن الحق كما يفعل أكثر الناس.

الإضاءة الرابعة والعشرون :

إن السمع والبصر الذي ينفذ للفؤاد يختلف عن السمع والبصر الذي ينفذ للعقل ، فالبصر النافذ للعقل يسمى بصيرة يخضع فيه العقل معطيات السمع والبصر المادي لثوابت العقل والفطرة فإن خالفها انتفت عنه السمع والأبصار حتى لو تحققت الرؤية المادية ، فالرؤية المادية بلا إعلاء للعقل وفي ظل اتباع الفؤاد تظل رؤية وليست بصرا وبصيرة واستماعا وليست سمعا فلم تنتج إعلاء للعقل بل أعلت الفؤاد وشهواته على العقل وفطرته فكان الإنسان في مقام الأعمى والأصم حين لم ينتج عن أذنه وعينيه فائدة تذكر حينذاك تعلي العقل على الفؤاد .

الإضاءة الخامسة والعشرون:

يقول تعالى (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) فابن آدم يتبع عقله فيتحقق الإيمان ويفضي به إلى الشكر ويتبع الفؤاد فيهوي به للكفر ، والقلب مناط الفعل وهو قائد النفس  (اللوامة ، الأمارة ، المطمئنة) إنما هي أحوال للنفس الواحدة وليست أنفس متعددة ، فالنفس الأمارة هي التي اعتلى فيها الفؤاد فغلف القلب فاستأمر بأمره وأقصى العقل وكبت فطرته ، فإن ثاب ورجع و وجدت نفسه أثر سوء انقيادها لشهوة الفؤاد فأقصاه واسترجع العقل وأعلاه فإن العقل يلوم القلب فيكون ذلك حال النفس فتسمى اللوامة.

الإضاءة السادسة والعشرون :

إن الإتيان بمفردة القلب في القرآن الكريم دائما يحمل دلالة على ما خفي من الاعتقاد عن الخلق فجاز أن يكون الظاهر من أفعال العبد مخالفا لما يحويه قلبه ، أو أن لا يفعل بالضرورة ما يوافق الاعتقاد الخفي في داخل النفس وجوهرها وهو القلب ، لذا وجب أن نفرق دوما بين المتبادر للذهن عند ورود مفردة القلب – العضلة المستقرة في الجسد- وبين قلب النفس وجوهرها الذي يشارك النفس ذاتها في الخفاء والاستتار.

الإضاءة السابعة والعشرون :

إن القلب الذي يتبع الفؤاد إنما يتبع الهوى لأنه يهوي به أسفل سافلين ، فالفؤاد صنو الهوى ، فإن عرض للقلب أمرين قدم العقل ما يجب على النفس اتباعه، وقدم الفؤاد ما تشتهي النفس أتباعه فإنه أطاع القلب رأي الفؤاد فقد أطاع الهوى وزاغ إليه، ومال عن الحق والعقل إلى الباطل والشهوات.

ولك أيها المسلم أن تستكشف مصدر رأيك وميولك هل هي بدافع الفؤاد ؟ أم بدافع العقل ولك بعد ذلك أن تقدم منهما ما شئت ، إلا أن اتباع العقل لا يردك بإذن الله نادما أو متحسرا.

الإضاءة الثامنة والعشرون:

إن اشتعال الفؤاد بالمشاعر المفتئدة كالغضب والشهوة والحسد والكبر والبغض والحقد أمر واقع لكل بني آدم بدرجات مختلفة ، ولكن كل الأفعال الناشئة عن تلك المشاعر إنما هي صورة لخضوع القلب للفؤاد فالمشاعر تنسب للفؤاد ولكن الأفعال تنسب للقلب فهو صاحب القرار الأخير والفاعل لكل ما يعرض له فمنه تنبت النية والنفس تأمر بما يحقق هذا الفعل، فأي فعل يتماشى مع دوافع الفؤاد فإنه فعل سوء فإن خالفه العقل فخضع القلب للعقل كانت محصلة الأمر خيراً وصلاحاً.

لذلك نجد أن الله تعالى في كتابه الكريم ينسب الأفعال الى القلوب فهي من يتبنى المشاعر فيترجمها إلى أفعال ، فإن أخضعها للعقل فقد أفلح وأصاب ، أما إن سلمها للعاطفة والفؤاد فقد أخطأ وأساء.

الإضاءة التاسعة والعشرون:

ينظر الناس للواحد منهم بعين الميزان فيزنون أفعال العبد المتئدة الواعية فينعت بالعقل ، وكلما زادت درجة الاتزان ازداد مستوى العقل لاحتكامه على القلب وهيمنته عليه وتقدمه عن الفؤاد وسيطرته عليه.

فوظيفة العقل بتقييد الفؤاد والإمساك بزمامه هي التي ترسم صورة العبد لدى الخلق وهي حرية بالدراسة والبحث والتنقيب ففيها اسرار للنفس تقود لفتوح هائلة في أصول التعامل معها وسياقتها الى الخير وزجرها عن الشر ، وللعقل اسم آخر وهو “الحجر” الذي يحجر الفؤاد عن الانزلاق للشهوة والشذوذ عن حدود الحق  ، فالإلحاد والكفر هو خضوع لقيم الفؤاد وغياب لقيم العقل فالكافر يكفر بمالا يدركه بحواسه برغم أن العقل يقول بأن إدراك الرب بالحواس إحدى دلائل فساد ربوبيته ، ولأن العقل يقيد الفؤاد عن الجموح والانطلاق خارج القيم العقلية فيحصل الكفر ويحدث الجحود.

وهنا يستقر لدينا بأن العقل يقتضي الإيمان قطعاً ومن لا إيمان له لا عقل له.

الإضاءة الثلاثون:

إن العبد المسلم عندما يأتي طاعة مخصوصة كالصيام أو الصلاة ونحوها فإنه يأتيها مدفوعا برغبة القلب وتوجيهه ، وهو يستمد شرعيتها لديها من وزنها بميزان العقل.

فنجد مثلا أن الحيوانات والعجماوات لا يمكن أن تمتنع عن الطعام صياماً لفترة محدودة وبصفة معلومة  لأن أفئدتها تسوق قلوبها ، وشهوتها للطعام وهي من ابسط الشهوات لا يوجد ما يعقلها ويقيدها ، وكذلك العبد العاصي ، فقلبه يستسلم للفؤاد فيخترق الفرائض وينعتق من قيود العقل التي تدفعه للعبادة فيكون في درجة العجماوات.

قد يقول قائل إن بعض الحيوانات تأتي بأفعال عجيبة تدل على ذكاء وبصيرة قد يفتقدها بعض البشر ، فنقول لو تتبعت الكيفية التي يجري تدريب العجماوات على تلك الأفعال لوجدت بأنها تكافأ في كل مرة تأتي فعلا مطلوبا عند المدرب تكافأ بطعام أو تحرم من شيء أو يجري ايقاع عقوبة عليها وبذلك فإن هذه الحالة في حقيقتها هي خضوع للشهوة والفؤاد وليس لصورة من صور العقل ابدا ، لذلك فإنها لا تلقي بالا لمدربها عند الشبع مثلا او اذا امنت عقابه.

إن بنو آدم ممن ينتظم في اتباع أنظمة بلاده لقناعته بصلاحيتها وقيامها على حياة مجتمعه وصلاح أمر قومه فهو يوظف العقل بصورة سليمة ، وهذا النمط من الناس هو من أقرب الخلق لاعتناق الإسلام إن لم يكن مسلما ، ومن أنفع البشر لمجتمعه.

أما أولئك الذين لا يأتون فرائضهم ولا يلتزمون بقوانين مجتمعاتهم إلا خشية عقوبة أو رغبة في مثوبة دنيوية فهؤلاء لا يختلفون عن حيوانات السيرك إن لم يكونوا أسوأ ، فعند أول حالة فوضى وغياب للنظام تراهم يعيثون في الأرض فسادا بصورة تأنف منها العجماوات وتعجب لها الشياطين.

إن هذه المسألة هي اختبار حقيقي للعبد المسلم هل هو مسلم لله أم مستسلم للسلطة ؟ هل يأتي فرائضه خوفا من قيل وقال ورياء وسمعة ؟ أم قناعة ومحبة وصلاحا ؟.

فهنا نجد الفرق بين المسلمين المستسلمين للسلطة الذين قال الله تعالى عنهم:

{ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [الحجرات:14]

فالمراد قولوا استسلمنا لسلطتك وحكمك يا محمد ولم نستسلم لله ، بما يحقق الاسلام كدين يرتبط ويخضع فيه العبد لسلطة الله الواحد القهار، الاسلام الذي يدفع الفرد ذاتيا لاتيان الطاعة وترك المعصية محبة وطاعة لله تعالى.

وهو ما دعا به نبي الله ابراهيم عليه السلام عندما قال :

{ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [البقرة:128]

ولعل القارئ الكريم يطلع على ما كتبته من توضيح لأصول الدين ونقض مفهوم مراتب الدين الذي يتعلمه ابناؤنا وبناتنا وتوضيح ماهية المفهوم الحقيقي للاسلام والايمان والاحسان.

 

شواهد قرآنية

سأعبث قليلاً في ترتيب المفرادات ليتحقق العرض السليم لمادة هذا البحث وسأبدأ بعرض مواضع ذكر الفؤاد في القرآن الكريم ، ثم اعلق على كل آية ليتمكن القارئ الكريم عرض هذا المفهوم على الإضاءات السابقة ونرى مدى اتساقها واتفاقها مع بعضها البعض والفؤاد مرده في اللغة إلى(الفأد) وهو الشوي والتوقد ، المعنى المنسق فعلا مع وظيفته التي يتوقد فيها الفؤاد ويشتعل عاطفة تجاه المواقف المختلفة بدرجة قد تصل للجور والتطرف والشطط حال تغييب القلب للعقل وتقديم الفؤاد عليه:

{ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [القصص:10]

وطالما كان الفؤاد مناط العاطفة فقد كادت أم موسى أن تبدي ماحدث لوليدها فرقاً وخوفاً عليه فكان الفؤاد سيفسد الأمر لولا أن الله أعلى العقل ومكنه على الفؤاد فحصل الربط على القلب فيتحقق الإيمان ، وهنا فإن الفؤاد يقدم ما يستقر لديه من مشاعر وعواطف على ما يوحيه العقل إليه من قناعات ، والخضوع لتلك العواطف الظاهرة وتجاهل نداءات العقل الباطنة هو مكمن الخطر.

ونجد ان الله تعالى اتجه لقلبها فربط عليه حتى لا يتأثر بما ضج به الفؤاد ولم يمت الفؤاد أو يلغيه لأنه مكون رئيسي من مكونات النفس البشرية.

ولذلك فما يستقر في القلب من عقيدة هو الأصل وهو ما يُعتمد عليه  أما الفؤاد وما يظهره على صفحات الوجه فيمكن أن يتم تزويره وتحويره لدرجة يصعب على الخبير معرفته ، فالكافر بالإكراه لا يقع كفره طالما كان (قلبه مطمئن بالإيمان).

{ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ } [النجم:11]

ولما كان الفؤاد متعلق بالحواس فيتفاعل مع ما يرى ويسمع ولقد بلغ من شدة حقيقة ما رأى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج ما استقر في فؤاده واطمئن إلى حقيقته برغم ضخامته وغرابته وعجائبه ، فطالما كان الأمر رؤية مباشرة فمحلها الفؤاد وهنا نجد أن العقل الممتلئ بالإيمان صدّقه الفؤاد وهذه الحالة المثالية التي يتوافق فيها مكونات القلب الرئيسية فيصطبغ القلب بصبغة الإيمان الكامل.

ومن ثمرات هذا المفهوم هو تأكيد أن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للأشياء والأشخاص والعوالم والأبعاد المختلفة إنما كان على وجه الحقيقة ولم يكن خيالات أو وحي أو رؤيا بل حقيقة قادنا لتقرير ذلك مفهوم الفؤاد ووظيفته وأدواته.

{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا } [الفرقان:32]

فالفؤاد قد يؤثر على العقل بدافع الخوف والحزن فيؤذي الإيمان فالفؤاد بحاجة للذكرى المستمرة من نوافذ السمع والبصر حتى لا تطغى عاطفة سلبية تحيده عن السبيل القويم فكان استمرار انصباب الوحي القرآني طيلة البعثة الشريفة وسيلة لتثبيت الفؤاد فكلما طال الأمد عن الفؤاد حزن أو شك نزلت جرعة قرآنية فثبتته على الحق ، ونرى كيف استعمل مفردة (القرآن) التي تشير للقراءة وبالتالي التعلق بالنظر و السماع ومن ثم النفاذ للفؤاد من منافذه المتعلقة به.

{ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } [هود:120]

فالقصص القرآني يستثير عواطف ويكبح أخرى فيثبت الفؤاد على الحق ولا ينحرف تحت وطاة وثقل الدعوة والتكذيب والأذى فيريه كيف أن الله ختم لكل الأنبياء بالنصر وأن ما يعتريك اليوم يا محمد من طرد وصد وتكذيب وسباب قد اعترى من سبقك من الرسل فلا تبتئس ولا يضج فؤادك باليأس والخوف والحزن فكانت تسلية فؤاده صلى الله عليه وسلم عن واقعه متحققة بهذا القصص العظيم.

{ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } [الإسراء:36]

ولما كان الفؤاد في محيط سيطرة الإنسان فإن استعلاءه وسيطرته بما يصله من محيطه المنظور والمسموع قد يؤدي لقول الباطل واعتقاده ، فينهى الله القلب عن الخضوع لشهوة الفؤاد والعقل عن الضعف والهوان لأن الله سيسأل النفس عن تلك الحواس وكيف وظف الفؤاد وظيفة فاسدة أو أخضع الشهوة للعقل فصلح القلب وصلح عمله.

{ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } [إبراهيم:37]

وخليل الله ابراهيم عليه السلام يدعو الله أن يقيض لهم من يحمل في جوانحه العطف والخير والمحبة في نفسه ويتحقق لهم الرزق فالأفئدة تحمل العواطف والشفقة على هذه المرأة الوحيدة ووليدها وتحمل إليهم الرزق في هذا الوادي المقفر.

قال ابن عاشور رحمه الله في ذلك :

(والأفئدة : جمع فؤاد ، وهو القلب . والمراد به هنا النفس والعقل .

والمراد فاجعل أناساً يهوون إليهم . فأقحم لفظ الأفئدة لإرادة أن يكون مسير الناس إليهم عن شوق ومحبة حتى كأن المسرع هو الفؤاد لا الجسد فلما ذكر { أفئدة } لهذه النكتة حسن بيانه بأنهم { من الناس } ، ف { من } بيانية لا تبعيضية ، إذ لا طائل تحته . والمعنى : فاجعل أناساً يقصدونهم بحبات قلوبهم . إ هـ)

أما في قوله أن الفؤاد هو القلب فقد جانبه الصواب في ذلك ، أما في قوله أن مسير الناس في شوق ومحبة فهو ما يناسب الأفئدة من حيث طبيعتها وهو العاطفة الجياشة.

إن الدعوة بتسخير الأفئدة التي يدعو إبراهيم عليه السلام بها لتتجه لموضع زوجه وابنه كان دافعها الشفقة على هاجر وإسماعيل عليهما السلام  ورجاءه في نجدتهما بأناس يحملون في قلوبهم قلوبا رقيقة تعتني بهما وتؤنس وحشتهما.

{ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [النحل:78]

فالطفل خلال سنوات عمره الأولى يتشكل العقل ويبدأ يلتحق بالفؤاد سرعة ونمواً ليكتسب الخبرات حتى يبدأ تأهيله للتكليف عند البلوغ  ، فكان ترتيب تلك الحواس والمكونات وفق أولوية الخلق فبدأ بالسمع الذي يتخلق في بطن الأم ، ثم الأبصار التي تكتمل بعد الولادة وتبدأ في الأسابيع الأولى ثم الفؤاد الذي يبدأ يتشكل لدى الطفل على هيئة عواطف ومشاعر فياضة تجاه أمه في مرحلة لاحقة ثم العقل الذي لا يكتمل إلا في مرحلة البلوغ فتبدأ معه مرحلة التكليف.

{ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ } [إبراهيم:43]

ولما كان الخوف الشديد عاطفة منشؤها الفؤاد فإن افئدتهم تطير خوفاً وهلعاً مما ينتظرها من عذاب ، يقول صاحب التحرير رحمه الله (وقوله : { وأفئدتهم هواء } تشبيه بليغ ، إذ هي كالهواء في الخلو من الإدراك لشدة الهول .) ا هـ.

ونرى كيف أن منافذ الفؤاد نجدها في آيات القرآن الكريم حاضرة في غالب المواضع فإينما تجد الفؤاد تجد مفردات (الطرف، السمع ، البصر) صراحة أو ضمنا ، في ذات الآية أو في سياقها.

{ وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ } [الأنعام:113]

فتميل الافئدة لزخرف قول (شياطين الإنس والجن) الذي يستجلب عواطفهم ويوافق شهواتهم في دفع نور الإيمان عنهم فيستعلي الفؤاد على العقل ويستقوي عليه فيمرض القلب ويميل عن الطريق القويم ، وياتي الإصغاء في الاصل بمعنى الاستماع ، ولما كان الفؤاد وعاء من أوعية الاسماع ، والأسماع قناة من قنوات الفؤاد كان استعمال الإصغاء أنسب مايرد معه هو الفؤاد كما سبق.

جاء في تفسير الطبري رحمه الله تعالى:

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا =(ولتصغى إليه)، يقول جل ثناؤه: يوحي بعض هؤلاء الشياطين إلى بعض المزيَّن من القول بالباطل, ليغرّوا به المؤمنين من أتباع الأنبياء فيفتنوهم عن دينهم (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة)، يقول: ولتميل إليه قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة . إ هــ.

وهنا نلحظ الخلط في تسمية الفؤاد بالقلب ولكنه من وجه آخر جائزٌ في مفهومنا هذا إذ أن استعلاء الفؤاد يصبغ القلب بصبغته فتميل وتنقلب استجابة لشهوة الفؤاد وتاثيره.

{ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ } [الهمزة:7]

وهي نار الله الموقدة ، واطلاعها على الأفئدة لكونها مناطق الشر والعصيان من حيث استعلائها على العقل وتقديم شهوتها وعاطفتها على الحق واستعمالها في مالا ينبغي فتكون أول من يجني ثمرة فعلها ، وكذلك فإن الأفئدة كما رأينا من وظيفتها يدخلها الخوف الشديد والهلع والحزن والرعب فكان اطلاع النار الموقدة عليها من خلال مصبات الفؤاد وهي الابصار تشعل الفؤاد رعباً وتفرغه هواءً فيكون عذاب بجانب الم الحرق بنار جهنم وعذابها.

وكان التعبير بأن النار هي من تطلع على الافئدة وليست الافئدة من خلال حواسها من تستطلع النار بل أن الأفئدة من شدة العذاب ورعب الموقف تتجنب النظر لشدة ما يداخلها من خوف ورعب ولكن النار تطلع بذاتها لداخل تلك الافئدة المكذبة العاصية المغضوب عليها إمعانا في وصف جسامة هذا المآل وسوءه وحجم الألم الذي يدخل للنفس.

 

الفؤاد في الحديث النبوي الشريف

حديث رقم (5417) عن عائشةَ ، زوجُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ أنها كانت ، إذا مات الميتُ من أهلها ، فاجتمع لذلك النساءُ ، ثم تفرقنَ إلا أهلها وخاصتها – أمرت ببرمةٍ من تلبينةٍ فطُبخت . ثم صُنِعَ ثريدٌ . فصُبَّتِ التلبينةُ عليها . ثم قالت : كُلْنَ منها . فإني سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقول ” التلبينةُ مُجِمَّةٌ لفؤادِ المريضِ . تُذهب بعضَ الحزنِ ” (صحيح البخاري).

فالأثر هنا هو ذهاب الحزن فالتأثير فيما يظهر من قوله صلى الله عليه وسلم اثر نفسي متفق ومتسق مع وظيفة الفؤاد العاطفية وليس اثر عضوي مادي ، وهنا دلالة على اثر صلاح الفؤاد وسكونه في حصول الشفاء واثر الجزع في تفاقم المرض والداء.

حديث رقم (1021) قال صلى الله عليه وسلم ( إذا ماتَ ولَدُ العبدِ قالَ اللَّهُ لملائِكتِهِ قبضتم ولدَ عبدي فيقولونَ نعم فيقولُ قبضتُم ثمرةَ فؤادِهِ فيقولونَ نعم فيقولُ ماذا قالَ عبدي فيقولونَ حمِدَكَ واسترجعَ فيقولُ اللَّهُ ابنوا لعبدي بيتًا في الجنَّةِ وسمُّوهُ بيتَ الحمْدِ) ( صحيح الترمذي)

وقد أتى بالفؤاد هنا لأنه مناط العاطفة والحزن فيحمل الفؤاد تلك الأحزان فيصطبغ القلب بها فإن استعلى العقل كان الصبر والإيمان والجلد والرضا بقضاء الله ، وإن استعلى الفؤاد ضج بالحزن والسخط واللطم وشق الجيب والألم ، فيثني جل جلاله على من حمد واسترجع وأعلى عقله وضبط مشاعره وحواسه.

حديث رقم (3392 ) فرجع النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى خديجةَ يرجُفُ فؤادُهُ ، فانطلقتْ بهِ إلى ورقةَ بنِ نوفلٍ – وكان رجلًا تنصَّرَ يقرأُ الإنجيلَ بالعربيةِ – فقال ورقةُ : ماذا ترى ؟ فأخبرَهُ ، فقال ورقةُ : هذا الناموسُ الذي أنزلَ اللهُ على موسى ، وإن أدركني يومُكَ أنصرُكَ نصرًا مؤزَّرًا (صحيح البخاري)

ولا شك بأن ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم عظيم التأثير فدخلت لفؤاده عاطفة الخوف والفزع مما رأى فكان وقوع الأثر على الفؤاد ذلك أن ما رآه صلى الله عليه وسلم لم يكن خيالا أو رؤيا بل حقيقة نفذت من حاسة البصر المادي والسمع الفعلي لفؤاده ومن ثم إلى قلبه وعقله فكان وقوع هذا الأثر الظاهر على بدنه بالرجفة والخوف.

العقل في السياق القرآني

لقد أثنى الله في كتابه العزيز على العقل وحث بني آدم على توظيفه في معرفة الله وتمييز الحق عن الباطل ، والعقل هو الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها وهو ما قد نسميه باللاوعي فهو يختزن الحق دون سواه ولا يعنيه من العواطف والمشاعر شيء فهو يؤتي الأمر حقه وفق ما فطره الله عليه ، ولو تتبعنا مواضع استعمال مفردة العقل في القرآن لوجدنا مواضع عديدة للاحتجاج بهذا العقل لمعرفة الله والاستدلال القاطع على وجوده.

وطالما كان الفؤاد لا يؤمن إلا بما يرى ويسمع ويشعر ويحس فإنه إن استعلى على العقل فإن القلب ينقاد للفؤاد فيكفر بالله لأنه لا يراه ولا يشعر بوجوده كما يرى من الأصنام مثلا أو المعبودات الأخرى ، ففي الوقت الذي يتعامل الفؤاد مع الواقع المرئي والملموس ، فإن العقل يتعامل مع الحقائق المجردة بمعزل العواطف والمشاعر ، ولكن يجب أن لا ننسى بأن القلب هو من يتبنى صوت العقل أو يتركه ويتبنى صوت العاطفة والفؤاد :

{ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } [البقرة:44]

أفلا تعقلون ؟ ، سؤال استنكاري يوجهه الله لعلماء بني اسرائيل الذين اعلوا شهواتهم وعواطفهم التي تقصي الحق فاستعملوا الشريعة لاستعباد الناس واستعمالهم فيامرونهم بإتيان الشرائع والأوامر والانتهاء عن المحرمات ولكنهم يأتونها هم في تناقض ينبئ عن انقيادهم لأفئدتهم التي تأمر بما ينافي العقل لمجرد الحصول على الشهوات الملموسة من مال وسلطة وشهوة وغيبوا صوت العقل الذي يوقن بالله وبأوامره وأنها يجب أن تؤتى في السر والعلن.

{ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [البقرة:73]

فقيام ميت من بين الأموات لمجرد ضربه بشيء من لحم هذه البقرة يجعل العقل ينشط في النفس فيستعلي في القلب السليم المؤمن ويتقدم لما رآه من قدرة الله وعجيب صنعه ، أما القلب المريض الذي يستعلي فيه الفؤاد فسيقول: لهذا منعنا موسى من عبادة العجل ، ففي هذه المخلوقات سر عظيم يحيي الموتى واتخاذنا لها آلهة كان قراراً صائباً ، فيزدادون كفراً إلى كفرهم وكذلك يضل الله من يشاء الضلاله ويهدي من يشاء الهداية ، وإنما كان اتخاذهم العجل برغم كل ما رأوا من المعجزات العجائب لاعلائهم الفؤاد واقصائهم العقل فهم لا يؤمنون إلا بإله يرونه ويسمعونه فاتخذوا العجل وطالبوا موسى برؤية الله جهرة وهكذا فبنو اسرائيل طالما استعلى الفؤاد على قلوبهم واقصي العقل فكان تاريخهم مليء الكفر والعصيان.

{ وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } [المؤمنون:80]

إن الفؤاد لا يملك التحقق من صحة هذه الآية فهو إن خضع الأمر لقوانينه فلن يؤمن ، ولكن إن أخضع الأمر للعقل فهو من يدرك حقيقة قدرة الله على الإحياء والإماتة وعلى اختلاف الليل والنهار ، فذيل الآية بدعوتهم لتحكيم عقولهم ، ولِعَقْلِ أفئدتهم عن التجاوز في حق الله بالكفر به وجحود قدرته وألوهيته.

{ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا } [الفرقان:44]

فالأنعام تسير خلف افئدتها وشهواتها ، فلو كان القوم فيهم من يعقل ويسمع لسيطر على الهوى وعقل الفؤاد وكان القلب سائقا للخير مانعاً عن الشر سائراً في ركاب الحق.

{ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ } [الحشر:14]

قلوبهم شتى وبأسهم بينهم شديد ، وهذا نتيجة إقصاء العقل وإعلاء الفؤاد ، فالفؤاد مناط العواطف والمشاعر من كبر وحسد وحب وبغض وطمع وحقد فلا رادع لهم عن بغض بعضهم البعض ، فلو أنهم عقلوا لعلموا أن في اجتماعهم قوة وأن تقديم الإيثار وحب الخير للناس أجدر وأضمن للنصر ولكنهم قوم لا يعقلون.

{ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [الملك:10]

وعندما ينحطمون في جهنم فيحصل الندم في قلوبهم على إعلائهم الفؤاد أمام العقل ، والمراد بالسماع هنا هو الاستجابة لداعي الحق ، وإلا فسماع الصوت متحقق إلا أن الاستجابة والرضوخ للحق وترك الباطل هو إحكام للعقل وإقصاء للفؤاد والهوى والعواطف ، فاعترفوا بذنبهم ، وحضرت عقولهم عندئذٍ ، فإذا كانت رؤية العبد بعينيه لا تحقق في قلبه النهي عن المنكر والأمر بالمعروف فهو لم يرى ، وإذا كان السمع والاستماع بأذنيه لا يحقق في قلبه الزجر عن المحرمات وإتيان الطاعات فكأنه لم يسمع ، فلما انتفى الهدف من السمع والبصر فوجودهما وعدمه سيان.

{ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [البقرة:75]

فيقول الله مخاطباُ المسلمين ، أتأملون في اليهود خيراً وهم الذين كانوا يسمعون كلام الله ويستقر في عقولهم ويتسق مع فطرتهم وعقولهم ثم يعلون أفئدتهم ويقدمون شهوتهم ويكبتون صوت عقولهم فيعتدون على النص ويغيرون ويحرفون برغم علمهم بالحق الذي جائهم ، فإن كانوا كذلك فيما جيء به إليهم فكيف سيكون حالهم مع ما نزل إلى غيرهم ؟.

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } [البقرة:170]

ففي حين كان بنو إسرائيل يعقلون ولكنهم يكبتون عقولهم ويعلون أفئدتهم فقد كان قريش قوم عباد أصنام تستعلي افئدتهم على عقولهم فلم يتفق شيء من علمهم وعباداتهم مع العقل بل كانت تتفق مع افئدتهم (أهوائهم وشهواتهم ) ولم يخضعوا افعالهم وعباداتهم للعقل أبداً.

{ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ } [المائدة:58]

فهم يستهزئون بالصلاة إلى إله لا يرونه ولا يصدقون بقدرته ، ويرون أن عبادتهم للحجارة والاصنام هي الحق لأنها عبادة تصرف لآلهة يرونها ويلمسونها بأيديهم فتستقر لذلك أفئدتهم ، أما عبادة الله تعالى بخفاء ذاته عن ابصار خلقه ومعرفته في بصائرهم وعقولهم فخضوع الإله لمعايير الفؤاد يؤدي لترك عبادة مستحق العبادة وصرفها لمن لا يستحق ذلك ، فهو قوم لا يعقلون.

{ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ } [الأنفال:22]

وقد وصفهم الله تعالى بالدواب ، فالدواب لا تحمل في قلوبها عقلاً بل افئدة تبحث عن شهواتها من مأكل وشهوة ، وتخضع بالكلية لحواسها ، والصمم والبكم هنا هو امتناع وصول الحق للعقل واقصاءه واقتصار ما يلج للقلب من منافذ البصر والسمع على الفؤاد فلا ينفذ للعقل لانتفاءه.

 

براءة العقل من الزلل

العقل والشرع ورقتان من بذرة واحدة

يتردد نقد العقل وانتقاصه ورميه واتهامه وبالأخص من طوائف الأصوليين عامة ، والحقيقة أن المسلم المتدبر للقرآن العظيم يجد أن العقل يحتل مكانة إيجابية في النص القرآني ، والله تعالى يحيل إليه دوما عند كل  مناظرة وتثريب وتقريع الكفار والمعاندين فكيف يستقيم اتهام العقل ووصمه بالنقص والسوء في الوقت الذي يرمز العقل في السياق القرآني للاتزان الإذعان للحق وترك الباطل؟

لقد وجدت أن وضع العقل في هذا القالب ومحاولة رسم صورة نمطية سلبية عن العقل يرجع للأسباب التالية:

أولاً: رد فعل على استعمال الملحدين والعلمانيين لمفردة العقل للإيحاء بمناقضة الشريعة والعقيدة الإسلامية  العقل والتفكير السليم ، وسوق أمثلة يزعم فيها دعاة الالحاد إخضاع هذه الثوابت للعقل لينتج وفق تصوراتهم ورسوماتهم وتدبيراتهم أن تلك العقائد والشرائع مناقضة للعقل وهي في حقيقتها مناقضة لأفئدتهم وأهوائهم.

ولذا فقد اعتقد منتقدو العقل بأنهم بذلك ينقضون الأساس الذي بنى عليه أولئك الملحدين نظرياتهم وحججهم فعملوا على اسقاط العقل في حين أن العقل هو القناة الوحيدة والوسيلة الفريدة التي يمكن بواسطتها فهم الكون والعقيدة والشريعة ووجود الخالق وتصرفه في ملكوته.

ثانياً: استعصاء فهم الفرق بين العقل والقلب والفؤاد في المفهوم القرآني وهذا الفهم وإن كان في السابق لم يتبلور في الفكر الإسلامي بالشكل الصحيح ، وذلك لعدم تطور ادوات فكرية لدى اعداء الدين في ذلك الوقت فلم يكن الوضع يؤثر بصورة مباشرة على ميزان الاحتجاج بين المسلمين وأعدائهم.

ولكن فهم الفروق الدقيقة بين هذه المصطلحات يعد أمرا أساسيا يتمكن المسلم من خلاله فهم واستيعاب النص القرآني بعمق يوازي جزالة ودقة السرد القرآني الفريد.

ثالثاً : اعتقاد البعض بأن استحالة إدراك خوارق الكون والمعجزات وعجز العقل عن استيعاب الطبيعة الإلهية وعوالم الملائكة والجنة والنار والبعث والحساب ، يعتقدون بأن ذلك متعلق بقصور العقل وعجزه عن إدراك وفهم وتصور تلك الغيبيات ، والحقيقة أن العقل هو من يكبح جماح الفؤاد الذي لا يؤمن الا بما يرى فالعقل يمكنه استيعاب وجود عوالم تفوق قدراته وتصوراته وتتفاعل خارج البعد الذي يعيش فيه ولكن الفؤاد هو من يرفض الاستسلام لتلك الحقائق فهو لا يؤمن الا بما يرى ويسمع ، لذلك قال الكفار :

وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) [الإسراء]

{ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } [البقرة:55]

فهذه أفئدتهم التي سلمت قلوبهم لها فأصبحت تتحكم بهم وتصنع مقاييس الحق والباطل في قلوبهم فلا يؤمنوا الا لما يروا ، ولو سلموا أمرهم لعقولهم لأدركوا ما تختزنه فطرتهم التي أشهدنا ربنا عليها وسلموا بقصور قدراتهم ورضوخهم لأمر الله ونهيه وكبتوا صوت الفؤاد وعقلوا حركته.

فالعقل بريء من الزلل والتهمة ، اقصد العقل الشرعي المنصوص عليه في كتاب الله ، ولكي نحقق التفوق العقدي فينبغي أن نفرض على الطرف الآخر هذه القاعدة ليتم التحاور تحت مظلتها وفي ظل قواعدها ، أما أن يفرضوا قواعدهم الفلسفية التي تستند المنطق الابليسي المادي الذي يقدس الملموس فيحتج به وفي زعمه أنه يحتج بالعقل فيقول

{ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ } [ص:76]

فجعل معيار الفؤاد المشتعل بالكبر والغيرة والحسد هو المعيار العقلي في نظره ، وكذلك أتباع ابليس على مر الزمان ، فما كانت حجتهم تختلف عن حجة ابليس التي تنبع من الفؤاد وليس من العقل.

إن الملحدين اليوم وضعوا العقل شعاراً يوهمون أعدائهم بأنهم يحتكمون إليه ، فالمسلمين حينئذٍ يواجهون بعاصفة من الاسئلة التي يزعم أولئك بأنها أسئلة عقلية وهي في حقيقة الأمر أسئلة هوى وشبهات الفؤاد يلقونها ليس لمعرفة الحق بل لحرف المؤمنين عن إيمانهم.

وهنا فإني من خلال مطالعتي ومتابعتي لتلك المسائل بأن المشكلة أصولية وليست سطحية ، فالمشكلة أن هناك من يبني ملعباً ويدعوك لللعب بقواعده هو ، كما يفعل من يسمون أنفسهم بالعقلانيين ، فعندما جهلنا معنى العقل وتأخرنا في فهم القرآن الكريم الذي فيه تفصيل كل شيء ، يأتي الملحد ليزعم أنه يحاورك على أرضية مشتركة بينك وبينه وهي العقل ، وهو في الحقيقة يحاورك على أرضية الفؤاد ، ولأنك تجهل ذلك فأنت تستجيب لنداءه وتلعب بقواعده ومفاهيمه الباطلة فيصعب عليك الانتصار.

والحقيقة أننا ينبغي أن نضع قواعد اللعبة وعلى الآخرين أن يخضعوا لها ويلعبون بموجبها ، وهذه من أصول المناظرة الحقيقية فإليك ايها المخالف قوانيننا وقم انت بإظهار الحق الذي تدعيه ولك أن توجد التناقضات في قواعدنا وقوانيننا التي نريدكم أن تقابلوننا على أساسها وهكذا ، فإننا  سنتمكن من قلب الطاولة والتحاور على أساس الحقائق والأفهام وليس على أساس الشهوة والأوهام .

إن ما كتب في تعارض العقل والنقل إنما تأسس على توهم في معرفة العقل بل وتوهم في معرفة حقيقة النفس ، وقد خضعت جموع من العلماء لاجتهادات محددة وسلمت بها وجرمت من يخالف القول بتلك المفاهيم ، ولكن لماذا لا تكون خطأ ؟ لماذا لا نتتبع صور الحق والزلل في تلك المفاهيم ؟.

إن ثمرة المعرفة عندما تكون باطلة فإنها تدل على خطأها بمدى تأثيرها واثراءها لحياة المرء أو تسببها في ضياع بوصلة التفكير والوصول لطرق مسدودة وتساؤلات جديدة ليس لها جواب ، ولكن الحق يقود لجلاء الفهم وصواب القول والعمل وتبيان ما خفي ويحقق في حياتنا رضى داخلي عما تعلمناه ، ويحقق نتائج حياتيه قوية التأثير تنعكس بالثقة والصلاح والمآل الحسن في الدنيا والآخرة.

 

القلب في السياق القرآني

ونكتفي بما قد مضى من قول بشأن العقل و الفؤاد ونأتي الآن للقلب ونستعرض مواطن ذكره في القرآن الكريم ونستظهر معاني تلك الآيات ونرى كيف تكاملت وتجاوبت مع الإضاءات والتعريفات التي سبقت.

وقبل البدء في تتبع مفردة القلب في مواضعها المختلفة أود التنويه بأن إيراد الفؤاد وتفاعلاته لا يلزم انعقاد تأثيره مالم يستقر ذلك التأثير في القلب عندها فإن القلب يتبنى رغبة الفؤاد ويقصي مشورة العقل ورأيه ، وهنا لم يعد فعل السوء منسوبا للفؤاد لأنه انتقل لحيازة القلب وانعقد فيه فأصبح مدونا عليه محاسبا به إن كان اعتقادا (كالكفر والخيانة) وأما إن كان فعلا فيكتمل الركن الثاني بعد انعقاد النية وهو الإفضاء للفعل بالجوارح فيثبت عمل السوء على الإنسان آنذاك.

وغالب مواضع ذكر القلب في التنزيل الحكيم يدور حول تلك المرحلة التي يستقر فيها تأثير العقل على قرار القلب أو يغلب تأثير الفؤاد فينصبغ القلب بصبغة التأثير التي انساق إليها.

{خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة : 7]

وهنا نلحظ ارتباط القلب بالسمع والبصر وهذا يتسق مع قولنا أن طغيان الفؤاد واستعلاءه حتى يصبح مصدر القرار الوحيد هو مناط النفاق والكفر والسوء ، فالأفئدة التي يعد السمع والأبصار منافذها تترك الحق وتتبع الباطل حين تكون الشهوة مقدمة على العقل فيكون الحق الذي يلج الفؤاد من السمع والبصر مكبوتا بفعل الغشاوة التي تقدم الشهوات وتحجب الحقائق عن الرؤية والسماع فيكون القلب مغلفا بغشاوة الفؤاد وهيمنته.

يتبع إن شاء الله…

وَجْهٌ فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى “وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا”

بسم الله الرحمن الرحيم

يقولُ الحقُّ سبحانهُ وتعالى:

{ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ } [النحل:80]

 

تَوطِئةْ :

الحمدللهُ الذيْ أنزلََ خيرَ الكلامِ وعلَّمَ بالأقْلام ، وهَدانا إلى الإسْلام ، وأصلّي وَأسلّمُ على خيرِ منْ وطئَ الثرى سيدنا مُحمدٍ وعلى آلهِ وأصحابهِ والتّابعينَ بإحْسانٍ إلى يومِ الدّين.

في هذهِ الدراسةِ المُوجزةِ سأطرقُ بإذنِ اللهِ باباً مُقابِلاً ووجهاً آخرَ لِفهمِ هذهِ الآيةِ الكريمةِ العظيمةِ منْ سورة النّحل ، التي افتتحت بتحذيرِ المخاطبينَ (أتى أمر الله) وقيل أن المراد بأمرِ اللِه السّاعة وقيلَ شَرائَعَهُ وأحْكامَه ، ثمَّ صَرفَ الأمرَ لتعدادِ نِعمِ اللهِ الكثيرةِ على خلقهِ وإخضاعهِ لكلِّ شيءٍ لخدمةِ بَنيْ آدمَ وتيسيِر معاشِهمْ ، ثمَّ تَحوَّلَ الخطابُ إلى الاحتجاجِ على عُصاةِ الخلقِ وبيانِ جُرمِهم وكفرِهم ، وَعادَ السِّياقُ بعدَ ذلكَ ليبينَ نِعم الله وآلاءه التي لا تعدُّ ولا تحصىَ منْ صورِ التَّسخيرِ ومنها هذا الموضعُ الذي نحنُ بصددِ قراءتهِ وتدبّره.

سَنَشرعُ في النَّظرِ في الآيةِ التي تُتوّجُ هَذا المبحث باستعراضِ أبرزِ أقوال المفسرينَ وفهمهمْ لهذهِ الآيةِ الكريمة ، ثمَّ نسوقُ عدداً مِن التّساؤلاتِ والاستشكالاتِ التي تَبْرزُ في مفهومِ الآيةِ مما شاع الذهاب إليهِ في التّفاسير باختلافها، وأخيراً سنعرضُ الفِهمَ الذي نَرى وَجاهتهُ وكيفَ أنّهُ يزيلُ مَا سلفَ من إشكالِ في الفِّهم السَّائد.

 

أبرزُ مَا جَاءَ فِيْ التَّفَاسِير :

سنضيءُ أفهامَنا بأقوالِ المفسرينَ الكِرامِ رحمهمُ اللهُ تعالى في أهمّ جَانبٍ في هذهِ الآيةِ الكريمةِ وهو قولهُ تعالى (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ) لنصلَ لِصورةٍ عامةٍ لمفهومٍ شاملٍ تواطأتْ عليهِ أفهامُ المُفسِّرينَ وآرائهم يخلص إلى فهمٍ واحدٍ يتبادرُ لذهنِ القارئ الَعجِلْ ، وهوَ أنَّ المُرادَ بقولهِ تعالى (مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا) أي خيامُ الباديةِ وقِبابِ الأديْم وَما تتميَّزُ بهِ من سُهولةِ نَقِلها وَنَصبِها فِي الحلِّ وَالتِّرحَال ، وهو القولُ الذيْ وَجدنا لهُ وجهاً مُختلفاً سَنُبيّنَهُ بعدَ أقوالِ المفسّرين.

فالقرطبيُّ رحمهُ اللهُ ذكرَ في هذهِ الآيةِ عَشرَ مَسائل ، سنتقتصرُ منها على مَسائلِ الفهمِ ونتجاوزُ عَن مسائلِ الفقهِ فيْما يَجوزُ منَ الصُّوفِ والأديمِ من جلودِ الميتة والغَنَم وكذلك ما حُرّمَ لحمهُ كالخِنزيرِ ونحو ذلكَ منْ أمورِ الفقهِ فيقول :

“فيه عشر مسائل :

الأولى : قولهِ تعالى : (جعل لكم) معناهُ صَيَّرَ . وكلُّ ما علاكَ فأظلكَ فهو سقفٌ وسماء ، وكلُّ مَا أقلكَ فهوَ أرضٌ ، وكلُّ ما ستركَ من جهاتكَ الأربعُ فهوَ جدار ; فإذا انتظمت واتصلت فهوَ بيت . وهذهِ الآية فيها تعديدُ نعم الله – تعالى – على الناسِ في البيوت ، فذكرَ أولاً بيوتُ المدن وهيَ التي للإقامة الطويلة . وقوله : سكناً أي تسكنونَ فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة ، وقد تتحرك فيهِ وتسكنَ في غيرهِ ; إلا أنَّ القولَ خرجَ على الغالب . وعدَّ هذا في جملةِ النِّعم فإنهُ لو شاءَ خلقَ العبدَ مضطرباً أبداً كالأفلاك لكانَ ذلكَ كما خلقَ وأراد ، لو خلقهُ ساكناً كالأرض لكانَ كما خلقَ وأراد ، ولكنهُ أوجدهُ خلقاً يتصرف للوجهين ، ويختلفُ حالهُ بينَ الحالتين ، وردّده كيفَ وأين . والسّكن مصدرٌ يوصفُ بهِ الواحدُ والجمع .

ثم ذكرَ – تعالى – بيوتُ النُّقلة والرُّحلة وهي :

الثانية : فقال وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها أي من الأنطاع والأدم . بيوتا يعني الخيام والقباب يخف عليكم حملها في الأسفار .

يوم ظعنكم الظعن : سير البادية في الانتجاع والتحول من موضع إلى موضع ; ومنه قول عنترة :

ظعن الذين فراقهم أتوقع              وجرى ببينهم الغراب الأبقع

والظعن الهودج أيضا ; قال :

ألا هل هاجك الأظعان إذ بانوا            وإذ جادت بوشك البين غربان

وقرئ بإسكان العين وفتحها كالشعر والشعر . وقيل : يحتمل أن يعم بيوت الأدم وبيوت الشعر وبيوت الصوف ; لأن هذه من الجلود لكونها ثابتة فيها ; نحا إلى ذلك ابن سلام . وهو احتمال حسن ، ويكون قوله ومن أصوافها ابتداء كلام ، كأنه قال جعل أثاثا ; يريد الملابس والوطاء ، وغير ذلك ; قال الشاعر :

أهاجتك الظعائن يوم بانوا              بذي الزي الجميل من الأثاث

ويحتمل أن يريد بقوله من جلود الأنعام بيوت الأدم فقط كما قدمناه أولا . ويكون قوله ومن أصوافها عطفا على قوله من جلود الأنعام أي جعل بيوتا أيضا . قال ابن العربي : وهذا أمر انتشر في تلك الديار ، وعزبت عنه بلادنا ، فلا تضرب الأخبية عندنا إلا من الكتان والصوف ، وقد كان للنبي – صلى الله عليه وسلم – قبة من أدم ، وناهيك من أدم الطائف غلاء في القيمة ، واعتلاء في الصنعة ، وحسنا في البشرة ، ولم يعد ذلك – صلى الله عليه وسلم – ترفا ولا رآه سرفا ; لأنه مما امتن الله سبحانه من نعمته وأذن فيه من متاعه ، وظهرت وجوه منفعته في الاكتنان والاستظلال الذي لا يقدر على الخروج عنه جنس الإنسان .” إنتهى كلامه رحمه الله

أما ابن جرير رحمه الله فقد قال فيها :

” يقول تعالى ذكره ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ ) أيها الناس، ( مِنْ بُيُوتِكُمْ ) التي هي من الحجر والمدر، ( سَكَنًا ) تسكنون أيام مقامكم في دوركم وبلادكم ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا ) وهي البيوت من الأنطاع والفساطيط من الشعر والصوف والوبر.( تَسْتَخِفُّونَهَا ) يقول: تستخفون حملها ونقلها، ( يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ) من بلادكم وأمصاركم لأسفاركم، ( وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ) في بلادكم وأمصاركم.( وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا ).” انتهى كلامه رحمه الله.

ومما قال الطاهر بن عاشور رحمه الله في هذا الموضع :

وقد يكون المحيط بالبيت متّخذاً من أديم مدبوغ ويسمى القبّة ، أو من أثواب تُنْسج من وَبر أو شَعَر أو صُوف ويسمّى الخَيمة أو الخباءَ ، وكلّها يكون بشكل قريب من الهرميّ تلتقي شُقّتاه أو شُققه من أعلاه معتمدةً على عمود وتنحدر منه متّسعَة على شكل مخروط . وهذه بيوت الأعراب في البوادي أهل الإبل والغنم يتّخذونها لأنها أسعد لهم في انتجاعهم ، فينقلونها معهم إذا انتقلوا يتتبّعون مواقع الكَلأ لأنعامهم والكَمْأة لعَيشهم . وقد تقدّم ذكر البيت عند قوله تعالى : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً } في سورة البقرة ( 125 ).

و { جَعَلَ } هنا بمعنى أوجد ، فتتعدّى إلى مفعول واحد .

والسَكَن : اسم بمعنى المسكون . والسكنى : مصدر سكن فلان البيتَ ، إذا جعله مقرّاً له ، وهو مشتقّ من السكون ، أي القرار .

وانتصب قوله تعالى : { سكناً } على المفعولية ل { جعل }.

وقوله : { من بيوتكم } بيان للسكن ، فتكون { من } بيانية ، أو تجعل ابتدائية ويكون الكلام من قبيل التجريد بتنزيل البيوت منزلة شيء آخر غير السكن ، كقولهم : لئن لقيت فلاناً لتلقينّ منه بحراً .

وأصل التركيب : والله جعل لكم بيوتكم سكنا .

وقيل : إن { سكناً } مصدر وهو قول ضعيف ، وعليه فيكون الامتنان بالإلهام الذي دلّ عليه السكون ، وتكون { من } ابتدائية ، لأن أول السكون يقع في البيوت .

وشمل البيوت هنا جميع أصنافها .

وخُصّ بالذّكر القباب والخيام في قوله تعالى : { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً } لأن القباب من أدم ، والخيام من منسوج الأوبار والأصواف والأشعار ، وهي ناشئة من الجلد ، لأن الجلد هو الإهاب بما عليه ، فإذا دبغ وأزيل منه الشّعر فهو الأديم .

وهذا امتنان خاص بالبيوت القابلة للانتقال والارتحال ، والبشر كلّهم لا يعدون أن يكونوا أهل قرى أو قبائل رحلاً .

والسين والتاء في { تستخفونها } للوجدان ، أي تجدونها خفيفة ، أي خفيفة المحمل حين ترحلون ، إذ يسهل نقضها من مواضعها وطيّها وحملها على الرواحل ، وحين تنيخون إناخة الإقامة في الموضع المنتقل إليه فيسهل ضربها وتوثيقها في الأرض .

والظعن بفتح الظاء والعين وتسكن العينُ ، وقد قرأه بالأول نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب ، وبالثاني الباقون ، وهو السّفر .

وأطلق اليوم على الحين والزمن ، أي وقت سفركم .

والأثاث بفتح الهمزة اسم جمع للأشياء التي تفرش في البيوت من وسائد وبُسط وزرابيّ ، وكلها تنسج أو تحْشى بالأصواف والأشعار والأوبار .

والمتاع أعمّ من الأثاث ، فيشمل الأعدال والخُطُم والرحائل واللّبود والعُقُل .

إشكالاتٌ على المفهومِ السَّائد:

برغمِ أنَّ المفهومُ السَّائدُ المتبادرُ لذهنِ القارئ يَمضي للناظرِ في كتابِ اللهِ دونَ أنْ يلحظَ مَا يستوقفهُ ، إلا أنكَ ما إنْ تتدبرَ هذهِ الآيةِ الكريمةِ وتراجعُ بنيتها ومفرداتها حتى تبرزُ تساؤلاتٍ تجاهَ ما قرَّرَهُ مفسريْنَا – كما ظهرَ لي- ، ومنها :

أولاً :

لقدِ استُهَلَّتِ الآيةُ بالحديثِ عَن السَّكن في البيوت التي تشملُ كلَّ مَا يُطلقُ عليهِ بيتاً يسكنُ فيهِ الإنسانُ و يهدأ ويرتاحَ ويستتر، سواءً كان بيتاً من لبنٍ أو حجرٍ أو خيمةٍ من صوفٍ أو وبرٍ أو أديم ، فماذا يجعلُ السياقَ ينفصلُ في ذكرِ البيتِ فينصرفُ لخيامِ الأديمِ مكرراً ذكرَ البيوت مُباشرةً بعد ذكرها الوشيك في الجزءِ الأولِ منَ الآية ؟؟

ثانياً :

لأيِّ شيءٍ يشيرُ الضَّميرُ في قولهِ تعالى (تستخفّونها) هلْ يشيرُ الضميرُ هنا إلى البيوتِ أم لجلودِ الأنعام ؟؟

ثالثاً :

إنْ كانَ المرادُ بقولهِ تعالىَ (تستخفونها) يعني “البيوت” : تجدونها خفيفةَ الحملِ ، للإشارةِ لسهولةِ نقِلها ، فيُحملُ ذلكَ على الظَّعنِ وهو سفرُ الباديةُ وانتقالهم ، ولكنهُ قالَ (ويوم إقامتكم) أي تستخفونها عندَ ارتحالِكم وتستخفونها عندَ اقامتكم فكيف يكون ذلك ؟ ، بمعنى أننا نفهمُ ما في الأديمِ من سهولةِ الحملِ في الظعنِ والارتحالِ ولكنْ كيفَ يمكنُ الجمع بين الإقامة والاستخفاف ؟؟ ، فالمقيمُ لا يحملُ بيتَ الأديمِ في إقامتهِ حتى يكونَ في خفتهِ وسهولتهِ مزيّة ونعمةٌ كنعمةِ نقلها في حالِ السَّفر.

رابعاً :

بجانبِ أنَّ البيوتَ في أوّلِ الآيةِ تغني عَن أي ذكرٍ آخرٍ للبيوت ، فإنَّ بيوتَ الأديمِ المصنوعةِ منَ الجلدِ ليست سائدةً لا في حَضَرٍ ولا بادية ، فأهلُ الحواضرِ لا يبيتونَ في بيوتِ أديمْ ، وأهلُ الباديةِ اعتادوا أنْ يقيموا في بيوتٍ منَ الوبرِ والصُّوفِ يرتحلونَ بها ، ولمْ يعرفِ الأديم (الجلود) عندَ الأعرابِ بيوتاً إلا نادراً ، فالمنتظرُ أن تغطّي الآيةُ الكريمةُ الشائعُ عندَ الناسِ وتُغفِلُ النَّادرَ القليل ، وقد جاءَ في المفصّل في تاريخ العرب – الجزء الرابع عشر -ص226 : “ويدخل في الحرف التي تقوم على تحويل الجلد إلى سلع، مثل الأحذية وصنع القباب التي تضرب للملوك وللسادة وللأشراف أمارة على الرئاسة والسيادة. وتصبغ جلودها بلون أحمر في الغالب, وكانت غالية؛ لذلك لم يستعملها إلا أصحاب الجاه والمال. فكان سادة مكة إذا نزلوا منزلا ضربوا قبابًا من أدم، وكان حكام عكاظ والسادات الذين يحضرون السوق، يضربون لهم قبابًا، وأما سائر الناس، فيضربون لهم بيوت الشعر, وبيوت الشعر أرخص ثمنًا من قباب الأدم ”  انتهى .

فلم يكن اتخاذ بيوتاً من أدم إلا قباب لأشراف الناس وسادتهم لغلاء ثمنها ، فلا وجه لإيراد النادر في هذا الموضع وغالب الناس وعامتهم من مقصد الخطاب في الآية الكريمة لا ينتفعون بمثله.

خامساً :

الأصلُ في السكنى هوَ في القرى والمدن فالسكنى فيها باقيةٌ أصيلة ، أمّا سكنى الباديةِ فهيَ طارئةٌ متغيرة ، فلا وجهَ لإيرادها في الآيةِ الكريمة ، فقدْ صحَّ عنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم  أنهُ قال : من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن. رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وصححه الألباني.

يقولُ النووي: (ولأنَّ أهل البادية، هم الأعراب ويغْلبُ فيهِمُ الجهلُ والجَفَاء، ولهذا جاء في الحديث: (مَنْ بَدَا جَفَا) والبادية والبدو – بمعنى وهو ما عَدَا – الحاضرة والعمران والنسبة إليها بدوي)، ويقول ابن كثير في تفسيره: (ولمَّا كانتِ الغلظةُ والجفاء في أهلِ البوادي لَمْ يبْعث اللهُ منهم رسولاً وإنما كانت البعثة من أهلِ القرى، كما قال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نُوحِي إِليهم من أهل القرى).

قال مالك: لا يؤم الأعرابي في حضر ولا سفر وإن كان أقرأهم، قال ابن حبيب لجهله بالسنن وغيره لنقص فرض الجمعة وفضل الجماعة. انتهى.

سادساً :

أنَّ الخطابَ في أصلهِ موجَّهٌ لأهلِ بُنيانٍ وحضارةٍ وليسَ لأهلِ ارتحالٍ وبداوة فكانَ حالُ المخاطبِ مَرعياً في الآيةِ وهُم كذلكَ الأغلبَ تلقياً للدعوة وهم كذلكَ اليوم.

الوَجهُ السَّديدُ وَالوَجْهُ البَعيْد :

أرى واللهُ تَعالى أعْلم أنَّ مَا جاءَ في أقوالِ المفسرينَ رحمهمُ اللهُ رأيٌ وَوَجهٌ ولو أنَّه بَعيد ، وأنَّ هُناكَ وجهٌ آخرَ لفهمِ هذهِ الآيةِ نقولُ فيهِ وباللهِ التوفيق :

تنقسمُ هذهِ الآيةِ المُبَارَكةِ إلى ثلاثةِ تراكيب مستقلة موضوعياً فَفِي الجُزءِ الأوَّلِ مِنَ الآيةِ يقولُ الحقّ تعالى (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا) والجَعْلُ هنُا هُو التّصْيِيْر، وَالتّصييرُ يَكونُ بعدَ الخَلقِ ، فلا يُجْعَلُ الليلَ والنَّهار إلا بعدَ خلقِ الشّمسِ وَالقمر ، ولا يُجعَلُ السَّكنَ وَيَصيرْ إلاَّ بَعْدَ خَلقِ مَادّةِ صناعةِ البيتْ فإنْ أنتَ صَنعْتهُ بتيسرِ اللهِ لكَ وبتوفيقهِ كانَ جَعْلُ اللهِ حَاصِلاً وَوَاقِعَاً، فصُنْعُكَ لم يَكُنْ لولا خَلْقُ اللهِ وإلْهامِهِ لكَ.

أمّا الجُزءِ الثَّانِي فَيَقولُ جَلَّ شَأنه: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ) تستخفّونها أيْ تَتِِّخُذونَ مِنْها أخْفافاً تَنْتعلوَنها فَتبيتُ فِيها أقْدَامِكم فَتقيها وُعُورَةُ الاْرضِ وَقَذرُ الطريقْ ، فالاستِخْفَافُ هنُا مِمَّا يَظهرُ لا يُرادُ بِه سهولةُ الحَمل ، كَمَا أنَّ البيوتَ لا يُرادُ بِها المَنَازلُ التي سَبقَ ذكرُها فِي التَّركيْبِ الأوّل مِن الآيةِ ، بلْ يُرادُ كَمَا اسْلَفنا والله أعلم الأخْفَافُ التي تَقِي الأقدامَ فِي الظَّعْنِ والسَّفَرِ الطَّويل ، وَفيْ الإقَامةِ وَالانتقالِ اليسير.

وَهَذا متحققٌ إلى يَومِنا هَذا فاْمتِنانُ اللهِ علىَ كُلِّ خَلقهِ على هذهِ الأرضِ تقريباً بِمَا يسَّرهُ لهم منَ اتِّخاذِ الخُفّ وَالحِذاءِ مِنْ الجُلُودِ فَتَكْونَ حافظةً للنَّاسِ مِنَ الأذى ، و بِها يَنتقلونَ ويظعنونَ ويقيمون ، وَلِنتصوّرَ أمْرَنا بِلا هذهِ النِّعمَةِ الجلَيْلةِ التيْ لاَ نُقيمُ لهَا وَزْناً وَلا نَتَدبَّر لُطْفُ اللهِ فِيْنا وإلهَامهِ لبنيْ آدمَ دونَ بقيةِ الخلقِ يتّخذونَ أحْذيَةً مِمّا سَخّرَ اللهُ لَهُم مِنْ الجُلود يُبيّتونَ فيهَا أقْدامَهم وَ يُسْكنونَ إليها أرْجُلَهُم فَتَحْفَظَها مِنَ الإصَابَةِ وَالقَذَارَةِ وَالضَّرَرِ وَالبَرْد والحَرِّ وَالمَاءِ وَالطِّينِ والشَّوكِ ونَحوِ ذلِكَ ، وَيَتَحقّقُ لَهم بِها مَناَفِعَ شتَّى لا يُدْرِكونَ قيمتها إلاّ حِيْنَ يَفْقِدوْنَها.

وَلمْ يَكُنِ البيتُ حَصراً على المَنْزِلِ الذيْ بهِ سُكنى الَّناس بلْ تعدَّدَت مَعَانيهِ ودَلالاتهِ ومنْ ذلكَ حديثُ عائشة، رضي اللهُ عنها: (تزوجني رسولُ اللِه صلى اللهُ تعالى عليهِ وسلم، على بيتٍ قيمتهُ خمسونَ دِرهَما) أي: على مَتَاعِ بيت، فحُذفَ المضافُ، وأقيمَ المُضافُ إليهِ مقامه.

وَتَحْتَمُلُ الآيةُ الكَريْمة فِهْمَاً مُشَابِهاً آخرَ ، فَقَوْلُهُ (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ)  فَقَد يُرادُ مِن قَوْلِهِ (بُيُوتًا) أيْ أوعِيةً وَحَقَائبَ تَضَعوْنَ فيْهَا مَتَاعَكُم وَحَاجَاتِكُم فَتَكُوْنَ يَسِيرَةَ الحَمْلِ وَالنَّقْلِ فِي الظّعْنِ ، وَتَتَّسِع لَهَا مَنَازِلَكُم فِي الإقَامَةِ إذ تُبَيّتونَ فِيهَا أشْيَائَكُم ، ومِنْهَا بُيُوتِ بعْضُ الآلاتِ كَأغْمَادِ السُّيوفِ وجُرُبِ حِفظِ الزَّادِ والمعْدنِ وَ قِرَبُ المَاءُ وَ السَّمنُ وَنَحْوِه.

جَاءَ في المفصّل في تاريخِ العربِ قبلَ الاسلام للدكتور جواد علي – الجزءُ الرابع عشر – ص276 : ويقومُ الدبّاغونَ ببيعِ ما يدبغونهُ إلى التّجار, وقدْ يُحملُ إلى أسواقٍ بعيدةٍ لاستخدامهِ في أغراضٍ عديدةٍ، كتحويلهِ إلى قِرَبٍ يخزَّنُ فيها المَاء أو يُحملُ, أو أوعيةً تحفظُ فيها الخمورُ والسمنُ والسويقُ والطيب، أو أحذيةٌ وسيور وغيرَ ذلكَ من الحَاجاتِ, وقدْ يحولهُ الدباغونَ أنفسهم إلى هذهِ الأشياء الَمذكورة.

كما تخصصَ أناسٌ بحرفِ تحويلِ الجلودِ إلى موادٍ نافعةٍ يستعملُها الإنسانُ في حياتهِ اليوميةِ، كالموادِ المتقدمةِ والدلاءِ وأمثالُ ذلكَ من أدوات.

والِقرَبُ في ذلكَ الوقتُ مهمةٌ جدًّا في حياةِ الإنسان؛ فقدْ كانت مخازنَ متحركةً يخزنُ فيها أشياءَ كثيرةً ضرورية. فكانت أوعيةٌ لحملِ الماءِ في الحضرِ وفي السّفر، كما كانتِ الأوعيةُ الرئيسةُ لحفظِ الخمورِ والأنبذةِ والزيوتِ والدهونِ والشحومِ والدبسِ والموادُ الغذائيةِ الأخرى, يحتاجُ إليها الأعرابيُّ في حلهِ وفي ترحالهِ والحضريُّ في مستقرهِ وفي سفرِه. كانَ المصريونَ واليونانَ والرومانَ والعبرانيونَ يحفظونَ الخمورَ والأنبذة في أوعيةِ الِقَربْ, وقد أشاَر إلى ذلكَ بعضُ الكتبةِ الُقدماءْ.

ويُعالَجُ إهابُ الِقَربِ معالجةً خاصةً ليعطيْ الشرابَ نكهةً طيبةً، ولئلا يتأثرُ الشرابُ من رائحةِ الجلد. انتهى

واخيراً فِي التَّركِيْبِ الثَّالِثِ يَقُولُ تَعَالى: (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ) ثمَّ أنَّ مِنْ أصْوافِ الأنْعَامِ وأوْبارِها وَأشعارِها تُنسجُ الأرديةُ والأوْزارِ و الثيابِ والأغطيةِ والفرشِ ونحوِ ذلكَ ، يستعملها ابنُ آدمَ وينتفعُ بها حيناً مِنَ الزّمن حتى تبلى وتتلفْ أو يسبقُ عليهِ الأجَل فيذهبَ هوَ عنها.

وَعندما نحللُ مسألةَ التقديمِ وَالتأخيرِ في التراكيبِ الموضحة نجدُ أنَّ اللهَ جلَّ وعلا قدّم البيوتَ والسّكنَ لأنها مقدمةٌ في حاجةِ ابنِ آدمَ حتى وإنْ افتقدَ اللباسَ والثوبَ فهيَ تسترهُ عن أعْينِ الخَلقِ وتُسكِن نفسهُ وَيهدأَ فيها ، ويستخفي فيها عنِ النَّاس، فكانَ تقديمُها وجيهاً بلا شكّ.

ثم أنهُ جَعَل مَرتبة ما يُتخذُ من الأخفافِ ممّا يلي السّكن لأهميتها فِي الانتقالِ والكسبِ والرزقْ ، مع أقلّ ما يستر البدنَ فالانتعالُ بالأحذيةِ والأخفافِ لا غنى لبني آدمَ عنهُ ولا يحتاجهُ أيُّ خلقٍ منْ خلقِ اللهِ سوى البشر، وبدونه يعاقُ عنِ العملِ والكسبِ وتَتَعسّرُ فِي غيابه الحياةُ وتصْعُب.

وأخيراً فَقَد عدَّدَ اللهُ تعالى مَا سَخَّرهُ لِبَني آدَمَ مِنْ نَوَاتِجِ الأنْعَام الأُخرىَ كالصُّوفِ وَالوَبَرِ والشَّعْر في بقيّةِ مَا يستعمِلهُ ابنُ آدمَ من حمايةٍ من حرِّ وَبردٍ وزينةٍ ومتاع.

والتّقديمِ والتأخيرِ لا يرادُ بهِ تقليلُ أهميةِ شيءٍ منها عنِ البقيّة ولكنْ أولويةُ الحاجَةِ معَ الإقرارِ بأنَّها كُلها أساسيةٌ في حَيَاةِ ابنِ آدم .

وأهلُ المدينةٍ ومكة وأهلُ القُرى والمُدن عَامَّة يَشِيعُ لديْهم مجموعةُ المفاهيمِ والعناصرِ المذكورةِ في الآيةِ ولا يشيعُ لديهم اتخاذُ بيوتاً للسكن منَ الجِلد كما اسلفنا فَكانَ هذا التوجيهُ للآيةِ الكريمةِ مُسايراً موافقاً لحالِ المخاطبين ، ولكنْ وبِرغمِ ذلكَ فإنَّ هذا الخطابُ أكثرَ موافقةً ومسايرةً لحالِ الناسِ في عصرِنا الحَاضِر مِن حالتِهم في ذلكَ العصر الأمرُ الّذي يَدلُّ عَلى دَيْمُومَةِ القُرآنِ الكَرِيْمِ وَصَلاحِه ِ وإصْلاحِهِ لِكُلِّ زَمَانٍ وَ مَكَانْ وَبِهَذا المَفْهُومِ وَ هَذا الوَجْه يُحَلُّ مَا قَد يُمَثِّلُ لِلْبعضِ إشْكَالِيَّة مُعَاصَرَة النَّصّ القُرْآنيّ وَ مُوَاكَبَتِهِ لِحَالِ الخَلْق ، فَلَا يُؤدِّي اخْتِفَاءِ البَدَاوَةِ وَ تَحَضُّر النَّاسِ لِتَرْكِ كَلاَم اللهِ لِتَصَوِّرِ جُمودهِ فيْ صُورةٍ مَحْدودةٍ تَتَضائلُ و تَنْكَمِشْ بِاخْتِفَاءِ من كَانَ مُخَاطَباً في أصلِ الآيةِ بَلْ نَجدهُ أكثرَ مَلامَسَةً وإحِاطَةً مَعَ مفهومهِ الحقيقيّ للِواقِع بَل و أقْوى أثراً وأصْدقُ تجسيداً لإحَاطةِ اللهِ تَعالى بِأحْوالِ النَّاس فيْ كُلِّ زمانٍ و مَكان ، فَالحَمْدُللهِ ربِّ العَالَميْن.

واللهُ أعْلى وأعْلم و صَلّى اللهُ على سيِّدنا مُحمَّدٍ و عَلى آلهِ وَ صَحْبهِ و سلّم.

 

رُؤيَــةٌ أُخْــرَى لِآيَــةِ الظِّــلّ

بسم الله الرحمن الرحيم

{ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46)  } [الفرقان]

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

مقدمــة :

سبق لي أن دونتُ رؤيةً للآيةِ الكريمةِ المتعلقة بالظل وبمدّ الظل في مبحث سابق ، وقد توصلنا فيه لرؤيةٍ ومفهومٍ آخر لهذه الآية  ، وقلنا أن الظل قد يشير إلى أمرين أولهما هو الليل ، فهو ظل ممتد لنصف الكرة الأرضية المضيء ويشكل ظلاً للنصف الآخر ، وقلنا أنه من نعم الله تعالى على خلقه فسكون هذا الظل يعني توقف الكرة الأرضية عن الدوران وبالتالي سرمدية الليل والنهار وفساد الحياة على الأرض  ، وقلنا أيضاً أن في هذه الآية دلالة على كروية الأرض ودورانها ، وقلنا أن الكسوف هو صورة أخرى من صور الظل الممتد ، فهو يغطي مساحات كبيرة من الأرض لوقت من الزمن فما أن تتحرك الأجرام وتدور الأفلاك حتى تنقشع هذه الظاهرة المخيفة ، ولو أنها سكنت فاستمرت لأفسدت الحياة في الموضع الذي تغطيه وكذلك بقية أجزاء الأرض.

إلا أن الأمر لم ينتهي عند هذا الحد فبقي الإشكال في نفسي من الظلال التي نعرف ، أعني ظلال الأشياء الناتجة من أشعة الشمس فكيف يمكن فهم هذه الظاهرة الكونية في ضوء هذه الآية العظيمة ؟؟ وكيف يحسن الإسقاط بلا خلل في الفهم ولا إشكال؟.

فالله تعالى يقول (أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) فعندما نتحدث عن ظلال الأشياء في النهار فليس الأمر مدٌّ كله طيلة النهار، بل من شروق الشمس يبدأ الظل في أصله ممدوداً ويتقلص شيئا فشيئاً حتى وقت الزوال ، وبعد الزوال يبدأ في الامتداد من بعد الزوال وحتى غروب الشمس ، وبذلك فالمدُّ في حقيقته مقتصر على نصف (مُدة الظل) وهي ما بعد الزوال أما فيما قبل الفجر لا يعد مداً بل تقلصاً.

فكيف يمكن وصف الظل في فترة تقلصه بأنه امتداد ؟؟ وكيف يمكن الجمع بين المرحلتين ؟؟ وهل يمكن الوصول لفهمٍ آخر للآية يزيل الإشكال ؟؟ ، وهذا ما سنبدأ في بيانه مستعينين بالله جل وعلا سائلينه تعالى التسديد.

معنى مرتكز على مفهوم المدّ والإمتداد :

إن الجذر (م د د) يحمل مفهومين رئيسيين متعلقين بهذه الآية ، الأول (مــدَّ) متعلق بالانتشار والاتساع المكاني ، والآخر (مـــدَّ) بالتحديد والتأجيل الزمني ، وهذا من اتساع الدلالات اللفظية لمفردات اللغة العربية التي أدت إلى اتساع المعاني في كتاب الله ، وبرغم ما في اللغة العربية من اتساع ودلالات متعددة للفظة فلا يستطيع مخلوقٌ مهما أوتي من مهارة وعلم أن يحيط بكل ما يريد بيانه في حروف معدودة بتوظيف أوجه المعاني للمفردة بما يحقق ما يرغب في بيانه.

فكان لبُّ ما وصلتُ إليه أنه تعالى يقول : (أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) أي جعله محدوداً بمدة من الزمن ، وهذا يستقيم مع حال الظل من الشروق إلى الزوال حيث يبدأ في أطول ما يكون من أحواله ثم يتقلص في مدة معلومة من الزمن حتى يكون عند التعامد في أقل حالاته ، وبعد ذلك تتحول الحالة إلى امتداد مكاني واتساع كلما اقتربت الشمس من الغروب حتى يصل لأطول مدىً عند بداية الغياب فيصبح المد في الآية الكريمة متعلقاً بالزمن والمدة التي حددها الخالق جل وعلا للظل من وقت الشروق إلى الزوال، ويشير أيضاً الامتداد والاستطالة المكانية التي نلحظها من الزوال وحتى الغروب.

وبذلك يصبح التركيب اللغوي والبلاغي للآية الكريمة والآية التالية لها متسقاً محتملاً كافة الوجوه الممكنة ، فهو ممكنُ الانطباقِ على حالة الكسوف وكذلك على الليل كظل ممتد ، وعلى حالة ظلال الأشياء في النهار ، وتحمل دلالة تشير إلى مسألة دوران الأرض وكرويتها ، وما يتعلق بهذه السنن الكونية من صلاح لحياة الناس وبقية المخلوقات ، وما ينطوي على اختلالها من فساد الأرض وحياة من عليها من المخلوقات .

ولا شك أن أقدر البشر وأبلغهم بياناً لا يستطيع من خلال جملة أو جملتين أن يحيط بمسائل كبرى وقوانين كونية ونعم عظيمة بأبعاد لغوية قابلة للاستعمال و أوجه بلاغية تتمايز وتتفاضل في الحسن والإحكام.

من مواضع الإشارة الزمنية بالُمَّدة :

حتى نطمئن من أن استعمال المفردة (مدَّ) في الاتجاهين سبق أن ورت في كتاب الله فإننا سنتتبع (اولاً) المواضع القرآنية التي استعملت فيها (المُدَّة) للإشارة للزمن  :

{ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [البقرة:15]

فالله تعالى يتحدث عن المنافقين وكيف أنه جل جلاله (وَيَمُدُّهُمْ ) ويمهلهم مُــدَّةً من الوقت فيزداد طغيانهم ويتضاعف عذابهم إن زهقت أنفسهم قبل أن يتوبوا إلى الله ، وفي هذا منحة وفرصة للتائب لكي عود لربه ، ومدة للمجرمين الذين يزدادون كفراً فإذا أتى اليوم الموعود كان عذابهم متطاولاً مضاعفاً كما تطاول عليهم الأمد فلم يعتبروا يراجعوا أنفسهم فاستحقوا آنذاك العذاب الأليم ، وهي في هذا الموضع تتسع لتحمل معنى آخر وهو معنى (المدد) والعطاء المتصل بجانب الاتساع المكاني والاستطالة الزمنية ، يقول ابن عاشور رحمه الله : و ( يمدّ ) فعل مشتق من المَدَد وهو الزيادة ، يقال مَدَّه إذا زاده وهو الأصل في الاشتقاق من غير حاجة إلى الهمزة لأنه متعد ، ودليله أنهم ضموا العين في المضارع على قياس المضاعف المتعدي ، وقد يقولون أمده بهمزة التعدية على تقدير جعله ذا مَدد ثم غلب استعمال مَد في الزيادة في ذات المفعول نحو مَدَّ له في عُمره ومَدَّ الأرض أي مططها وأطالها ، وغلب استعمال أمد المهموز في الزيادة للمفعول من أشياء يحتاجها نحو أمده بجيش) انتهى كلامه رحمه الله.

{ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا } [مريم:75]

يقول صاحب التحرير والتنوير رحمه الله (والمدّ : حقيقته إرخاء الحبل وإطالته ، ويستعمل مجازاً في الإمهال كما هنا ، وفي الإطالة كما في قولهم : مدّ الله في عمرك .

و { مَدّاً } مفعول مطلق مؤكد لعامله ، أي فليمدد له المدّ الشديد ، فيسينتهي ذلك .

و { حتى } لغاية المد ، وهي ابتدائية ، أي يمدّ له الرحمان إني أن يَروا ما يوعدون ، أي لا محيص لهم عن رؤية ما أوعدوا من العذاب ولا يدفعه عنه طول مدّتهم في النّعمة . فتكون الغاية مضمون الجملة التي بعدها { حتى } لا لفظاً مفرداً . والتقدير : يمدّ لهم الرحمان حتى يروا العذاب فيعلموا من هو أسعد ومن هو أشقى ) انتهى كلامه رحمه الله.

وقد استعملت مادة (م د د) مهموزاً (بإضافة الهمزة) في أوله وفتح عينه وسكون لامه (أَمَدْ) ، وهو الزمن والوقت يقول جل شأنه:

{ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } [آل عمران:30]

قال ابن جرير رحمه الله (حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ” أمدًا بعيدًا “، قال: أجلا) انتهى كلامه.

وقال ابن عاشور رحمه الله (يحضر لكلِّ نفس في يوم الإحضار ما عملت من خير وما عملت من سوء ، فتودّ في ذلك اليوم لو أنّ بينها وبين ما عملت من سوء أمداً بعيداً ، أي زماناً متأخّراً ، وأنّه لم يحضر ذلك اليومَ .)

{ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا } [الكهف:12]

واللبث متعلق بالزمن في المكان ، ومثله قوله تعالى عن يونس (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) فكان زمان متعلق بالمكان ، وقوله جل شأنه (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ) وهكذا فاللبث متعلق بالزمن في المكان ولكن ما يعنينا في هذا الموضع هو أن الأمد زمن.

الخلاصة :

أن الآية الكريمة تصور نعماً وسنناً جليلة وعظيمة ، ففي استهلاله تعالى للآية نجد الاستفهام التقريري في قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ) فبدأت بنسبة ما يلي ذلك للرب جل وعلا ، ذلك أن هذه النعمة من مظاهر ربوبيته جل وعلا لخلقه وقيامه على أمر ملكه ، (كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) فجعل الظل ذا مدَّةٍ مخصوصة ويتحول خلالها ويتبدل حتى يختفي فلا يسكن ويصبحُ مؤدياً لفساد حياة الناس ، وقلنا أن عزو المدِّ هنا إلى المدة الزمنية مناسب لحال الظل من الشروق وحتى وقت الزوال ، ثم أنه يستطيل ويمتد “مكانياً” من بعد الزوال فأصبح معنى المفردة متحول من حاله السابق كإشارة للزمن إلى حال آخر يشير لامتداده مكانياً ، فتحولت المفردة في معناها كما تحول الظل في اتجاهه في صورة بلاغية بديعة مبهرة ، فكما أن الظل هو ذاته قبل الزوال وبعد الزوال ظلاً ، فكذلك تكون مفردة المدّ قبل الزوال وبعد الزوال مدّاً ، ولكنها تكون مُدّةً زمنية من الشروق الى الزوال ، وامتدادا مكانياً من الزوال إلى الغروب فكان تحول معنى المفردة مع بقاء طبيعتها كما تحول اتجاه الظل برغم بقاء طبيعته ، وقلنا أن هذا الجزء من الآية يحتمل أيضاً مسألة الكسوف والخسوف وكذلك الليل فكلها ظواهر متعلقة بالضوء والظل ، وسكون الظل فيها استمرار له وهذا يحمل الضرر والفساد لحياة الناس ، (وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا) فسكونه يحصل بسكون الأرض عن الدوران وسكون الشمس عن الحركة (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ) فالظل من نواتج الشمس فحيثما وجد الظل نستدل منه على موضع الشمس ، وأينما وجدنا الشمس كانت دليلاً على موضع الظل ، ولو توقفت الشمس عن الحركة وسكنت الأرض عن الدوران لأدى ذلك لسكون الظل فلا يكون له (مُــدَّةٌ) معلومة يتضائل فيها ، ولا (امتدادٌ) واستطالة تقود لغيابه وانتهاءه فيبقى ساكناً لا يتحرك.

( ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا) وقبض الظلّ هنا بقبضِ مُسَبِّبِهِ وانطفاء الضوء الذي يحدثه وهو الشمس ، فإذا هي بلغت مستقرها وانتهى ضياءها فإن الذهاب بضوءها وقبضه على الله يسير فهو مالك الملك سبحانه لا يستعصي عليه شيء ولا يمتنع عن إرادته أمر (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا)وهنا أجمل تعالى معنىً متعلق بما سبق وهو الليل والنهار وتعلقهما بالسبات والنشور ، وهو المتصرف جل وعلا في ملكه فتبارك الله أحسن الخالقين والله تعالى أعلم ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

رابط المقال السابق

إبْطَال دَعَاوَى نَسْخِ الكِتَابِ الحَكِيْم

بسم الله الرحمن الرحيم

توطئة

الحمد لله منزل الكتاب العظيم المحكم الذي جعله ناسخاً لما سبقه من الشرائع ، والمعجزة التي أنست ما سبقها من المعجزات وأصلي وأسلم على أشرف من وطئ الثرى وأرسل بشيراً ونذيراً للورى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

إن من البلايا التي حلت بهذه الأمة عبر تاريخها المديد هو ظهور نابتة نسخ القرآن الكريم وإبطال آياته ، والنسخ بمعنى الإبطال موجود وجرى ذكره وإثباته في كتاب الله تعالى بمعنى الإزالة والإبطال ولكن هذا المفهوم انحرف عن مقصده مراده في النص القرآني الذي يشير لنسخ القرآن الكريم للشرائع السابقة حتى عاد للقرآن الكريم وفشت دعوى وفرية باطلة بأن القرآن في ذاته وقع فيه نسخ.

ومن خلال هذه الدراسة سنتتبع مفاهيم النسخ ودلالاته وتعريفاته الحقيقية وما يترتب عليه ، ثم ننطلق لمواضع النسخ المزعومة بأنواعها المختلفة فنستجلي تلك الآيات لنثبت أن القول بنسخها توهم وانحراف فكري ليس له سند من حديث نبوي صحيح أو آية قاطعة الدلالة.

وقد وجدنا أثناء هذه الدراسة إقراراً عجيباً بظنية القول بالنسخ في كثير من مواضعه ، ويصدق هذا القول اختلاف العلماء على مر العصور الإسلامية من ناسخين ومبطلين لمئات الآيات القرآنية مروراً بمن يقلصها إلى عشرات وأخير ظهر متأخرين يقلصون القول بالنسخ وأنه لم يطل سوى بضع آيات وكلهم على باطل.

ونبدأ بعون الله وتوفيقه في بدء هذه الدراسة حتى نصل لاستجلاء مواضع النسخ المزعومة في القرآن الكريم ونوضح بإذنه تعالى أوجه الالتباس التي أدت لهذا المفهوم ، حتى نصل لتصحيح مفهوم النسخ ونفي هذا القول عن كتاب الله تعالى وتنزيهه عن الخلل والإبطال بالدليل الشرعي ، فنسأل الله الهدى والرشاد وهو الموفق للحق إنه هو الهادي إلى سواء السبيل.

القسم الأول : النسخ (حقيقته ، تناقضاته ، وما قيل فيه)

أولاً : منشأ القول بالنسخ:

إن منشأ سوء الفهم لمسألة النسخ وما أحاط بها من خلاف يعود لخلل في فهم قوله تعالى : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة:106] الآية التي لم يرد حديث نبوي واحد يقول أنها تؤول بنسخ الأحكام والنصوص والقرآنية ، والتي ما كانت إلا في سياق الحديث عن نسخ كتب السابقين وإحلال القرىن محلها،أما ما نجده في كتب المفسرين هي أقوال غير معصومة لا تردّ رأيها إلى قول معصوم ولا يمكن الاعتماد عليها في أمر جلل كهذا ، فالنسخ بصورته التي يعتقدها مثبتي النسخ أمر عظيم يحذف ويثبت ويزيد وينقص في كتاب الله فإن لم يكن ذلك بقول المعصوم الذي نزل عليه الوحي فلن يقبل البتة.

ثم إن القول بالنسخ ليس من الأمور الجانبية التي لا تهم المسلم ، بل هو أمر عظيم للغاية فكيف تمر ثلاثٌ وعشرون سنة من حياة أفضل الخلق وهو يتقلب بين آيات القرآن الكريم و سُوَرِهِ ولم يذكر فيها نسخ الآيات ونسخ الأحكام وتغيير كلام الله بغيره وهو الذي أوصى بالجار حتى ظن الصحابة أنه سيورثه فأيُّ الأمرين أهم ؟؟ وأيهما أجدر بالتبيان والاستفاضة في التوضيح ، وكيف يترك أمر يشتمل على إبطال أحكام وابطال نصوص وآيات كاملة بل وقيل سور بطولها من القرآن لا يلفت النبي صلى الله عليه وسلم لها نظر ولا يبين فيها بيان يشفي ، وهو المعني بالوحي وهو المبلغ المعصوم الذي لا يقبل قول قائل سواه ؟ ، وهو الذي بلغ وأدى الأمانة ولم يبق شيء إلا دل الأمة عليه حتى الخلاء ، ثم يبقي أمراً كهذا لفهم الناس وقياسهم حتى اضطربت فيه الآراء واختلت أيما خلل.

قد نتفق جميعاً أن أصل النزاع هو في فهم مفردة آية في قوله تعالى :

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:106]

وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [النحل:101]

فأقول (وكل منكري النسخ كذلك) أن مفهوم الآية هنا لا يراد به آيات القرآن الكريم ولا يوجد أصلا قرينة تقود لهذا الفهم بل يراد منه علامات ودلائل و شرائع الأمم السابقة التي نسخها القرآن كمعجزة نهائية باقية جعلها الله بديلة لما سبقها، لأن القول خلاف ذلك يحتاج لدليل يفرق بين الدلالتين من قول نبوي صريح متواتر وليس رأي متغاير متنافر يتشظى إلى ثلاثة عشر قولاً ، وننتظر أن يأتي من يتوسع ليبطل جلّ أحكام الله باسم النسخ ، وهذا حال كل قول باطل تجد الخلاف يدبُّ فيه و يأكله كما تأكل النار الحطب ، فأتحدى أن تجد مبطلاً من مبطلي أحكام الله باسم النسخ يقرر بأن فلاناً من ناسخي أحكام الله هو الصواب والبقية على خطأ ، فالمهم أن تؤمن بالنسخ وبعدها قل ما تشاء حتى لو تنسخ بقولك ثلاثة أرباع القرآن لا يهمهم ولست مبتدع ولا مجرم في حق كتاب الله ولكن إن نزهت كتاب الله عن الباطل أن يأتيه من بين يديه ومن خلفه فأنت عندهم قد أتيت بذلك جرماً عظيماً فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وسيأتي معنا تفصيل لسياق هذه الآية وصورة جلية توضح بأن هذا القول باطل ولا يدل عليه السياق أبداً.

لقد وردت مفردة (آية) في 382 موضعاً في القرآن الكريم كانت دلالات معظمها تلا تشير إلى آيات القرآن الكريم ، فهي تشير لمعجزات الأنبياء وتشير للآيات الكونية كالليل والنهار ، وتشير للعلامات والدلالات فعندما نصرِفُها عن معانيها الجامدة لمعنىً يترتب عليه إبطالٌ لأحكام ٍشرعية يجب أن يكون هذا بدليل ، وقول غير المعصوم ليس بدليل ولا يعتدّ به عندما يكون الأمر فيه إبطال لقول الله تعالى ، سيما وأن سياق الآيات كلها يشير إلى مفهومٍ لا يتعلق بالقرآن فها هي سورة البقرة ودلالات كلمة آية فيها لا تشير إلا لمعنى العلامة والمعجزة وللكتب السابقة :

آية رقم (106): (مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ)

وهنا أتت في سياق تفضيل المسلمين بمعجزة ناسخة لما عند بني إسرائيل واهل الكتاب ، وأتت هذه الآية تالية لقوله تعالى ( مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ). وسيرد فيما يلي تفصيل واسع لمفهوم السياق ودلالاته بما يشفي في هذا الباب.

فأهل الكتاب لا يقبلون القرآن الذي نسخ قبلة بني إسرائيل وشرائعهم فاعترضوا على احتلال القرآن لموقع التشريع الأول والمعجزة الواقعة الحيَّة ، فبيّن لهم جلت قدرته أنه المتصرف فيما ينزّل على الناس من آيات وأحكام وشرائع ربانية ومعجزات مؤيدة لأنبياءه ، فينسخ ما يشاء منها بما يشاء منها وكذلك نسخ توراتكم يابني إسرائيل بالقرآن وليس المقصود نسخ القرآن فلم يكن هنا موضع الحديث عمّا في القرآن بل المقارنة بين آيات الأمم وليس آيات الكتاب الحكيم نفسه، فمن ضلَّ وتأوّل تأويلاً فاسداً نسب به الحذف والابطال للقرآن الكريم فلا يلزمنا اتباعه وعليه إثمه وعلينا آثامنا ، ونراه منكرٌ واجب التغيير وإلا فسيسالنا الله عنه ولن يؤخذ احدٌ بجريرة أحد.

آية رقم (118): (وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)

فالحديث هنا عن الآياتِ الإعجازية والعلامات الربانية الكبرى التي اتى بها الأنبياء فأتت في نفس السياق المتعلق باليهود والنصارى ونسخ قبلة اليهود (بيت المقدس) واستبدالها بقبلة المسلمين (البيت الحرام).

آية رقم (145): (وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ)

(بكل آية) يعني : بكل علامة دالة على صدق دعوتك ، وأتت هذه الآية القرآنية تالية لآية تحويل القبلة وهي تنطبق أيضاً على القائلين بالنسخ فلو أتيناهم بكل آية تدل على فساد رأيهم وجرم قولهم ما تبعوا الحق ولن نتبع اهوائهم سنثبت كلام الله الذي أثبته ولن ننقض أحكامه بقول قائل ابداً ونتضرع لله بأن يهدينا وإياهم سواء السبيل.

اية رقم (211): (سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَٰهُم مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ)

من آية بينة ، كم من علامة ومعجزة نزلت عليهم كالعصا وانفلاق البحر ونجاتهم من فرعون ، والمنّ والسلوى وغيرها من المعجزات ، فلم تدل هذه الآية أو تشير للقرآن وآياته.

آية رقم (248): (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِۦٓ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)

آية ملكه : العلامة الدالة على اصطفاء الله له ملكاً عليكم فمن أين لهم مع كل هذه السياقات الواضحة الجلية أن يصرفوا المعنى للقرآن الكريم ؟؟.

آية رقم (259): (أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُۥ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ)

لنجعلك آية للناس : علامة دالة على قدرة الله تعالى ومطلق تصرفه في خلقه.

فأثبت يا من يبطل أحكام كتاب الله باسم النسخ ، أثبت أن دلالة الآيتين تشير لمعنى آيات القرآن وليس إلى سواها ، من قول النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم بحديث صحيح ثابت متواتر وليس بقول أحد من السلف ولا الخلف ولا قول منسوب لابن عباس رضي الله عنهم جميعاً بل قول صاحب الأمر صلى الله عليه وسلم .

تبديل أماكن الآيات :

قال تعالى :

وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [النحل:101]

ولعلنا قبل أن نبدأ في تحليل وفهم الآية الكريم نستعرضها ضمن سياقها كما حصل مع سابقتها :

فَإِذا قَرَأتَ القُرآنَ فَاستَعِذ بِاللَّـهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ ﴿٩٨﴾ إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلطانٌ عَلَى الَّذينَ آمَنوا وَعَلى رَبِّهِم يَتَوَكَّلونَ ﴿٩٩﴾ إِنَّما سُلطانُهُ عَلَى الَّذينَ يَتَوَلَّونَهُ وَالَّذينَ هُم بِهِ مُشرِكونَ ﴿١٠٠﴾ وَإِذا بَدَّلنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّـهُ أَعلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالوا إِنَّما أَنتَ مُفتَرٍ بَل أَكثَرُهُم لا يَعلَمونَ ﴿١٠١﴾ قُل نَزَّلَهُ روحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذينَ آمَنوا وَهُدًى وَبُشرى لِلمُسلِمينَ ﴿١٠٢﴾ وَلَقَد نَعلَمُ أَنَّهُم يَقولونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذي يُلحِدونَ إِلَيهِ أَعجَمِيٌّ وَهـذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبينٌ ﴿١٠٣﴾ إِنَّ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بِآياتِ اللَّـهِ لا يَهديهِمُ اللَّـهُ وَلَهُم عَذابٌ أَليمٌ﴿١٠٤﴾

ثاني آيات النسخ المزعوم الذي يحتج بها مبطلو أحكام القرآن هي الآية الآنفة الذكر ، ذلك أن النسخ طالما استقر في أذهانهم فإنهم يبحثون دوما عما يمكن أن يؤيد نظريتهم ويعضد رأيهم بأي صورة كانت ، برغم أن السورة وهذه الآية مكية ، نزلت قبل نزول الأحكام ، وبالتالي فإن الاستشهاد بها لإثبات نسخ الأحكام من حيث المبدأ لا يقبل.

وتبديل مكان الآية هنا يعني تغيير موضعها وليس له علاقة بالحكم أو المحتوى ، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تنزل عليه الآيات فيضعها في موضع ، ثم تبقى ماشاء الله لها أن تبقى ، فتنزل بعدها آيات فيأمر الصحابة المكلفين بالوحي بأن يكتبوها في موضع معين بين الآيات فتاخذ تلك الآيات مكان آيات اخرى في المصحف ، فكانت هذه المسالة عند الكفار والمنافقين مثار اشتباه ، ومطعن في ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الوحي ، فاتهموه بالافتراء لما يرونه من نزول منجم يتبعه ترتيب مخصوص تحتل فيه آيات محل أخرى فاتهموه بافتراء ما نزل عليه فقالوا :  [ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ] – الفرقان 32.

ومفردة “مكان” تدل في كل آية وردت فيها على “الموضع” ولم تشر لغير ذلك المعنى ، فكان قوله تعالى (بدلنا آية مكان آية) يعني : غيرنا آية مكان آية أخرى ، فبدلنا موضع الآيتين في المصحف فأصبحت هذه في موضع تلك  مع بقاء الآيتين ، فعندما يتغير الترتيب بفعل إدخال آية حديثة على سياق سابق يتغير موضع ومكان الآية التي تسبقها والآية التي تليها فيكون بذلك تبديلٌ لمكانِ آية ، فكانت دلالة الآية في حقيقتها لا تشير إلى الحكم وفحوى الآية بل تتعلق بموضعها ومكانها.

و الآية الآنفة الذكر لها في الحقيقة وجهين :

الوجه الأول : وهو الأقرب للصواب ، بأن المراد هو تبديل مواضع الآيات التي تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فتكون بترتيب و تسلسل معين فتنزل بعدها آيات تحتل مكانها فيبدل النبي – بأمر الله – مكان تلك الآيات ، و تأويل قوله تعالى “آية مكان آية” بمعنى الحكم ماهو إلا ليواطيء قولهم بالنسخ وإلا فالمعنى الأقرب هو المعنى الأولى والأجدر بالأخذ.

وبالنظر للسياق فإن هذا الفهم هو الأوجه ، فالسياق يتحدث عن القرآن الكريم وردّاً لشبهة يلقيها أعداء الإسلام من جراء تنجيم القرآن وتنزيل آيات تخالف الترتيب الذي كانت عليه الآيات السابقة ولم يشتمل مفهوم الآية على إبطال أحكام أو إحلال أحكام محل أحكام أخرى فالتقييد منتفٍ في هذا الموضع.

إن هذه الآية لم تقصر التبديل على آيات الأحكام ، ونعلم أن آيات الأحكام في كتاب الله محدودة لا تشمل كل القرآن الكريم ، فالقول بالنسخ تقييد لمعنى آية ليست مقيدة ، فالتبديل يشمل كل آيات التنزيل الحكيم بينما النسخ لا يشمل إلا إبطال آيات الأحكام وبالتالي فإن هذا الخلل يعضد مفهوم الإطﻻق على كافة الآيات ، والمعنى الظاهر هنا وهو تبديل مواضع الآيات كلما استجد الوحي وتتابع.

الوجه الثاني : هو تبديل الشرائع التي أتى بها الأنبياء ، فكانت التوراة شريعة ممكنة في الأرض حتى أتى الله بالقرآن واستبدل مكان التوراة بالقرآن فصار الشريعة الممكنة بدلا عن التوراة مع وجود التوراة إلا ان أحكامها معطلة ، ويشكل على هذا الفهم برغم وجاهته أن الآية في سورة مكية ، والخطاب لكفار قريش فلم يؤمنوا بالتوراة أصلاً حتى يحتجون بتبديلها واستبدال القرآن مكانها إلا إن كان ذلك على سبيل اﻻحتجاج المطلق على  كفار قريش وعلى غيرهم أو كان المشار إليهم هم اليهود وليسوا كفار قريش فيكون عندها هذا الوجه منطبقاً على الآية.

ثانياً : ترقيق التعريف لفظياً

أدرك القائلون بالنسخ شناعة القول وخطورته وكأنهم لم يجدوا بُدّاً منه ، فكان تعريفه يستلزم ترقيق التعبير واستعمال مفردات لا تثير المسلمين وطلبة العلم وتجعلهم في موضع يتقبلون فيه النسخ فكان تعريف النسخ المرقق لفظياً فقالوا :

النسخ هو : رفع حكم شرعي بخطاب شرعي متراخ عنه.

والنسخ أيضاً هو : رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر.

فالحكم المرفوع يسمى: المنسوخ، والدليل الرافع يسمى: الناسخ، ويسمى الرفع: النسخ.

ونلحظ في هذا التعريف بوضوح تلميع اللفظ وترقيقه ليصبح مقبولاً، فسمي الإبطال (رفعاً) فيتبادرُ لذهنك أن المنسوخ ينطبق عليه مفهوم العلو والارتفاع ولو أسموه باسمه الحقيقي (إبطالٌ وتعطيل) لكان أصدق وأجدر ، ثم غير التعريف (الحكم القرآني) واستبدل بـ (الحكم الشرعي) ثم يسمي (الحكم المعطل المبطل) أسماه (دليلاً شرعياً) فيتراءى للقارئ أن الناسخ والمنسوخ من جنس بعضهما البعض فلا يقع في نفسه من النسخ شيئاً.

ولكن ماذا إذا سمينا الأشياء بأسمائها ، وآتينا المصطلحات حقها ووضعنا كل مفردة في موضعها لكي يكون التعريف حقيقياً مطابقاً لواقع النسخ وحقيقته فماذا عسانا نجد ؟؟  ، فيما يلي التعريف الحقيقي للنسخ كما وجدناه وبما يتفق مع حقيقته وأثره في الشريعة وفي القرآن وما يترتب عليه من اثر في حياة المجتمع والفرد المسلم :

التعريف الحقيقي للنسخ في القرآن الكريم : هو إبطال وتعطيل حكم قرآني بحكم آخر إما بآية أو بحديث أو بقول مجتهد استنباطاً أو رأياً أو تأويلاً.

 

الوجه الحقيقي لمفهوم النسخ:

إن التعريف المأثور للنسخ والذي جرى تناقله من عصر إلى عصر لم يحض بالتمحيص والتفنيد بل تم تلقيه بالقبول التام بلا نقاش ولا رد ، في الوقت الذي ينطوي على مغالطات لغوية بائنة واضحة فيقولون إن تعريف النسخ حسب ما جاء في المعتصر من شرح المختصر في علم الاصول للمنياوي ما نصه :

النسخ لغة: الإزالة سواء أقيم شيء مكانه أم لا.
المعنى الأول:
قال ابن منظور في اللسان مادة (ن س خ): (والنَّسْخ: إِبطال الشيء وإِقامة آخر مقامه؛ وفي التنزيل: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة: 106] … ).
وقال الزبيدي في “تاج العروس”: (نسخ: (نَسخه) بِهِ، (كَمَنَعَه)، ينسَخُه، وانتَسَخَه: (أَزَالَهُ) به وأَدالَهُ. والشيءُ يَنسَخ الشيْءَ نَسْخاً، أَي يُزِيله ويكون مكانَه. والعرب تقول: نَسَخَت الشَّمسُ الظِّلَّ وانتَسَخَتْه: أَزالَتْه، والمعنَى أَذْهَبَت الظِّلَّ وَحلَّتْ مَحلَّه … ). انتهى كلامه.

وحقيقة مفهوم النسخ أنه التكرار ، فالناسخ يكرر الشيء مع بقاء أصله ونعلم أن نساخ الكتب يقومون بتكرارها لانتاج نسخ عديدة بدون إزالة النسخة الأصلية.
والشمس لا تنسخ الظل بمعنى إزالته بل تكرر صورة الشيء بفعل تكوين ظل له فكيف نقرأ القول ونمر عليه مرورا بدون أن نعقل ما نقرأ؟ ، إن الظلام هو ما يزيل الظل وليست الشمس بل إنها تنسخ الشيء حتى تراه ومثله معه نسخة مكررة منه على صورته فإذا غابت غاب بغيابها الظل واختفت نسخ الاشياء المكررة من صورتها.

وهذا المعنى متسق ومتفق مع قوله تعالى :

{ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة:106]

فالله ينسخ (يكرر) الأحكام بين الشرائع فتجد أحكاما وردت في التوراة ونسخها الله وكررها في القرآن الكريم ، وهناك من الأحكام ما انساها اي ابطلها والغاها وهنا يتفق الفهم مع دخول (أو) في قوله (أَوْ نُنْسِهَا) فوجب أن يكون النسخ مناقض للانساء وهذا لا غبار عليه فلا معنى للمفردتين إن كانتا تفيدان المعنى ذاته ، وحقيقة المراد يعني ( ما نكرر من حكم سابق أو نلغيه وننسيه ، نأت بخير منه أو مثله) فإن وقع الإنساء فسيأتي الله بخير مما أنساه وإن وقع النسخ فسيأتي الله بمثل ما كان في الشرائع السابقة أي نسخة مكررة منه .

وهنا نفهم ايضا المحو والاثبات في قوله جل وعلا :

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) الرعد

فالاثبات نسخ وتكرار ، والمحو انساء وإزالة ، والمثبت والمزال كلاهما في ام الكتاب وهو أصل كل الشرائع عند الله تعالى ، فالحكم المنسوخ والمتكرر أوجده الله تعالى في أم الكتاب ، ثم نسخه وكرره فيما أوحاه تعالى لرسول من رسله ، ثم نسخه وكرره لمن أتى بعد ذلك الرسول كمثل موسى ومحمد عليهما افضل الصلاة والسلام.

وللاستدلال على مفهوم النسخ بأنه التكرار وليس الإزالة فلنقرأ قوله تعالى :

{ هَٰذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [الجاثية:29]

فالله وكّل بكل مخلوق مكلف ملك ينسخ أفعاله ويكتبها ثم تنسخ الى كتاب اعمال العبد فكان معنى النسخ هو التكرار وليس الإزالة فعمل العبد محفوظ لدى أعضاءه (أيديهم وارجلهم وجلودهم) ومكتوب نسخة منه لدى كتاب الملكين ، ومنسوخ في كتاب الأعمال الذي يقرأه العبد حال الحساب.

وحتى لو طبقنا مفهوم النسخ بمعنى (النقل) فإنه لا ينطبق على ما قرر بشأن النسخ ، فالنقل يعني ازالته من موضعه ونقله لموضع آخر وهذا ليس وظيفة من وظائف الإبطال الذي يسمونه بالنسخ

إننا إذا فهمنا النسخ على المعنى الأقرب والأشهر وهو التكرار فإن فرية الابطال كلها تزول بدون مزيد بحث وتقصي إلا أننا في هذا البحث لن تكتفي باتباع المعنى الحقيقي بل حتى بالمعنى الذي عسف عسفا ليكون النسخ أبطالا متهافت لا يصمد أمام دليل ولكننا سنمضي في مسايرة قول المبطلين حتى نثبت أنه برغم قبول مفهوم النسخ كإزالة فإنه لايستقيم ولا يمكن أن يقبل.

ثالثاً: علم السياق ودلالته في هذا الموضع:

إن السياق من أجلّ وأهم ما يُنظَرُ فيه لفهم كتاب الله ، وفهم قوله تعالى (ما ننسخ من آية) عندما فُسِّرَ بأنه إبطالُ آيات القرآن الكريم لم يكن ذلك مبنٍ على قول غير معصوم فقط بل تجاوز ذلك لتجاهل السياق الذي هو تفسير الله جل وعلا لكلامه إن عز فهمه من منطوق صاحب الوحي ، يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في فتاويه (ينظر في كل آية وحديث بخصوصه وسياقه، وما يبين معناه من القرائن والدلالات، فهذا أصل عظيم مهم نافع، في باب فهم الكتاب والسنة، والاستدلال بهما مطلقاً، ونافع في معرفة الاستدلال والاعتراض والجواب، وطرد الدليل ونقضه.. وفي سائر أدلة الخلق).

و قال مسلم بن يسار (إذا حدّثت عن الله حديثاً فقف! حتى تنظر ما قبله وما بعده) ، ويقول ابن عبدالسلام في بيان أدلة الأحكام (السياق مرشد إلى تبيين المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات، وكل ذلك بعرف الاستعمال، فكل صفة وقعت في سياق المدح كانت مدحاً، وكل صفة وقعت في سياق الذم كانت ذماً).

ولعلنا نستعرض سياق آية النسخ ليستقر لدينا ما نزلت لأجلهِ وأيُّ دلالةٍ تحمله وأين تقودنا في أصلها بالنظر لما قبلها وما بعدها :

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) وهنا يشير ربنا لبني إسرائيل وموقفهم وكفرهم بما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم وآياته البينات وقد قال فيها شيخ المفسرين ابن جرير رحمه الله  ” فتأويل الآية: ولقد أنـزلنا إليك، فيما أوحينا إليك من الكتاب علامات واضحات تبين لعلماء بني إسرائيل وأحبارهم – الجاحدين نبوتك، والمكذبين رسالتك – أنك لي رسول إليهم، ونبي مبعوث, وما يجحد تلك الآيات = الدالات على صدقك ونبوتك، التي أنـزلتها إليك في كتابي فيكذب بها منهم = إلا الخارج منهم من دينه, التارك منهم فرائضي عليه في الكتاب الذي يدين بتصديقه. فأما المتمسك منهم بدينه، والمتبع منهم حكم كتابه, فإنه بالذي أنـزلت إليك من آياتي مصدق وهم الذين كانوا آمنوا بالله وصدقوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل. انتهى كلامه 

أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) ويستمر ربنا يعدد استمرائهم للتكذيب ونقضهم العهود وخلو قلوبهم من الإيمان ، يقول ابن جرير في ذلك “وأما ” العهد “، فإنه الميثاق الذي أعطته بنو إسرائيل ربهم ليعملن بما في التوراة مرة بعد أخرى, ثم نقض بعضهم ذلك مرة بعد أخرى. فوبخهم جل ذكره بما كان منهم من ذلك، وعير به أبناءهم إذ سلكوا منهاجهم في بعض ما كان جل ذكره أخذ عليهم بالإيمان به من أمر محمد صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق، فكفروا وجحدوا ما في التوراة من نعته وصفته, فقال تعالى ذكره: أو كلما عاهد اليهود من بني إسرائيل ربهم عهدا وأوثقوه ميثاقا، نبذه فريق منهم، فتركه ونقضه؟ “ انتهى كلامه

(وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) فالسياق يتحدث عن بني إسرائيل وما سبق إليهم من الوحي ونبذهم لكلام الله تعالى وشريعته ، يقول ابن جرير في هذا الموضع : وأما تأويل قوله: (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم)، فإنه للذي هو مع اليهود, وهو التوراة. فأخبر الله جل ثناؤه أن اليهود لما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله بتصديق ما في أيديهم من التوراة، أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي لله,(نبذ فريق), يعني بذلك: أنهم جحدوه ورفضوه بعد أن كانوا به مقرين، حسدا منهم له وبغيا عليه. وقوله: (من الذين أوتوا الكتاب). وهم علماء اليهود الذين أعطاهم الله العلم بالتوراة وما فيها. ويعني بقوله: (كتاب الله)، التوراة.انتهى كلامه.

وعليه فإن السياق مطَّرِدٌ في الحديث عما نزل على بني إسرائيل وموقفهم منه ويتصل السياق ببعضه فيقول تعالى :

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) واستمر السياق الشريف في الحديث عن بني إسرائيل وموقفهم مما أنزل الله إليهم فيقرر الشارع الحكيم بأنهم تركوا شريعة الله وتنزيله الحكيم الذي أمروا باتباعه واستبدلوه بما تتلو الشياطين على ملك سليمان ، يقول ابن جرير في ذلك : ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين ) الفريق من أحبار اليهود وعلمائها الذين وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم نبذوا كتابه الذي أنزله على موسى وراء ظهورهم , تجاهلا منهم وكفرا بما هم به عالمون , كأنهم لا يعلمون ، فأخبر عنهم أنهم رفضوا كتابه الذي يعلمون أنه منزل من عنده على نبيه صلى الله عليه وسلم , ونقضوا عهده الذي أخذه عليهم في العمل بما فيه , وآثروا السحر الذي تلته الشياطين في ملك سليمان بن داود فاتبعوه ; وذلك هو الخسار والضلال المبين ) انتهى كلامه.

(وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) وبعد بيان حالهم لو أنهم سلكوا سبيل الإيمان واتباع الشريعة التي نزلت عليهم  ، ينهى تعالى المؤمنين عن التشبه باليهود بقول راعنا ،جاء عند ابن جرير : ” عن قتادة: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) قول كانت تقوله اليهود استهزاء, فزجر الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم. ، عن فضيل بن مرزوق, عن عطية: (لا تقولوا راعنا)، قال: كان أناس من اليهود يقولون أرعنا سمعك! حتى قالها أناس من المسلمين: فكره الله لهم ما قالت اليهود فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا)، كما قالت اليهود والنصارى.انتهى كلامه.

وهذا يتسق مع قولهم هذا في موضعها الآخر في سورة النساء بقوله جل شأنه (منَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ) وهكذا يتصل السياق في الحديث عن موقف اليهود مما نزل على المؤمنين ويفصل الحق جل جلاله خبراً عن موقفهم مما نزل عليهم ، فإن كان هذا فعلهم تجاه شريعة جاءتهم دون سواهم فكيف سيكون موقفهم مما أنزل عليكم أيها المؤمنون ؟.

ويتصل السياق في ذات المسألة…

مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ  : ويقول فيها ابن جرير رحمه الله ( ما يحب الكافرون من أهل الكتاب ولا المشركين بالله من عبدة الأوثان، أن ينـزل عليكم من الخير الذي كان عند الله فنـزله عليكم.  فتمنى المشركون وكفرة أهل الكتاب أن لا ينـزل الله عليهم الفرقان وما أوحاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم من حكمه وآياته, وإنما أحبت اليهود وأتباعهم من المشركين ذلك، حسدا وبغيا منهم على المؤمنين) ثم يقول (وفي هذه الآية دلالة بينة على أن الله تبارك وتعالى نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين, والاستماع من قولهم، وقبول شيء مما يأتونهم به على وجه النصيحة لهم منهم، بإطلاعه جل ثناؤه إياهم على ما يستبطنه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضغن والحسد، وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنون.) انتهى كلامه.

وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (والله يختص برحمته من يشاء): والله يختص من يشاء بنبوته ورسالته، فيرسله إلى من يشاء من خلقه, فيتفضل بالإيمان على من أحب فيهديه له. و ” اختصاصه ” إياهم بها، إفرادهم بها دون غيرهم من خلقه. وإنما جعل الله رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه، وهدايته من هدى من عباده، رحمة منه له ليصيره بها إلى رضاه ومحبته وفوزه بها بالجنة، واستحقاقه بها ثناءه. وكل ذلك رحمة من الله له.

وأما قوله: (والله ذو الفضل العظيم). فإنه خبر من الله جل ثناؤه  أن كل خير ناله عباده في دينهم ودنياهم، فإنه من عنده ابتداء وتفضلا منه تعالى عليهم، من غير استحقاق منهم .

وفي قوله: (والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم)، تعريض من الله (تعالى ذكره) بأهل الكتاب: أن الذي آتى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من الهداية، تفضل منه,  وأن نعمه لا تدرك بالأماني، ولكنها مواهب منه يختص بها من يشاء من خلقه.انتهى كلامه.

فيقرر رحمه الله هنا تعلق الآية بأهل الكتاب وموقفهم مما نزل من رحمة على نبيه (القرآن الكريم) ويبين أن ذلك رحمة خاضعة لمشيئة الله تعالى يرسلها إلى من يشاء من عباده .

والجزء من الآية مرتبط باستغراب أهل الكتاب من اختصاص الله تعالى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة ورفضهم لخروج النبوة منهم ، وظهورها في من يعتبرونهم أقل شأناً وأبعد عن محبة الله واصطفاءه ، فأراد الله أن يخاطبهم بما يرد استغرابهم بأن الله يستبدل من يشاء بمن يشاء ، وهو صاحب الأمر فلا اعتراض على حكمه.

ويستطرد ويتصل السياق …

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) فإن سأل اليهود عما نزل عليهم فليعلموا أن الله نسخه وأبطله بما نزّل على محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي اختصه وقومه برحمته وفضله ، فما من آية ينزلها الله حتى تبقى ماشاء الله لها أن تبقى حتى ينسخها بما شاء فيبطلها ويعطلها ويحلُّ محلَّها ما يشاء من الآيات والعلامات الواضحات ، والله على ذلك قدير فليس وبينه وبين اليهود أحد من خلقه نسب ، وأنه تعالى لمّا نزّل عليكم التوراة ما رعيتموها حق رعايتها وجرى إلحادكم وتحريفكم لها ، فشاء الله أن يعطلها وينزل مكانها بديلاً من أحسن منها .

وهنا ردٌّ على احتجاج بني إسرائيل على المؤمنين كيف أن المسلمين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ثم لا يتبعون التوراة ولا يجرون أحكامها ، فأراد الله أن يبين لهم أنَّ نزول الآية الباقية والعلامة السامية العظيمة التي اكرم الله بها البشرية ، قد هيمنت وحلَّت على ما سبقها فلا يلزم أتباع القرآن أن يعودوا لاتِّباع ما نسخه الله من الشرائع السابقة، بل إن أتْباع الشرائع السالفة المنسوخة وجب عليهم أن يتحولوا لما أحله الله محل شريعتهم.

وهنا فإن السياق لم يكن يتحدث عن أحكام القرآن وتفصيلاته وأحكامه بل كان يتحدث عن اليهود ما أنزل الله عليهم وكان يحيط بأمورٍ كلية وقواعد أساسية تتعلق بالفرق بين الديانات وما أتى مع كل ديانة من المعجزات والشرائع والكتب ، وأن موضع النسخ متعلق بالتوراة وما نزل على اليهود من الشرائع والآيات ، فلا مكان للاعتقاد  هنا بأن الأمر يعني نسخ شيء من القرآن أبداً.

ويتقرر بهذه الآية إقامة الحجة على اليهود والنصارى ببطلان اتباعهم للتوراة منذ أن نزل القرآن لأنها آية وشريعة منسوخة لا يفيدهم العمل بها وقد نزل القرآن بدلا عنها ، ولا ينفعهم عمل بعد موتهم مع نسخ شريعتهم واستبدال كتبهم بالقرآن الكريم ، وفي هذه الآية رد حاسم على من يدعي أن التوراة والإنجيل واجبة الاتباع أو أنها صالحة قائمة مقبولة عند الله.

فكيف يسوغ لمدَّعٍ أن يدعي بعد هذا السياق البيِّن الواضح الأبلج القول بوقوع التحول في السياق للحديث عن القرآن ؟ ، وهو مسبوق بالحديث عن الكتب السماوية ومتبوع بالحديث عنها أيضاً ؟ ، حتى أن ابن جرير رحمه الله افتتح تفسيره لهذه الآية بقوله (اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : ( مَا نَنْسَخ )) فهل يجوز لنا أن نشذ ونتبع الاختلاف والقول بالرأي في مسألة واضحة يبينها السياق أيما بيان وليس على أي قول خلافها دليل بقول نبوي كريم ؟ ، وهل يجوز أن نختلف اختلافاً يترتب عليه إبطالٌ لأحكام الله في كتابه ؟؟ .

( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) فيقدر على ما يشاء ويفعل في ملكه ما يشاء وينسخ من شرائعه ما يشاء ولا معقب لحكمه ولا حسيب عليه وهو الحسيب على كل خلقه ، ولكن في الوقت ذاته لا ينبغي أن يقرر أحد أن الله أبطل شيئاً من أحكامه بدون دليل مباشر بدلالة واضحة بينة وبقول نبوي معتبر لأن سواه لا يملك التقرير عن الله تعالى في المحو والاثبات.

وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107) مالكم أيها اليهود من وليٍّ غير الله ، فله الملك وله الحكم وهو الذي أنزل الكتب وهو الذي يرفعها و مالكم من ذلك من شيء سوى التسليم ، فاعتراضكم على القرآن لا مكان له ولا وجه لأن من أنزل توراتكم هو من نسخها بالقرآن وبدَّل الحكم بالحكم والآية بالآية والمعجزة بالمعجزة.

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)

وقد اختلف المفسرون في مناط الخطاب فقيل موجه للمسلمين ، والوجه الأظهر أن قوله (أم) استفهام متعلق بما قبله ، فيكون قوله تعالى (أم) استفهامٌ متصلٌ بما قبله كقوله تعالى (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ) موجه لبني إسرائيل فيقول تعالى (أَمْ تُرِيدُونَ) يا بني إسرائيل (أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ)  ، هل تريدون أن تطلبوا ممن أرسل إليكم وهو محمد صلى الله عليه وسلم مطالب كتلك التي طلبت من موسى ؟، باعتبار رسالته الشاملة للعرب ولكل بني آدم وهذا تقرير لهم وإقامة حجة على أن النبي هو نبيٌّ لهم كما هو نبيٌّ لغيرهم (كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ) كما سأل أسلافكم نبي الله موسى بأن يريهم الله جهرة وغير ذلك من المعجزات برغم ما رأوا من عظيم قدرة الله وعجائبه؟ ، (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) فاستبدال القرآن وهو الشريعة البديلة للتوراة الناسخة لها ، فمن فضَّل المنسوخ على الناسخ فقد كفر بالله وناقض لوازم الإيمان وضل عن سواء السبيل  ، ولذلك فالبقاء على شريعة وآية منسوخة ، وترك المعجزة الحية ضلال عن الطريق القويم.

ويتحول في الخطاب ليوجههُ للمؤمنين ولكنه لم يتحول عن سياق الحديث وهو موقف أهل الكتاب من الرسالة و التنزيل فيقول تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) أي أن أهل الكتاب يتمنون في أنفسهم أن تعودوا عن دينكم وتكفروا بما آمنتم به وهم قد أيقنوا بسلامة إيمانكم و بهيمنة ما نزل إليكم من خير وما اختصكم به من نبوة وشريعة ناسخة لما قبلها ، حسداً لما افضل الله عليكم من تقدمة لكم عليهم ولشرعكم على شرعهم ولمعجزتكم على معجزاتهم (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) فهم يعلمون حقاً أن شريعتهم نسخت ، وان ما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم حق وأن نبوته حق وأن الله نزع منهم شرف النبوة وأبطل ماهم عليه من الأمر واستبدلهم بقوم آخرين فتملكهم الحسد والغيظ على ذلك ، فتمنوا أن ترجعوا عن دينكم وتعودوا كفاراً جهالاً  (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(109)) يقول ابن جرير رحمه الله يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : ( فَاعْفُوا) فَتَجَاوَزُوا عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ إسَاءَة وَخَطَأ فِي رَأْي أَشَارُوا بِهِ عَلَيْكُمْ فِي دِينكُمْ , إرَادَة صَدّكُمْ عَنْهُ , وَمُحَاوَلَة ارْتِدَادكُمْ بَعْد إيمَانكُمْ وَعَمَّا سَلَف مِنْهُمْ مِنْ قَيْلهمْ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (اسْمَعْ غَيْر مُسْمَع وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّين)  وَاصْفَحُوا عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ جَهِلَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَأْتِي اللَّه بِأَمْرِهِ , فَيَحْدُث لَكُمْ مِنْ أَمْره فِيكُمْ مَا يَشَاء , وَيَقْضِي فِيهِمْ مَا يُرِيد .انتهى كلامه.

ثم يردف تعالى بالأمر للمؤمنين بالاتباع والتقوى وإتيان فرائض الله ، فيقول جل شأنه: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

ولازال السياق يعود للحديث عن موضوع السياق الرئيسي وهم اليهود والنصارى فيقول تعالى (وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) فالواو في قوله (و) استئناف ، قالوا تعطف ما بعدها على ما قبلها في سبيل تعداد جرائمهم وكفرهم ورفضهم لنزول الخير على سواهم ، فهذه الآية متعلقة من ضمن ما تعلقت به بآية النسخ إذ يبطل نسخ التوراة بالقرآن كلُّ قول باختصاصهم بدخول الجنة دون سواهم ، ويقرر تعالى بأن ما يقولون إنما هي أمانيّ لا سبيل لتحققها وليس لهم عليها برهان فهم في ذلك من الكاذبين.

ويرد الله مقالتهم وحصرهم لرحمة الله فيهم بقوله تعالى (بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)) فالعبرة بمن استسلم لإرادة الله وشرعه وتوجه إليه تعالى دون سواه بإحسان ويقين برؤية الله له وشهادته على عمله ، فله أجره سواء كان من بني إسرائيل أو من غيرهم ممن خلق الله وكلفهم بالأوامر والنواهي والشرائع السارية المهيمنة على حياتهم.

ولا يزال محور الحديث سارياً ، فيخبرنا جل وعلا بأنهم وإن رفضوا دينكم ، وإن اعترضوا على قرآنكم وحسدوكم على ما نزل إليكم فهم فيما بينهم متفرقين متباغضين متحاسدين لا يجمعهم قول ولا يؤمن بعضهم ببعض فيقول (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)) ، قال الطبري رحمه الله في هذا الموضع :
قال أبو جعفر: وأما تأويل الآية ، فإن قالت اليهود: ليست النصارى في دينها على صواب! ، وقالت النصارى: ليست اليهود في دينها على صواب! وإنما أخبر الله عنهم بقيلهم ذلك للمؤمنين ، إعلاما ، منه لهم بتضييع كل فريق منهم حكم الكتاب الذي يظهر الإقرار بصحته وبأنه من عند الله ، وجحودهم مع ذلك ما أنـزل الله فيه من فروضه ، لأن الإنجيل الذي تدين بصحته وحقيته النصارى ، يحقق ما في التوراة من نبوة موسى عليه السلام، وما فرض الله على بني إسرائيل فيها من الفرائض ، وأن التوراة التي تدين بصحتها وحقيقتها اليهود تحقق نبوة عيسى عليه السلام ، وما جاء به من الله من الأحكام والفرائض.

ثم قالَ كلُّ فريقٍ منهم للفريق الآخر ما أخبر الله عنهم في قوله: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) ، مع تلاوة كل واحد من الفريقين كتابه الذي يشهد على كذبه في قيله ذلك. فأخبر جل ثناؤه أن كل فريق منهم قال ما قال من ذلك ، على علم منهم أنهم فيما قالوه مبطلون ؛ وأتوا ما أتوا من كفرهم بما كفروا به على معرفة منهم بأنهم فيه ملحدون. انتهى كلامه.

وبعد … يستمر السياق في الحديث عن الفرقتين وموقفها من نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في نحو عشرين آية متصلة تنتهي بقوله تعالى (وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) ثم تستأنف بيان عدوان وكفر أهل الكتاب وتاريخهم وما كان منهم وما يكون وما سيكون.

وهكذا أضع بين يدي القارئ الكريم سياقاً مشوقاً بيَّناً يثبتُ في كلِّ حرفٍ منه أن النسخ المذكور في هذه الآية منحصر في التناسخ بين الشرائع ، و كل من يقرأ السياق ويتأوله على غير وجهه وينسب بذلك النسخ لآيات القرآن فقد أخطأ بذلك خطأً عظيماً ، ذلك أن الموضع لم يشتمل على ما يقود لذلك الفهم لا من قريب ولا من بعيد.

أما من يقرأ الآية مجتزأة عن سياقها ، خارجة عن محيطها القرآني وهو في ذات الوقت يحمل قناعة متوارثة بإبطال كلام الله تحت مسمى النسخ فلن يقنعه شيء بخطأ ما هو عليه ، وأما من توخى الموضوعية واستصحب أن الموضع تنزيه لكتاب الله وإعلاء له على سواه من الكتب والشرائع والمعجزات وإخضاع لبني إسرائيل لحكم القرآن وقطع لأملهم من صلاحية التوراة وبقائهم شعباً مفضلا مختاراً ، لرضخ للحق وانصاع للسياق و لاستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما هلك من كان قبلكم بهذا ، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، وإنما نزل كتاب الله عز وجل يصدق بعضه بعضا ، فلا تكذبوا بعضه ببعض ، فما علمتم منه فقولوه ، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه ).

ولعمري إن النسخ عين ما نهى عنه رسولنا صلى الله عليه وسلم ، فإنه ينسب التضارب والتناقض لكتاب الله بمجرد الجهل بالمعنى وتوهم التناقض ، فكلما ضل في الجمع بين الأحكام ضال نسب ما يقرأ للنسخ ، فكان حديث رسول الله يصف النسخ بدقة ويسميه تكذيباً للكتاب بعضه ببعض.

رابعاً : النسخ والإبطال:

إنَّ النسخ بصورته التي قررها أصحاب دعوى النسخ هو إبطال مهما حاول المبطلون ترقيقه وليّ المفردات والكلمات لتعريفه تعريفاً ليّن التعبير ، وهذا يجب أن يتقرر لدى  كل باحثٍ عن الحق ، فالنسخ – حسب دعواهم – إبطال حكم مع بقاء النص ، أو إبطال نص مع بقاء الحكم ، أو إبطال نص وحكم في آن واحد ، وبرغم أن أشكال النسخ هذه لا يوجد إجماع عليها فإنها بلا شك إبطال لكلام الله فما نُسِخَ صار باطلاً ، وما أثبت بقي فكان النسخ تبديلاً وإبطالا لكلمات الله وهذا يناقض قوله تعالى : { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [فصلت:42] وهذا كافٍ لرد دعاوى النسخ.

خامساً : منهج القبول والرد :

ليس كل ما نسب للصحابة الكرام من أقوال هي صحيحة في نسبتها ، وليس كل ما يرد مسلم بصوابه وسلامته لمجرد أنه ورد عن صحابي أو تابعي حتى لو حمل في ثناياه ما يخلّ بسلامة الوحي في حين أنه لا يستند لقول صاحب العصمة ومتلقي الوحي ، فمنهج القبول والرد محكوم بعوامل عدة تؤيد القول أو ترده ، أولها وجود النص القرآني البين الذي يؤيد القول ، ثانيها تأييد القول بحديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وثالثها انتفاء ما يعارض القول كوجود قول آخر أو نص شرعي ينقضه ، ورابعها منافاة القول للعقل والفطرة السليمة ، فإن كان العقل هو أول وسيلة لمعرفة الله فكيف نحيّده ونعطله عندما يأتي الحديث عن كلام الله تعالى ذاته ؟؟ إلا أننا نرى الاكتفاء بالرابع وحده لرد أي دعوى متعلقة بالنسخ أو بسواه مالم يعضد الدليل العقلي ما يتقوى به من النصوص الشرعية المؤدية لتأييده وإثباته .

سادساً : النسخ دعوى وليست أصل :

إن النسخ ليس بأصل مرجعي حتى نرجع إليه بل هو دعوى طارئة على الأصل يلزم مدعيها الدليل والاثبات وبالتالي فالأصل في كتاب الله أنه كما وصلنا من نبيه صلى الله عليه وسلم متواتراً بصورته التي هو عليها والقول بالنسخ دعوى تتطلب الإثبات ، ثم أن هذه الدعوى لاتقبل إلا بلوازم وشروط ومن أهم لوازمها وجود تناقض بين آي القرآن الكريم حتى نستطيع التسليم بدعوى أن هذه ناسخة لتلك وأن لا يكون هذا التناقض ناتج عن سوء فهم القائل بالنسخ ، وليس هذا فقط بل يجب الا يكون لها تأويل يبطل القول بالنسخ ، وإن حدث كل ذلك وتوافرت تلك الشروط فينبغي أن تكون إحدى الآيتين مبطلة والثانية باطلة وحاشا لكتاب الله ذلك.

سابعاً : النسخ حقيقة ولكن !:

نعم النسخ حقيقة والنسخ موجود ومثبت ولكن ليس في القرآن الكريم، فقد نسخ الله شريعة موسى عليه السلام بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، ونسخ شرائع سابقة بالتوراة ونسخ التوراة بالقرآن ، ومعجزات الأنبياء السابقين كانت ناسخة لبعضها البعض ، وقد نسيّ الناس معجزات وآيات عظام فصارت عصا موسى طيّ النسيان فلم تعد حاضرةً في أذهان الناس وهناك من المعجزات والآيات ما نُسِي ولم يُذكر حتى في كتاب الله ، يقول تعالى:

{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ } [غافر:788]

فممن لم يقصص الله على نبينا من الرسل من أتى بآيات بإذن الله فنسخت ونسيت وأحل الله محلها آيات أخرى ، والقرآن الكريم هو المعجزة والآية الوحيد الناسخة لما سبقها والمُنْسِيَة لما سواها والتي لا ناسخ لها ولا منسي إلا برفعها حين يشاء الله.

عَنْ عبد الله بن مَسْعُودٍ قَالَ : “ لَيُسْرَيَنَّ عَلَى الْقُرْآنِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلا يُتْرَكُ آيَةٌ فِي مُصْحَفٍ وَلا فِي قَلْبِ أَحَدٍ إِلا رُفِعَتْ ” أخرجه الدارمي بسند صحيح برقم 3209

عبد الرزاق عن إسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع عن شداد بن معقل قال : سمعت ابن مسعود يقول : ( إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وإن آخر ما ييبقى من دينكم الصلاة ، وليصلين القوم الذي لا دين لهم ، ولينتزعن القرآن من بين أظهركم ، قالوا : يا أبا عبد الرحمن ! ألسنا نقرأ القرآن وقد أثبتناه في مصاحفنا، قال : يسرى عليه ليلاً فيذهب به من أجواف الرجال فلا يبقى منه شيء.).

عن ‏ ‏حذيفة بن اليمان ‏ ‏قال ‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏: (يدرس ‏ ‏الإسلام كما ‏ ‏يدرس ‏ ‏وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا ‏ ‏نسك ‏ ‏ولا صدقة وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها) ‏فقال ‏ ‏له ‏ ‏صلة ‏ ‏ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا ‏ ‏نسك ‏ ‏ولا صدقة فأعرض عنه ‏ ‏حذيفة ‏ ‏ثم ردها عليه ثلاثا كل ذلك يعرض عنه ‏ ‏حذيفة ‏ ‏ثم أقبل عليه في الثالثة فقال يا ‏ ‏صلة ‏ ‏تنجيهم من النار ثلاثا. رواه ابن ماجه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.

ورفع القرآن لا يكون إلا على شرار الناس ، والقول بالنسخ هو إبطال للقرآن يفضي للقضاء عليه ، ذلك أن النسخ تطور وأخذ أشكالاً أشد انحرافاً منها النسخ بالقياس والنسخ بالإجماع حتى أصبح كتاب الله متاح لهم يبطلون لهم ما شاءوا ويتركون ما شاءوا فإن لم يعود القائلين بالنسخ عن قولهم فلعل هذا تحقق لنبوءة رفع القرآن في القادم من السنوات الخداعات والله المستعان وإليه الملجأ وعليه التكلان.

ثامناً : نماذج من دلائل إبطال و نسخ الشرائع السابقة:

إن إبطال شريعة أهل الكتاب التي نزلت في التوراة والإنجيل يختلف عن إبطال القرآن الكريم ولا يمكن أن يكون هناك تشابه بين الحالين لأن ابطال التوراة والإنجيل حصل بدليل قرآني ونبوي وليس من عند أنفسنا بينما إبطال القرآن تأول علماء ورأي فقهاء تأسيساً على فهم خاطيء لآية أو آيتين بلا دليل نبوي ولا دليل قرآني ، ولما كانت حجة تسويغ نسخ القرآن واقرار هذا القول الباطل مستنداً على جواز حصوله في الكتب السابقة فيتوجب إثبات بطلان هذا القول وأن القرآن لا يطاله ما طال الشرائع السابقة فهو ناسخ لا ينسخ ، ومبطل لسواه لا يبطله أحد ، أما أدلة نسخ القران للتوراة والكتب السابقة فهي كالتالي :

نماذج من الأدلة القرآنية :

– قوله تعالى : (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّبِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) هذه الآية التي انتزعت من سياقها انتزاعاً ونسبت النسخ والابطال للقرآن في حين أن السياق يتحدث عن أهل الكتاب وما نزل عليهم ، وقد أشبعناها إيضاحاً بما يكفي لإثبات أن السياق كله يتحدث عن التوراة والانجيل وأهل الكتاب.

  • قوله تعالى : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة:488] .

قال ابن تيمية : “فجعل القرآن مهيمنا والمهيمن الشاهد الحاكم المؤتمن فهو يحكم بما فيها مما لم ينسخه الله، ويشهد بتصديق ما فيها مما لم يبدل “فكانت هيمنة القرآن على ماسبقه تعني إبطال شريعتها وإحلال القرآن محلها ، فيصدق قوله تعالى (نأت بخير منها أو مثلها) فأتى الله بخير منها وهنا تجدر الإشارة إلى أن أقول الزركشي وابن عقيل والسيوطي ليست بخير منها ولا مثلها فكانت شديدة البيان بأن القرآن مصدِّق للاعتقاد و ناسخٌ للشرائع التي سبقته ، فبدل الله بآيات القرآن ما سبقها من آيات.

  • قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) [النساء:47]

آمنوا بما أنزلنا مصدقاً لما معكم : آمنوا بالقرآن الكريم ، ومن لوازم الإيمان به تحليل حلاله واجتناب حرامه فتكون أحكامه مهيمنة لما معهم وناسخة لها فالصيام ينسخه صيام والصلاة بكيفيتها تنسخها صلاة والإنفاق ينسخه إنفاق وهكذا ، فلا يمكن الجمع بين شريعتين بما فيهما من عبادات مشتركة فلا بد من شريعة مبطلة ومنسوخة ، وأخرى بديلة ناسخة مثبتة وهي التنزيل الحكيم.

  • قوله تعالى : (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:155].

فبعد واو الاستئناف (وهذا كتاب أنزلناه) يعني القرآن ، فاتبعوه واتقوا دلالة على بطلان ما قبله وانتهاء العمل به ، وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه : دلالة على هيمنته على ما ذكر في الآية السابقة لهذه يبطل أحكام السابقة ويحل محلها أحكاماً بديلة نافذة.

  • قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) [العنكبوت:51].

وفي هذا دلالة على أن الكتاب الحكيم الذي أنزل على سيدنا محمد كافٍ عن سواه ولا يجمع معه غيره للاتباع.

  • قوله تعالى : (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) [المائدة:13]

فما وصلَنَا من أهل الكتاب وما هو بين أيديهم اليوم من التوراة والإنجيل طاله التحريف والتغيير والتبديل بلا شك ، ولم يحفظوه ويقفوا عند حروفه ، فأنزل القرآن وتكفل بحفظه ، فأصبح الفاضل مقدم على المفضول ، والأوثق مصدق على المحرف فنسخت شريعة القرآن ما قبلها.

  • قوله تعالى : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف:157]

فيلزم بني إسرائيل وأهل الكتاب عامة اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاستمساك بسنته وإحلال ما يحله الله فيما نزل عليه وتحريم ما حُرِّم ، ويعفو عن كثير مما كان عليهم من الشرائع الثقيلة التي عوقبوا بها على تكذيبهم وعصيانهم وكفرهم .

  • قال تعالى : (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [الزمر:55] .

فالقرآن أحسن ما أنزل الله ، بذلك يفضل التوراة والإنجيل والزبور والصحف وكل تنزيل قبله والأمر باتباع الأحسن فكان ذلك توجيها بترك المفضول إلى الفاضل والأحسن ، فتكون التوراة منسوخة في وجود القرآن قولا واحداً.

نماذج من الأدلة النبوية على هيمنة القرآن ونسخه لما قبله :

– ما رواه أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله : ( فإنه لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني ) ، فاتباع موسى لسيدنا محمد يعني ترك شرائع التوراة واتباع شرائع القرآن فبذلك تكون التوراة منسوخة باطلة أحكامها في وجود أحكام القرآن.

– عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ) رواه البخاري ومسلم .

فما يتبع المسيح كتاباً إلا وهو ناسخ لكتابه وناسخٌ لما كان يتبعه قبله من الكتب ، وهو القرآن الكريم وشريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

نماذح من اقوال العلماء :

يقول ابن حزم :

” إن كفار بني إسرائيل بدلوا التوراة والزبور فزادوا ونقصوا ، وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم كما شاء ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) ( لا معقب لحكمه )، وبدل كفار النصارى الإنجيل كذلك فزادوا ونقصوا ، وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم كما شاء ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) … وقد قلنا آنفا إن الله تعالى أطلعهم على تبديل ما شاء رفعه من ذينك الكتابين ، كما أطلق أيديهم على قتل من أراد كرامته بذلك من الأنبياء الذين قتلوهم بأنواع المثل ، وكف أيديهم عما شاء إبقاءه من ذينك الكتابين حجة عليهم ، كما كف أيديهم الله تعالى عمن أراد أيضا كرامته بالنصر من أنبيائه الذين حال بين الناس وبين أذاهم ” انتهى كلامه.

يقول الشيخ محمد العثيمين : الكتب السابقة منسوخة بالقرآن الكريم لقول الله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) ﴿المائدة: ٤٨﴾، فقوله وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ تقتضي أن القرآن الكريم حاكم على جميع الكتب السابقة، وأن السلطة له فهو ناسخ لجميع ما سبقه من الكتب انتهى كلامه.

فما يقوله المبطلون أن القرآن أبطلت منه مئات الآيات تأولاً وجهلا واعتداءً بلا قول نبوي معصوم حتى اتسع الشق على الراقع فأصبح هناك نسخ بالقياس ونسخ بالإجماع وصارت المعجزة الباقية الثابتة نهباً للقائلين بالظن والمسارعة إليه بدون تثبت وجعلوا من هذا الظن والمسارعة لإبطال قول الله وأحكامه فضيلة تعدل مسارعة إبراهيم في ذبح ابنه ، ولا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل.

تاسعاً : إضطراب الآراء:

إن مما يستدل به على فساد القول بالنسخ أن كل ما قيل فيه مجرد آراء لم تجمع عليها الأمة فجمع من القائلين بالنسخ يدعون النسخ في عدد يجاوز المائتي آية ، وآخرون يقولون إنها 6 آيات فقط وهنا أقتبس من بحث للدكتور عبدالرحمن الشهري ما يوضح كيفية اضطراب الآراء في مسألة عظيمة كنسخ القرآن وهنا أنقل من دراسة أعدها فضيلة الدكتور عبدالرحمن الشهري وفقه الله  :

وقد تعددت دعاوى النسخ في الكتب التي تعرضت لمسائل النسخ ، وقد رتبها الدكتور عبدالله الشنقيطي وفقه الله على النحو التالي مبتدأً بأكثرها :

  1. الدكتور مصطفى زيد ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (293) آية.
  2. ابن الجوزي رحمه الله ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (247) آية.
  3. السكري ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (218) آية.
  4. ابن حزم ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (214) آية.
  5. ابن سلامة ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (213) آية.
  6. الأجهوري ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (213) آية.
  7. ابن بركات ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (210) آية.
  8. مكي بن أبي طالب ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (200) آية.
  9. النحاس ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (134) آية.
  10. عبدالقاهر ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (66) آية.
  11. محمد عبدالعظيم الزرقاني / عدد الآيات المدعى عليها النسخ (22) آية.
  12. السيوطي ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (20) آية.
  13. الدهلوي ، عدد الآيات المدعى عليها النسخ (5) آية.

فهذه هي جملة الدعاوى ، مع التنبه إلى أن كل من هؤلاء المؤلفين رحمهم الله لا يقبل هذه الدعاوى ، بل كثير منهم يذكرها ويفندها.

فالدكتور مصطفى زيد رحمه الله هو أكثر من تعرض لقضايا النسخ وناقشها ، وقد قرر في النهاية أنها لا تزيد عن ست آيات ، علماً بأنه عند البحث أتى بـ(293) آية قيل بنسخها.

وكذلك العلامة ابن الجوزي رحمه الله عند مناقشة القضية جاء بـ(247) آية ، ولكن بعد البحث قبل منها (22) آية فقط ، ورد النسخ في (205) آيات ، وقال : إن الصحيح أنها محكمة ، وتوقف في الباقي وهو (20) آية ، لم يبين فيها حكماً ولم يصرح بالنسخ إلا في سبعة مواضع فقط.

أما الزرقاني – رحمه الله – فقد تعرض لـ(22) واقعة قبل النسخ في (12) منها.

وأقل من قبل النسخ الإمام الدهلوي رحمه الله حيث قبله في خمس آيات فقط ، وهي آية الوصية في النساء ، وآية المصابرة الواحد للعشرة في الأنفال ، وآية الأحزاب : (لا يحل لك النساء من بعد) ، وآية المجادلة : (إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) وآية المزمل : (قم الليل إلا قليلاً) الآية. انتهى كلامه.

فهل يمكن أن يقبل العقل هذا التخبط في توزيع دعاوى النسخ بالجملة على آيات القرآن الكريم  ؟؟ وهل لمدعي النسخ أن يرشدونا مشكورين لأي من هؤلاء نتبع ؟؟ مع التقرير بأن من يدعون أنه هو الحق فإن سواه على باطل وإثم عظيم لأن قوله طعن وإبطال لقول الله الذي لم يبطل فمن يستطيع أن يتحمل وزراً كهذا؟؟

وفيما يلي إن شاء الله نستعرض الآيات التي يدعي فيها القائلون بالنسخ ويتضح بطلان تلك الدعوى واحدة تلو الأخرى والله الموفق.

عاشراً : الإدعاء على اليهود وموقفهم من النسخ:

إن من دلائل بطلان القول بالنسخ هو ما يتردد دوما عند الحديث عن النسخ بأن اليهود ينكرونه لأن النسخ عندهم من البداء والبداء باطل في حق الله فيقول أحد المنافحين عن النسخ في معرض نسبة إنكاره لليهود فيقول:

“ينكر اليهود النسخ ظنا منهم أنه بداء ؛ أي يستلزم البداء كالذي يرى الرأي ثم يبدو له، أي الظهور بعد الخفاء.

ويرى اليهود أن النسخ إما أن يكون لغير حكمة وهذا عبث على الله تعالى، وإما أن يكون لحكمة ظهرت ولم تكن ظاهرة من قبل وهذا يستلزم البداء وسبق الجهل وهو محال على الله تعالى.“انتهى.

ويقول محمد ابراهيم الحفناوي في كتابه المعنون بدراسات أصولية في القرآن الكريم ما نصه:

ومن هنا لما خفى الفرق بين النسخ والبداء على بعض فرق اليهود والرافضة أنكرت اليهود النسخ وأسرفوا فى الإنكار لاستلزامه فى زعمهم البداء وهو محال. والحق أن هذا الفهم من قبل اليهود سقيم لما ذكرت من أنه لا تلازم بين النسخ والبداء ولوضوح الفرق بينهما.” انتهى كلامه.

ويقول مناع القطان في مباحث في علوم القرآن:

والناس في النسخ على أربعة أقسام:

1- اليهود: وهؤلاء ينكرونه لأنه يستلزم في زعمهم البَدَاء، وهو الظهور بعد الخفاء، وهم يعنون بذلك: أن النسخ إما أن يكون لغير حكمة، وهذا عبث محال على الله، وإما أن يكون لحكمة ظهرت ولم تكن ظاهرة من قبل، وهذا يستلزم البَدَاء وسبق الجهل، وهو محال على الله تعالى.” انتهى كلامه.

ولأبي حامد الغزالي رحمه الله في كتابه (المنخول) ما نصه :

وقد انكر اليهود جواز النسخ فنقول لهم ان تلقيتم استحالته من عدم تصوره فتصويره ان يقول السيد لعبده افعل ثم يقول بعده لا تفعل وان تلقيتموه من استصلاح واستقباح فلا تساعدون عليه ثم لا بعد في تقدير مصلحة فيه وان نقلوا استحالة النسخ من موسى عليه السلام فقد كذبوا إذ شريعة عيسى عليه السلام نسخت شريعته ولا طريق لهم إلى انكار معجزته فإن قالوا النسخ يدل على البداء قلنا ان عنيتم انه يدل على تبين شئ بعد استبهام شئ فليس كذلك انتهى كلامه.

وعندما تتبعت كل ما قيل حول موقف اليهود من النسخ وجدتهم يحيلون ذلك القول لجماعة مغمورة كانت في عصر أبي حنيفة النعمان بدون مرجع يستند إليه ولا قول ثابت مدون من أقوالهم ، وبحثت فوجدت ان مصطلح النسخ ليس له وجود في المفهوم التوراتي من الأساس.

وكانت أكبر الفوائد التي يجنيها القائلون بالنسخ من هذه المعلومات المرسلة التي لا سند لها هو التشنيع على كل من ينكر النسخ وتشبيهه باليهود فيتحقق الإرهاب الفكري لكل من يناقش أو يتسائل أو يرد القول بالنسخ لأنه سيوضع مع اليهود في كفة واحدة.

ولكن ما يبعث على السخرية أنه عند التشنيع على اليهود والرافضة فإن أول ما يرمون به من الانحرافات هو القول بالبداء ، برغم أنهم ادعوا إنكار اليهود للنسخ خوفاً من نسبة البداء إلى الله :

فهذا ابن القيم رحمه الله في كتابه هداية الحيارى يقول أن اليهود هم الذين حرفوا التوراة وبدلوا فيها حروفًا كثيرة فقال: ” واليهود تقر أن السبعين كاهنا اجتمعوا على اتفاق من جميعهم على تبديل ثلاثة عشر حرفًا من التوراة وذلك بعد المسيح في عهد القياصرة الذين كانوا تحت قهرهم حيث زال الملك عنهم ولم يبق لهم ملك يخافونه ويأخذ على أيديهم“.

وقال :

ومن رضي بتبديل موضع واحد من كتاب الله، فلا يؤمن منه تحريف غيره؛ واليهود تقر أيضًا أن السامرة حرفوا مواضع من التوراة وبدلوها تبديلاً ظاهرًا وزادوا ونقصوا والسامرة تدعي ذلك عليهمانتهى كلامه.

جاء في موسوعة الفرق :

يبدو أن أول من ادعى البداء على الله تعالى هم اليهود، قالوا: إن الله تعالى خلق الخلق، ولم يكن يعلم هل يكون فيهم خير أو شر، وهل تكون أفعالهم حسنة أم قبيحة، فقد جاء في سفر التكوين في الإصحاح السادس من التوراة ما نصه:

(ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه جداً فقال الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته لأني حزنت أني عملتهم) .

وهذا النص وأمثاله يفيد صراحة أن الله قد بدت له أمور لم يكن يعلمها، فحزن حزناً شديداً حين رأى معاصي البشر.

فالبداء عقيدة يهودية مدوّنة في كتبهم المحرفة، ونفس هذه الأفكار مدونة عند الشيعة، فالكليني -كما رأينا فيما سبق- يروي عن الأئمة فضائل كثيرة لاعتقاد هذا الكفر، حتى وإن ذكر بعض الروايات التي تفيد عدم حصول جهل الله بالأمور قبل ظهورها لكنها لم تكن صريحة مثل النصوص الأخرى التي سبق ذكرها عنهم.”

وهكذا نجد التناقض و انقلاب ميزان الاحتجاج من تنزيه اليهود عن البداء إلى اتهامهم به ، في حين أن الحقيقة اليهود سيجدون في النسخ ضالتهم للدفاع عن تحريفهم وتبديلهم وتغييرهم في كتاب الله ، فما أن يتهمهم المسلمون بالتحريف حتى يردون ذلك إلى النسخ فقد وفرنا لهم مخرجاً من تهمة التحريف ، وهذا الباب إن فتح فستجد بين كل ناسخٍ ومنسوخ ، ناسخاً ومنسوخ.

وهكذا فأصبح التشنيع على منكري النسخ بأن اليهود ينكرونه لأنه بداء ، وإذا أرادوا التشنيع على الرافضة نسبوا إلى اليهود البداء فهذا عين التناقض وهي حجة ليست في مكانها ولا تقبل للرد على منكري النسخ فحتى أقوالهم بشأن اليهود لم ترد إلى مرجع معتبر عند اليهود يعترف بمصطلح “النسخ” و”البداء” فكانت مفتقدة لأبسط قواعد البحث العلمي .

نبوءة محمدية مذهلة :

إن نبينا صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن عقيدة النسخ وكيف تظهر في الأمة وحذر من القائلين بها قبل أن تظهر فعن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما يتدارءون ، قال الرمادي : يتمارون . فقال : ” إنما هلك من كان قبلكم بهذا ، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، وإنما نزل كتاب الله عز وجل يصدق بعضه بعضا ، فلا تكذبوا بعضه ببعض ، فما علمتم منه فقولوه ، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه

عن عبد الله بن عمرو ، قال : كان قوم على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يتنازعون في القرآن ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم متغيرا وجهه ، فقال : ” يا قوم بهذا هلكت الأمم ، إن القرآن يصدق بعضه بعضا ، فلا تكذبوا بعضه ببعض ” .

فكأنه يخبرنا صلى الله عليه وسلم بظهور النسخ وفُشُوِّهِ وتضارب الأقوال فيه حتى وصلت إلى ثلاثة عشر قولاً مشهوراً ، متضاربة بعضها تبطل أحكاماً بشبهة آيات أخرى ، وقوم ينكرون ما اتفق عليه جماعة أخرى وينفون النسخ عنها بدلاً من الإيمان به كله بدون عقيدة إبطال لشيء منه باسم النسخ حتى تغيرت الأحكام وأبطلت النواميس القرآنية بدون حديث صحيح من معصوم.

إن المبطلين لأحكام الله في كتابه باسم النسخ يعجزون عن الإتيان بحديث صحيح مرفوع ثابت  جاء فيه أمر من النبي صلى الله عليه وسلم نسخ معين لآية معينة ، و لقد مات صلى الله عليه وسلم ولم يترك لأمته أمراً صغيراً ولا كبيراً إلا بينه وبلغ أصحابه وأمر كتبة الوحي به فالأمر ليس بالهيّن حتى يترك للآراء.

وما أخبر به صلى الله عليه وسلم والنهى عن ضرب الكتاب بعضه ببعض وإخباره بأن الكتاب يصدق بعضه بعضاً يدل دلالة واضحة على نبذ النسخ والنهي عنه فما النسخ إلا ترقيق لغوي لصفة ضرب الكتاب ببعضه وإبطال أحكامه.

الحادي عشر : دعوى ضرورة النسخ والحكمة منه :

من الحجج التي يسوقها مدعو إبطال أحكام القرآن ويرددونها في سبيل تبرير هذا الإبطال هو تغيّر حال المسلمين وتطور حياتهم ما يستلزم معه تغيير أحكام تخفيفاً أو تشديداً تبعاً لمتغيرات المجتمع المسلم ، فكان النسخ سبيلاً لحصول تلك المنفعة للمسلمين.

ونقول بأن هذه حجة باطلة ، فنزول الوحي وتغيرات المجتمع المسلم التي يتحدثون عنها كانت على مدى ثلاثاً وعشرين سنة ، فماذا عن التغيرات الضخمة التي حدثت في أربعة عشر قرناً تلت سنوات الوحي ؟؟ من ينسخ لنا الآيات ويبطلها ويبدلها بسواها لمراعاة التغييرات في المجتمع المسلم ؟؟ والمبطلون يعلمون بأن التغييرات التي حصلت في قرن واحد تفوق في ضخامتها وجسامتها تغيرات في آلاف السنين في شتى مناحي الحياة ، هل يسعون للتوسع مستقبلاً في الإبطال والتعطيل فيدافعون عن النسخ بالإجماع والنسخ بالقياس حتى يأتي يوم لا نجد في كتاب الله إلا سورة أو سورتين والباقي جرى نسخه بهذه الدعوى الباطلة ؟.

الثاني عشر : النسخ والإبطال في ضوء الدﻻلة تبعاً للقطع والظن :

ﻻشك ان القرآن الكريم قطعي الثبوت كله قطعي الدلالة في جزء منه ظني الدﻻلة في جزء آخر ، بينما السنة بعضها قطعي الثبوت وبعضها ظني الثبوت ، وبعضها قطعي الدﻻلة والبعض الآخر ظني الدﻻلة.

والنسخ قطعي الثبوت بلا شك ، ولكن هل هو قطعي الدﻻلة  ؟؟ بكل تاكيد ﻻ ، فالنسخ من حيث المبدأ يحتمل الآيات الحسية والمعجزات السابقة والشرائع الماضية من وجه ، ويحتمل آيات القرآن الكريم من وجه آخر -إذا تجاوزنا في ذلك لغرض الاحتجاج فقط – وهنا نتسائل كيف نستعمل نصاً ظني الدﻻلة على إبطال أحكامٍ قطعية الدﻻلة والثبوت ؟.

فالبديهي أن يكون الناسخ من جنس المنسوخ وبنفس درجته الدﻻلية فيكون كﻻ النصين قطعي الثبوت والدﻻلة ، فلا  يصح الاستشهاد بنص نبوي ظني الدﻻلة حتى لو كان قطعي الثبوت ، وبالتالي فلا يصح الاستشهاد والاحتجاج بنص نبوي ظني الثبوت وظني الدلالة .

وفي مسألة النسخ فالنص القرآني الذي يحتج به القائلون بالنسخ ظني الدﻻلة ، وﻻ يوجد ﻻ في القرآن الكريم وﻻ السنة النبوية المطهرة نص قطعي الثبوت والدﻻلة يستشهد به على نسخ آيات القرآن الكريم .

والنسخ مقتضاه عسير ونتيجته عظيمة ففيه إبطال لأحكام الله تعالى ، وﻻ يتأتى هذا بﻻ تثبت وﻻ مرجع و حجة قطعية في دﻻلتها و قطعية في ثبوتها ، وإلا لتمكن كل أحد من نقض آيات الله وأوامره وأحكامه واحداً واحداً فمن يجوز لنفسه القفز فوق كل تلك القيود ﻻ يملك منع غيره من ذلك.

فكان في هذا دﻻلة واضحة على فساد القول بالنسخ في آيات الله وقرآنه بلا شك وﻻ تردد.

عين المجازفة والافتئات على الشارع الحكيم بلا دليل.

إن حجج (تعطيل أحكام الله) المسمى بالنسخ واهية ومتناقضة تناقضاً عجيباً ، فتجدهم يقررون أن الحكمة من إبطال الحكم وبقاء الرسم ليحصل ثواب التلاوة للقارئ ، فإن قلت وماذا عن إبطال الرسم وبقاء الحكم ؟ لماذا لم يبقى الرسم للثواب كسابقه كانت الإجابة : لكي يختبر الله عباده ويبتليهم هل يتبعون حكمه أم يتركونه ،  وسنرى فيما يلي حجة تناقلها كل مبطلي كلام الله واتخذوا منها حجة على كلام الله فكانت افتئاتاً على الله بلا دليل:

يقول الزركشي رحمه الله في البرهان ناقلاً عن ابن عقيل في كتاب الفنون بشأن الحكمة من نسخ التلاوة وبقاء الحكم : “إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شيء، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي).انتهى كلامه ، وقد نقله عنه أيضاً السيوطي رحمه الله.

وهنا فإن قول كهذا يحمل مجازفات خطيرة وتقريرات مثيرة تنقل من مصنف الى آخر بلا تفكير ولا مراجعة وكأنها قول معصوم من عبد معصوم ، وأظهر صور الخلل فيه ما يلي :

أولاً : قرر أن سبب رفع التلاوة وبقاء الحكم هو “ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع بهأي أن مسألة إبطال التلاوة وحذف الرسم مع بقاء الحكم كان اختباراً لاتباع المسلمين لحكم النسخ بالظن والمسارعة إليه بلا نقاش ولا تثبت ولا تحقق من أن الحذف كان مؤكداً مثبتاً متواتراً أم لا ، بل يكفي مجرد الظن ، وهذا لعمري أدلّ ما يستدل به على بطلان النسخ فلا قول معصوم يلتجئ إليه ولا نص قرآني يعزو إليه بل يطلق الأمر للظن ويجعل من ذلك فضيلة عظيمة بينما كان الظن دوما أكذب الحديث ، وقد ذم الله الظن في كتابه وذمه النبي صلى الله عليه وسلم في سنته :

إن الظن ما دخل في أمر من أمور الدنيا إلا كان فاسداً ذميماً فكيف إن كان في أمور الدين ؟؟ ، وكيف إن كان الظن معتمداً عليه في التشريع ؟؟ وكيف إن كان الظن معتمداً عليه في إبطال قول الله تعالى ونقض أحكامه واستبدال شريعته ؟؟  ، ولم يرد الظن على سبيل الخير في القرآن الكريم فلا تجد ظنا حسناً فيقول تعالى :

وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (النساء 157)

فذم الله اتباع الظن في مسألة صلب المسيح والظن بالغ السوء حتى أنه علامة فارقة في العقيدة النصرانية واليهودية فجعل من المسيح عليه السلام مقتولا مصلوباً ، وهم يدافعون عن ظنهم هذا ولا يعترفون ببطلانه كما يدافع هواة النسخ عن ابطالهم لقول الله.

{ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } (يونس:36)

فالاتباع بالظن فعل ذميم فهذه الآية ليست فقط ما يرد على من يتبع الظن في ابطال آيات الله وأحكامه بل تعقب في الآية التي تليها بقوله تعالى (وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَىٰ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فكأن الله أنزلها للرد على هذا القول فكيف يقال أن ابطال آيات الله ظنا وريباً من الفضيلة والله تعالى يقول (لا ريب فيه) ؟

{ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ } [الأنعام:116]

واتباع الظن خرص والخرص كذب واتباع الظن هو اتباع للكذب بلا شك ، ولو اجتمع من في الأرض وأجمعوا على وقوع النسخ والابطال في القرآن فلا تطعهم فإنهم متبعين للظن وإن هم إلا يخرصون.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (الحجرات 12)

وأولى الظن بالاجتناب هو الظن في شرع الله وفي كتابه وفي كلامه فإنه أخبث الظن وأسوأه ففيه تغيير لشرع الله بغير حق وإبطال لكلام الله وادعاء زور في حق مالا ينبغي لأحد الإدعاء فيه.

مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَىٰ (النجم 23)

والنسخ ما أنزل الله به من سلطان ومن يتبع النسخ إنما يتبع الظن ، فإن وصلته الحجة وبلغته الرسالة فأبى وأصر كان اتباعه عن هوىً وحظ نفس وليس بدليل وكلمة حق من الله ومن رسوله صلى الله عليه وسلم.

{ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا } [النجم:28]

فالظن هو أكذب الحديث ، و نقيض العلم ، والظن اشنع من الجهل سوءاً فالجهل استتار العلم وانتفاء العمل أما الظن فاعتقاد نقيض الحق واتيان فعل واعتقاد امر لا ينبغي على وجه الحقيقة ، وعلى سبيل المثال فإن اللا أدري أهون شأنا من عابد المسيح أو عابد البقر ،لأنه اقرب للحق إن توافر له الدليل وأراد الله له التوفيق ، ولكن متبع الظن ومن افضى للشرك فيجب إخراجه مما هو فيه قبل إقناعه بأن الإسلام لله دين الحق.

ثانياً: يقرر أن الوحي بالمنام هو درجة دنيا من درجات الوحي تعد في مقام الظن وليست وحياً يقينياً “فيسرعون بأيسر شيء، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي” وهذا قول يخشى على صاحبه إن اعتقد به ، وقد فاته أن إسماعيل عليه السلام أفقه منهم فقد فقه من قول أبيه أن ما رَآه إبراهيم كان أمراً ربانياً لا يتطرق إليه شك ، فما قاله الرائي (إبراهيم عليه السلام )ولكن قاله الضحية (إبنه اسماعيل عليهما السلام ) فكان ذلك أقوى دليل على قوة رؤيا ابراهيم وصدقها ويقينها ولَم يقل لأبيه إنه ظن يجب تركه بل قال “قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ “.

وقد فات عليهم أن النبوة المحمدية بدأت بالرؤيا فهل كانت النبوة في منشأها ظن لا يرقى لليقين ؟ فقد جاء في الحديث الصحيح الذي روي عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ:
(( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ))

ثم تجد تقريرات عجيبة كهذه بدون دليل ولا قول معصوم يقررون مراد الله بما لم يقله ربنا جل جلاله ولم يقرره نبينا صلى الله عليه وسلم ، فيسببون الأسباب ويعللون الأحكام والإبطال بدون دليل ولا قول من صاحب الأمر ثابت صحيح ، ولكنه من عند غير الله لذلك فنجد فيه اختلافاً كثيراً كما نلحظ هنا ، ثم ينقله واحد من واحد حتى يصطبغ بالقدسية فيصبح معصوماً لا ينبغي عليه الخطأ ، ولكنه خير وليس شر ليتبين الحق من القى السمع وهو شهيد.

القسم الثاني : تفنيد فرية نسخ القرآن وإبطال إحكامه

وفي هذا القسم سنستحضر الآيات المدعى نسخها آية آية نحللها ونتتبع تفسيرها وننظر في ما أدعي بأنه ناسخ لها ، ونعرض فيما يلي ايضاً صور الاضطراب والخلاف في مسألة نسخ تلك الآيات ما يثبت افتقاد القول للاجماع كما يفتريه البعض .

ثم ننتقل لدعوى نسخ النص وبقاء الحكم ونسترجع النصوص المنسوبة زوراً للقرآن الكريم ونسوق الحجج والبراهين على أنها ليست من القرآن أبداً ولا يستقيم أن تنسب للقرآن برواياتها وصيغها المختلفة المتضاربة.

دعوى نسخ القبلة

يَعتبرُ فئةٌ من المعتقدين بوقوع النسخ أن مسألةً  كمسألة تحديد القبلة نسخاً، و يدرجون هذا الأمر من الحجج على ثبوت النسخ في كتاب الله ، وهذا خلط مبنيٌّ إما على سوء فهم أو محاولة لإثبات النسخ كيفما اتفق.

ومسألة القبلة تحمل دلالة واضحة على عكس ما يريد مؤيدي القول بالنسخ ، ذلك أن مفهومنا للنسخ يقتصر على نسخ الشرائع السابقة وليس نسخ القرآن الكريم واحكام الشريعة الاسلامية ، وتتمثل الدلالة في كون الصلاة تجاه بيت المقدس هو شرع من قبلنا ، فبني إسرائيل كانوا متبعين لشريعة موسى عليه السلام التي كانت هي الشريعة المهيمنة على المسلمين قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، بقول تعالى { قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ } [الأحقاف:30] فلم يأت ذكر عيسى لأن المراد بالكتاب (الشريعة) فكانت شريعة موسى وكتابه هي الشريعة المهيمنة على المسلمين فلما جاء القرآن نسخ تلك الشريعة وابطل كثيراً من أحكامها.

وبنو إسرائيل كانوا يتوجهون لبيت المقدس قبلةً لهم ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بقي على القبلة التي يستقبلها اليهود وهي بيت المقدس حتى أنزل الله نسخ الحكم التوراتي بالحكم القرآني (فبدل الله آية مكان آية) وجعل الكعبة قبلة للنبي صلى الله عليه وسلم من تبعه من المسلمين فقال جل شأنه:

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْوَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِوَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) البقرة

ولا يستطيع أحد ان يثبت أن تحويل القبلة هو نسخ لحكم سابق نزل في كتاب الله فالتوجه لبيت المقدس لم يكن بنص قرآني وبالتالي فالقول بأن هذه الآية تحمل دلالة على نسخ القرآن بأي صورة قول باطل ولا يصح أبداً فالقبلة حكم جديد لم يسري قبله حرف واحد ينقضه آخر.

وهنا نؤكد على أن الأحكام المنسوخة لا يمكن أن تكون مما أنزله الله في كتابه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بل أحكاماً مهيمنة من شرائع سابقة نسخها القرآن ثم أبدل مكانها احكاماً أخرى.

صورة من صور سوء الفهم:

نلحظ أحاديث منسوبة لابن عباس رحمه الله تدَّعي أن تحويل القبلة هي أول ما نسخ من القرآن (قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : كان أول ما نسخ من القرآن القبلة ) ولكل  من يعتقد بصحة هذا القول نطالبه بالبرهان ، فأين الآية التي تأمر بالصلاة لبيت المقدس والتي نسخت بآيات تحويل القبلة ؟؟ ، لن تجد شيئاً منسوخاً في كتاب الله ، ولن تجد امراً باستقبال بيت المقدس نسخه تحويل القبلة إلى الكعبة وبالتالي فالاثر قطعاً غير صحيح ولا يحتاج تخريج ولا بحث بل لا يؤيده نص واحد في القرآن فكيف نسلم بالنسخ في القرآن بناسخ دون منسوخ ؟؟.

حقيقة دامغة :

ومن أظهر الأدلة واقواها على انتفاء النسخ وأن الحكم القرآني حكم مبتدأه في تلك الآية وليس ناسخاً لقرآن قبله هو قوله تعالى (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) فلو كان استقبال بيت المقدس وحي وأمر مخصوص للنبي صلى الله عليه وسلم ينقض امر سبقه وينسخه لما وسعه إلا الرضى والتسليم ولم يقلب وجهه في السماء بحثاً عن قبلة يرضى بها لأن القرآن قرر قبلته فليس له إلا الرضا والتسليم ، ولكن الحقيقة أن تحديد القبلة ارضاء لنبي الله جل وعلا الذي لم يكن عنده أمر بقبلة محددة قبل الكعبة وقال قتادة: كان الناس يتوجهون إلى أي جهة شاءوا، بقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ثم أمرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم باستقبال بيت المقدس.

وقال ابن زيد: كانوا ينحون أن يصلوا إلى قبلة شاءوا، لأن المشارق والمغارب لله، وأنزل الله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هؤلاء يهود قد استقبلوا بيتا من بيوت الله- يعني بيت المقدس- فصلوا إليه» فصلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه بضعة عشر شهرا، فقالت اليهود: ما اهتدى لقبلته حتى هديناه، فكره النبي صلّى الله عليه وسلّم قولهم ورفع طرفه إلى السماء فأنزل الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ (1) [البقرة: 144].

نسخ عدة المتوفى عنها زوجها

قال الحق جل شأنه :

{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [البقرة:240]

يُدَّعَى نسخها بقوله تعالى:

{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [البقرة:234]

متاع الأرملة حق لها:

وهذه الدعوى مردودة جملة وتفصيلاً فآية متاع الحول تلت آية العدة ، وفي الأصل فلا علاقة بين الآيتين فواحدة حكم والثانية حق فكيف والنسخ لا يكون إلا حكماً بحكم .

يقول تعالى (وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) فجعل للرجل أن يوصي بأن تبقى أرملته في بيته بعد وفاته حولاً كاملاً فكانت تلك الوصية حق من حقوق الارملة في حين أن العدة فريضة عليها ، وهذا من مقاصد الشرع الحنيف فالنساء اللائي لديهن ذرية صغاراً أو كن لا أهل لهن ولا منزل سوى منزل الزوج فقد أعطاهن الله فسحة من الأمر حولاً كاملاً يحق لهن البقاء في منزل الزوج المتوفى حتى يجدن سبيلاً إما بزواج أو بشراء منزل ونحوه ، وهذا في سبيل الحفاظ على نساء المسلمين وصيانة حقوقهن وكرامتهن.

ولكن إن أرادت الأرملة غير ذلك وخرجت قبل تمام الحول فلا جناح عليها ولا على أولياء الزوج المتوفى فيما تفعل في نفسها فعل معروف سواء بزواج أو باستقلال في منزل تملكه.

عدة الأرملة فريضة عليها:

بينما نجد في آية العدة أمراً آخر تماما لا علاقة له بالمتاع فهو فرض على كل من توفى عنها زوجها ، لا خيار لها في ترك العدة ، يقول تعالى (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) فهنا يجب عليهن فريضة من الله فإن انقضى الأجل فلها حق استمرار المتاع في منزل المتوفى ولها أن تنزل منزلا غيره.

فلو انقضت عدتها وكان المنزل الذي تسكنه معروضاً للبيع ولها فيه ميراث ولها منزل لأهلها أو ملكاً لها فآثرت بعد العدة أن تنتقل لمنزلها او منزل أهلها حتى يتحقق تقسم الميراث فلها ذلك ولكن بعد انقضاء عدتها.

ولو انقضت عدتها (أربعة أشهر وعشراً) وأرادت أن تمكث في منزل الزوج ما يكمل الحول فلا يجوز إخراجها منه لقوله تعالى (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) غير إخراج ولم يقل غير خروج أي لا يجوز (إخراجها) من منزل الزوج.

ولو توفي رجل عن امرأة حامل فيقول تعالى {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } [الطلاق:4]فتنتهي عدة الحامل بوضعها ولكن يبقى لها إن كان توفي عنها زوجها بقية الحول ، وهذا من المقاصد العظيمة للشرع الحنيف فلولا أن لها التمتع في بيت المتوفى عنها حولاً كاملاً لا يجوز إخراجها لحق لأهل المتوفى اخراجها بعد الوضع مباشرة وهذا فيه ارهاق وجور على الوالدة وولدها ، فكان حول السكنى حق يمكن الأرملة والوالدة من المكوث في راحة وأمن حتى يحصل لهن سبيل يخرجن به من منزل المتوفى.

وهنا فقبل القول بالنسخ ينبغي أن نفقه المواضع الثلاثة ونميز بين (الحق) و(الفريضة) فلا ينبغي أن نخلط الشرائع والأوامر بلا تمييز وننسخ واحدة بما لا ينبغي أن ينسخها.

وهنا فالقول بالتناسخ بين هاتين الآيتين باطل غير متحقق لعدم التجانس بين الآيتين والله أعلم.

دعوى نسخ قيام الليل

قال الحق جل وعلا :

يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) {المزمل}

يُدَّعَى نسخها بقوله تعالى:

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20) {المزمل}

وهي دعوى مجانبةُ للصواب فالله تعالى لم يفترض على المؤمنينَ قيام الليل وبالتالي فلم ينسخ هذه الفريضة ، وسأسوق من الدلائل والحجج في ثنايا هذا التفصيل ما يثبت ذلك ويدرأ القول بالنسخ تماماً في هذا الموضع بصورةٍ بيِّنة واضحة لا لبسَ فيها.

أمر خاص للنبي صلى الله عليه وسلم :

إنَّ الأمرَ بقيامِ الليلِ مختصُّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ولا يشمل المؤمنين وإثبات ذلك فيما يلي :

أولاً: طبيعة الخطاب ، فالنداء موجهٌ حصراً للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله (يا أيها المزمل) ولم يتبعهُ توجيهٌ بفرضهِ على بقية المؤمنين كفرائض الله الأخرى التي وجه فيها النبي وأمره أن يأمر المؤمنين بمؤداها ، وهو مشابه لأمره في قوله يا أيها المدثر إذ كان الأمر كذلك مخصوص للنبي صلى الله عليه وسلم دون سواه.

ثانياً: اشتمل الأمر على علة قيام الليل ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) ، فكان نزول الوحي علة اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بقيام الليل وبهذه الصورة وهو القول الثقيل الذي سينزل على النبي في هذه الفريضة مما يؤكد اختصاص النبيّ بالأمر ، واشتداد الوطأة المقترنة باستقامة القول متعلقة بحالة (نزول الوحي) على النبي صلى الله عليه وسلم وما يرافقها من تعرّق ورجفة وحال قاسية تقع على النبي لثقل الوحي عليه ولا تتعلق بسواه.

ثالثاً : أن الأمرَ بالقيام لو كان شاملاً عَاماً على المسلمين لقام كل المسلمين اللّيل مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف عنه أحد ولكن تأسَّى به طائفة من المؤمنين فقط وليس كل المؤمنين (وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) فكيف يكون فرضاً ويتقاعس عنه المسلمين ؟؟ ولا يأتيه إلا طائفة من الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم ؟؟ ، والسورة عرفت بأنها مكية حيث كان أتباع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أشد أحوالهم اتباعاً له تنفيذاً لأوامره والوحي الذي أتى به.

رابعاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم حين توقف الناس عن قيام الليل معه لم يتركها لأنها فريضة عليه بقوله تعالى (قم الليل إلا قليلاً) وبقي عليها حتى قبض عليه صلوات الله وسلامه ، جاء في سنن أبي داود حدثنا مؤمل بن هشام حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن منصور بن عبد الرحمن عن أبي إسحق الهمداني عن الأسود بن يزيد أنه دخل على عائشة فسألها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل فقالت (كان يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل ثم إنه صلى إحدى عشرة ركعة وترك ركعتين ثم قبض صلى الله عليه وسلم حين قبض وهو يصلي من الليل تسع ركعات وكان آخر صلاته من الليل الوتر)

خامساً: هذه الفريضة التي اختص الله بها نبيه لم تكن كبقية الفرائض بل كانت ركعاتها و مدتها على سبيل التخيير (ثلثي الليل ، ونصفه ، وثلثه).

حقيقة الآية السادسة:

إن حقيقة الآية السادسة المدعى بأنها ناسخة لأمر القيام هي أن طائفة من الذين آمنوا بدأوا يتأسّون بالنبي صلى الله عليه وسلم فيقومون الليل معه فأراد الله بالأسلوب القرآني المهذب أن يبين لهم بأن هذا الأمر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وليس عاماً لبقية المسلمين (وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) ، ثم يقرر تعالى أنه لم يفترضها عليهم لعلمه بحالهم (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)أي علم بأحوالكم فاستثناكم ، ثم فصل في أحوال المسلمين التي لا يستطيعون فيها مجاراة النبي صلى الله عليه وسلم لما اختصه الله من طاقة تفوق بقية المؤمنين ووظيفة نبوية لا يشابهه فيها أحد (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).

وعِلْمُ اللهِ بِذلك لَم يكن بعد أن افترض القيام ثمَّ بدا له مشقة ذلك على المؤمنين بل كان علمه سابق لذلك وإنما أتى بها هنا ليبين سبب اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام وسقوطه كفريضة من البدء وليس عند نزول الآية السادسة.

القول بالنسخ في هذا الموضع مجازفة:

إن القول بأن الله افترض على الناس قيام الليل في أول السورة في حد ذاته مجازفة إذ أن الله تعالى يقول {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب:36] والقائمين  مع النبي صلى الله عليه وسلم طائفة محدودة من المسلمين وبقية المسلمين – حسب هذا الفهم – تخلفت عن إتيان هذه الفريضة وهذا يشي بالبطلان والخلل ، ثم أن القول بتراجع ونسخ الحكم مجازفة أعظم ومقولة أخطرفالآية المدعى أنها ناسخة تضمنت أحوالاً عديدة للمسلمين في قوله تعالى (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فالقول بالنسخ يوحي بأن الله رجع عن افتراض ذلك بعد ما علم بأحوال المسلمين فرأف بحالهم ورفع الحكم عنهم ونسخه لدواعي عديدة كالمرض وكسب الرزق والقتال وحاشا لله أن يكون ذلك ، ولكن الله علم بذلك من الأزل إنما أراد أن يبين للصحابة أنه اختص النبي بذلك الأمر واستثناكم أيها المؤمنين لما يكتنف حياتكم من أحوال وحاجات ونوازل ، وهذا أسلوب قرآني راقٍ ومهذب في تعريف الناس بمقاصد الشرع وأن الله يريد أن يخفف عنهم ويفترض عليهم ما يناسب طاقتهم ووسعهم.

ولكن هذا القيام بقي للناس نافلة (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على تبيان ذلك في أكثر من موضع.

وهنا يثبت بأن إتيان جمع من الصحابة لهذه الطاعة كان وقد نافلة سارع طائفة منهم لإتيانها ، وتركها آخرون لعلمهم بأنها دون الفريضة.

جاء في صحيح الإمام مسلم حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت قال احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيها قال فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته قال ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم قال فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة) وحدثني محمد بن حاتم حدثنا بهز حدثنا وهيب حدثنا موسى بن عقبة قال سمعت أبا النضر عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناس فذكر نحوه وزاد فيه ولو كتب عليكم ما قمتم به

فنرى كيف كانت مسارعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الخيرات وتتبعهم لمواقيت الصلوات ولكن النبي صلى الله عليه وسلم في مقام تشريع فكان موقفه من ذلك واضحاً حتى لا يفترض على أمته ما لم يفترضه الله عليهم ، وحتى لا يسيرون في ذلك حتى تصير فريضة عليهم ، فهذا ابن حبان في صحيحه في (حديث مرفوع) أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : أخبرنا أبو الربيع الزهراني ، قال : حدثنا يعقوب القمي ، قال : حدثنا عيسى بن جارية ، عن جابر بن عبد الله ، قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر ، فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد ، ورجونا أن يخرج إلينا ، فلم نزل فيه حتى أصبحنا ، ثم دخلنا فقلنا : يا رسول الله ، اجتمعنا في المسجد ، ورجونا أن تصلي بنا ، فقال : إني خشيت أو كرهت أن يكتب عليكم الوتر

اختصاص النبي الكريم بما يفوق طاقة أصحابه :

إن النبي صلى الله عليه وسلم قد اختصه الله في مقام النبوة بأقصى مما كلف به أتباعه ، فقد أعطي صلى الله عليه وآله وسلم ما يفوق قوة الرجال وإذا أوعك كانت وعكته شديدة بضعف ما يصيب الرجال.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطال حتى هممت بأمر سوء. قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه.

وعن المغيرة بن شعبة , قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تفطرت قدماه دما ، قالوا : يا رسول الله ، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر , قال : “ أفلا أكون عبدا شكورا ” ، حدثنا الحسين , قال : أخبرنا سفيان بإسناده ، إلا أنه قال : حتى تورمت قدماه .

فكان صلى الله عليه وآله وسلم يتميز عن الناس بمزيدٍ من القوة ومزيد من العبادة ، والوحي (القول الثقيل) الذي يتطلب تحمله قوة فائقة وتحملاً يفوق ما يحمله الرجال يقول تعالى : { لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [الحشر:21].

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يُوعَكُ فَمَسِسْتُهُ بِيَدِى فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ( أَجَلْ إِنِّى أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلاَنِ مِنْكُمْ ). قَالَ فَقُلْتُ ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ( أَجَلْ ). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إِلاَّ حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا ) متفق عليه

فاختص الله نبيه بقيام الليل بصورته التي أمره به في سورة المزمل بما يتفق رسالته ووظيفته الجليلة وهي الرسالة الربانية وما يتبعها من أحمال لا يقواها أي أحد ، لذلك لم تكن هذه العبادة تناسب أصحابه وطبيعة وظيفتهم الدنيوية وحاجاتهم اليومية.

تحول الخطاب في الآية:

إن الإدعاء بأن الأمر بالقيام موجه للمؤمنين في قوله تعالى ( قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) بخطاب فردي كان ينتظر أن يكون النسخ أيضاً بخطاب فردي ولكن الآية السادسة قررت علم الله بأن النبي أتى ما أُمِرَ به (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) ولكنه حين رفع الحرج عن الطائفة الذين مع النبي حول الخطاب لهم فقال جل من قائل (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فكان هذا التحول من التوجه للنبي إلى المؤمنين تبياناً جلياً بأنكم أيها المؤمنون غير معنيين بهذا الأمر لما علم الله من أحوالكم وما يلحقكم من مشقة ، ولو كان الخطاب الموجه للنبي في رأس السورة يعني بقية المؤمنين لكان النسخ على نفس الصيغة ليرفع ما فُرِض ، ولذلك لم يتوقف النبي صلى الله عليه وسلم عن القيام حتى قبض لأنه أمرٌ وفرضٌ مخصوص عليه غير متعلق ببقية المسلمين.

ملخصُ ردِّ شبهة النسخ في هذا الموضع:

أن الله تعالى اختص نبيه صلى الله عليه وسلم بالأمر بقيام الليل بصيغ وصفات محددة في سورة المزمل معللاً ذلك بتلقي الوحي الذي سيلقى إليه ، ثم أن طائفةٌ من أصحابهِ رضوان الله عليهم بدأوا يصلون معه قيام الليل فأراد الله أن ينبههم لخصوصية هذه الصلاة وأنها ليست مفروضة عليهم ولم تنزل في مبدأها عامة عليهم ، ذلك أنه جل جلاله علم أحوال الناس وما يحيط بهم من أحوال ومرض وطلبٍ للرزق وقتالٍ وغيره فنبّههم بأنهم غير مشمولين في أمر القيام مع النبي صلى الله عليه وسلم وأرشدهم لما يرفع الحرج عنهم.

أمَّا الصَّلوات المفروضة فخمسُ صلواتٍ لم يزدنَ ولم ينقصنْ ، ولم يحصل نسخ في هذا الموضع وقد علمَ اللهُ بأحوالِ الناسِ علماً سَابقاً لنزولِ السُّورة ولم يَظهر بَعد افتراض القيام – كما يزعم من يقول بذلك – وحَاشَا أنْ يتراجعِ اللهُ عنِ افتراضِ أمرٍ على عبادهِ فينسخَ أمْرَهُ البتَّة ، وإنما كانت الآية تبياناً موجهاً للطائفة الذين اعتادوا صلاة الليل خلف النبي خشية أن تفرض على المسلمين عامة.

دعوى النسخ في آيتي المصابرة

يقول الحق جلَّ وعلا:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّ‌ضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُ‌ونَ صَابِرُ‌ونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُ‌وا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ} [الأنفال65]

يُدَّعَى نسخها بقوله تعالى:

{الْآنَ خَفَّفَ اللَّـهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَ‌ةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِ‌ينَ} [الأنفال:66]

إن المصابرة في الآية الأولى إنما كانت على سبيل التأييد الرباني وليست فرضاً أو حكماً ، فكان مضمون الآية يؤآزر المؤمنين بتأييد الله لهم بقوة إيمانهم وعزيمتهم وكذلك بسبب ضعف عدوهم وأنهم لا يفقهون ، فكان العشرة الصابرة يغلبوا مائة ، والمئتين من المقاتلين الصابرين يغلبوا ألفين بنسبة ثابتة طالما كان الإيمان في درجته تلك والصبر حاضر في اللقاء.

ولم تشتمل الآية على أمر أو نهي بل اشتملت على بيان لقياس قوة المؤمنين بثقتهم بربهم وإيمانهم بسمو هدفهم مقارنة بِخَوَرِ المشركين وضعفهم لضياع عقيدتهم لأنهم لا يفقهون ما هم عليه من الشرك والكفر.

ثم إنه جل وعلا عندما ضَعُفَ المسلمين وقل إيمانهم ، ودخل خلالهم من حدثاء الإسلام ضعفاء الإيمان ما أضعفهم فقد قلت قوتهم وغابت شوكتهم الأولى فأصبح المائة يغلبوا مئتين ، والألف يغلبوا ألفين بإذن الله.

خصوصية السياق والتوقيت:

اشتمل القرآن الكريم في مواضع كثيرة منه على أحوال خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته فكان واقعها مقيداً خاصاً  وليس مطلقاً عاماً  ، وكذلك أحوال ووقائع كثيرة غير هذه الحالة ، فلا يمكن أن يقال أن  عقوبة التخلف عن القتال في سبيل الله منسوخة بقصة الثلاثة الذين خلفوا كعب وأصحابه فهذه واقعة مقيدة مخصوصة وإلا فسننسخ جلّ كتاب الله وما توسع القائلون بالنسخ إلا لعدم مراعاة هذا الأمر .

وفي هذه الآيات الكريمة نجد التقييد والتخصيص فقد بالنداء والأمر بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) ثم يلي النداء مقتضى الأمر(حَرِّ‌ضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ) وهو التحريض ولكن بأي شئ؟ ، بما اختصه لهم من غلبة وتأييد لما علمه من استقرار الإيمان وقوته في نفوسهم (إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُ‌ونَ صَابِرُ‌ونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُ‌وا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ) فيقرر تعالى أن القتال مع الصبر يؤدي لغلبة العشرين للمئتين من الذين كفروا بعاملين أولهما درجة إيمان المقاتلين وثانيها ان أعدائهم لم يفقهوا ماهم عليه من الضلال وما أتاهم من الهدى ، فلم يكن قتالهم بعقيدة وإيمان بما هم عليه من العمل ، ولو كانوا يفقهون لما التزموا الكفر وتركوا الإيمان.

العدد والقوة تتبع قوة الإيمان:

أرشدتنا الآية الكريمة الثانية أن سر تراجع قوة المسلمين يعود للضعف الذي اعتراهم فكانت رسالة لنا ولكل المؤمنين في كل زمان ومكان أن من يحمل كإيمان المسلمين الأوائل فسيكون في نفس قوتهم ومقاومتهم لعدوهم فيغلب الواحد عشرة ، وكلما دب الضعف فيهم ودخل الشك نفوسهم وتراجع الإيمان فستتراجع معه القوة والغلبة .

واليوم وفي عصرنا هذا هل نصل لما وصل إليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الضعف بأن ألفاً من المسلمين يغلبوا ألفين من الكفار عند اللقاء ؟؟ قطعاً لا ، فلو مررنا بنظرة سريعة على قتال الأعداء هنا وهناك لسقنا مئات الأمثلة التي يكون المسلمين فيها أضعاف عدوهم ومع ذلك يغلبون ويشردون ويقتلون وتؤخذ اسلحتهم من بين أيديهم.

فالمقصود أن الإيمان بالله وقوته تتناسب طردياً مع القوة إذا تناسب العتاد وكان المقاتلين على قلب رجل واحد ، ولم تشتمل هاتين الآيتين الكريمتين على حكم شرعي حتى يقال هذا نسخ ذاك.

والله أعلى وأعلم.

دعوى أن حكم تحريم الخمر نسخ لحكم سبقه

يقول جل شأنه : {وَمِن ثَمَرَ‌اتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرً‌ا وَرِ‌زْقًا حَسَنًا} [النحل:67]

يَقُولُ تَعَالَتْ ذَاتُه :{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ‌ وَالْمَيْسِرِ‌ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ‌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ‌ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة:219]

ويقولُ جََلّ وعَلا : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَ‌بُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَ‌ىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43]

مدَّعى نَسخَها بِقَوله تَعَالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ‌ وَالْمَيْسِرُ‌ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِ‌جْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٩٠﴾ إِنَّمَا يُرِ‌يدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ‌ وَالْمَيْسِرِ‌ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ‌ اللَّـهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [المائدة:90-91]

النسخ يلزم التعارض:

لاشك أن النسخ هو إبطال حكم منصوص بنصٍّ جديد ، ولكي نتوصل لحقيقة النسخ في الآيات الكريمة الخاصة بتحريم الخمر لابد أن نجد نصاً يفيد بحليَّة الخمر حتى نقول أن حكم الحليّة نُسِخَ بحكم التحريم ، وسنستعرض الآيات المدعى إنها منسوخة لنتحقق من أن الخمر قد أحله الله في هذه الآيات ثم نسخ الحكم وحرمه في آية المائدة ، وسنتتبع كل الآيات الكريمة التي تناولت مسألة الخمر ، وسنتتبع مسألة التحليل والتحريم في كتاب الله لنصل لحقيقة النسخ في هذه الآيات المباركات من عدمه.

الخمر محرمة قبل صراحة التحريم :

ينبغي قبل أن نثبت أن الله لم يحكم بحليّة الخمر في كتابه ثم ينسخ حكمه ويحلله ، ينبغي أن نثبت أن الخمر سبق تحريمها من عدة وجوه قبل آية التحريم الصريحة :

أولاً: أن الخمر حرمها الله في كل شرائعه السابقة للإسلام ، ورأينا فيما سبق كيف أن نبينا صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة متبعاً لشريعة أخيه موسى عليه السلام حتى أنزل الله قرآنا ينسخ قبلة أهل الكتاب بالكعبة المشرفة وعليه فإن الخمر لم يحلها الله أبداً قبل الإسلام فكيف يدعى أنها أحلت في الإسلام ؟؟ ، والقاعدة تقول أن شرع من قبلنا شرع لنا مالم يرد نص ينسخه.

فحرمة المحرمات في الديانات السماوية المتعاقبة سارية مالم يرد نص ينسخ الحرمة السارية ، ولذلك فقد صرح عيسى عليه السلام بأنه سيضع عن بني إسرائيل بعض ما حملوا ويحل لهم بعض الذي حرم عليهم يقول تعالى:

{ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } [آل عمران:50]

فلا ينبغي لهم أن يحلوا أو يحرموا من عند أنفسهم إلا بنص شرعي ، والخمر شرعاً محرمة قبل الإسلام فلزم أن تبقى الحرمة سارية لحين نزول نص يحلها.

وبالتالي فإن القائلين بالنسخ يلزمهم اثبات وجود نص يحل الخمر لأنها حرامٌ أصلاً وهذا ما لا يتأتَّى أبداً.

ثانياً : أن الخمر (من الخبائث) ، فإن أتينا لحكم الخمر العام فهومحرم ابتداءً لقول الله جل وعلا :{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [الأعراف:157]

وهذه الآية وردت في سورة الأعراف التي تحتل المرتبة (39) في تاريخ النزول أي قبل كل السور التي اشتملت على ذكر الخمر (النحل ، النساء ، البقرة ، المائدة) وتضمنت هذه الآية نقطتين ما يحسن لفت الانتباه له:

  • دخول الخمر في المنكر والخبائث أمر مقطوع به وهذا يعني تحريم مسبق للخمر ضمن الخبائث التي أتى صلى الله عليه وسلم لتحريمها.
  • أن الأحكام الشرعية السابقة سارية ما لم يرد نص بتحريمها لذلك كانت شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم امتداداً لما قبلها فتثبت بعضاً من الأحكام وتنسخ أخرى ، فكون الخمر محرمة في مسبقاً في شريعة الله التي افترضها على اليهود والنصارى يعني استمرار حرمتها في شرع نبينا صلى الله عليه وسلم وإلا فينبغي إثبات تحليل الخمر بعد البعثة ثم نقول أنها حرمت بنسخ حكم سابق.

صيغة التحليل في النص القرآني:

إن ما سبق تحريمه في الديانات والشرائع السابقة لا نجد له سبيلاً لتحليله في كتاب الله إلا بأن يسبقه ما يفيد التحليل فنجده تعالى يسبق الحلال بقوله (أحل لكم ، أحل الله ، أحلل) كقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } [المائدة:87] فضلا عن ما تضمنته الآية بأن التحليل يكون للطيبات فقط ويمتنع على الخبائث.

التحريم مثبت في آيات ذكر الخمر:

لقد علم الله تعالى ثقل الفجأة في الأحكام فلم يصرح في التنزيل الحكيم بالتحريم ولكنه عرَّض به على مستويات عدة بدأت بالتلميح حتى وصلت إلى مرحلة التحريم التام والصريح وفي كل مستوى من مستويات التحريم كان هناك من الصحابة من يمتنع ويترك الخمر بما فقهه من آيات، فآية الأعراف السالفة الذكر كانت أول المستويات للتحريم  (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) فهذا أول مستويات التحريم لكل الخبائث ولذلك فإنه يتضمن يتضمن حرمة مستترة للخمر.

وفي سورة النحل (وَمِن ثَمَرَ‌اتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرً‌ا وَرِ‌زْقًا حَسَنًا) ولم تشتمل هذه الآية على أي صورة من صور تحليل الخمر بل كان يصف حال الناس في اتخاذهم للرزق الطيب فسماه (رزقاً حسنا) ووصف اتخاذهم للسكر من ثمرات النخيل والأعناب ، وهذا حق إلى اليوم لم ينتفي ولم يتوقف ، وكان يصف الرزق (بالحَسَنْ) مما يبين أن السكر ليس بحسن ، وهذه الآية لا تعد من آيات الأحكام حتى يستنبط منها حكم أصلاً.

وفي سورة البقرة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ‌ وَالْمَيْسِرِ‌ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ‌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ‌ مِن نَّفْعِهِمَا) فهل نقول أن هذه الآية منسوخة ؟؟ لا طبعاً ، فالخمر فيها منافع للناس في تحصيل اثمانها والاستفادة من المحاصيل التالفة وبيعها وشراءها عموماً ، ولكن الله تعالى قدم الإثم ، وعظَّمهُ قبل أن يأتي على ذكر المنفعة فقال تعالى (فيهما إثم كبير) وهذه حرمة ظاهرة بعد الحرمة المستترة

ثم ما جاء في سورة النساء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَ‌بُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَ‌ىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) وهذا حكم سارٍ حتى الآن ، فالخمر محرمة ولكن هل تقبل صلاة شارب الخمر إن صلى غير سكران ؟؟ ، لا شك أن شرب الخمر لا ينفي امتناع قبول الصلاة سائر اليوم بل وقت السكر فقط ، وهذا حكم سارٍ لم ينتهي بالتصريح بالحرمة التامة.

ثم إن هذه الآية درجة أعلى وأظهر من درجات التحريم ، ولو لم ينزل إلا هي لكفت للتحريم التام للخمر لما تتسبب فيه من حجب للمؤمن عن الاتصال بربه حال شربه لها فهذا دليل خبثها لمن في قلبه ذرة شك أو حب لها.

دليل انتفاء التحريم بعد تحليل:

قال القرطبي رحمه الله:

(وإنما نزل تحريم الخمر في سنة ثلاث بعد وقعة أُحُدٍ… وقال ما نصه: وتحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة، فإنهم كانوا مُولَعين بشربِها، وأول ما نزل في شأنها: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾ [البقرة: 219]؛ أي: في تجارتِهم، فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس، وقالوا: نأخذ منفعتَها ونترك إثمها، فنزلت هذه الآية: ﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ [النساء: 43]، فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشرِبَها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 90، 91]، فصارت حرامًا عليهم حتى صار يقول بعضهم: ما حرَّم الله شيئًا أشد من الخمرِ).

ومما سبق ينتفي تماما أي قول بتحليل الخمر في الإسلام ، فقد كان التشريع تحريماً من أوله لآخره ، وينتفي معه أي قول بالنسخ لأن القول بالنسخ يلزم وجود حليّة نسختها حرمة ، والحليَّة لم تكن لا في شرع الأمم السابقة ، ولا بعدها في  شريعة النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يكون الأمر نسخاً ؟ .

فينتفي القول بالنسخ تماماً في مسألة تحريم الخمر، وعلى من يريد إثبات النسخ أن يثبت أن الخمر أخذ حكم الحليّة وهذا ممتنع تماماً عدا أن القول بالتدرج في التحريم يتعارض مع القول بالنسخ أصلاً ، وكل علماء السلف يقولون بالتدرج في التحريم فكيف نجمع بين القول بالتدرج في التحريم وبين النسخ؟.

وكل من قال أن الخمر كانت مباحة أول الإسلام فقد افترى على الله الكذب ولزمه الدليل على تحلة الخمر قبل تحريمه

دعوى نسخ الآية (284) من سورة البقرة

قال تعالى :

{ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة:284]

مدَّعى بأنها نسخت بقوله تعالى:

{ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } [البقرة:286]

الاضطراب دليل الخلل فهل هي منسوخة أم محكمة ؟ :

وهذا مما نصرخ به دوما بأن نسبة القول بالنسخ للصحابي لا تعني أنه صدر منه هذا القول فعلاً ، وأننا ينبغي أن نجعل استقامة القول واتساقه مرجعا فإن التسليم بصحة الروايات بلا تفكير ولا تدبر جعل المنقول المقدم على المعقول مصدراً لإشكالات لم يصمد النسخ امامها فكان باطلاً بيِّن البطلان :

قرر القرطبي رحمه الله وجود خمسة اختلافات بقوله (اختلف الناس في معنى قوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله على أقوال خمسة)

وأورد في القول الأول أنها نسخت بقوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وهو قول جماعة من الصحابة منهم (ابن عباس) رضي الله عنه ، فقال رحمه الله:

“( الأول ) أنها منسوخة ، قاله ابن عباس وابن مسعود وعائشة وأبو هريرة والشعبي وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وموسى بن عبيدة وجماعة من الصحابة والتابعين ، وأنه بقي هذا التكليف حولا حتى أنزل الله الفرج بقوله : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها . وهو قول ابن مسعود وعائشة وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وغيرهم . وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : لما نزلت وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله قال : دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا قال : فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال : ( قد فعلت ) ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا قال : ( قد فعلت ) ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين قال : ( قد فعلت ) : في رواية فلما فعلوا ذلك نسخها الله ثم أنزل تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وسيأتي” .انتهى كلامه

ثم قرر في القول الثاني أن ابن عباس قال أنها محكمة مخصوصة بالشهادة :

“( الثاني ) قال ابن عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد : إنها محكمة مخصوصة ، وهي في معنى الشهادة التي نهى عن كتمها ، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي ما في نفسه محاسب .” انتهى كلامه

وفي القول الرابع يقول الطبري رحمه الله بأن ابن عباس قال (لم تنسخ) وأنها محكمة عامة :

“( الرابع ) أنها محكمة عامة غير منسوخة ، والله محاسب خلقه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في نفوسهم وأضمروه ونووه وأرادوه ، فيغفر للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنفاق ، ذكره الطبري عن قوم ، وأدخل عن ابن عباس ما يشبه هذا . روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال : لم تنسخ ، ولكن إذا جمع الله الخلائق يقول : ( إني أخبركم بما أكننتم في أنفسكم ) فأما المؤمنون فيخبرهم ثم يغفر لهم ، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب”انتهى كلامه

وبذلك لزم أن يتبع هذا الاضطراب البيّن كذبٌ في أكثر من موضع والأظهر أن الكذب كان في موضع تقرير النسخ كما اعتدنا.

النسخ يقتضي الإبطال:

تكرر معنا أن النسخ يقتضي الإبطال ، والآن نحن أمام صورة فريدة من صور النسخ المزعوم ، فالنسخ لم يطال الآية بكاملها بل طال جزءاً منها وهو قوله تعالى (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) وأما الباقي فلم يقع فيه نسخ -على حد زعمهم- فقوله تعالى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) من الثوابت التي يقتضي القول بنسخها الكفر البواح ، وكذلك قوله تعالى (وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فمن يقول بان هذا القول منسوخ كافر بلا شك.

ولذلك نجد أن القول بنسخ جزء من آية بدون قول صحيح ثابت  أو تقرير من معصوم مجازفة أخرى تجزِّئ السياق وتجعل قوله تعالى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) نسخاً لذلك الجزء برغم أنه متعلق بالتكاليف والعبادات المقررة بالجوارح فما دخل النوايا والاعتقاد حتى تلغيه وتنسخه ؟؟.

ومن المهم القول بأن النسخ بهذه الصورة يتعارض مع مفهوم القائلين بالنسخ بقوله تعالى (ما ننسخ من آية) لأن النسخ وقع على جزء من آية ولم ينسخ الآية كاملة وهذا من دلائل بطلان النسخ ايضاً.

حقائق  متصلة تقررها الآيات الكريمة :

بعد أن اثبتنا انتفاء النسخ وتناقض الأقوال المنسوبة لابن عباس وأنه لا ينبغي أن يقع في هذا الموضع كما أنه لا ينبغي أن يقع على سواه في كتاب الله سنتتبع موضع هذه الآية في السياق الذي تضمنته الآيات الثلاث في سورة البقرة لنعلم مقدماً بأن النسخ لا يجوز عليها أصلا.

إن الآيات الثلاث في ختام سورة البقرة اتت على ثلاث حقائق أصولية مترابطة في عقيدة الإسلام كل آية قررت حقيقة من الحقائق الثلاث وكل منها ملازمة لما جاورها :

الحقيقة الأولى : أن العبرة عند الله بما استقر في نفس العبد من اعتقاد ونية ، وأن مبدأ الإيمان من دواخل النفس التي يعلمها الله وحده ، فمن ادعى أنه من أهل الإيمان وكانت نفسه ترفض الإيمان وتبطن النفاق والبغض وأصبح يظهر مالا يبطن فإن الله سيحاسبه على عقيدته وهذا لازم من لوازم الإعتقاد لا يجوز نسخه بل لا سبيل إلى إلغاءه أو تعطيله لأنه هو أسُّ العمل ومزرعته ، وقد قرره صلى الله عليه وسلم في حديث عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في الحديث المتفق على صحته قال قال صلى الله عليه وسلم : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) وهذا ما يواطئ الآية الكريمة ويتساوى معها في المعنى ، ونسخ هذه الآية يجب ان ينسخ معه الحديث أيضاً.

فهو جل جلاله يخبرنا أولاً بإحاطته بكل شئ (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) وانه يملك الكون كله ، ثم يقرر علمه بملكه ومافيه من غيب وشهادة (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) ولما كان الإيمان محله القلب وهذا متسق مع كل المواضع المشابهة ومستقيم معها تماما ، ومثل أولئك الذين يظهرون مالا يخفون من قال تعالى فيه (يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ) فهل مثل هذا مقطوع له بالغفران  لقاء ما أضمره في قلبه من خصام ونفاقه وسوء طويته ؟؟ ، بل هو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ، ولكن الاعتبار بما تضمره الأنفس وليس على ظواهر الأفعال.

وهذا الموضع في قوله تعالى (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) يشابه ما في قوله تعالى { وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } [هود:108] ، فمشيئة الله مطلقة لا يقيدها شئ أبداً لذلك فهو تعالى إن شاء أخرج أهل الجنة منها وجعل بقائهم في الجنة مرهوناً بمشيئة الله تعالى ، حتى مع تقرير خلود أهل الجنة فيها تبقى مشيئة الله فوق كل حال.

الحقيقة الثانية :

قررتها الآية التي تليها (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)  فبعد تهيئة الأنفس بأن ما يستقر فيها هو رأس الأمر في الحساب والثواب والعقاب قرر تعالى ما يجب الإيمان به وتجري المحاسبة عليه في سياق متصل ببعضه البعض ، فلو أن عبداً قال (سمعنا وأطعنا) بجارحة اللسان ولم يستقر في قلبه ما آمن به الرسول ومن تبعه من اصحابه وما اعتقدوه من عقائد في هذه الآية فإنه محاسب بما أخفى وليس بما أظهر ، لأن ما اخفاه محبط للعمل لا تقبل معه طاعة يقول تعالى (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .

والله وحده يعلم حقائق الأمور فيأتي المؤمنون يوم القيامة  فيكتشفون أن أعمال من ظنوا أنهم إخوان لهم قد حبطت لأن أعمالهم شكلية ولم يستقر معها إيمان :

{ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ } [المائدة:53]

فعمل الجوارح الذي لا يتبعه إيمان راسخ في النفس سيحبط كما وقع للمنافقين الذين انطبقت عليهم (الحقيقة الأولى) فيجري حسابهم بما يخفون من الاعتقاد فإن أخفوا الكفر فإن أعمال الظاهر محبطة لا قيمة لها:

{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ (25) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29)} محمد

كرهوا رضوانه ، والكره عمل قلبي ،و إسرارهم عمل قلبي ، ومرض القلب لا يعلمه إلا الله ولكنهم ظنوا أن الله لا يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فأِمنوا بما يخفون من الكفر والله بما يعملون محيط.

الحقيقة الثالثة :

قررتها الآية الأخيرة في سورة البقرة وهي متعلقة بعمل الجوارح والعبادات ، فما كانت الحقيقة الأولى أن المحاسبة مبنية على مافي النفوس ، والحقيقة الثانية أن الإيمان بأركانه المقررة هو ما يجب ان يستقر قبل العمل فإن الحقيقة الثالثة تقرر أن الله افترض من العبادات ما يطيقه ابن آدم ولم يضع عليهم من الشرائع والعبادات والتكاليف الشرعية ما يخرج عن الوسع والطاقة (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) ويقرر ان ميزان الاعمال يستوعب المكتسبات من الأجور على العمل الصالح ، والمكتسبات من الآثام على العمل الفاسد وعلى ترك أداء تلك التكاليف ، ثم يرشد المؤمنين للتضرع لله بالقول (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) فقرر تعالى الابتداء بالعفو عن العقوبات المقررة ، ثم المغفرة للذنوب المدونة ، ثم الرحمة بدخول الجنة ضمن مبدا التخلية قبل التحلية فلا جنة بلا رحمة الله ، ولا رحمة بلا غفران للذنوب.

وهكذا فإن الآيات الثلاث ضمن سياق متصل تقرر مسألة عقدية هامة للغاية بشأن موقف الشارع الحكيم من الاعتقاد والعمل والعلاقة بينها.

آيةُ السّيف ودعوى أنّها نسخت قرآناً  كثيراً

{ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [التوبة:5]

سيكون منهج العرض والاستدلال في هذا الموضع مغايراً لما درجنا عليه في الآيات والمواضع السابقة ، فبعد الانتهاء من هذا التقديم سننطلق لنأخذ المدعى نسخُهُ آيةً آية ونعرض أقوال العلماء الكرام فيها والقائلون بنسخها و نشهد بأعيننا التضارب في القول بالنسخ وعدمه وكأنه مما يسوغ فيه الخلاف، وليس كلام الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فيسوغ عند الكثير أن يقول : قال جمع من المفسرين بنسخها .. الخ هكذا بلا قول نبوي ثابت مجرد آراء يدحض بعضها بعضا،فيثبت النسخ وينقض النسخ بدون أن تتحرك حاسة الخشية والرهبة من التأرجح في موضع لا يصح ولا يجوز فيه التأرجح.

ولأنَّ القول بالنسخ باطلٌ وفريةٌ ممجوجة فسوف ننظر كيف أنَّ القول بالنسخ هنا كمن أراد أن يشعل ناراً يتدفأ بها فإذا به يحرق منزله ومنازل جيرانه ، فمن أبطل بهواه إحدى الآيات بدون دليل فقد فتح الباب لعشرات أن يتوغلون في كتاب الله فيحرقون ويبطلون ما يشاءون ثم يقال ( قال فلان منسوخة ، وقال فلان ليست منسوخة ) بكل بساطة بلا دليل ثابت صحيح معتبر ولا حتى قرينة مقبولة.

ومن نتائج هذا القول وبالنظر للآيات التي ابطلتها آية السيف -زعما- منها ما يستشهد به على أحكام معاملة المخالف والعدل والإحسان إليه والبر تجاهه فكيف نجمع بين هذه القيم التي نرددها في المحاضرات والخطب وبين كونها منسوخة معطلة الحكم ؟؟.

أليس من التناقض أن نصنف المصنفات ونؤلف المؤلفات في الذب عن شريعتنا السمحاء و ندفع الشبهات التي نستعيب منها ونحن في مكان آخر نثبتها وندافع عنها كقواعد أصولية مقدسة ؟؟.

ألا ينبئ القول عن نفسه ويظهر الحق ذاته ويفضح الباطل سوأته حين يظهر التناقض بين مبدأ الإحسان والرحمة في موضع الرحمة ، والعفو والصفح في موضعه والقوة والحزم في موضعها – من جهة- ونقولنا التي نسخت كل تلك القيم وزعمت تعطيلها وإبطالها؟.

وفي هذا الموضع سنشهد إحدى منعطفات الفقه والفكر الاسلامي فالنسخ من إحدى الويلات والكوارث التي جرها على المسلمين هو إدعاء نسخ التالي من الآيات فالخوارج والدواعش والضُّلَّال من المنتسبين لأمة محمد أجروا دِماء الأبرياء أنهاراً تحت هذا العنوان وهو النَّسخ  وسنثبت ذلك فيما يلي إن شاء الله، وأول ما نقرره هنا أن تسميتها بآية السيف لا يعرف له أصلاً فلم يسمها النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الإسم ولنبدأ في استعراض فرية نسخ قرآن كثير بما يسمى آية السيف :

يُدَّعى أن آية السيف نسخت مَا يلي :

{ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [البقرة:256]

جاء فيما ذكره ابن كثير رحمه الله:

وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية . وقال آخرون : بل هي منسوخة بآية القتال وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام ، فإن أبى أحد منهم الدخول فيه ولم ينقد له أو يبذل الجزية ، قوتل حتى يقتل . وهذا معنى الإكراه قال الله تعالى : ( ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون ) [ الفتح : 16 ] وقال تعالى : ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) [ التحريم : 9 ] وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ) [ التوبة : 123 ] وفي الصحيح : ” عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل ” يعني : الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة .

أما القرطبي رحمه الله فمن بين ما عرضه من أقوال :

قيل إنها منسوخة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالإسلام ، قاله سليمان بن موسى ، قال : نسختها يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين . وروي هذا عن ابن مسعود وكثير من المفسرين .

التعليق على الأقوال في هذا الموضع :

لا شك أن إبطال هذه الآية العظيمة يتبعه لوازم خطيرة :

أولاً : مشروعية ووجوب إجبار الكافر على اعتناق الإسلام رغماً عنه لأن الإكراه لم يعد منفياً بل يجب أن ترغم الكافر على الدخول في الإسلام بحد السيف فإن أبى فلك أن تضرب عنقه.

ثانيا :بذلك لم تعد الإرادة الحرة والأمانة التي حملها الإنسان والمشيئة التي يحاسب العبد بها ، لم تعد ذات أهمية ولم يعد لها هدف فالمهم أن نجمع أكبر عدد من المسلمين سواء كان إسلامهم إيماناً صادقاً بالله تعالى أو كان استسلاماً لواقع السيف ومنطق الجبر والتهديد.

ثالثاً :إن الله جل في علاه غني عنا وعن عبادتنا ، فإن كان المؤمن يشفق أن لا تقبل له طاعة إن شك في وجود دَخَلٍ من رياءٍ أو شرك ، ويرتعد من ضياع أجره وإحباط عمله بخلل في نية الإفضاء للعمل فكيف تصبح صلاة المكره بالسيف مقبولة ، و مالفائدة إن كان استسلامه باباً لدخول جهنم ؟؟.

‏لا شك أن القول بالإكراه في هذا الموضوع قول الباطل فإن الله سبحانه وتعالى كان قد خلق الخلق وجعل الاختيار أمانة وجعل ‏العمل مناط ‏بذلك الاختيار، فلا قبول بلا نية ولا ثواب بلا رغبة وتوجه ، وكما رخّص تعالى للمكره على الكفر فقد أحبط في المقابل عمل المنافق لأن المكره قلبه مطمئن بالايمان ، أما المرائي والمنافق فقلبه عامر بالكفر.

وهنا نجد التناقض واضحاً بيِّناً ، ولعلنا نستعرض أقوال العلماء رحمهم الله في أهمية النية وملازمتها للعمل الصالح وفساد العمل بدونها وأول قول يسبق اقول العلماء هو قوله صلى الله عليه وسلم : عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنما الأعمال بالنيّات ، وإنما لكل امريء مانوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ) رواه البخاري ومسلم في صحيحهما .

فحصر وقصر قبول العمل بالنية وهي لا تتوفر بكل تاكيد للمكره على الدين ، يقول ابن العربي: «لما سمح الله بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به، ولا يترتب حكم عليه، وعليه جاء الأثر المشهور عند الفقهاء: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»؛ ولا شك أن فروع الشريعة أقوال وأفعال.

فكيف يؤخذ العهد من المكره ويباح نقض العهد إكراها للمسلم ؟؟ ، يقول ابن قدامة : فرق الفقهاء في ذلك بين الرجل والمرأة، فإذا كان الإكراه واقعًا على المرأة، وذلك بأن أكرهت على الزنا ولم تستطع دفعه عنها فمكنت نفسها خشية وقوع الضرر بها، فالمشهور عند جماهير الفقهاء أنه لا يجب عليها بذلك الحد[47]. واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: ٣٣]؛ ووجه الاستدلال أن الآية تنفي الإثم على المستكرهة، وإذا انتفى الإثم تمام الانتفاء ارتفع الحد.

قال ابن جزي رحمه الله في التسهيل :” (لا إكراه في الدين) المعنى : أن دين الإسلام في غاية الوضوح وظهور البراهين على صحته ، بحيث لا يحتاج أن يكره أحد على الدخول فيه بل يدخل فيه كل ذي عقل سليم من تلقاء نفسه ، دون إكراه ويدل على ذلك قوله : (قد تبين الرشد من الغي) أي قد تبين أن الإسلام رشد وأن الكفر غي ، فلا يفتقر بعد بيانه إلى إكراه “

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾  قال ابن عاشور: ” وَنَفْيُ الْإِكْرَاهِ خَبَرٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ أَسْبَابِ الْإِكْرَاهِ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ، أَيْ لَا تُكْرِهُوا أَحَدًا عَلَى إتباع الْإِسْلَامِ قَسرا، وَجِيءَ بِنَفْيِ الْجِنْسِ لِقَصْدِ الْعُمُومِ نَصًّا، وهِيَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى إِبْطَالِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الدِّينِ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ“. انتهى كلامه

فالإسلام تحت الجبر والإكراه لا يحققه وقلبه متشرب للكفر كما أن الكفر تحت الجبر والإكراه لا يحققه والقلب مطمئن بالإيمان.

وبالتالي فالقول بنسخ هذه الآية باطل وحكمها باقٍ مستقر لم يبطله شيء وهو كغيره من الأحكام التي قيل بنسخها وهي لم تنسخ ، ويخشى على القائلين بالنسخ في هذا الموضع والقائلين به جملة بالافتئات على الله وتحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله إن هم أصروا على هذا القول والله الهادي على سواء السبيل.

{ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } [الكهف:29]

دعوى نسخ آية السيف لقوله تعالى:

{ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال:61]

سنختار ما جاء عند شيخ المفسرين رحمه الله تعالى في هذه الآية لأنه يحيط بأكثر وأوثق ما قيل فيها.

وقبل عرض تفسير ابن جرير رحمه الله فسوف نقسم قوله إلى قسمين ، الأول ما نقله من القول بالنسخ ، والقسم الثاني ما نقله من القول بنفي النسخ عن الآية.

  • الأقوال المثبتة للنسخ:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وإن جنحوا للسلم) قال: للصلح، ونسخها قوله:  فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [سورة التوبة: 5]

حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (وإن جنحوا للسلم)، إلى الصلح=(فاجنح لها)، قال: وكانت هذه قبل ” براءة “, وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يوادع القوم إلى أجل, فإما أن يسلموا، وإما أن يقاتلهم, ثم نسخ ذلك بعد في ” براءة ” فقال:  فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ  ، وقال: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ، [سورة التوبة: 36]، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده, وأمره بقتالهم حتى يقولوا ” لا إله إلا الله ” ويسلموا,  وأن لا يقبلَ منهم إلا ذلك. وكلُّ عهد كان في هذه السورة وفي غيرها, وكل صلح يصالح به المسلمون المشركين يتوادعون به، فإن ” براءة ” جاءت بنسخ  ذلك, فأمر بقتالهم على كل حال حتى يقولوا: ” لا إله إلا الله “.

حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يحيى بن واضح, عن الحسين, عن يزيد, عن عكرمة والحسن البصري قالا ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لهانسختها الآية التي في ” براءة “قوله:  (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ، إلى قوله: وَهُمْ صَاغِرُونَ) [سورة التوبة: 29]

ونقل ابن جرير رحمه الله من سيرة ابن هشام جاء : حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق,(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، أي: إن دعوك إلى السلم =إلى الإسلام= فصالحهم عليه.

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، قال: فصالحهم. قال: وهذا قد نسخه الجهاد.

  • الأقوال النافية للنسخ:

حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، يقول: وإن أرادوا الصلح فأرده.

قال أبو جعفر: فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله، من أن هذه الآية منسوخة, فقولٌ لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل ، وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه. فأما ما كان بخلاف ذلك، فغير كائنٍ ناسخا. انتهى كلامه.

وقول الله في براءة: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، غير نافٍ حكمُه حكمَ قوله.(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، لأن قوله: (وإن جنحوا للسلم)، إنما عني به بنو قريظة, وكانوا يهودًا أهلَ كتاب, وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحربَ على أخذ الجزية منهم.

وأما قوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) فإنما عُني به مشركو العرب من عبدة الأوثان، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم. فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى, بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنـزلت فيه.

حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وإن جنحوا للسلم)، قال: قريظة.

بين الإثبات والإبطال:

أوردنا بعض صور التعارض المتوافرة عند مفسر واحد ، للاستزادة يمكن الرجوع لحجة ابن عاشور رحمه الله بنفي النسخ ،أو قول البغوي بإثبات النسخ ما يعكس الخلاف بين المبطلين والمثبتين.

وهذا المثال يكرس المفهوم الذي سبق أن قدمنا له بأن النسخ بلغ حداً من البطلان أن الفقهاء والأئمة المؤمنين به يبطلونه في موضع ويثبتونه في آخر ، ولكن أبسط قواعد العدل في التعامل مع كتاب الله أن نقدم نفي النسخ عندما يحصل الخلاف فعلى أقل تقدير فإننا بحاجة رفع كلام الله وتنزيهه عن هذه الخلافات فالأصل في قول الله الثبات ونفيه وإبطاله بدون دليل افتئات على الله واعتداء على كلامه وكتابه الكريم.

والقول بإبطال الآية يعني بكل بساطة أن الكافر المحارب تنبغي مقاتلته و إن سالم واستسلم ولا يجوز للمسلمين أن يوقفوا قتاله بل عليهم قتله أينما ثقفوه ، ولو توسل وتراجع ، ونستطيع اليوم أن نشهد نموذجاً عملياً لتطبيق النسخ في هذه الآية حيث لا ينفع المستسلمين استسلاماً ولا شهادة بدعوى نسخ المسالمة والموادعة والصفح والبر في حق المخالف فضلا عن المحارب.

دعوى نسخ آية السيف لقوله تعالى :

{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190]

الأقوال المبطلة للآية :

يقول ابن جرير رحمه الله :

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد، وابن أبي جعفر، عن أبي جعفر، عن الربيع في قوله: “ وقاتلُوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم ولا تَعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين ” قال: هذه أوّل آية نـزلت في القتال بالمدينة، فلما نـزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من يقاتله، ويكفُّ عمن كفّ عنه، حتى نـزلت ” براءة “– ولم يذكر عبد الرحمن: ” المدينة “..

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: “وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم ” إلى آخر الآية، قال: قد نسخ هذا! وقرأ قول الله: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [سورة التوبة: 36]، وهذه الناسخة، وقرأ: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ حتى بلغ: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ إلى: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة التوبة: 1-5].

القائلون بدرء النسخ والإبطال:

وقال آخرون: بل ذلك أمر من الله تعالى ذكره للمسلمين بقتال الكفار، لم ينسخ. وإنما الاعتداءُ الذي نهاهم الله عنه، هو نهيه عن قتل النساء والذَّراريّ. قالوا: والنهي عن قتلهم ثابتٌ حُكمه اليوم. قالوا: فلا شيء نُسخ من حكم هذه الآية.

* ذكر من قال ذلك:

3091 – حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن صَدقة الدمشقي، عن يحيى بن يحيى الغساني، قال: كتبتُ إلى عمر بن عبد العزيز أسألهُ عن قوله: ” وقاتلوا في سَبيل الله الذين يُقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يُحب المعتدين “، قال: فكتب إليّ: ” إنّ ذلك في النساء والذريّة ومن لم يَنصِبْ لك الحرَب منهم “.

3092 – حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: ” وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم ” لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أمروا بقتال الكفار.

3093- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

3094 – حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح، قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ” وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين ” يقول: لا تقتلوا النساء ولا الصِّبيان ولا الشيخ الكبير وَلا منْ ألقى إليكم السَّلَمَ وكفَّ يَده، فإن فَعلتم هذا فقد اعتديتم.

3095- حدثني ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عديِّ بن أرطاة: ” إني وَجَدتُ آية في كتاب الله: ” وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين ” أي: لا تقاتل من لا يقاتلك، يعني: النساء والصبيان والرُّهبان “.

قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بالصواب، القولُ الذي قاله عمر بن عبد العزيز. لأن دعوى المدَّعي نَسْخَ آية يحتمل أن تكون غيرَ منسوخة، بغير دلالة على صحة دعواه، تحكُّم. والتحكم لا يعجِز عنه أحد.

وقد دَللنا على معنى ” النسخ “، والمعنى الذي من قبَله يَثبت صحة النسخ، بما قد أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

فتأويل الآية – إذا كان الأمر على ما وصفنا – : وقاتلوا أيها المؤمنون في سبيل الله = وسبيلُه: طريقه الذي أوضحه، ودينه الذي شرعه لعباده = يقول لهم تعالى ذكره: قاتلوا في طاعتي وَعلى ما شرعت لكم من ديني، وادعوا إليه من وَلَّى عنه واستكبر بالأيدي والألسن، حتى يُنيبوا إلى طاعتي، أو يعطوكم الجزية صَغارًا إن كانوا أهل كتاب. وأمرهم تعالى ذكره بقتال مَنْ كان منه قتال من مُقاتِلة أهل الكفر دون من لم يكن منه قتال  من نسائهم وذراريهم، فإنهم أموال وخَوَلٌ لهم إذا غُلب المقاتلون منهم فقُهروا، فذلك معنى قوله: ” قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ” لأنه أباح الكف عمّن كف، فلم يُقاتل من مشركي أهل الأوثان والكافِّين عن قتال المسلمين من كفار أهل الكتاب على إعطاء الجزية صَغارا.

فمعنى قوله: ” ولا تعتدوا “: لا تقتلوا وليدًا ولا امرأةً، ولا من أعطاكم الجزية من أهل الكتابَين والمجوس،” إنّ الله لا يُحب المعتدين ” الذين يجاوزون حدوده، فيستحلُّون ما حرَّمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حَرَّم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم  .

ما يلزم الخلاف هنا :

لا يمكن قبول الخلاف في هذا الموضع، لأنه ليس خلافاً سائغا ،لأن مؤداه إتيان جرم عظيم في موضعين أولهما الولوغ في دماء محرمة لمن قال بالنسخ ، والثاني وهو الأهم : إبطال آية من كلام الله بغير حق فتعساً لمن اقترف أحدهما فكيف بالاثنين ؟.

ومن تبعات القول بالإبطال هو نسخ تحريم الاعتداء ، فيجوز للقائلين بالنسخ الاعتداء بالمثلة للقتلى واستحلال الفروج والدماء للمحاربين وغيرهم من النساء والأطفال والعجائز والحرث والنسل لأن النهي عن الاعتداء هنا منسوخ فجاز لهم إتيانه بعد إبطال النهي عنه. وهذا عين الظلم والانحراف عن شريعة الله وعدله ورحمته.

دعوى نسخ آية السيف لقوله تعالى :

{ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [المائدة:13]

القائلين بالنسخ والإبطال :

وكان قتادة يقول: هذه منسوخة. ويقول: نسختها آية ” براءة “: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ الآية [سورة التوبة: 29]

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ” فاعف عنهم واصفح “، قال: نسختها: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ .

حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا همام، عن قتادة: ” فاعف عنهم واصفح إنّ الله يحب المحسنين “، ولم يؤمر يومئذ بقتالهم ، فأمره الله عز ذكره أن يعفو عنهم ويصفح. ثم نسخ ذلك في” براءة ” فقال: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [سورة التوبة: 29]، وهم أهل الكتاب، فأمر الله جل ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يقاتلهم حتى يسلموا أو يقرُّوا بالجزية.

مثبتي الآية القائلون بعدم النسخ:

قال أبو جعفر: والذي قاله قتادة غير مدفوع إمكانهُ، غير أن الناسخ الذي لا شك فيه من الأمر، هو ما كان نافيًا كلَّ معاني خلافهِ الذي كان قبله، فأمَّا ما كان غير نافٍ جميعَه، فلا سبيل إلى العلم بأنه ناسخ إلا بخبر من الله جل وعز أو من رسوله صلى الله عليه وسلم. وليس في قوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ دلالةٌ على الأمر بنفي معاني الصَّفح والعفو عن اليهود.انتهى كلامه.

الخلاف يحسم القول :

إن الخلاف يصيِّرُ القول إلى جانب إثبات قول الله وحكمه ونفي ما ناله من محاولة لإبطاله ، بل إن صورة التضارب والخلاف هذه تضيف مسماراً لنعش النسخ والإبطال برمته.

ونقض الآية نسخ لكل ما فيها فقوله تعالى (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فالنسخ نقض العفو والصفح ومبادلة المسالمة التي هم عليها بقتلهم ولو لم يقاتلوا وهو مناقض لسنة الله القائمة على الجزاء من جنس العمل فيُقاتَلُ المقاتل ويسالَمُ المسالم فالقتال ليس غرضاً يتخذ ولكنه وسيلة لها شروطها ، لذلك فنواسخ العفو والصفح التي تحيل حياة المسلم حياة قتال لكل من خالف فأحالت مصالح الأمة المرعية التي تقود للمسالمة والمعاهدة باباً لتكفير الحكام متأولين بهذه النصوص المدعى نسخها لأحكام متبوعة وشرائع مسموعة.

ومن اللوازم الخطيرة التي يقتضيها القول بنسخ هذه الآية هو الاعتداء على من لا يجوز الاعتداء عليه ، والعمل بعكس العفو والصفح والاحسان ، فيحتل مكانها الإيذاء والإساءة والجور ، وهذه المعاملة لم يأمر بها ربنا جل جلاله في كل موضع بل قال (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) فتكون هذه منسوخة بمقتضى قول الناسخين ، وإن عمل المسلم بمقتضى هذا القول فسوف ينسخ هذا قوله تعالى (فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به).

والقرآن مجموعة من القيم السامية العظيمة المترابطة التي أنزلها الله في كتابه على خلقه وما أن يفتئت عليها أحد ويعبث بحقيقتها ويتأولها على غير وجهها حتى يظهر عوار قوله وتناقض فهمه مع بقية الأحكام المترابطة التي يشرح بعضها بعضها وما هذه الآية وما يليها ويسبقها إلا مثال على ذلك.

يتبع بإذن الله تعالى …

بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ، فَمَنْ هُمْ ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول الحق جل وعلا :

إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) النمل

تَقْدِيم :

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد

مررت بعدد من المقالات والآراء التي تستظهر معنى الآية الثامنة من سورة النمل ، ومنها قوله تعالى (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا) وكانت التفاسير المختلفة والنظرات التي تحوم حول تلك الآية تدل في مجملها على الإضطراب في تحديد المقصود بمن في النار ومن حولها وحملت تلك التفسيرات أقوال منكرة ، وقد رايت كيف أمعن الطاعنين من المنصرين والملحدين في استعمال هذه التفسيرات ساعين للنيل من العقيدة ونسبة مختلف النقائص للقرآن الكريم وللإسلام ، فسعيت لكتابة هذا البحث سائلا التوفيق والسداد.

أقوال أهل التفسير :

وجدت أن الطبري رحمه الله جمع أشهر الأقوال وعرضها في تفسيره فاخترته لاستعراض تلك الأقوال وهي على النحو التالي :

فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)

وقوله: (فَلَمَّا جَاءَهَا ) يقول: فلما جاء موسى النار التي آنسها (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ).

كما حدثنا عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) يقول: قدّس.

واختلف أهل التأويل في المعنِّي بقوله (مَنْ فِي النَّارِ) فقال بعضهم: عنى جلّ جلاله بذلك نفسه, وهو الذي كان في النار, وكانت النار نوره تعالى ذكره في قول جماعة من أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله: (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) يعني نفسه; قال: كان نور ربّ العالمين في الشجرة.

حدثني إسماعيل بن الهيثم أبو العالية العبدي, قال: ثنا أبو قُتَيبة, عن ورقاء, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جُبير, في قول الله: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) قال: ناداه وهو في النار.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن الحسن في قوله: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) قال: هو النور.

قال معمر: قال قَتادة: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) قال: نور الله بورك.

قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال الحسن البصري: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) (2) .

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بوركت النار.

*ذكر من قال ذلك:

حدثني الحارث, قال: ثنا الأشيب, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) بوركت النار. كذلك قاله ابن عباس.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) قال: بوركت النار.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال مجاهد: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) قال: بوركت النار.

حدثنا محمد بن سنان القزاز قال: ثنا مكي بن إبراهيم, قال: ثنا موسى, عن محمد بن كعب, في قوله: (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) نور الرحمن, والنور هو الله (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ).

واختلف أهل التأويل في معنى النار في هذا الموضع, فقال بعضهم: معناه: النور، كما ذكرت عمن ذكرت ذلك عنه.

وقال آخرون: معناه النار لا النور.

*ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن سعيد بن جبير, أنه قال: حجاب العزّة, وحجاب المَلِكَ, وحجاب السلطان, وحجاب النار, وهي تلك النار التي نودي منها. قال: وحجاب النور, وحجاب الغمام, وحجاب الماء, وإنما قيل: بورك من في النار, ولم يقل: بورك فيمن في النار على لغة الذين يقولون: باركك الله. والعرب تقول: باركك الله, وبارك فيك.

وقوله: (وَمَنْ حَوْلَهَا) يقول: ومن حول النار. وقيل: عَنى بمن حولها: الملائكة.

*ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (وَمَنْ حَوْلَهَا) قال: يعني الملائكة.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن الحسن, مثله.

وقال آخرون: هو موسى والملائكة.

حدثنا محمد بن سنان القزّاز, قال: ثنا مكي بن إبراهيم, قال: ثنا موسى, عن محمد بن كعب (وَمَنْ حَوْلَهَا) قال: موسى النبيّ والملائكة, ثم قال: يَا مُوسَى (19-430)  إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .

وقوله: (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يقول: وتنـزيها لله رب العالمين, مما يصفه به الظالمون.

ملاحظات وتعقيب :

لا شك ان ما قاله المفسرون رحمهم الله افتقر إلى العناية بالىراء المطروحة وتوجيهها توجيها سديداً ، فلما كانت الآية الكريمة لا تاويل لها من قرآن كريم أو حديث صحيح فينبغي على من تأول أن يعمل عقله وتفكره وتدبره في الآية بما لا يؤدي للمجازفة في مسائل الأسماء والصفات والعقيدة المتعلقة بالخالق جل وعلا ، ويستقر لدى كل من يستعرض تلك التفاسير أن جلَّ من قال في ذلك بشيء قرر بلا تبرير ولا توضيح يسند رأيه فتجده يقول مثلا ( قال : هو النور ، قال : هو النار .. الخ) ولكن لا يستند في قوله غلى قرينة ولا دليل ولا مَعْلم من معالم الاستنباط يمكن أن يلتمس له به عذراً.

وقد نتج عن تلك المجازفات أقوال مخيفة وآراء خطيرة وضارة لمفهوم الخلف عن السلف ولعلها نقلت عنهم في حين لا يوجد ما يؤكد قولهم لذلك ، كما أن عزاؤنا أنهم بشر يؤخذ من قولهم ويرد ويجوز عليهم الإشتباه والخطأ والاستدراك ، وهنا نحاول بجهدنا أن نتعرف على مدلولات هذه الآية الكريمة مستصحبين تنزيه الحق تعالت ذاته عن كل مالا يليق مستحضرين قوله في آخر الآية (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فإن اصبنا فالحمدلله وإن أخطأنا فنستغفر الله رب العالمين.

توجيه الآية الكريمة:

قبل أن أفصِّلَ في سبل الوصول لتوجيه الآية الكريمة سأقدم للقارئ الكريم نتيجة البحث ومن هو الذي حول النار ومن هو الذي فيها ومن ثم سأطلق إضاءات متتابعة تشرح سبب اختياري لذلك التوجيه .

إن ما أعتقده هو أن المراد بقوله تعالى (بورك من في النار) انه موسى عليه السلام (ومن حولها) اهله الذين مكثوا بعيدا عنها ، لتفصيل مسوغات هذا القول ودلائله التي يستنبط منها ذلك أقول وبالله التوفيق :

أولاً : يقول تعالى :إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) النمل.

ولو عدنا للمثاني المتشابهة في القرآن الكريم لهذه الآية لوجدنا :

{ إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى } [طه:10]

{ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } [القصص:29]

فنستدل من ذلك :

بقاء أهله ومكوثهم بعيداً عن مكان النار التي تراءت له فغاب عنهم بحثاً عمن يدله بخبر أو هداية أو جذوة يدَّفئون بها من شدة البرد ، كما نستدل أيضاً أنه عرف ما رأى وأنها ناراً وليست نوراً كما قرر بعض المفسرين فالله جل وعلا أراه ناراً وقرر أنها ناراً كما فيما يليها من الآيات ومواضع القصة الأخرى التي قررت فعلاً أنها كانت ناراً.

ثانياً : ثم قال جل جلاله : فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) النمل ، وفور وصول موسى إلى موضع النار سمع نداء الله جل جلاله يقول (بورك من في النار) والنداء هنا موجه لموسى عليه السلام فلا معنى أن تكون البركة موجهة لمن لا يدركهم ببصره ولا قرينة على وجودهم (جبريل والملائكة) فالله يرحب بعبده ويطمئنه ويحتفي بمثوله في حضرة ربه جل وعلا.

فموسى أتى حذراً مستطلعاً متوجساً تاركاً أهله فابتدره الحق جل جلاله بالترحيب به وإسبال بركته جل وعلا عليه حتى يستأنس ويطمئن بأن من ينادي ليس عدواً أو يضمر شراً له أو لأهله ، وهنا فقد أشكل على كل من قرأ هذه الآية قوله تعالى (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) فاضطربت أفهامهم ، وتوجيه ذلك أن النار (نور ودفء) وعين النار (حرٌّ ونور) وكل ما ابتعدت عنها قل النور وقل الدفء ولما كان موسى عليه السلام في تستوعبه تلك النار بهالتها التي تحيط بها وبدفئها ونورها كان كمن هو (فيها) وفي كتاب الله تعبيرات شبيهة استعمل فيها حرف الجر للدلالة على القرب في محيط التأثر والتأثير فيقول الحق تعالى:

{ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } [يونس:16]

وفيكم أي (بين ظهرانيكم) ولا تعني في دواخلكم فهو في محيط تاثيرهم وتأثرهم وفي داخل مجال حياتهم ومعرفتهم وكذلك النار فإنَّ مِن آنِسَ دفئها وامتلأت عينه من نورها كان كمن هو فيها ، ويقول العرب (فلان يقف في الشمس) أي تحت ضوءها وحرها يناله من خواصها تلك شيء منها قل أو كثر ، ومثلها وقولهم (مشيت في المطر) ، أو (ارتحلت في البرد) ونحو ذلك.

{ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } [الشعراء:18]  

وقد عاش موسى بين ظهراني فرعون وقومه وفي محيط تأثيره وتاثرهم فكان التعبير (فينا) للدلالة على ذلك .

{ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [يوسف:82]

ولم يقل معها ، فالظرف بيّن يوضح في قوله القرية التي كنا فيها أي كنا بين اهلها ، والعير التي اقبلنا فيها (أصحاب العير الذين هم اصحاب القافلة) وهذه من استعمالات حرف الجر (في)

{ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر:4]

أي يكون جبريل علي السلام من بين الملائكة النازلة في ليلة القدر غلى السماء الدنيا فكان التعبير (فيها) للدلالة على المعية القريبة وكذلك في قوله تعالى (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) فلم يكن المراد بالصلب داخل الجذوع ولكن على الجذع ذاته.

وبذلك فموسى كان في النار طالما ناله من دفئها ونورها فرحب به ربه ليهدئ روعه ويؤمن نفسه ويسكن خوفه تمهيداً لما يلي ذلك من تكليم لعبده موسى.

 

ثالثاً : قوله (وَمَنْ حَوْلَهَا) يشير إلى أهله الذين تركهم حول النار لا يستدفئون بدفئها ولا يهتدون بنورها فلم يكونوا فيها ، ولما كان نبي الله في موقف عظيم لا يميز فيه من حول تلك النار التي يراها فقد كان قلبه عند أهله خشية عليهم فاراد الله أن يؤمِّنَ نفسه ويزيَّل خوفه بإضفاء البركة الربانية على أهله أيضاً.

والله جل وعلا دوما ما يضفي البركة على الأنبياء وأهليهم لذلك بارك على إبراهيم عليه السلام وعلى أهل بيته ، فيقول جل وعلا :

{ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ } [هود:73]

وقد ذكر جل وعلا في أكثر من موضع ما أحله تعالى من البركة على أنبياء عدة وعلى ذراريهم  ومثال ذلك قوله تعالى :

وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) الصافات

وكذلك فإن ما تركه موسى وهارون وآلهما (عليهم السلام) في التابوت كان آية عظيمة لبني إسرائيل تحمل البركة الأولى التي أسبلها ربنا جل وعلا على نبي الله وآله :

{ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [البقرة:248]

ونحن اليوم ندعو في كل صلاة بالبركة على سيدنا محمد وآله كما حلت البركة على سيدنا إبراهيم وآله ، كانت البركة التي نودي بها موسى عليه السلام من الله جلت قدرته ضافية عليه وعلى أهله الذي مكثوا منتظرين عودته بجذوة يتدفئون منها لأنهم هم الذي حول النار فكانت ظواهر الآية بيّنة الدلالة بهذه الصورة ، وأن مسألة أن الله أو نوره كان في النار قول لا ينبغي فقد أتبع الله تلك الآية بقوله (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) تنزيها لله جل وعلا وإشارة تدل على علو الله عما يتبادر لذهن اي كان من ظن بلا دليل.

 

والله اعلى وأعلم وصل اللهم على محمد وىله وصحبه وسلم

 

الصَّوْمُ وَالصِّيَامْ ، المَفْهُوْمُ وَ الفَرْقُ فِيْ السِّيَاقِ القُرْآنيّ

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الصَّوْمُ وَالصِّيَامْ ، المَفْهُوْمُ وَ الفَرْقُ فِيْ السِّيَاقِ القُرْآنيّ

 

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

ظَهَرَت مُؤخَّراً مُحاولاتٌ لإنزالِ مفاهيم للتفريق بين الصوم والصيام تراوحت بين الإقرار بأنهما يحملان نفس المعنى ولا فرق بين المفردتين ، وبين مفاهيم أخرى تشط إلى ما يشذ عن المفهوم المتبادر للذهن ، وقد تتبعت تلك المفردتين وبحثت عما إذا كان هنالك فروق حقيقية بين المفردتين مستحضراً إستحالة وجود الترادف بين المفردات القرآنية فوصلت بفضل الله ما أعتقد بأنه هو المفهوم الصحيح والفرق الصريح بين المفردتين وهو مفهوم شديد البساطة وقوي الارتباط بالنص القرآني مقارنة مع الادعاءات المنشورة.

وقبل البدء في طرح ما تم التوصل إليه من خلال الاستقراء والبحث سأتطرق لمواضع المفردة في القرآن الكريم ثم سأنطلق- على غير المعتاد – إلى الأقوال السالفة والحالية ووجه الخلل فيها ومن ثم سأختم شارحاً الفكرة البسيطة التي توضح هذا المفهوم ومدى اتساقه مع طبيعة المفردة وسياق استعمالها.

 

مواضع ذكر الصوم والصيام في القرآن الكريم

ذكر الصوم بهذا اللفظ في موضع واحد وهو أمر الله لمريم عليها السلام عند لقاءها لقومها وهي تحمل وليدها نبي الله عيسى عليه السلام للدلالة على الامتناع عن الكلام دون سواه فيقول تعالى :

(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)  مريم:26

فكانت الآية تحمل توجيهاً ربانياً ضمنياً هو أن تمتنع عن الكلام نذراً وتوجيها صريحاً أن تخبر قومها بذلك النذر وتمتنع عن إجابة ما تُسأل عنه وتترك الحديث لوليدها.

وقد ورد الأمر بالصوم عن الكلام لنبي الله زكريا ولكنه لم يكن مذكوراً كصوم ولكن ذكر في موضعين على النحو التالي:

{ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } [مريم:10]

وفي موضع آخر جاءت صيغة الامر بالصوم عن الكلام في قوله تعالى:

{ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } [آل عمران:41]

فلم يرد الأمر بالنهي عن الكلام باسم الصوم إلا في قصة مريم عليها السلام كما سلف.

أما مواضع ذكر الصيام فقد أتت في القرآن الكريم للدلالة على فريضة الامساك عن الأكل والشرب والجماع والسباب والفاحش من القول في تسع مواضع:

فذكر الصيام في تفصيل أحكام صيام رمضان في موضعين:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة:183]

{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [البقرة:187]

في أحكام الحج :

{ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [البقرة:196]

في كفارة القتل الخطأ :

{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } [النساء:92]

في كفارة اليمين:

{ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [المائدة:89]       

في قتل صيد المحرم:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } [المائدة:95]

في كفارة الظهار:

{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [المجادلة:4]

 

 أقوال السلف في مفاهيم الصوم والصيام

أما الصيام فجرى اتفاق وإجماع على أنه ما عرف أهل الملة من ترك الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ولم يشذ عن ذلك القول أحد ولكن ما قيل في الصوم في الموضع الوحيد الذي ورد فيه وهو قوله تعالى

(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) مريم:26

فساورده على قولين أولهما قول ابن جرير رحمه الله حيث أنه أشار للمشهور من أقوال السلف في ذلك وثانيهما قول ابن عاشور

فنبدأ بقول الطبري رحمه الله :

وقوله ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا ) يقول: فإن رأيت من بني آدم أحدا يكلمك أو يسائلك عن شيء أمرك وأمر ولدك وسبب ولادتكه ( فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) يقول : فقولي: إني أوجبت على نفسي لله صمتا ألا أُكَلِّم أحدًا من بني آدم اليوم ( فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا )

وبنحو الذي قلنا في معنى الصوم، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سمعت أنس بن مالك يقول في هذه الآية ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) صمتا.

حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال : أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني المغيرة بن عثمان، قال: سمعت أنس بن مالك يقول ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) قال: صمتا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) قال : يعني بالصوم: الصمت.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن سليمان التيميّ، قال: سمعت أنسا قرأ (إنِّي نَذَرْتُ للرَّحْمَن صَوْما وَصَمْتا ) .

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) أما قوله (صَوْما) فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام.

انتهى كلامه رحمه الله.

أما قول ابن عاشور رحمه الله في ذلك فهو :

هذا من بقية ما ناداها به عيسى ، وهو وحي من الله إلى مريم أجراه على لسان الطفل ، تلقيناً من الله لمريم وإرشاداً لقطع المراجعة مع من يريدُ مجادلتها ، فعلّمها أن تنذر صوماً يقارنه انقطاع عن الكلام ، فتكون في عبادة وتستريح من سؤال السائلين ومجادلة الجهلة .

وكان الانقطاع عن الكلام من ضروب العبادة في بعض الشرائع السالفة ، وقد اقتبسه العرب في الجاهلية كما دلّ عليه حديث المرأة من أحمس التي حجّت مُصمتة . ونسخ في شريعة الإسلام بالسنة ، ففي «الموطأ» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قائماً في الشمس فقال : ما بال هذا؟ فقالوا : نذر أن لا يتكلم ولا يستظل من الشمس ولا يجلسَ ويصوم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” مروه فليتكلم وليستظل وليجلس وليُتم صيامه ” وكان هذا الرجل يدعَى أبا إسرائيل .

وروي عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه دخل على امرأة قد نذرت أن لا تتكلم ، فقال لها : «إن الإسلام قد هدم هذا فتكلمي» . وفي الحديث أن امرأة من أحْمَسَ حجّت مُصمتة ، أي لا تتكلّم . فالصمت كان عبادة في شرع من قبلنا وليس هو بشرع لنا لأنه نسخه الإسلام بقول النبي صلى الله عليه وسلم «مروه فليتكلّم» ، وعملِ أصحابه .

وقد دلّت الآثار الواردة في هذه على أشياء :

الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب الوفاء بالنذر في مثل هذا ، فدلّ على أنه غير قربة .

الثاني : أنه لم يأمر فيه بكفارة شأن النذر الذي يتعذر الوفاء به أو الذي لم يسم له عمل معيّن كقوله : عليّ نذر . وفي «الموطأ» عقب ذكر الحديث المذكور قال مالك : ولم يأمره بكفارة ولو كانت فيه كفارة لأمره بها فدلّ ذلك على أنه عمل لا اعتداد به بوجه .

الثالث : أنه أومأ إلى علّة عدم انعقاد النذر به بقوله : «إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغنيّ» .

فعلمنا من ذلك أنّ معنى العبادة أن تكون قولاً أو فعلاً يشتمل على معنى يكسب النفس تزكية ويبلغ بها إلى غاية محمودة مثل الصوم والحج ، فيُحتمل ما فيها من المشقة لأجل الغاية السامية ، وليست العبادة بانتقام من الله لعبده ولا تعذيب له كما كان أهل الضلال يتقربون بتعذيب نفوسهم ، وكما شرع في بعض الأديان التعذيب القليل لخضد جلافتهم .

وفي هذا المعنى قوله تعالى : { فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم } [ الحج : 36 37 ] ، لأنهم كانوا يحسبون أن القربة إلى الله في الهدايا أن يريقوا دماءها ويتركوا لحومها ملقاة للعوافي .

وفي «البخاري» : عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخاً يُهادَى بين ابنيه فقال : ما بال هذا؟ قالوا : نذر أن يمشي . قال : إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغنيّ . وأمره أن يركب» ، فلم ير له في المشي في الطواف قربة .

وفيه عن ابن عباس : «أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ وهو يطوف بالكعبة بإنسان رَبط يده إلى إنسان بِسِيَرٍ أو بخيط أو بشيء غير ذلك ، فقطعه النبي بيده ثم قال : قده بيده» .

وفي «مسند أحمد» عن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاصي : ” أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك رجلين وهما مقترنان . فقال : ما بالهما؟ قالا : إنّا نذرنا لنقترنن حتى نأتي الكعبة ، فقال : أطلقا أنفُسكما ليس هذا نذراً إنما النذر ما يبتغى به وجه الله ” وقال : إسناده حسن .

الرابع : أنّ الراوي لبعض هذه الآثار رواها بلفظ : نهى رسول الله عن ذلك ، ولذلك قال مالك في »الموطأ» عقب حديث الرجل الذي نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس : «قال مالك : قد أمره رسول الله أن يتمّ ما كان لله طاعة ويترك ما كان لله معصية» .

ووجه كونه معصية أنه جراءة على الله بأن يعبده بما لم يشرع له ولو لم يكن فيه حَرج على النفس كنذر صمت ساعة ، وأنه تعذيب للنفس التي كرّمها الله تعالى من التعذيب بوجوه التعذيب إلا لعمل اعتبره الإسلام مصلحة للمرء في خاصته أو للأمة أو لدرْء مفسدة مثل القصاص والجَلد . ولذلك قال : { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً } [ النساء : 29 ].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم ” إنّ دماءكم وأموالكم وأنفسكم وأبْشاركم عليكم حرام ” لأن شريعة الإسلام لا تُناط شرائعها إلاّ بجلب المصالح ودَرء المفاسد .

والمأخوذ من قول مالك في هذا أنه معصية كما قاله في «الموطأ» . ولذلك قال الشيخ أبو محمد في «الرسالة» : «ومَن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر أو نحوه أو ما ليس بطاعة ولا معصية فلا شيء عليه ، وليستغفر الله» ، فقوله : «وليستغفر الله» بناء على أنه أتى بنذره مخالفاً لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه . ولو فعل أحد صمتاً بدون نذر ولا قصد عبادة لم يكن حراماً إلا إذا بلغ إلى حد المشقة المضنية .

وقد بقي عند النصارى اعتبار الصمت عبادة وهم يجعلونه ترحماً على الميت أن يقفوا صامتين هنيهة .

ومعنى { فقولي إني نَذَرْت للرحمن صَوْماً } فانذري صوماً وإن لقيت من البشر أحداً فقولي : إنّي نذرت صوماً فحذفت جملة للقرينة . وقد جعل القول المتضمن إخباراً بالنذر عبارة عن إيقاع النذر وعن الإخبار به كناية عن إيقاع النذر لتلازمهما لأن الأصل في الخبر الصدق والمطابقة للواقع مثل قوله تعالى : { قولوا آمنا بالله} [ البقرة : 136 ]. وليس المراد أنها تقول ذلك ولا تفعله لأن الله تعالى لا يأذن في الكذب إلاّ في حال الضرورة مع عدم تأتّي الصدق معها ، ولذلك جاء في الحديث : “ إن في المعاريض مندوحة عن الكذب

وأطلق القول على ما يدلّ على ما في النفس ، وهو الإيماء إلى أنها نذرت صوماً مجازاً بقرينة قوله { فلن أُكلِمَ اليَوْمَ إنْسِيّاً }. فالمراد أن تؤدي ذلك بإشارة إلى أنها نذرت صوماً بأن تشير إشارة تدلّ على الانقطاع عن الأكل ، وإشارةً تدل على أنها لا تتكلّم لأجل ذلك ، فإن كان الصوم في شرعهم مشروطاً بترك الكلام كما قيل فالإشارة الواحدة كافية ، وإن كان الصوم عبادة مستقلة قد يأتي بها الصائم مع ترك الكلام تشير إشارتين للدلالة على أنها نذرت الأمرين ، وقد علمت مريم أنّ الطفل الذي كلّمها هو الذي يتولى الجواب عنها حِين تُسأل بقرينة قوله تعالى :{ فأشارت إليه } [ مريم : 29 ].

والنون في قوله { تَرَيِنَّ } نون التوكيد الشديدة اتصلت بالفعل الذي صار آخره ياء بسبب حذف نون الرفع لأجل حرف الشرط فحركت الياء بحركة مجانسة لها كما هو الشأن مع نون التوكيد الشديدة .

والإنْسِي : الإنسان ، والياء فيه للنسب إلى الإنس ، وهو اسم جمع إنسان ، فياء النسب لإفادة فرد من الجنس مثل : ياء حَرْسي لواحد من الحرس . وهذا نكرة في سياق النفي يُفيد العموم ، أي لن أكلم أحداً .

وعدل عن أحد إلى { إنسياً } للرّعي على فاصلة الياء ، وليس ذلك احترازاً عن تكليمها الملائكة إذ لا يخطر ذلك بالبال عندالمخاطبين بمن هيئت لهم هذه المقالة فالحمل عليه سماجة . انتهى كلامه رحمه الله.

 

الأقوال المحدثة الشاذة

ظهر بعض من قال آراءً متناقضة مع القرآن فقال أحدهم أن الصوم هو الإمساك عن الحديث السيء والاكتفاء بالطيب من القول وهذا غير دقيق لمناقضته لقوله تعالى (فلن أكلم اليوم إنسياً) فلو كان الصوم عن شيء من الكلام وترك شيء آخر لما جرى النفي بالجملة لتكليم الإنس جميعاً ، وقد لوحظ على القائلين بذلك تركهم لسياق الآية كاملة واجتزاءها وبناء رأيهم على جزء دون النظر في ما يليه وهذا خطأ يبنى عليه رأي فيكون خطأ مركَّباً

التوجيه الأنسب لمفهوم الصوم والصيام

 لقد تبين بأن الصوم الذي أمرت به مريم عليها السلام هو الإمساك التام عن الحديث دون سواه من الامتناعات فقد سبق أن قال تعالى حين وضعت عيسى :

{ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا } [مريم:26]

فلم يكن صومٌ عن الطعام والشراب بمعنى الصيام الذي نعرفه بل كان صمتاً وامتناعاً عن الكلام دون سواه ، وقد يكون ذلك عبادة سالفة شرعت على بني إسرائيل ونسخت في ديننا.

أما الصيام فهو ما عرف من ترك الشراب والطعام والجماع من طلوع الشمس وحتى غروبها .

ولكن ما العلاقة بين مفردتي الصوم والصيام ؟؟

عند مقارنة المفردتين بمعانيها ومبانيها اتضح بأن:

الصَّوم (اسم ثلاثي أجوف معتل ) هو : عَمَلٌ يَمْتَنِعُ فِيْهِ الصَّائِمُ عَنِ أمْرٍ مُفْرَدٍ وَاحِدٍ لِمُدَّةٍ مَعْلُوْمَة.

أما الصِّيام فهو : عَمَلٌ يَمْتَنِعُ فِيْهِ الصَّائِمُ عَنِ عَدَدٍ مِنَ الإمْسَاكَاتِ وَ الامْتِنَاعَاتِ لِمُدَّةٍ مَعْلُوْمَة.

فكان الصوم مفرد والصيام جمع ، والصيام يتضمن (صوم عن الطعام ، صوم عن الشراب ، صوم عن الجماع ، صوم عن السيء من القول)  فتضمن امساكات متعددة وامتناعات متنوعة فجمعت في كلمة “الصيام

وعندما كان فعل مريم عليها السلام فعل امتناع وامساك مفرد صح ان يسمى صوماً وليس صياماً ، ولما كان صيام رمضان يشتمل على امتناعات متعددة كما اسلفنا فوجب أن يسمى صياماً (صيغة جمع للصوم ) فالزيادة في المبنى زيادة في المعنى.

وهذه الاسماء في اللغة صوم (مفرد) و صيام (جمع) يشبهها كذلك قولنا (ثوب و ثياب) ، (سوط و سياط ) ، (روض و رياض ) ، (ضوء و ضياء) ، (حوض و حياض) وكذلك (صوم و صيام).

أما القول بأن الحديث النبوي والقدسي تضمن تسمية (الصوم) كحديث:

((عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)) [ متفق عليه]

وسواه من الأحاديث والآثار فأقول وبالله التوفيق :

أولاً : هذا لا يشكل على القول بأن الصوم امتناع وامساك مفرد ، فلا يتعارض ذلك الفهم مع المعنى ابداً ، بل إن الاشارة للصوم كعمل مفرد أبلغ من الاشارة إليه كصيام (مجموعة الامساكات) ونرى أن القرآن يستعمل الصلاة كوحدة أصلية للدلالة على الصلوات بعمومها و نجده تارة يذكر الصدقة كعمل مفرد للدلالة على الصدقات بأنواعها وأحيانا يرودها بصيغة الجمع يقول تعالى :

{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [التوبة:103]

وفي موضع آخر يقول جل شأنه

{ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [المجادلة:13]

ثانياً : في هذا رد بيّن على القائلين بأن الصوم مختص بالإمساك عن الكلام ، فلو كان الأمر كذلك لما ورد استعماله في الحديث بل أن استعماله هنا يدل على أنه يشير للإمساك والامتناع بعمومه كعبادة .

ثالثاً : فلا يخفى بأن القرآن الكريم له خصوصية في استعمال المفردات ودقة في مواضعها واستعمالاتها وليس الأمر جزافاً ولا يشبه استعمال الناس في حياتهم العامة ، وسواءً جهلنا أم علمنا فإن استعمال مفرادات بصيغ مختلفة له دلالاته في القرآن الكريم نصل إليها بالتدبر والمراجعة والاستقراء والمتابعة وقد لا يفتح الله بشيء ولكن هذا لا يعني انتفاء الغرض وخلو النص من البيان بأعمق مما تراه أعيننا.

ومصنفات علوم القرآن مليئة بالأمثلة والنكت اللطيفة التي تبين كيف أن توظيف الجمع والإفراد ينطوي على بلاغة مخصوصة بالقرآن الكريم وقد خصص لها السيوطي في كتاب الاتقان قاعدة للجمع والإفراد أورد فيها صور من مفردات القرآن جمعاً وإفراداً مع ايراد أوجه التناسب في استعمال المفردة مما لا نجد مثله في كلام البشر فلا يعتنى بذلك كما هو في كتاب الله وبرغم هذ فلا شك ان هناك ما يدق خفاءهُ عن المتدبرين.

القول الوحيد في الجمع والإفراد للصوم

لم اقع على قول بالتفريق بين الصوم والصيام بالإفراد والجمع إلا قولاً واحداً لبعض فقهاء الأحناف ورد على ذلك ابن عابدين -بدون ذكر اسم القائل- في كتابه “رد المحتار على الدر المختار” فقال في كتاب الصوم [ ص: 370 ] :

“قيل لو قال الصيام لكان أولى لما في الظهيرية لو قال : لله علي صوم لزمه يوم ، ولو قال : صيام لزمه ثلاثة أيام كما في قوله تعالى – { ففدية من صيام } – وتعقب بأن الصوم له أنواع على أن أل تبطل معنى الجمع والأصح أنه لا يكره قول رمضان “

وجاء في الحاشية ما يبين ذلك القول:

”  كذا في شرح ابن الشلبي ( قوله : قيل ) قائله صاحب البحر ح ( قوله : لما في الظهيرية إلخ ) وجه الاستشهاد أن هذا الفرع يدل على أن الصيام جمع أقله ثلاثة أيام كما في الآية فإن فدية اليمين صوم ثلاثة أيام فكان التعبير به أولى لدلالته على التعدد ، فإن الترجمة لأنواع الصيام الثلاثة أعني الفرض والواجب والنفل ( قوله : وتعقب إلخ ) المتعقب صاحب النهر .

حاصل كلام الشارح أن الصوم اسم جنس له أنواع وهي الثلاثة المذكورة ، فحيث عبر عنه بالصوم أو الصيام يراد منه أنواعه المترجم لها لا ثلاثة أيام فأكثر قال في المغرب يقال صام صوما وصياما فهو صائم وهم صوم وصيام ا هـ فأفاد أن مدلول كل من الصوم والصيام واحد ولا دلالة في واحد منهما على التعدد ولذا قال القاضي في تفسير قوله تعالى { ففدية من صيام } أنه بيان لجنس الفدية وأما قدرها فبينه عليه الصلاة والسلام في حديث كعب . ا هـ . نعم يأتي الصيام جمعا لصائم كما علمته لكن لا تصح إرادته هنا ولا في الآية كما لا يخفى ، ولو سلم أن الصيام جمع لأفراد الصوم فلا أولوية في العدول إليه لأن أل الجنسية تبطل معنى الجمعية فيتساوى التعبير بالصوم وبالصيام هذا تقرير كلام الشارح على وفق ما في النهر فافهم ، وعلى هذا فيشكل ما مر عن الظهيرية وإن قال في النهر لعل وجهه أنه أريد بلفظ صيام في لسان الشارع ثلاثة أيام فكذا في النذر خروجا عن العهدة بخلاف صوم ا هـ يعني أن لفظ صيام وإن لم يكن جمعا لكنه لما أطلق في آية الفدية مرادا به ثلاثة أيام كما بين إجماله الحديث فيراد في كلام الناذر كذلك احتياطا فتأمل ( قوله : والأصح إلخ ) انتهى كلامه.

أقول :

هذا القول بأن الجمع يشير إلى تعدد المدة وليس تعدد الامساكات ، فكان القول هو أن صوم يوم يقال له (صوم) فإن كان ثلاثة أيام فأكثر كان (صياماً) وهذه صورة أخرى انكرها صاحب المصنف ، فأقول لما كان الصيام مناطه الامساك والامتناع عن فعل محدد وجب تقديم الامساكات -عند الاشارة إلى عبادة الصوم – على المدة فلا يصح القول بأن الصوم لما دون ثلاثة أيام وما يزيد يكون صياما ، بل كما أسلفنا فإن العبرة بعدة الامساكات والامتناعات للتفريق بين الصوم والصيام ، ووجاهة ذلك القول مستمدة من النص القرآني الذي يفرد الامتناع الواحد المفرد بقوله (صوم ) ويجمع الامتناعات المتعددة فيسميها (صياماً).

هذا والله أعلى وعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

الوَجْهُ الأسْلَمُ لِمَفْهُومِ المُتَشَابِهِ وَالمُحْكَمْ

بسم الله الرحمن الرحيم

الوَجْهُ الأسْلَمُ لِمَفْهُومِ المُتَشَابِهِ وَالمُحْكَمْ

 

 الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده                           وبعد

 

يقول الحق جل جلاله :

 

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [آل عمران:7]

 

توطئــة

 

استوقفتني هذه الآية الكريمة كما استوقفت غيري فأدركت أهمية تدبرها والبحث حتى الوصول لمفهومها فتتبعت أقوال علمائنا الأجلاء فيها فكان حولها الكثير من الإشكالات والتساؤلات والتعارضات ، فلم أقع على إجماع على المتشابه وتحديد دقيق للمحكم ، ولم أجد حديثاً نبوياً شريفاً بشأن التفريق بين المحكم والمتشابه بل أقوال منقولة يختلف بعضها عن بعض وتتلاقى في مواضع أخرى.

وقد بحثت منطلقاً من لبنات الآية ومفرداتها حتى وصلت من خلال هذا البحث لنتيجة وجيهة استناداً للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، وقد قسمت البحث إلى قسمين أتطرق في أولهما تلمس الفرق بين مفردات متكررة متعلقة بهذا المطلب وهي مفردات (القرآن ، الفرقان ، الكتاب ) ، إذ وجدت أن كلاً منها يختلف عن الآخر دلالياً ولم تستعمل في مواضعها في القرآن الكريم جزافاً بل لأن كلا منها يناسب الموضع الذي وضعت فيه ولا يناسبه سواها كما اعتدنا عليه في كتاب الله جل وعلا ، فسأتطرق لتعريف كل منها ومن ثم يسهل علي في المطلب الذي يليه أن أصلها بمفهوم الفرق بين المحكم والمشابه.

 

وكل أملي من القارئ الكريم أن يقرأ ويتتبع ما كتبت بتأنٍ وروية ومراجعة ، وأن يدون ملاحظاته حتى ينتهي من قراءة البحث كاملاً فإن كان ما كتبته صدقاً وهدىً وفتحاً فالحمد لله ، وإن كان خطأً وسوء تقدير وفهم فاستغفر الله تعالى من الزلل وأرجو تصويب خطأي وستجدونني إن شاء الله من الصالحين.

 

مواطن الإختلاف عن المفاهيم السابقة

إن مفهومنا للمحكم والمتشابه وفق ما شرحه علمائنا باختلاف أقوالهم رحمهم الله كان يستند إلى جذر أساسي ينظر إلى الكتاب على أنه تسمية أخرى للقرآن الكريم وأن أي إشارة وذكر لمفردة الكتاب فإنه يشير إلى القرآن الكريم أو يشير إلى التوراة والكتب السماوية الأخرى بمعنى الوحي المنزل على أنبياء الله والذي دُوِّن وكُتِبَ بالأقلام على صحائف ورقية جمعت بين دفتين فكانت كتابا.

وفي مفهومنا الأدق الذي توصلنا إليه ونطرح اليوم إثباته هنا نقول بأن هذا القول غير دقيق فقد وجدنا أن مفردة الكتاب في التعبير القرآني لا يقصد بها الوحي السماوي المسمى بالقرآن والتوراة والإنجيل والزبور ولا تعني مفردة كتاب ما جمع مكتوبا على صحف بين دفتين كما يُعْتَقد.

وبالتالي سيختلف مفهوم المحكم والمتشابه طالما أن الأساس الذي بنى العلماء مفهومهم للمحكم والمتشابه وهو الكتاب وطالما اختلف فسيختلف ما يتبع ذلك في الآية السابعة من آل عمران وهي موضع البحث هنا.

إن مفهوم الأوراق المكتوبة بالحبر والمجموعة بين دفتين وتسميتها كتاب إنما هو تحور في المفهوم حدث بمرور الزمن وإلا فإن القرآن الكريم أسمى تلك الأوراق (قراطيس) يقول تعالى :

{ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } [الأنعام:91]

أي شرعاً منزلاً تكتبونه في صحائف تظهرون منها ما وافق أهوائكم وتخفون من الشرائع ما خالف شهواتكم وأقام عليكم الحجة فتتلاعبون بفرائض الله وتعبثون  بالتنزيل تحريفا وإخفاءً.

ويقول جل شأنه :

{ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } [الأنعام:7]

فلو كان الكتاب هو الورق المجموع بين الدفتين لما استدعى الأمر أن يؤتى بمفردة (قرطاس ، قراطيس) ، فطالما كان كتابا (مجموعاً) لوجب أن يكون في ورق ولكن المراد من قوله تعالى  “كتاب في قرطاس أي شريعة مدونة على ورق ، أي لو أن الله أنزل شريعته من السماء إلى الأرض مكتوبة في صحائف فرأوها بأعينهم ولمسوها بأيديهم فلن يكفهم ذلك وسيصفونه بالسحر المبين  فهذا تبيان آخر للفرق بين مفهوم الكتاب في استعمالنا اليوم وبين المفهوم القرآني للمفردة.

إننا يجب أن نقر بأن استعمال المفردات اعتراه الكثير من التحوير والتغيير فأضحت تستعمل على غير ما كانت تستعمل في أصلها وأمثلة ذلك في حياتنا كثيرة نذكر منها على سبيل المثال في مفردة (الإنسان) التي ما وردت في كتاب الله  إلا على سبيل التحقير والوضاعة في مادة الخلق وفي سوء الخلق ولكن استعمالنا لها اليوم أصبح للتكريم والتبجيل فصارت الإنسانية مرادف للعطف وحسن الخلق (وسبق لي نشر بحث بذلك) ، فهل نحتج الآن بسوء استعمالنا للمفردة على القرآن ؟ أم أن القرآن الكريم هو الحجة ؟؟.

وهكذا فإن مفهوم مفردة الكتاب يجب ردها لسياقها القرآني ومفهومها الحقيقي فيكون هو الحجة وليس ما درج عليه الآباء والأجداد هو الحجة على التنزيل الحكيم.

إن مفهومنا للكتاب وفق السرد القرآني الدقيق هو الشرائع المكتوبة والفرائض الواجبة على المسلمين دون سواها وتلك الفرائض منزلة في القرآن الكريم محكمة مجملة ومنزلة أيضا في السنة النبوية والحديث الشريف ولكنها مفصلة وهنا نجد المتشابه أما التنزيل الحكيم فكله محكم كما سنرى في هذا البحث.

ومن أحد الظواهر القرآنية الجديرة بالتأمل والتي تثبت ما سنصل إليه في هذا البحث هو تسمية “أهل الكتاب”  فلك أيها القارئ الكريم أن تتساءل، لماذا جمع اليهود والنصارى تحت إسم (أهل الكتاب)؟ ، فلو كان القرآن كتاب والإنجيل كتاب والتوراة كتاب بمفهوم المخطوط بالحبر على الورق لأسمى الله اليهود والنصارى (أهل الكتابين) بصيغة المثنى ،  ولكن لمَّا كان المعنى من مفردة الكتاب (الشريعة) وما كتبه الله عليهم من الفرائض ولمَّا كان عيسى عليه السلام أتى متبعا لشريعة موسى عليه السلام ولم يأت بشريعة جديدة فقد نُسِبَ أهل الديانتين (اليهود والنصارى) إلى كتاب واحد أي شريعة واحدة.

وهي كما في الدين الإسلامي نزلت ضمن التوراة وفصلت وحيا آخراً ضمن سنن موسى عليه السلام القولية والفعلية.

الاحتجاج بأقوال العلماء رحمهم الله

إن الاحتجاج على مفهومنا بأقوال العلماء رحمهم الله في مفهوم المحكم والمتشابه لا يمكن اعتباره وجيها يرد القول ويظهر الخطأ فيه ، ذلك أن الإتيان بتلك الأقوال على سبيل الاحتجاج لا محل له هنا لأن الاختلاف يعود لأصل المسألة وهو اعتبار الكتاب هو مرادف للقرآن والكتاب هو القرآن وهذا مفترق الطرق فإن أراد أحد أن يرد القول بالحجة فعليه أولا أن يثبت خطأ القول بأن مفهوم مفردة الكتاب تعني الشريعة الموحى بها من الله وما كتبه على خلقه وليس ما بين الدفتين من أوراق مدونة مكتوبة هنا تكون قضيت على الفكرة في مهدها وبينت خطأها بدون الحاجة للانتقال لما بعد ذلك وهو مفهوم المحكم والمتشابه.

وهذا المفهوم إنما تأسس على غير ما تأسس عليه المفهوم التقليدي لذلك فلا ينقض الفكرة إلا ما ينقض أساسها. ولكننا في سبيل تبيان أقوال العلماء رحمهم الله في المحكم والمتشابه سنورد ملخصا للمشهور من أقوالهم مما سيساعد القارئ الكريم على تبين مانحن بصدد إثباته ومقارنته مع سبق من أقوال :

فتح القدير للشوكاني (1/ 360)

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ الْمُحْكَمَاتِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ عَلَى أَقْوَالٍ

1-فَقِيلَ: إِنَّ الْمُحْكَمَ: مَا عُرِفَ تَأْوِيلُهُ، وَفُهِمَ مَعْنَاهُ، وَتَفْسِيرُهُ. وَالْمُتَشَابِهُ: مَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ سَبِيلٌ. وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، قَالُوا: وَذَلِكَ نَحْوُ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ

2-وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ: مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا، وَالْمُتَشَابِهُ: مَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، فَإِذَا رُدَّتْ إِلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَأُبْطِلَ الْبَاقِي صَارَ الْمُتَشَابِهُ مُحْكَمًا وَقِيلَ: إِنَّ الْمُحْكَمَ: نَاسِخُهُ، وَحَرَامُهُ، وَحَلَالُهُ، وَفَرَائِضُهُ، وَمَا نُؤْمِنُ بِهِ وَنَعْمَلُ عَلَيْهِ، وَالْمُتَشَابِهُ: مَنْسُوخُهُ، وَأَمْثَالُهُ، وَأَقْسَامُهُ، وَمَا نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نَعْمَلُ بِهِ. رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،

3-وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ: الذي ليس فيه تصريف ولا تحريف عما وضع له، والمتشابه: ما فيه تصريف، وتحريف، وَتَأْوِيلٌ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ

4-وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ: مَا كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يرجع فيه إِلَى غَيْرِهِ، وَالْمُتَشَابِهُ:

مَا يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْمُحْكَمَاتِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ. ا.هـ

وهنا يحضرني تعليق على القول الرابع وهو ما وصفه النحاس بأنه أحسن ما قيل في المتشابهات إذ يقول : المحكم ما كان قائما بنفسه لا يحتاج إلى أن يرجع فيه إلى غيره والمتشابه ما يرجع فيه إلى غيره ا.هـ.

وأقول كيف ذاك والله يقرر بأنه لا يعلم تأويله إلا الله ؟؟ ومن هذا الغير الذي يشارك الله في علم لا يعلمه سواه ؟؟

 

المطلب الأول : مفهوم مفردة (القرآن)

 

إن هذا البحث يقوم في أساسه على إعادة فهم وتعريف وتحديد المعنى الدقيق لمفردتي الكتاب والقرآن حتى نتمكن من إثبات أنهما ليسا مترادفين وأن كلا المفردتين تحمل كل منهما دلالة تختلف عن الأخرى .

وهذا البحث كما سبقه من الأبحاث فإني سأبدأ بالتعريف ومنه سننطلق لأبعاد البحث الأخرى لنستطيع مقارنة استقرائنا مع التعريف فنقول وبالله التوفيق بعد البحث والتقصي واستقراء الآيات تبين لي بأن تعريف القرآن هو:

 

هو : كَلاَمُ اللهِ تَعَالَى الّذِيْ نَزَّلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ مِنَ الوَحْيِ المُحْكَمِ المُثْبَتِ رَسْمَاً وَنَصَّاً المُتَعَبَّدِ بِقِرَاءَتِهِ وَتَرْتِيِلِه.

 

وهو : كُلُّ مَابَيْنَ الدَّفَّتيْن مِنْ بَسْمَلَة الفَاتِحَةِ إلى آخِرِ سُوْرَةِ النَّاسْ.

 

وهنا نعلم أن الله جلت قدرته قد أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وحييْن اثنين ، أحدهما القرآن الكريم والآخر هو الحديث الشريف الذي يحمل تفصيلاً للتشريع ، ولكن الحديث لا يتعبد المسلم بقراءته كالقرآن وقد يختلف لفظه من راوٍ لآخر مما يفرد ويميز القرآن عما يتوافر في السنة النبوية وعلى هذا الأساس كان القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع مكتسباً صفة قطعية الثبوت.

والله جل وعلا حين يورد مفردة القرآن فإنها ترد على سبيل تمييز الوحي الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم عن سواه حيث أن التوراة نزلت على موسى والإنجيل على عيسى عليهما السلام ، وتأتي على سبيل التذكير بميزة القرآن المتعلقة باسمه وهي “القراءة” المتعبد بها ، ما يميزه عما سبقه من الوحي النازل على أنبياء الله ، وسنتتبع فيما يلي ذكر مفردة القرآن في التنزيل الحكيم باستعمالين فالمجموعة الأولى تصنف على أنها ذكر القرآن في إشارة للقراءة أو الإنصات كعبادة في حد ذاتها ، والثانية للإشارة تمييزاً للوحي المحكم المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن بقية الكتب السماوية النازلة على سواه من الأنبياء عليهم السلام.

يقول تعالى:

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [البقرة:185]

وهنا نلحظ بوضوح استعمال تسمية “القرآن” لارتباط شهر رمضان بقراءة القرآن تعبداً.

{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الأعراف:204]

 

وهنا استعملت التسمية في سياق الحديث عن القراءة بصوت مسموع وما يتعلق بها من حكم وهو الإنصات والاستماع و لم يتطرق لتسمية التنزيل الحكيم بالكتاب في هذه الآيات .

 

{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [النحل:98]

{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } [الإسراء:45]

{وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا } [الإسراء:46]

 

{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [الإسراء:78]

{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا } [الإسراء:106]

 

فأشار تعالى للتنزيل الحكيم في المواضع السابقة باسم القرآن لأن المسلم يتعبد بقراءته أو الإنصات له فلم يسمِّه بالكتاب إلا أن القرآن الكريم يشتمل عليهما وسنأتي على ذلك لاحقا.

وفيما يلي سنستعرض نماذج من الآيات التي يرد فيها اسم التنزيل الحكيم “القرآن” على سبيل التمييز كوحي اختص به محمد صلى الله عليه وسلم دون بقية الأنبياء والرسل عليهم السلام.

 

يقول تعالى :

 

{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [النساء:82]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } [المائدة:101]

{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة:111]

{مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ } [طه:2]

{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ } [يس:69]

{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } [الزخرف:31]

وأختم بآية بينة تثبت بأن القرآن والكتاب ليسا بذات الشيء فيقول تعالى:

{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [الإسراء:88]

 

فالتحدي في هذه الآية هو الإتيان بآية من القرآن وليس من الكتاب ذلك أن القرآن كله محكم ولكن الكتاب فيه المحكم والمتشابه والقرآن توقيفي في نصه بينما الكتاب تصنيف وليس اسم جنس والكتاب كتصنيف أوتي موسى قبل محمد صلى الله عليهما وسلم كما أنه يشتمل على ما هو دون ذلك وسيأتي توضيح ذلك في نتيجة هذا البحث .

 

المطلب الثاني : مفهوم مفردة (الكتاب)

 

نجد أن مفردة “الكتاب” وردت في وصف ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك ما نزل على موسى عليه السلام ، والحقيقة أني لاحظت -كما سبق وقلت- خلطاً بين مفهوم الكتاب الذي نعرفه اليوم وهو الصحائف الورقية المكتوبة وبين المفهوم الحقيقي لمفردة “كتاب” في القرآن الكريم .

وبعد تتبع واستقراء المفردة فقد وجدت ان معنى مفردة كتاب هو:

 كُلُّ مَا فَرَضَهُ اللهُ وَأوْجَبَهُ عَلى خَلْقِهِ مِنْ شَرَائِعَ وَفَرَائِضَ ومحرمات سَوَاءً وَرَدَتْ فِي التَّوْرَاةِ أوْ فِيْ القُرْآنِ أوْ فِي مَا سِوَاهُمَا مِن الوَحْيِ المُنزَّلِ عَلَى أنْبيَائهِ عَليْهِمُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمْ.

 

وهنا سأورد حول مفردة الكتاب عدة إضاءات أرجو أن تبين المراد وتوضح المقصد:

 

الإضاءة الأولى : ليست كل آيات القرآن الكريم كتاباً (أي شريعة وفرائض) بل يشتمل القرآن الكريم على الفرقان والذكر والبينات سوى الكتاب.

 

الإضاءة الثانية : أن الحديث الشريف يشتمل على الكتاب أيضاً ذلك أن الله تعالى يفصل شرائعه المكتوبة على خلقه وحياً إلى نبيه فيكون سنة عملية أو قولية يتبعها المسلمون يعتبرونها شريعة وواجباً ينبغي اتباعه ، فالكثير من الشرائع لم يرد تفصيلها في القرآن بل أتى من خلال الوحي الآخر المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم ، فها هو صلى الله عليه وسلم يقول:

 

عن عبد الرحمن بن أبي عوف عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه. أهـ.

 

فاشتمل الحديث على تشريع وواجب ومحظور وهذا من الكتاب في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم كثير.

 

الاضاءة الثالثة : أن نبي الله موسى عليه السلام أوتي كتاباً أي شريعة بعضها في التوراة وبعضها نزلت وحياً عليه في حينها ، واشتملت التوراة على الكتاب وعلى الفرقان (ما نزل على سبيل الاحتجاج على أهل الكفر والباطل) ، فأما الكتاب فقد أثبت منه ما أثبت وقد نسخ منه ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب ناسخاً لشريعة سابقة.

وفيما يلي سنتتبع مفردة “الكتاب” في القرآن وفي الحديث الشريف لنجد أنها في كل مواضعها تدل على الشرائع والفرائض والواجبات .

 

تتبع مفردة “الكتاب” في القرآن الكريم

 

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } [البقرة:44]

 

هنا يخاطب الله أهل الكتاب فقرن مفردة الكتاب بالأمر والنهي وذلك مقتضى مفردة “الكتاب” ولم يقل التوراة لأن المراد هنا اتباع واجبات الشريعة وفرائضها ، ولو عدنا للآية السابقة لمراعاة السياق لرأيناها تتحدث عن الشرائع والفرائض (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِين).            

 

{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [البقرة:53]

 

وهما وجهان من وجوه التنزيل على موسى ، الأول الشرائع والواجبات وهو (الكتاب) والثاني هو (الفرقان) وهو كل ما نزل على سبيل الاحتجاج والتفريق بين الحق والباطل و كلا التصنيفين ينطبق على ما نزل أيضا على نبينا صلى الله عليه وسلم.

 

{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}  (79البقرة)

 

أي يفرضون شرعاً ويوجبون أمراً مدعين أنه من الله ليجمعوا المال من الناس بالباطل (الثمن القليل) وهو ليس من الكتاب بل كتبوه بأيديهم فأدخلوا في الوحي ما ليس منه.

 

{ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [البقرة:85]

 

فأتت مفردة الكتاب في معرض الحديث عن الأمر والنهي والفرض والواجب والترك فناسب الإتيان بمفردة الكتاب للاشارة لما يناسبها وهو الأمر والنهي.

 

{قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ } [الأحقاف:30]

 

وهنا يحسن بنا التأكيد على وجود التفريق بين الكتاب كأوراق مصففة بين غلافين والكتاب بمعنى (الشرع والفرض) وما كُتب على الناس من واجبات ومنهيات ، وهنا نذكر بأن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أتت ناسخة لشريعة موسى لأن عيسى ما أتى إلا متبعاً لموسى عليهما السلام وللكتاب الذي تضمنته التوراة (الشريعة)  وليس مجدداً بشريعة أخرى سوى بعض التخفيف عن بني اسرائيل فسمي اليهود والنصارى في القرآن أهل الكتاب أي اتباع الشريعة شريعة موسى كما أسلفنا من قبل :

 

{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } [آل عمران:50]

 

فهو عليه السلام في الأصل متبع للتوراة ولشريعة موسى عليه السلام وإذا نزل آخر الزمان أتى متبعاً أيضاً لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

 

قال صاحب التحرير والتنوير رحمه الله:

ووصْف الكتاب بأنه { أنزل من بعد موسى } دون : أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن «التوراة» آخر كتاب من كتب الشرائع نزل قبل القرآن ، وأما ما جاء بعده فكتب مكملة للتوراة ومبينة لها مثل «زبور داود» و«إنجيل عيسى» ، فكأنه لم ينزل شيء جديد بعد «التوراة» فلما نَزل القرآن جاء بهدي مستقل غير مقصود منه بيان التوراة ولكنه مصدق للتوراة وهادٍ إلى أزيد مما هدت إليه «التوراة» إ هـ .

 

{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}  ( البقرة 176).

 

فأتت مفردة الكتاب متلازمة مع الشرائع والفرائض فنراها قد سُبقت بأحكام الذبائح وتلاها تفاصيل لشرائع وفرائض الوصية وأحكامها ونذكر منها على سبيل المثال قوله تعالى:

 

{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}   (183البقرة )

 

ما فُرض فهو فريضة وما أوجِب فهو واجب وما شرع فهو شريعة وبالتالي فإن ما كتب فهو كتاب.

 

وقد ترافقت مفردتي (الحكم) و(الكتاب) ليتحقق جلياً مفهوم التشريع والحكم به على المؤمنين من قبل أنبيائهم أو من تولوا أمرهم في هذه المفردة فيقول تعالى:

 

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [البقرة:213]

 

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ } [آل عمران:23]

{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } [آل عمران:79]

{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } [النساء:105]

{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [المائدة:48]

وهذه الآية الكريمة من أبرز وأوضح ما يبين أن الكتاب هو الشريعة والمنهاج وجدت أولها عند أهل الكتاب فكانت الشرعة والمنهاج الذي هيمن عليه الكتاب الذي أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

 

{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } [هود:1]

ولو طبقنا مفهومنا للكتاب على هذه الآية لوجدناه متسقا منضبطا فالآيات المحكمات هي الشرائع المجملة الواردة ضمن القرآن الكريم وأتى بعد ذلك “ثم” التي تفيد الترتيب على التراخي وهو الجزء من الكتاب الذي أوحي به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فكان سنته القولية والفعلية تفصيلا للمحكم من الكتاب.

 

{أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } [الأنعام:114]

وهنا أيضا نجد مفهوم الآية متمما للتي سبقتها ، فالله أنزل الكتاب مفصلا فكانت صفة الصلاة مثلا التي فصلت في السنة مشابهة إلى حد كبير لصلاة اليهود لذلك قال تعالى “وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ” ذلك أن تفصيل الشرائع مطابقة لما هم عليه من الكتاب لأنهما من مشكاة واحدة.

وفي الآيتين السابقتين نجد أن (التفصيل) يتلازم مع الكتاب (التشريع).

 

{يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } [مريم:12]

وهكذا يتلازم الكتاب والحكم وتتراوح القوة مع الشريعة “الكتاب” لأن تحقيق شرع الله وفرضه في الأرض يستلزم الحزم والقوة ونبذ التراخي والتجاهل والتساهل.

 

{وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } [الجاثية:16]

{مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ}  (القلم 38)

 

ونجد هنا أيضاً التلازم بين الحكم والكتاب.

 

{ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ } [فاطر:29]

 

وهنا يجدر بنا تبيان مفهوم التلاوة ، فتلاوة كتاب الله هنا لا تعني قراءة القرآن بل اتباع شرائعه، فقوله تعالى (يتلون) أي يتبعون فالتالي هو المتبع ، وكتاب الله بمعنى فرائضه ونلحظ كيف أتت الفرائض المقصودة بعد ذلك في قوله (وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم) فأنت بصيغة الماضي بينما تلاوة كتاب الله التي سبقتها ورجاء التجارة التي لن تبور فكانت الواو العاطفة في (وأقاموا) قائمة محل الفاء السببية وأتت بصيغة المضارع ليستقر المعنى التالي :

 

إن الذين يتبعون شرائع الله وفرائضه فيـصومون وينفقون فإنهم يرجون تجارة لن تبور.

 

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [البقرة:121]

وهنا يكون اتساق المعنى فالذين يتلون الكتاب حق تلاوته أي:  يتبعون الشرع حق الاتباع ، أولئك باتباعهم هذا يثبتون إيمانهم بشريعة الله ، ولو كان المراد بتلاوة الكتاب قراءة القرآن فإن ذلك لن يكون كافياً لإثبات الإيمان ما لم يرافقه اتباع لما افترض الله على عباده من واجبات وشرائع فنجده تعالى يقول (أولئك يؤمنون به) فأثبت صفة الإيمان لمتبعي الشرع الذي آتاهم الله وأما القراءة وحدها فلا تكفي لإثبات الإيمان.

قبل ان ننظر فيما ورد مختلفاً عما سلف وددت ان أوضح الوجه الآخر من التلاوة ، فقد تحدثنا عن تلاوة الكتاب وقلنا أنها اتباع الشرع والواجب وترك المنهيات والمحرمات ، ولكن ماذا عن تلاوة الآيات ؟

إن (تلاوة الآيات) و(تلاوة القرآن) كما سياتي تعني قراءة اتباع وخضوع وإذعان ، وقد سبق في بحث سابق تبيان مفهوم التلاوة إجمالاً على أنها قراءة أوامر من سلطة عليا قراءة خضوع وإذعان واتباع فالقارئ لا يقرأها مجردة بل يتبع ما جاء فيها ويأتمر بما فيها من أوامر ، فعموم المعنى لمفردة التلاوة هو الاتباع والخضوع والاذعان وليس القراءة المجردة.

 

مَوَاضِعُ الاخْتِلاَفِ عَمَّا ذُكِر

 

هناك موضعين في القرآن الكريم ربطت فيه القراءة بالكتاب والتلاوة بالقرآن خلاف المواضع الأخرى التي مررنا عليها وتوجيهها هو كما يلي:

{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} (94) يونس .

فقال (يقرءون الكتاب وليس يتلون الكتاب ) والمراد (اليهود والنصارى) وكتابهم فيه نبوءة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو كتاب (فرض وأمر) ولكنهم لا (يتلونه) أي لا يتبعونه (في هذا الأمر) بل يقرأونه لأنهم لو اتبعوه لاتبعوا دعوتك المكتوبة في الكتاب المفروض عليهم ، ولكنهم لا يتلون الكتاب حق تلاوته بل (يتبعون الشريعة) في فرائض أخرى ولكن تحديداً كانت الآية تعني الجزء الخاص بالإخبار بمجيئه صلى الله عليه وسلم وفرض اتباعه على الأمم كافة ، وتقدير الآية (فاسأل يا محمد الذين يقرأون ما أنزل إليهم من الكتاب ويجدون البشارة بمجيئك)

 

{ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ} (92) النمل .

 

وقد قلنا بأن القرآن اشتمل على كتاب وذكر وحكمة وموعظة ، وتلاوة القرآن لا تتعارض مع قراءته ، فالتلاوة تعبد باتباع ما فيه من الكتاب وقراءة القرآن تعبد بالقراءة ، والكافر المخالف إذا قرأ القرآن لا يصح القول (يَتلوَ القرآن) لأنه غير متبع فهو يقرأ ولكنه لا يتلو ، والتلاوة متلازمة مع القراءة فليس كل قارئ تالٍ ولكن كل تالٍ قاريء بالضرورة ، وهنا نجد أن الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للكافر المخالف أنني أمرت باتباع ما يوحى إلي (القرآن) وأفرده دون الوحي الآخر لأنه وجه الإعجاز الذي كان الحجة والبينة الرئيسية التي أوتيها نبينا صلى الله عليه وسلم.

 

المطلب الثالث : مفهوم التأويل

التّأويْل : مَآلُ الأَمرِ الغَامِضْ وَ مَقْصِدُهُ وَمُنْتَهَاهْ.

وما هو على مراد الله تعالى من القول على وجه الدقة ، وسمي تأويلاٍ لأنه يحمل على (أوّل) معنى مقصود من القول ، وهو منتهى حقيقة الشيء حسب مراد الله.

أما التَّفْسِيْر : رَأيُ القَاَرِئِ فِيْ النَّصِّ بِنَاءً عَلَى قَرَائِنَ وَدَلالاتٍ وَاسْتِنْبَاط .

وقد يصيب التفسير تأويلاً وقد لا يصيب ، والتفسير يحمل أوجه عدة قد تصح وقد لا تصح فهي اجتهاد يعمل المفسر فيه عقله أما التأويل فهو لا يحتمل الخطأ ، وقد يحتمل النص تفسيرات مختلفة باختلاف العصور والأزمان والظروف وقد تصيب كلٌ في وقته والظرف المحيط به ولكن التأويل واحدٌ لا يتغير ، ويمكن الاجتهاد و القول بتفسيرات متعددة كما اسلفنا ولكن لا يجوز الجزم بتأويلٍ إلا ما أوَّلهُ الله لنا في كتابه.

لننظر في كتاب الله ونتتبع مفردة التأويل :

وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف:6]

ففي الوقت الذي يحتمل التفسير معانٍ عدة فيها الصواب وفيها الخطأ فإن التأويل لا يحتمل الخطأ لذلك كانت معرفة يوسف  بقراءة الرؤى وتعبيرها تأويلاً لا يحتمل الخطأ وليس تفسيراً لأن الله  من علمه هذا العلم ، وتعبير الرؤى يسمى تفسيراً فإن وقع مثل ما عبره المعبر كان تأويلاً لموافقته لحقيقة الرمز.

 

{قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:78]

 

فما أخبر به الخضر إنما كان من خبر الله له فكان تأويلا على مراد الله أما لو كان اجتهاداً يتلمس المراد مما لم يستطع عليه صبراً لسمي ذلك تفسيراً

 

وعندما دعى الرسول  لابن عباس  ففي المستدرك على الصحيحين للحاكم عن ابن عباس ـ  ـ قال: كان رسول الله  في بيت ميمونة فوضعت له وضوءا فقالت له ميمونة: وضع لك عبدالله بن العباس وضوءا، فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي والعراقي والبوصيري والألباني.

فلا شك ان الدعاء بالتاويل هو ابلغ فالتأويل معرفة مراد الله على وجه الدقة وإلا فالتفسير يقول فيه كل أحد ولكن لا يوافق قول التأويل إلا من فتح الله عليه أو أكرمه بدعوة النبي  كابن عباس  وأرضاه (بغض النظر عن صحة الروايات المنسوبة إليه في زماننا هذا).

 

ونعود للآية موضع البحث:

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [آل عمران:7]

 

وهنا فقد قلنا بأن المراد من المحكم هو القرآن الكريم فكله محكم ، وأما المتشابه فهو (بعض السنة والحديث) وليس كله والتبعيض أتى في الآية الكريمة لا يدل على أن كل السنة متشابه بل أن المتشابه لا يخرج من الفرائض (الكتاب) الوارد في السنة النبوية المطهرة.

ولكن كيف يكون ابتغاء التأويل:

عندما يبتغي من في قلوبهم زيغ تأويل تفصيل الكتاب ولِمَ كانت الركعات في الصلوات كذا ، أو أحكام النسك المختلفة من أحرام ورجم وميقات وعدد اشواط طواف وغيرها من الأحكام الواردة مجملة في القرآن وفصلت في السنة كالزكوات والصدقات وتفصيل الشرائع النازلة في ضمن الحديث الشريف فيستخدمون تلك الاسئلة في الطعن في الشريعة كما نرى اليوم من طعن في الاحكام والحدود والحجاب بل وحتى الصلاة فهذا الأمر واقع منذ زمن النبي  إلى يومنا هذا.

 

المطلب الرابع: مفهوم المحكم والمتشابه

 

والآن وقبل أن نعرض ما توصلنا إليه سنلخص ما سبق فنقول وبالله التوفيق:

 

أولاً: إن مفردة الكتاب في القرآن الكريم تعني الفرائض والشرائع ولا يقصد بها ما بين دفتي القرآن من أوراق مكتوبة.

ثانياً: إن الكتاب (الشرع والواجبات) ليست حصراً ضمن القرآن الكريم فقد نزلت على النبي ضمن سنته القولية والفعلية وتواترت إلينا.

ثالثاً: وبالتالي فإن (القرآن) لا يقصد به (الكتاب) فالقرآن يشتمل على جزء من الكتاب وكما يشتمل على الفرقان وهو ما نزل في القرآن على سبيل الاحتجاج على أهل الكفر والباطل.

رابعاً: إن تلاوة الكتاب لا تعني قراءة القرآن ، فقراءة القرآن أتت بهذا التعبير مباشرة أما تلاوة الكتاب فكانت تشير إلى اتباع الشرائع المكتوبة (المفروضة).

 

وبالتالي وعلى ضوء ما تقدم من مفاهيم فإن المحكم من الكتاب هو:

 

{مَا أنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الشَّـرَائِعِ وَالفَــرَائِضِ وَالأَمْــرِ وَالنَّهْيِ بِالإتْيَــانِ والتَّــرْكِ ضِمْــن القُــرْآنِ الكَــرِيْم وَ آيَاتِهِ وَ سُــوَرِهِ.}

 

والمتشابه من الكتاب هو:

 

{مَا أنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الشَّرَائِعِ وَالفَرَائِضِ وَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالإتْيَانِ والتَّرْكِ ضِمْن سُنّةِ مُحَمَّدٍ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم القَوْلِيَّةِ وَالفِعْلِيَّةِ المُتَوَاتِرَةِ والصَّحِيْحَة.}

 

ولعل فهم مسمى (المتشابه) يقودنا لتأكيد التعريف الذي وصلنا إليه ونلحظ أن تصنيف مواضع من القرآن على أنه متشابه ليس لثبوت كونه من المتشابه بنص شرعي بل لأن من نسب إليه التشابه خفي عليه معناه أو جهل توجيهه فلجأ لتصنيفه من ضمن المتشابه.

ولذلك فإن المتشابه الذي يصنف من القرآن الكريم ليس من الثابت نسبة التشابه إليه فالأمر متعلق بالقارئ وليس بحقيقة النص.

إن مفردة (المتشابه) تدل في أصلها على وجود مشبه ومشبه به بينما نجد المنسوب إليه التشابه لا يعلم مشبه بماذا ؟؟.

 

قراءة في أحد الأقوال

جاء في كتاب (الواضح في علوم القرآن) الفصل الثالث نماذج من الآيات المنسوب إليها التشابه ، وقبل أن أقتبس النص المشتمل على تلك الآيات فإني أدعو القاريء الكريم الى تحديد ماهية التشابه ومع ماذا تتشابه ؟ وسيغلق على كل قارئ فلن يجد أية صورة من صور التشابه يقول الكاتب معدداً نماذج من المتشابه (على حد قوله) :

” قال الله تعالى:

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ} [المجادلة: 7].

{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85].

{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا} [الطور: 48].

وقال سبحانه: {الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى} [طه: 5]

{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ} [الزخرف: 84]

{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 3].

وقال جل جلاله: {وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22].

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ} [البقرة: 210].

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً} [الأنعام: 158].

وقال سبحانه: {يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]

{وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54- 55].

تلك آيات من المتشابه من جهة المعاني في القرآن الكريم، ولا سبيل إلى معرفة حقيقة المراد بها”.

انتهى كلامه.

 

فما هو السبيل للإقرار بأن الآيات الآنفة من المتشابه؟ وأين المشبه والمشبه به في تلك الآيات؟ وإذا كان المتشابه قد ذكر في القرآن فتحديد ماهيته وموضعه يجب أن يكون من القرآن وما نراه هو رأي بشري ليس له سند من وحي قرآني أو حديث نبوي.

إن الآيات الآنف عرضها في كتاب الواضح في علوم القرآن لها توجيه وفهم متفق مع مثيلاتها وأوجه متعددة من التفسير وليست مبهمة فالله جل وعلا أنزله قرآنا عربياً ليفهمه الناس ويعوا حروفه وكلماته وجعله مبين واضح لا لبس فيه ولا اختلاط ، ولو قيل إنها (مشتبهة) لكان الأمر مفهوماً ، فالاشتباه في مفاهيم الآيات واقع وممكن ولكن أن يقال (متشابه) وجب حينذاك أن يوضح المشبه والمشبه به وهذا ما لا يتوافر في الآيات المذكورة.

 

شَوَاهِدٌ قُرْآنِيَّةٌ عَلَى مَعْنَى التَّشَابُه

 

إن معنى التشابه في القرآن الكريم واستعمال هذه المفردة لم يأتِ إلا بتوضيح المشبه والمشبه به وسأعرض بعض أمثلة على ذلك:

 

{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [البقرة:25]

 

وهنا يفهم التشابه بوجود مقارنة بما رزقهم الله في الدنيا مع ما رزقهم به في الجنة فكانت المقارنة بين صنفين .

 

{ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } [البقرة:70]

 

وهذه صورة أخرى يوضح فيها أن التشابه حدث بين البقر وبين الوصف الذي تلقوه للبقرة المقصودة.

 

{ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [الزمر:23]

 

والتشابه هنا ليس المراد به ما يتبعه أهل الزيع (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة) بل تشابه آياته في حسن نظمها وكمال سبكها وتشابه أحكامه وتكاملها بين القرآن الكريم وبين السنة النبوية المطهرة.

 

وجْهُ نِسْبَةُ التَّشَابُه لِلسُّنَّة

 

نحن توصلنا إلى أن القرآن الكريم محكم كله وأن السنة المطهرة هي المقصودة بالتشابه ووجه نسبة التشابه للسنة هو أن الحديث النبوي يشابه قول البشر ولكن القرآن لا يتشابه مع قول البشر وقول البشر لا يشبه القرآن الكريم فالكتاب المضمن في القرآن من الفرائض والواجبات واضح بيّن لا يمكن لأحد أن يدخل فيها ما ليس منها ولكن الحديث النبوي وصف للوحي النازل على نبيه صلى الله عليه وسلم بلسانه فكان متشابهاً مع كلام البشر ولذلك تعرضت السنة للطعن والتشكيك والإنكار من أهل الزيغ والانحراف.

ومن آثار التشابه على السنة النبوية هو الوضع فيها ونسبة الحديث المكذوب للنبي صلى الله عليه وسلم فكان علم مصطلح الحديث سبيلاً لتنقية الحديث من الكذب ، بينما لم يحدث ذلك مع القرآن الكريم لأنه محفوظ بالتواتر ولا يشابه كلام البشر حتى يضاف إليه ما يحرف معناه أو محتواه.

ومن صور (التشابه) في الإرث النبوي الشريف هو تشابه أقواله البشرية صلى الله عليه وسلم التي لم يكن لها علاقة بإتيان الوحي والتشريع مع أحاديث التشريع النازلة عليه من ربه يعلم بها أصحابه التي نعدها حسب مؤدى هذا البحث من “الكتاب”

 

ومن امثلة ذلك ما ورد في صحيح مسلم :

” عن موسى بن طلحة عن أبيه قال مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل فقال ما يصنع هؤلاء ” فقالوا يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” [ ما أظن ] يغني ذلك شيئا ” . قال فأُخبروا بذلك فتركوه فأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال ” إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني [ إنما ظننت ظنا ] فلا تؤاخذوني [ بالظن ] ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل ” )

 

وفيما قرأنا يتبين لنا كيف يكون المتشابه ، فهو من جهة تشابه كلام النبي صلى الله عليه وسلم بطبيعته البشرية مع كلامه الذي يحكيه عن ربه غير القرآن .

 

ملخص مفهوم الآية الكريمة

 

وعلى ضوء ما تقدم من تفصيلات للمفهوم الذي نراه للمتشابه والمحكم فإن هذه الآية يكون مفهومها كالتالي :

 

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ : والمراد بالكتاب الشرائع والفرائض

 

مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ : وهي ما ذكر في القرآن من الشرائع والفرائض دون بقية آيات القرآن من المواعظ الامثال والقصص والذكر والتنزيه والتعظيم ، يقول تعالى :  الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ  [هود:1] واسميت (ام الكتاب) لأنها أتت مجملة تفرض الحكم الكلي ثم تفصيل الكتاب يبين ذلك المجمل.

 

وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ : هي ضمن الجزء الآخر من الكتاب (الفرائض والشرائع) تشابهت مع قول البشر ولكنها نزلت على النبي من الله وليست من بنات افكاره ولكنها نطقت بلفظه  وليست من القرآن ، ونجد فيها تفصيل للمحكم وتبيان للأحكام .

 

فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْــه : منه أي من الكتاب فإن المنافقين والمرجفين يقعون في الشرائع التي نزلت ضمن السنة النبوية فيطعنون فيها ويشككون في صحتها ويدعون تأويلها على غير حقيقة.

 

ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ : ليفتنون الناس ويصرفونهم عن الكتاب (الشريعة) ويتهيأ بذلك الطعن في القرآن وصرف معانيه إلى غير ما بينته السنة حيث انهم “على حد زعمهم” اسقطوا السنة وشككوا فيها.

 

وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ : الضمير في تأويله يعود على (الكتاب ) ويصح أن يكون الضمير يعود على المتشابه من الكتاب أي الشرائع والفرائض المفصلة في السنة النبوية الشريفة بتتبع مراد الله من تلك الشرائع وصرفها عن حقيقتها إلى ما يوافق اهوائهم كصرف حكم القطع عن معناه الصحيح ، وكالرجم و الجلد واستلام الحجر وأحكام الشريعة عامة .

 

وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ : فالمراد من الكتاب الاتباع بلا نقاش ولا رد ، بل قبول للشرائع وتنفيذ لها كما نزلت وكما أمر بها الله في الكتاب (القرآن ، السنة) فهو وحده يعلم تاويله وحقيقة منتهاه ومآله.

 

وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا : جملة منقطعة ، تعني أن الراسخين في العلم يؤمنون (بالكتاب) محكمه ومتشابهه ، ما نزل ضمن القرآن الكريم مجملا محكما وما نزل ضمن السنة النبوية متشابهاً.

 

وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ : فمن كان من اصحاب العقول السليمة والفطرة النقية الخالية من الزيغ فإن الذكرى بهذا الأمر تتحقق لهم فكل ما تعرضوا لمحاولة صرفهم وفتنتهم عن الكتاب (قرآنا و سنة) تذكروا فعادوا إلى الحق وثابوا إلى الرشد والصواب.

صورة توضيحية لمفهوم المحكم والمتشابه

توضيح مفهوم المحكم والمتشابه

الوحي وتوضيح المحكم والمتشابه والمجمل والمفصل وما يخرج عن ذلك

صور اتباع أهل الزيغ للمتشابهات

ما فتئ أهل الزيغ والفتنة والفساد ينتقصون من الكتاب المفصل “السنة النبوية” طاعنين في السنن بصور عدة نذكر منها:

  • التشكيك في صفة الصلاة.
  • التشكيك في الحدود الشرعية.
  • التشكيك في الحجاب والجلباب
  • الطعن في المناسك كاستلام الحجر والطواف والرمي ونسبة ذلك للوثنية، مبتغين تأويل تلك الأحكام ومعلوم أن الله وحده يعلم تأويلها والحكمة التشريعية منها.
  • التشكيك والطعن في الجهاد وأحكامه .

وغير ذلك كثير من أحكام الشرع عامة والأحكام المفصلة في السنن النبوية على وجه الخصوص ، فظهرت الفرق المنحرفة كالقرآنيين وغيرهم ممن ينبذ السنة الشريفة ويسعى للاستهزاء بها والطعن والتشكيك في صحتها وسلامة توافرها.

أما المؤمنين المتقين فيتبعون الكتاب محكمه “ما جاء في القرآن” ومتشابهه “ما جاء في السنة النبوية المطهرة” مؤمنين بأن القرآن والسنة كلاهما من عند الله إيمان لا يخالطه شك

إن هذا الفهم للمحكم والمتشابه متسق مع الواقع وتتحقق من خلاله مصالح عظيمة للدين ولمصادر التشريع في ظل الهجمات الشرسة الموجهة للإسلام ولكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم نذكر منها:

  • تثبيت قلوب المؤمنين تجاه سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ودفع الإيهام والاضطراب الذي يحدثه الطاعنون في الحديث الشريف من أبناء الإسلام ومن أعدائه تجاه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وسنته القولية والفعلية.

  • تحقيق القول بالإحكام للقرآن الكريم كله وعدم نسبة التشابه إليه مع أي من اقوال البشر.

  • تحقق قاعدة رد المتشابه إلى المحكم فالنص المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم المتعارض مع القرآن الكريم لا شك أنه مكذوب عليه صلى الله عليه وسلم وهنا تتحقق فائدة رد المتشابه إلى المحكم وهذا من أصول علم مصطلح الحديث الذي نقل إلينا السنة النبوية الشريفة مهذبة مبينة واضحة .

وختاماً فأرجو من الله جل وعلا أن يرينا وإياكم الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وييسرنا جميعاً لاتباع كتاب الله على الوجه الذي يرضيه عنا وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

تَصْنِيْفُ الأَصْنَاَفِ فِيْ تَعْرِيْفِ أَصْحَاَبِ الأَعْرَاف

بسم الله الرحمن الرحيم

تصنيف الأصناف في تعريف أصحاب الأعراف

يقول الحق سبحانه وتعالى :
وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) الأعرف
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وجنده
الآيات المباركات الأربع من سورة الأعراف هي الآيات الفريدة الوحيدة التي تتحدث عن هذه الفئة من الناس يوم القيامة والذي يظهر من السياق تأخرهم عن الناس في الفصل والقضاء وينتهي بهم الأمر للجنة مناً وكرماً ورحمة من الله رب العالمين.
لم يرد لأصحاب الأعراف ذكرٌ في أي موضع آخر في القرآن ولم يرد نص صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعريف أولئك الناس ومن يكونون وماهو حالهم عدا حديث مرفوع ولو كان صحيحاً لما اختلف المفسرين بعده فضلاً عما يشكل عليه من إشكالات ، وجل ما نقل فيهم أقوال منسوبة لابن عباس رضي الله عنه وأقوال المفسرين رحمهم الله تعالى.
وقد ورد التفصيل والرأي في حال أصحاب الأعراف على أقوال شتى تجاوزت اثني عشر قولاً ، وطالماً لم يفصل في الأمر فالمجال رحب في قراءة السياق وربط معطيات الآيات الكريمة مع سواها لاستجلاء حال أولئك الناس ، ولن أغرق في تفنيد الأقوال وما يشكل عليها فبعضها بيّن التهافت والضعف كالقول بأنهم ملائكة والقول بأنهم أولاد الزنا ، أما أقواها (وهو القول بأنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فحجزوا بين الجنة والنار) فعليه مآخذ عديدة أبرزها أن الله وصفهم بقوله (رجال) ولم يرد في كتاب الله مفردة رجال لتشمل الجنسين بل في كل موضع شمل الجنسين كان يذكر رجال ونساء وبالتالي فلا يستقيم ذلك القول مع مقتضى الآيات .
ثم بعد ذلك سأبدأ في منهج استجلاء الآيات بتتبع أحوال الناس يوم القيامة وكيف يتميزون عن بعضهم البعض ؟ ، وماهي أسس تمييز الخلق يوم العرض الأكبر ، وكيف تم تمييز أصحاب الأعراف وبالتالي استنباط سبب تمييز أولئك القوم استناداً على ما قد وصلنا من الهدي النبوي الشريف عن حال الناس يوم القيامة ، وفي الخلاصة نبين التوجيه الذي نرى صحته في حال أصحاب الأعراف بكل إقناع وتبيان إن شاء الله ، فإن أصبنا فربِّ ثوابكَ وأجريكَ ، وإن أخطأت فمغفرتك وعفوك وأجرك.
أحوال الناس وأصنافهم يوم القيامة
لكي نتعرف على أصحاب الأعراف يجب أن نستعرض أحوال الخلق يوم العرض بين يدي الله ، فلو علمنا حال المجرمين الذين يستكبرون عن السجود لله في الدنيا فإنهم يحرمون منه يوم القيامة فتتصل سوقهم بأفخاذهم فلا يقدرون على السجود ، فيكون حالهم متعلق بحالهم في الدنيا ، فإن قيل أن قوماً يحاولون السجود فلا يستطيعون فسنستدل على حالهم وعملهم في الدنيا بحالهم يوم القيامة.
ولو أخبرنا عن رجل خفي حسابه عن الناس ولم يعلم أهل الموقف بذنوبه علمنا بأنه كان يستر الناس فستره الله في الآخرة ، وهكذا فإن أحوال الناس يوم القيامة يستدل بها على حالهم في الدنيا والأمثلة لذلك اكثر من أن تعد وتحصر في كتاب الله تعالى وفي الحديث الشريف عن نبيه صلى الله عليه وسلم،ولذلك واستناداً لهذه القاعدة فإن أفضل أدوات فهم هذه الآية هو تتبع سمات أهل الأعراف وحالهم في الآخرة.
* دلالة “سيماهم” في قصتهم
نلحظ استعمال مفردة “سيماهم في موضعين في قصة أصحاب الأعراف ، فقد تعلقت المفردة بأصحاب النار ، وأصحاب الجنة (يعرفون كلا بسيماهم) ، وهناك فئة ثالثة تتميز من ضمن أهل النار وهم الذي قيل فيهم (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ) وهؤلاء فيما يبدو يتميزون بسمات عن بقية أهل النار.
* ارتباط الأعراف بالمعرفة
ذكرت مفردة الأعراف في الآيات مرتين ومفردة (يعرفون) مرتين فكانت دلالة المعرفة في القرآن أن الجمع كلهم متعارفين يعرف بعضهم بعضاً من الدنيا وليسوا مجاهيل فلهم ببعضهم علاقة في الدنيا انعكست على موقفهم في الآخرة ، ولهم عمل في الدنيا انعكس وظهر على حالهم في الآخرة.
سيماهم وما يعرِّفنا بهم ويعرفُّهُم بمن في الآية
هنا نستعرض سيماهم التي ذكرت في الآيات الكريمة لنستدل على هويتهم ونعلم من أولئك الرجال فنقول وبالله التوفيق:
أولاً : هم رجال مؤمنون من بني آدم  وليس بينهم جنس غير ذلك أو خلق آخر كالملائكة وغيرهم وليس بينهم نساء وهذا واضح ثابت في الآيات الكريمة.
ثانياً : أنهم معروفين معلومي الأسماء والهوية لأهل الجنة ولأهل النار فقد وضعوا على الاعراف لأنهم معروفين في الدنيا فعرَّفهم الله في الآخرة وأبرزهم عن سواهم لأنهم في الدنيا كانوا كذلك وقلنا أن حال الخلق في الآخرة انعكاس لحاله في الدنيا ولكن لا يحب أحد من الخلق التشهير به في يوم العرض والحساب ، فهم على الأعراف رغماً عنهم ليس لهم وسيلة للنزول إلى الناس والسير معهم ودخول الجنة (لم يدخلوها وهم يطمعون).
ثالثاً : أنهم متأخرين في الحساب وظاهر الآيات ينبئنا بأنهم آخر من دخل الجنة ، وهنا دلالة بأنهم كانوا متقدمين في الدنيا على الخلق فأخرهم الله عن أهل المشهد في الآخرة.
رابعاً : أن من تألى على الله وأقسم فقال ( لا ينالهم الله برحمة) قالها عنهم في الدنيا تألياً على الله فلقي عقوبة ذلك بأن دخل في ضمن أهل النار وميز بعلامة وسمات عرفها أصحاب الأعراف.
خامساً : أن الغاية من تعريف أهل المشهد بهم ووضعهم على الأعراف ليُعرَفوا وليشهد الناس كلهم حسابهم فهذه سيماهم ، كما أن الساجدين تظهر سيماهم في وجوههم من أثر السجود في الدنيا فارتبطت السمة بسمة أخرى في الآخرة في الموضع الذي ارتبط به حال السجود وهو الوجه ، وكذلك أهل الأعراف فإن سيماهم في الأعراف التي هم عليها.
أصحاب الأعراف ومن يكونون ؟
استدلالا واستنباطاً مما تقدم من خلاصة مفهوم الآيات الكريمة فإن أصحاب الأعراف هم ولاة المسلمين وأئمتهم من الحكام والملوك ، فهم من ينطبق عليهم هذا الوصف:
    أولا : الحاكم الشرعي المسلم رجل ولا ينبغي أن يكون امرأة وهذا أصل فقهي لا نختلف عليه ، ولو شذ رأي بالقول بغير ذلك فهو لن يغير الواقع بأن حكام المسلمين بل وجل غير المسلمين رجال.
                        ثانياً : أن هؤلاء الحكام والأئمة والولاة معروفين عند عامة الناس معلومي الهوية وقلنا أن حال الخلق يوم القيامة أن تكون سيماهم انعكاس لحالهم في الدنيا وسيما أصحاب الأعراف كانت العلو والسلطة والارتفاع عن الناس في الدنيا فرفعهم الله وعرَّفهم للناس يوم الوقوف بين يديه ولكنهم لا يملكون النزول عن الاعراف الشاهقة ليلحقوا بأهل الجنة كما كانوا يملكون النزول عن عروشهم في الدنيا.
                       ثالثاً : أن تأخرهم لازم لأنهم رعاة ومسئولين عن رعيتهم فيستحيل دخول أحدهم الجنة لأحد من رعيته مظلمة عنده فينبغي أولاً سؤاله و الاقتصاص منه قبل الدخول للجنة أو للنار ، ونتيجة ذلك أنهم سيكونون آخر من يغادر أرض الموقف العظيم.
                       رابعاً : أن مناوئي الحكام وأعدائهم طالما رموهم بالكفر وشتموهم وانتقصوا من دينهم وإيمانهم وكفروهم فينطبق عليهم التألي على الله وهذا من أخطر الكبائر أن يجعل الإنسان نفسه مكان الإله يحكم بجنة  أو بنار ، فيدخل الله أولئك المتألين للنار ، ويمن على أصحاب الأعراف بدخول الجنة منَّاً وكرماً وعطاءً منه جلت قدرته وإلا فهم أخطر الخلق حالاً وأقربهم للعقاب لما للناس عندهم من مظالم وحقوق.

تحليل الاقوال في أصحاب الأعراف والرد عليها

بعد أن برهنتُ وسقتُ الاستنتاجات والاستنباط بأن أصحاب الأعراف هم ملوك المسلمين وولاتهم يوم القيامة وجدت أن تفنيد الأقوال التي خاضت في مسألة أصحاب الأعراف أمر هام للغاية لبيان ضعف تلك الأقوال ومواطن تعارضها مع القرآن الكريم والحديث الشريف فنقول وبالله التوفيق:
القول الأول : أن أصحاب الأعراف هم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم فجازت بهم حسناتهم عن النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وسأردُّ عليها في موضعين يكفي أولهما عن التالي ولكن للإحاطة بما يمكن الإحاطة به.
1- أن المشار إليهم في الآية رجال ولا يوجد بينهم نساء بينما تساوي الحسنات والسيئات لا يقتصر على جنس دون سواه فقد يحدث التساوي للنساء كما هو للرجال ، وكذلك فإن القرآن الكريم يستعمل مفردة (رجال) للرجال دون النساء وكل المواضع التي تشمل الرجال والنساء نجد الآيات تفرق فتذكر الرجال ثم تذكر النساء ولا تجملهم تحت اسم واحد ، ومن الأمثلة قوله تعالى : وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء:32] ويقول تعالى : إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء:98] وقوله تعالى : أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل:55]
والآية التي يحتج بها البعض أنها تحتمل التغليب وهي قوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهعَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23] فلو تجاوزنا سبب النزول الذي يبين أن المراد هو الرجال دون النساء فإن الإشارة فيها إلى الرجال (من المؤمنين) تبعيضاً ، والمراد المؤمنين المجاهدين في سبيل الله والجهاد والقتال يكلف به الرجال من المؤمنين ولا يلزم النساء فكانت الإشارة للرجال تبعيضاً من بقية المؤمنين.
2- يظهر من الآية أن مِن أصحاب النار من سبق منه التألي بأن هؤلاء بأعيانهم لن ينالهم الله برحمة وهذا لا شك أنه في الدنيا ففي موقف العرض كلا شغل بنفسه عن سواه والموقف موقف جزاء على أقوال وأعمال الدنيا ، فما وجه الربط بين تألِّي أهل النار على من تساوت حسناتهم وسيئاتهم ؟؟ هل علموا من الدنيا أنهم سيقفون على الأعراف ويتأخرون عن دخول الجنة واللحاق بالمؤمنين ؟؟ ومن اين لهم القول بذلك بمعنى ماهي القرينة التي تسوغ لنا فهم هذا الحوار بهذه الصورة ؟؟.
القول الثاني : أنهم الملائكة :
وهو قول متهافت لم يكلف القائلنفسه بالبحث والاستقراء وهو قول لا يستحق الالتفات ولكني لا أستبعد أن هناك من يقول به ومقتنع بذلك فالرد عليه:
1-أن الملائكة مخلوقات تختلف عن جنس بني آدم فهم لا ينقسمون لرجال ونساء يقول تعالى : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام:9] فالملك لا ليس برجل ولكنه في حال ارسله الله فإنه يجعله يشبه رجال بني آدم.
2-أن الملائكة مخلوقات غير مكلفة فهي لا تذنب حتى تتستوجب المغفرة وبالتالي فهي لا تطلب الجنة التي اقتصرت على المكلفين من الخلق وهما الثقلان.
3-متى تألى أحد من الخلق بان الملائكة لا ينالهم الله برحمة ؟؟ بل إن كل ديانات الكفر تنزه الملائكة وتعظمها.
4-أن الملائكة تدخل الجنة على المؤمنين تهنئهم بصبرهم (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (24) الرعد
5-بعد انقضاء الحساب ودخول أهل الجنة الى الجنة وأهل النار إلى النار فحال الملائكة : وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:75]
القول الثالث : أنهم أولاد الزنا
وهذا قول لا يحتاج للكثير لبيان بطلانه فكل نفس بما كسبت رهينة ولا يؤخذ إنسان بجريرة والديه فالله حكم عدل .
القول الرابع : أنهم الشهداء الذين خرجوا للقتال بدون إذن آبائهم فقتلوا في سبيل الله فقصر بهم عصيانهم لآبائهم عن الجنة وجاز بهم استشهادهم عن النار
1- الفصل في ذلك لكتاب الله إذ يقول تعالى (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) [آل عمران:157] فالقتل في سبيل الله جزاءه المغفرة والرحمة.
2- السيئات التي تدون على الشهيد يغفرها الله بالشهادة يقول تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ الله وَ الله عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ) [آل عمران:195]
3- ويقول (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:74]
4- في الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ’ أن رسول الله قال : ( يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين )
5- إذا كان الشهيد يشفع في سبعين من اهل بيته فكيف يشفع من بقي متخلفاً عن دخول الجنة بعد أن دخل أهل الجنة كلهم إلى الجنة ؟ عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله يقول : ( الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته ) حديث صحيح.
6- وإن كان الشهيد العاق يقف على الأعراف فكيف بمن أذنب بالعقوق وغفر الله له من غير الشهداء ؟؟ أيدخلون الجنة قبل الشهداء ؟؟.
القول الخامس : بأن أصحاب الأعراف هم الأنبياء.
وقبل أن أبدا بتفنيد هذا القول سأستعرض السياق لنصل إلى حقيقة هي أن أصحاب الأعراف آخر الخلق دخولاً الجنة فيقول الحق :
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) (37)
وهنا انتهى الحساب وصدر الحكم بكفرهم بشهادتهم على أنفسهم
(قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ) (38)
ادَّارَكُوا (أي ادرك بعضهم بعضا في النار فلحق المتأخرون بالمتقدمين إلى دركات جهنم) فأهل النار قد ولجوا النار واجتمع أولهم وآخرهم يصطرخون ويدعون بالثبور على بعضهم بعضاً.
(وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) (41)
فهذا الجزاء بأن يدخلون النار وتحرم الجنة عليهم حتى يستحيل عليهم دخولها جزاءً لجرمهم وكفرهم ، ويصف ربنا حالهم من فوقهم ومن اسفل منهم تلتهب عليهم جهنم فلا منفذ ولا مهرب ولا مأوى.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (43)
وهؤلاء اصحاب الجنة بجميع درجاتهم خالدين في جنات النعيم نزع الله الغل من قلوبهم وحمدوا ربهم على حسن الجزاء ولقاء عملهم وحسن صنيعهم في الدنيا.
(وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ ) (45)
وهنا الحوار بين أصحاب الجنة واصحاب النار يتسائلون بينهم عن وعد الله للفئتين في الدنيا وانهم وجدوا وعد الله حق بعد انقضاء الحساب ودخول الناس إلى الجنة وإلى النار.
ثم ينتقل بنا السياق إلى الآية التالية مباشرة (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) (46)
أولاً : فهل من المقبول أن ننسب للأنبياء أن يكونون هم اصحاب الأعراف فيتاخرون عن الخلق في الحساب ولا يدخلون للجنة إلا بعد دخول أصحاب الجنة للجنة وأصحاب النار للنار ؟؟ ونحن نعلم يقيناً أن أنبياء الله أول الداخلين للجنة وفي مقدمتهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو أول من يستفتح ابواب الجنة فيفتح له لقاء مقامهم العظيم واصطفائهم وبلاغهم للحق للأمم، روى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله قالَ: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ “. (الأنبياءُ لا يُسألونَ هذهِ الأسئلةَ الأربعةَ، يُسألونَ لإظهارِ شَرَفِهم هل بلَّغتم ؟).
ثانياً: أيُقبل أن يحرم الأنبياء من الدخول للجنة وهم يطمعون في دخولها (وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) فهم يلقون السلام على أهل الجنة وهم خارجها فهل يعقل أن يسبق أدنى اهل الجنة أن يسبقون الانبياء ؟؟
ثالثاً : نلحظ الخوف الشديد والخشية من دخول النار والفزع من ذلك (وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) فإن كان المؤمنين من دون الأنبياء وعدهم الله بالأمن من الفزع يوم القيامة فكيف لا يأمن الأنبياء وهم أولى بالأمن من سواهم (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) [النمل:89]
رابعاً : لم يرد في التاريخ والسير قولاً واحداً قيل في الأنبياء بان الله لن ينالهم برحمة ، فالكفار لم يطرقوا ذلك الأمر ولا يستقيم أصلا قول كهذا في حق الأنبياء.
خامساً : لا شك أن الأعراف ليسوا هم الأنبياء فالأنبياء أعلام لهم سورة بإسم (الأنبياء) وترتيبها (21) وعدد آياتها (112) آية فكيف يسمي سورة أخرى الأعراف إذا كانت تدل على نفس الفئة من البشر وهم أنبياء الله ورسله في حين أن لهم سورة تحمل اسم الأنبياء ؟.
ونقتصر على الأقوال الآنفة ونختم تلخيصاً بأن أصحاب الأعراف :
* قوم مؤمنون متأخرون في دخول الجنة
* مشفقون خائفون فزعون من دخول النار 
*معروفون في الدنيا فعرفهم الله في الآخرة بأن جعل لهم مواضع مرتفعة لا يملكون النزول عنها
* تألى على الله فيهم خلق كثير ، فأدخل الله من تألى عليه فيهم واقسم لا ينالهم الله برحمة أدخلهم إلى النار وغفر لأصحاب الأعراف وأدخلهم الجنة.
وقلنا أن من ينطبق عليهم القول من أهل الدنيا هم حكام المسلمين وولاتهم ،
* فهم معروفين لأهل النار ولأهل الجنة
* وهم مرتفعين عمن سواهم في مواضع مخصوصة ليكون حسابهم مشهوداً وليواطئ ذلك علوهم في الدنيا ولكنهم لا يستطيعون نزولاً عن أعرافهم كما كانوا يستطيعون النزول عن عروشهم في الدنيا وهم يستطيعون ،
*وهم سابقون في كل أمر في الدنيا فيؤخرهم الله في الآخرة.
* لا يمكن أن يدخلون الجنة قبل رعاياهم فلكل من رعيتهم قصاص وحق ينبغي أن يقتصه من الحاكم
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّىالله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، -قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عمر]
فالمسئولية ليست عن عدد قليل بل عن كل رعيته وهذا يستلزم البقاء حتى زوال من سواه من أرض الموقف العظيم.
* ولهم من المناوئين والأعداء من يكفرهم في الدنيا ويحكم بأنهم في النار متألياً على الله.
* ويقترن الولاة بوفرة المال والغنى وهذا يستلزم حساباً يطول كل ما زاد المال اتفاقاً مع ما رواه ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله قالَ: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ “.
وإذا تلمسنا حال الأغنياء يوم القيامة في الحديث الشريف روى مسلم في (صحيحه) عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله – -: ((إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً)). (1) وروى الترمذي عن أبي سعيد (2) ، وأحمد والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله – -: ((فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة)) (3)
وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم في موضع آخر أن هؤلاء لم يكن عندهم شيء يحاسبون عليه، هذا مع جهادهم وفضلهم، أخرج الحاكم في (مستدركه) عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله – -: ((أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أو قد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ قال: فيفتح لهم، فيقيلون فيه أربعين عاماً قبل أن يدخلها الناس)) (4) وفي (صحيح البخاري) عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار)).
فإن كان هذا التأخر عن دخول الجنة حال الأغنياء المؤمنين فكيف بالحكام والولاة الذين جمعوا الغنى والمسئولية عمن ولاهم الله عليهم من الناس ؟؟
هذا والله ولي التوفيق والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.