الفرق بين الحول والعام والسنة في التعبير القرآني

الحول : هو الأشهر القمرية الاثني عشر مبتدئة بوقت الحدث وليس منذ أول اشهر السنة ، فالرضاعة يجب أن تتم حولين كاملين أي أربعة وعشرون شهراً تبدأ من حين ولادة المولود ولا يشترط ان تبدأ من محرم ،  وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  [البقرة:233]،

وكذلك الزكاة فإذا حال الحول : أي دارت على تجمع النصاب اثني عشر شهراً فقد وجبت الزكاة ، فلا يشترط أن يكون البدء منذ أول أشهر السنة.
يقول تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  [البقرة:240] فالوفاة تقع في أي وقت من أوقات السنة فإن مضى على وقوع الوفاة اثني عشر شهراً فقد تم الحول.
وهكذا تكون الرضاعة والزكاة وكل حدث يتكرر بعد مضي 12 شهر يقال حول ، والحول من التحول والدوران فيتحول الزمن ليعود لموضعه الزمني الذي بدأ منه.

العام : هي السنة المخصبة الوفيرة الرزق ، وترتبط بالفصول الأربعة فإذا كان ربيعها مثمر وأمطارها مغدقة هنيئة مستمرة سميت عاماً ، وهي كناية عن سهولة الرزق ووفرته ، وعندما أمات الله نبيه مائة عام (فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)أسميت فترة موته أعواماً لأنه كان يرزق فيها ولا يفرغ طاقة في ذلك لأن الله كان يرزقه ويغذيه بلا جهد منه ، وكذلك عندما نهى  أن يقرب أهل الشرك المسجد الحرام بعد عامهم هذا  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  [التوبة:28]، فكان العام آخر عهدهم بالمسجد وكان عهدهم بالمسجد عاما لما كانوا يتحصلون فيه من الرزق والتجارة والبيع والشراء ولما كان يتحقق لهم من الأمن وكل خير ببركة قربهم من البيت الحرام وببركة دعوة أبينا إبراهيم .

السنة : تعبير عام يطلق على عموم الفترة القمرية من محرم إلى نهاية ذي الحجة ، وتطلق على الفترة المجدبة التي يغلب فيها الأذى والنصب والفاقة على الخير والرزق والرخاء يقول تعالى :  وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ  [الأعراف:130] وعندما أراد الله أن يعصم عبده يوسف فدخل السجن حكى عن بقاءه في السجن فعبر عن تلك الفترة بالسنين يقول تعالى :  وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42] ونعلم أن البقاء في السجن هو بقاء في القيد وفترة شضف ووهن وحزن فلم يعبر عنها إلا بما يتفق مع حقيقتها وحالها ، ولكن ليس ذلك في كل مواضع المفردة ، فقد وردت بدلالات أخرى ولكن الأصل أنها تطلق على عموم الفترة سواء كانت خيراً ورزقاً أو شراً وضيقاً بينما لا تطلق مفردة العام الا على أزمان الخير والوفرة ولا يطلق حول إلا على الفترة التي مبتدأها ومنتهاها لا يرتبط بأول أشهر السنة ولكن بوقوع حدث ومضي 12 شهراً على وقوعه.

والسنة اسم شامل جامع لا يختص بالجدب فقط ولكن ما سواه خاص وهو عام لأنه شمل كل الأحوال فاستخدمت على سبيل التوقيت المجرد واستخدت المفردة على سبيل تبيان وقت الجدب والفاقة فالمفردة أشمل وأعم المفردات التي تعبر عن الفترة الزمنية ، وبالتالي فإن الجدب والشدة ليست ضابط لمفهوم مفردة السنة ولكن لا يمكن أن يطلق على فترة الجدب والشدة (حول) ولا يمكن أن يطلق عليها (حجة) ولا يمكن أن يطلق عليها (عام) ولكن الأشمل أنها تدخل ضمن ما يعبر عنه (بالسنة).
وأضيف أنك لو لاحظنا فسنجد أن السنة إذا استعملت في سياق بيان المدة مجردة من الحال فترتبط بمفردة (عدد) ليتبين بأن المراد السنة كفترة زمنية منذ بدايتها لحين نهايتها بدون النظر في حال تلك السنة فيقول تعالى:
وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ (سورة الإسراء 12)
فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (سورة الكهف 11)
ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (سورة السجدة 5)
فكانت الإشارة لقيمة السنة عدديا وليس إشارة للحال لذلك كان التمييز بإضافة مفردة (عددا ، تعدون) ليتبين القارئ أنما أريد بالسنين التعداد والمعنى الأشمل للسنة وليس الأخص وهو الجدب.

الحجة : وهي الفترة الزمنية التي تبدأ من بداية موسم الحج وحتى بداية الموسم التالي حيث تكتمل 12 شهراً ، وكان أهل مدين يوقتون بالحجة لأنها فترة موسم التجارة لمرور قوافل الحجيج متجهة للبيت الحرام لذلك يقول تعالى :  قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ  [القصص:27]

ولما كان الأساس الذي بني عليه الاتفاق بين شعيب و موسى  أساس اقتصادي كانت الاجارة مرتبطة بموسم الكسب عند أهل مدين حتى يتحقق النفع المرجو للشعيب  ويتحقق الاحصان لابنته ولنبي الله موسى .

هذا والله أعلى وأعلم وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

النَّجْوىَ فِيْ القُرْآنِ الكَريْم ، المَفْهُوم وَ الدَّلالات

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّجْوىَ فِيْ القُرْآنِ الكَريْم ، المَفْهُوم وَ الدَّلالات

مقدمة :
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أعتدنا على تنوع المفردات القرآنية وثرائها ، هذا التنوع الذي لم يكن أبداً لغرض الترادف بمعنى تطابق المعنى و تغاير اللفظ ، بل كان تنوع متابع لتغير الحال ، فكل مفردة وإن دقّ خفاء معناها وتقلصت الفروق بينها وبين أختها ولكن لن نجد بديلا لها في موضعها ذلك أن لها محلاً معنوياً لا يسده سواها.
والنجوى إحدى تلك المفردات التي تدخل في الإسرار والإضمار و الإبطان والإخفاء والعديد من المفردات المتشابهة معنىً المختلفة فرعاً.
وكما اعتدنا سنعرف النجوى ومفهومها ومن ثم ننطلق لمواضعها في كتاب الله لنرى مدى تطابق التعريف مع سلوك المفردة ومواضعها في القرآن الكريم.

النَّجْوَى : كلُّ حَدِيثٍ بِشَأنِ غَائِبٍ غَافِلٍ عَمَّا يُقَالُ فِيْه ، وَيَدوُرُ بَيٍْنَ اثْنَيْن فأكْثِر.

ولنتتبع بعض الإضاءات والمحددات المعنوية التي تبين النجوى وتفرقها عما يشابهها من الأفعال :
الأولى : أن النجوى تتميز بغياب صاحب الامر عن الحديث الذي يدور بشأنه ، وﻻ يمنع سماع أحدٍ من الناس لما يدور في هذه النجوى عدا من يجري الحديث بشأنه.
الثانية : تختلف النجوى عن السرّ فالسر ما خفي في نفس العبد الواحد أو تعدى تداوله الواحد إلى اثنين أو أكثر ﻻ يتطرق إليه سمع أحد ، وﻻ يشترط أن موضوع السر ومادته حديث بشأن أحد.
الثالثة : أن النجوى قد تكون سرية حتى عمن لا علاقة لهم بالحديث ، فإن للمتناجين أن يسرون نجواهم فيخفونها عمن حولهم من الناس وقد ﻻ يعتنون بذلك.
الرابعة : أن النجوى في أصلها فعل سوء لانطواءها على غيبة ، فالجمع يتناجون بشأن غائب ويغلب على ذلك ذكر ما يكره أو التآمر على فعل السوء والمكر بالآخرين لأنهم لا يحرصون على إخفاء الحديث عن صاحب الأمر إلا لأن الحوار ينطوي على ما يسوءه ، ولكن الله تعالى قد استثنى من النجوى السيئة حالات معينة.
الخامسة : أن السر أشمل وأعم من النجوى ، فيقل عن الاثنين للانسان نفسه عندما يُسرُّ في نفسه أمراً ، ولكن النجوى لا تقل عن اثنين.

النَّجْوَى فِيْ القُرْآن الكَرِيْم

وهنا نتتبع آيات كتاب الله الحكيم لنتلمس مدى توافر أركان النجوى بالصورة التي توصلنا لها في التعريف السابق إيضاحه:

لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114]

 

قلنا بأن النجوى في أصلها قول سوء لأنها كما قلنا تذكر غائباً بما يكره ، واستثنى الله  منها في هذه الآية الأمر بالصدقة والمعروف ، والإصلاح بين الناس ، ولا شك أن تلك المناجاة في هذه الحالات المحمودة تستلزم ذكر غائب يحتاج للصدقة أو غني لينصح بإخراج صدقة أو إصلاح بين متخاصمين ينبغي ذكرهم في النجوى لتحقيق ذلك الصلح أو قول معروف لا يسوء المذكور حصوله.
فهنا يَعِدُ الله أن من يتناجون فيما استثناه الله رغبة في رضى الله من حالات بالأجر العظيم.

 أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)  التوبة

الله  يخبر نبيه عن المنافقين ونجواهم التي يغتابون فيها المطّوعين من المؤمنين في الصدقات ويتفق ذلك مع مفهوم النجوى وهو ذكر غائبٍ بما يكره ، فيتناجون بقول السوء بحق المؤمنين وهم يعلمون أن الله يسمع ويعلم قولهم الباطل ، وهنا نجد اقتران بين السر والنجوى ، فالسرّ يشير لما أخفوه عن الناس وتداولوه بينهم ، والنجوى تشير لقول السوء على الغائبين من المؤمنين.
فتحققت أركان النجوى ، الاجتماع الخاص ، ذكر الغائب بالسوء (لمز المطّوعين والسخرية منهم).

 فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَىٰ (62) قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ (64)  طه

فنجوى ملأ فرعون هنا مقتصراً عليهم لا يطلع عليه سواهم فكانت (سراً) اقتصر على الملأ ، وموضوع المناجاة هو اتهام الغائبين (موسى وهارون) بأنهما ساحران ، و تمالئوا وتآمروا لجمع الكيد الذي يصرف الناس عن الاستجابة لهم ، فكانت النجوى بمفهومها الذي وضحناه متحققة الأركان من حيث الاجتماع الخاص وذكر غائب بالسوء.

 أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)  الزخرف

فالله يعلم ما يسرون في أنفسهم و يخفون من كفر ويسمع ما يدور بينهم من أسرار ، ويسمع ويعلم نجواهم التي يسرونها أو يعلنونها للإيقاع الأذى بأهل الإيمان ويبرمون في نجواهم ما يسعون به للإضرار بأهل الحق وهم غافلون عما يقال فيهم ولكن الله يسمع ورسله يكتبون و يدونون ما يتناجون به و يسرونه بينهم.

لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ(3)قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) الأنبياء

فكانت نجواهم : هل هذا إلا بشرٌ مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ، فتحققت أركان النجوى بالاجتماع سراً وذكر الغائب بالسوء واتهامه بالسحر ، ولكن نجواهم مقتصرة على بعضهم البعض فقد أسروها فيما بينهم ، وهنا تكريس لمفهوم انعقاد النية واستقرار اليقين بالكفر والاطمئنان إليه ، وقد اعقب ربنا  بقول النبي  مخبراً بما أخبره الله عنهم وعن قولهم فقال لهم : ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم ، فهو يعلم قولكم السوء ونجواكم إذ تسرونها وتظنون أنها إذ تخفى على الغائب المذكور بالسوء فإنها لا تخفى على الله وهو مخرجٌ ما كانوا يكتمون.

 نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا  [الإسراء:47]

فحين يُقرأ القرآن وحين يدعوهم النبي فإنهم يتلهّون عن حديثه ويتناجون بينهم بالسوء في حق الغائب عن هذه النجوى فيتهمونه بالسحر في نجواهم ، فيتحقق بذلك مفهوم النجوى وأركانها من حيث اجتماعهم دون من حولهم و تعلقها بالغيبة وذكر الغائب بما يكره.

النَّجْوَى فِيْ سُوْرَةِ المُجَادَلَة

لقد تميزت سورة المجادلة عن سواها بأحكام النجوى واحتوت على تبيان لماهيتها بما يتفق مع ما سبق وأن بيناه في هذا المقام ، والمجادِلة هي الصحابية الجليلة خولة بنت ثعلبة زوجة الصحابي الجليل أوس ابن الصامت ، وعندما ظاهر منها أوس اغتمت وذهبت للنبي  وناجته في أمر زوجها ، فكانت شكواها لله ثم لنبيه  مما وقع عليها من ظهار بلسان زوجها كان ذلك من النجوى ، إذا كان في هذه النجوى ذكر لغائب وهو زوجها أوس فحق أن يكون هذا الفعل (نجوى)، ولكنها من النجوى المستثناة (إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) فكانت نجوى حميدة ، إلا أن أركان النجوى تحققت من جهة اجتماعها بالنبي  دون من سواهما ، ومن حيث ذكرها لغائب وهو زوجها.

 قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ  [المجادلة:1]

وقد مر بنا ارتباط النجوى بالسماع والعلم ، فمعظم آيات النجوى تشتمل على صفة السمع والبصر والعلم بالغيب ، وكذلك هذا الموضع الذي هو إحدى صور النجوى.

 أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  [المجادلة:7]

وهنا بيان لعلم الله اللامتناهي في السماء والأرض ، وأن النجوى (حديث اثنين فأكثر) لا تخفى على الله  سبحانه وتعالى، سواءً كانت نجوى سوء وغيبة ومكر بالغافلين ، أو كانت نجوى خير وإصلاح أمر بمعروف و صدقة .

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة:8]

لقد سبق النهي عن النجوى (الحديث المتعلق بذكر غائب بسوء وهو الغيبة المحرمة شرعاً ) ولكنهم يعودون للنجوى برغم إخبار النبي  لهم بوقوع تلك النجوى كما أخبره الله ، فيحصل منهم الإصرار على النجوى ، يكون تناجيهم متعلق بغائب وهو النبي  (الإثم والعدوان و معصيت الرسول) فكان مفهوم النجوى وتعلقها بذكر غائب بالسوء متحققة هنا ، وقد توعدهم الله بهذا بجهنم وبئس المصير.

الفرق بين النجوى والغيبة

الغيبة أعمُّ منَ النجوى ، فالغيبة لا يشترط فيها الخفاء بل ركنها الأهم غياب المذكور لدى جمع من الناس فيأتون على ذكره بما يكره بالغيبة أو بالبهتان إما على سبيل التندر والسخرية أو الإنتقاص والبغضاء ، في حين أن النجوى متعلقة بالممالأة على الشر والمكر بالآخرين أو بإبرام أمر السوء وإبطان الشر عن الغافل المذكور بين المتناجين.
والغيبة لا يشترط فيها العداء والشر ، فالله  أثبت رابط الأخوة بين المغتاب ومن يغتابه فقال :
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ  [الحجرات:12]

فالمغتاب يذكر أخيه بالسوء في غيابه معلناً غيبته أحيانا في مجالسه وعموم حديثه بينما قد تكون النجوى خفية حتى عمن يتواجد قرب المتناجين حيث يختلي المتناجين عن الناس حتى ليظنون أن النجوى بشأنهم فيحزنهم وخاصة إن كانوا ثلاثة واختلى اثنان منهما دون الثالث ، فقد اُثِرَ النهي عن مناجاة الاثنين دون الثالث لكون ذلك يحزنه ، والحزن هنا هو الريبة والخشية من أن يكون هو المعني بالنجوى وهو من يأتمرون بشأنه ويتفقون على إيقاع الأذى به ، قال رسول الله –-: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه)

يقول تعالى :

 إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ  [المجادلة:10]

أي أن النجوى تحريش للشيطان بين الناس وأزٌّ يتبعه استجابة من المتناجين ممالأة على الإضرار بالمؤمنين ولكن تآمرهم بإيقاع الضرر بالذين آمنوا لن يضرهم إلا بإذن الله إن هم توكلوا على الله وآمنوا به ، فالنجوى فتنة تجر فتن وتفسد بين الناس ، عن أبي الدرداء عن النبي  أنه قال : إن الفتنة إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت أسفرت، إن الفتنة تلقح بالنجوى، وتنتج بالشكوى، فلا تثيروها إذا حميت، ولا تعرضوا لها إذا عرضت، إن الفتنة راتعة في بلاد الله تطافئ خطامها فلا يحل لأحد أن يأخذ بخطامها، ويل لمن أخذ بخطامها . ثلاث مرات ، فكانت النجوى مثار الفتنة ومنشؤها.

النجوى بين يدي رسول الله 

لمّا كانت النجوى تنطوي على ذكر بالسوء لغائب بدون علمه في خلوة بين المتناجين فقد ذمها الله تعالى ونهى عن النجوى التي يذكر فيها غائب عن المتناجين مالم تكن تلك النجوى أمرٌ بالصدقة أو بالمعروف من الأفعال أو الإصلاح بين الناس ، وأما سواها فهي عمل ينطوي على الشر دون الخير.
ولمّا كان بعض حديث الصحابة للنبي  “نجوى” فيحملون خبراً عن غائب كتلك التي ناجت الرسول  وجادلته في زوجها أو وشاية أو شكوى تحمل الانتقاص أو ذكر السوء ، فقد كان ذلك مما لا يناسب حضرة النبي الأعظم  فأمر الله من يستطيع أن يتصدق إن كان حديثه للرسول  نجوى قد تنطوي على ذكر لغائب بسوء فيكون التصدق تحوطاً لما قد ينال المؤمن من الإثم فقال  :

 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  [المجادلة:12]

والآية الكريمة ترد على من ادعى أن الصدقة هنا فريضة نسخت أو ابطلت لأن الله في الآية يقول (فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم) فهذا دليل على انتفاء وجوبها وإلا لكان رفعها يقابله كفارة من صيام أو طاعة توازي الفريضة المتروكة كالإطعام في ترك الصيام لعذر فكانت الآية تكرس المعنى الذي مضى معنا بأن طبيعة النجوى وما تنطوي عليه من حديث سوء بحق غائب تجعلها مما يحتاج معه المؤمن إلى كفارة عما قد يكون اجترحه من قول بحق غائب فأرشد اللهُ الناس للصدقة.
ويختلف إلى رسول الله  أعداد كبيرة من الناس يسألونه في أمور دينهم ويستفتونه في ما يعترض حياتهم ، والبعض منهم يتضمن حديثه ذكرٌ لأخٍ له أو زوج أو جار ونحو ذلك ، وقد يعتري حديثه الزلل والغيبة أو ذكر الغائب بالسوء أو البهتان ، ولما كان النبي طرفا في ذلك الحديث فقد أمر الله المناجي بالصدفة تكفيراً عما قد يكون بدر من المناجي من قول ظالم أو اتهام أو إساءة أو قول مكروه بمن ناجى النبي  بشأنه.

 أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  [المجادلة:13]

ويبين الله هنا بأن تَقْدِمَة الصدقات بين يدي النجوى ليست واجبة ولم تفترض على المسلمين ولذلك أسميت “صدقة” فإن لم تجدوا صدقة تقدموها فإن الله غفور رحيم ، وإن أشفقتم أن تقدموها – أي تجدونها و تشفقون من إيتائها شحاً أو فقراً أو نحو ذلك – فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله بما تعملون خبير ، فهو يعلم سركم ونجواكم.

النجوى في المصنفات اللغوية والشرعية

النجوى وردت في تاج العروس :

وَقد رَدَّه الرَّاغبُ وقالَ: إِن يَكُن حمل النَّجْو على هَذَا المَعْنى مِن أَجْلِ هَذَا البَيْت فليسَ فِي البَيْتِ حجَّةٌ لَهُ، وإنَّما أَرادَ أنِّي سارَرْتُه فوَجَدْتُ مِن بخره رِيح الكَلْب المَيِّتِ، فتأَمَّل.
(و) النَّجْو ( {النَّجْوَى: السِّرُّ) يكونُ بينَ اثْنَيْن؛ نقلَهُ الجَوْهرِي؛ (} كالنَّجِيِّ) ، كغَنِيَ؛ عَن ابنِ سِيدَه. (و) النَّجْوَى: (المُسارُّونَ) ؛ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَإِذ هم نَجْوى{
قالَ الجَوْهرِي: جَعَلَهم هُم النَّجْوَى، وإنَّما النّجْوَى فِعْلُهم كَمَا تقولُ: نقولُ: قومٌ رضَا وإنَّما الرِّضا فِعْلُهم، انتَهَى، (اسْمٌ ومَصْدَرٌ) ، قالَهُ الفرَّاءُ.
وَقَالَ الرَّاغبُ: أَصْلُه المَصْدَرُ وَقد يُوصَفُ بِهِ، فيُقالُ هُوَ نَجْوَى وهُم نَجْوَى.
}ونَاجاهُ ، مُناجاةً ، ونِجاءً) ، ككِتابٍ: (سارَّهُ) ، وأَصْلُه أَن يَخْلو بِهِ فِي نَجْوَةٍ مِن الأرضِ، كَمَا تقدَّمَ قَرِيباً. وَفِي حديثِ الشَّعْبي: (إِذا عَظُمَت الحَلْقَة فَهِيَ بِذاءٌ أَو} نِجاءٌ أَي {مُناجاة، يَعْني يكثُرُ فِيهَا ذَلِك ، والاسْمُ: لمُناجاةُ. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {إِذا} ناجَيْتُم الرَّسُول، فقَدِّموا بينَ يَدَي {نَجْواكُم صَدَقَةً} . ( وانْتَجاهُ: خَصَّهُ بمُناجاتِه.(
وَقَالَ الرَّاغبُ: اسْتَخْلَصَهُ لسرِّهِ؛ والاسْمُ {النّجْوى؛ نقلَهُ الجَوْهرِي وَمِنْه حديثُ ابْن عُمَر: (قيلَ لَهُ مَا سَمِعْت مِن رَسُولِ اللهاِ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النّجْوى يريدُ مُناجاةَ اللهاِ تَعَالَى العَبْد يَوْم القِيامَةِ.
(و) } انْتَجَى: (قَعَدَ على نَجْوَةٍ) مِن الأرضِ.
(و) انْتَجَى (القَوْمُ: تَسارُّوا) ؛ والاسْمُ النّجْوَى أَيْضاً؛ وَمِنْه (و) انْتَجَى (القَوْمُ: تَسارُّوا) ؛ والاسْمُ النّجْوَى أَيْضاً؛ وَمِنْه حديثُ عليَ، رضِيَ اللهاُ عَنهُ: (وَقد دَعاهُ رَسُولُ اللهاِ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الطائِفِ فانْتَجاهُ فقالَ الناسُ: لقد طَال نَجْواهُ؛ فَقَالَ: مَا انْتَجَيْتُه ولكنَّ اللهاَ انْتَجاهُ، أَي أَمَرَني أَن أُناجِيه) . وَمِنْه أَيْضاً الحديثُ: (لَا يَنْتَجِي اثْنانِ دُون صاحِبِهما) ، وأنْشَدَ ابنُ برِّي:
قَالَت جَوارِي الحَيِّ لمَّا جِينا …. وهنَّ يَلْعَبْنَ ويَنْتَجِينا
مَا لِمَطَايا القَوْم قد وَجينا؟
( {كتَناجَوْا) ؛ وَمِنْه قولهُ تَعَالَى: {أيّها الَّذين آمَنُوا إِذا} تَناجَيْتم فَلَا {تَتَناجَوْا بالإثْمِ والعدْوَانِ ومَعْصِيَة الرَّسُولِ} وتَناجَوْا بالبرِّ ولتَّقْوى} . وَفِي الحديثِ: (لَا {يَتَناجَى اثْنانِ دُونَ الثَّالثِ؛) والاسْمُ} النّجْوَى.
(و) {النَّجِيُّ (كغَنِيَ: من تُسارُّه) ، وَهُوَ} المُناجِي المُخاطبُ للإِنْسانِ والمحدِّثُ لَهُ، وَمِنْه موسَى {نَجِيُّ اللهاِ، صلى الله عَلَيْهِ وعَلى نبيِّنا وَسلم، يكونُ للواحِدِ والجَمْع؛ شاهِدُ الواحِدِ قولهُ تَعَالَى: {وقَرَّبْناه} نَجِيًّا} وحينئذٍ؛ (ج {أَنْجِيَّةً) ؛ وشاهِدُ الجَمْع قولهُ تَعَالَى: {فلمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَطُوا} نَجِيًّا} (6؛ أَي اعْتَزلُوا {يَتَناجَوْنَ.
ونقلَ الجَوْهرِي عَن الأخْفَش قالَ: وَقد يكونُ} النّجِيُّ جماعَةً مِثْل الصّدِّيق، واسْتَدَلَّ بالآيَة.
– نجو –
قال الوَاحِدِي: النَّجْوى في اللُّغَة سر بين اثْنَيْن، يُقَال: ناجَيْت الرَّجل مُنَاجَاة ونِجَاء، ويقال: نجوت الرَّجُل أنْجُو بِمَعْنَى: نَاجَيْتُه، والنَّجْوى قد تكون مَصْدراً بمنزلة المُنَاجَاةِ، قال – تعالى -: {مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] وقد يُطْلَق على الأشْخَاص مَجَازاً، قال – تعالى -: {وَإِذْ هُمْ نجوى} [الإسراء: 47] ومَعْنَاها: المُسَارّة، ولا تكون إلا مِن اثْنَيْن فأكثَر.
وقال الزَّجَّاج: [النَّجْوى] ما تفرَّد به الاثْنَان فأكْثر، سِرًّا كان أو ظَاهِراً.
وقيل: النَّجْوى جمع نَجِيّ؛ نقله الكَرْمَاني، والنَّجْوى مشتقَّةٌ من نَجَوْتُ الشيء، أنْجُوه، إذا خَلَّصْتَه وأفْرَدْتَه، والنَّجْوة المُرْتَفِعُ من الأرْضِ؛ لانْفِرَاده بارتفاعه عمَّا حَوْله.
وقيل: النَّجْوى: ما يَنْفَرِدُ بِتَدْبِيرِه قَوْمٌ، سِرّاً كان أوْ عَلاَنِيَة، ومَعْنَى الآيَة: لا خَيْر في كَثِيرٍ مما يُدَبِّرُونه بَيْنَهُم، إلاَّ من أمَرَ بِصَدَقَة، أوْ معروفٍ، أو إصلاحٍ بين النَّاسِ فالاستِثْنَاء يكون مُتَّصِلاً، وقيل: هو استِثْنَاء مُنْقَطِع بمعنى: لكن من أمر بِصَدقَةٍ، وهذان القَوْلان مبنيّان على أن النَّجْوى يجوز أن يراد بها: المَصْدرُ كالدَّعْوى؛ فتكون بِمعنَى: التناجي، وأنْ يُرادَ بها: القَوْمُ المتناجُون إطلاقاً للمَصْدرِ على الوَاقِع منه مجازاً، نحو: «رجلٌ عَدْلٌ وصَوْمٌ» . فعلى الأول يكون مُنْقَطِعاً؛ لأنَّ مَنْ أمَر لَيْس تَنَاجِياً؛ فكأنه قيل: لكنْ مَنْ أمَر بصدَقةٍ، ففي نَجْوَاه الخيرُ، والكوفِيُّون يقدِّرون المُنْقَطع ب «بل» ، وجعل بعضهم الاستِثْنَاء متَّصِلاً، وإنْ أُريد بالنَّجْوى: المصدرُ، وذلك على حَذْفِ مُضَافٍ.
سببها تلقي الآيات التي تجدد الإيمان لمن له قلب، باللعب والعبث والسخرية وعدم الاعتبار والتبصير والتدبر، مع السخرية والاستهزاء، وبسبب ذلك تلهو قلوبهم، وتنصرف عن الإصغاء إلى الحق، وإنهم وهم في حال اللهو واللعب والانصراف عن الحق تماما – يعملون على مقاومته فيجتمعون ويتشاورون كيف يردون دعوة الرسول، وماذا يقولون لصد غيرهم عن سبيل الله وقد أضاء الحق في ظلام الجاهلية، اجتمعوا في كن من الخفاء، وهذا معنى قوله تعالى (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) النجوى والتناجي: التحدث في سر لَا جهر فيه، ومعنى (أَسَرُّوا النَّجْوَى) تشاوروا في الأمر بعيدا عن الناس، وبالغوا في الإسرار، لكي يتدبروا الأمر الخطير الذي فوجئوا به، ويصرفوا الناس عنه .
قال الهرري النجوى :
{لَا خَيْرَ}: ولا ثواب، {فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ}؛ أي: في كثير من نجوى الناس بعضهم لبعض ومحادثتهم معًا، أو لا خير في نجوى أولئك الذين يسرون الحديث من غيرهم، من جماعة طعمة الذين أرادوا مساعدته على اتهام اليهودي وبهته، والنجوى هي المحادثة من بعض القوم لبعض، اثنين فما فوق، قال تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ …} الآية، فهي ضد السر، وهو محادثة الإنسان نفسه. {إِلَّا}: في نجوى {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} واجبة أو مندوبة، {أَو} نجوى من أمر بـ {مَعْرُوفٍ} وهو كل (1) ما يستحسنه الشرع ولا ينكره العقل، فينتظم فيه أصناف الجميل، وفنون أعمال البر، كالكلمة الطيبة، وإغاثة الملهوف، والقرض، وإعانة المحتاج، فهو أعم من الصدقة، فيكون قوله: {أَوْ إِصْلَاحٍ} من عطف الخاص على العام. {أَوْ} نجوى من أمر بـ {إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} عند وقوع المشاحنة والمعاداة بينهم، من غير مجاوزة حدود الشرع في ذلك.
والحكمة في تخصيص هذه الثلاثة بالذكر (2): أن عمل الخير المتعدي للناس، إما إيصال منفعة، أو دفع مضرة، المنفعة إما جسمانية وإليها الإشارة بقوله: {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ}، وإما روحانية وإليها الإشارة بقوله: {أَوْ مَعْرُوفٍ}، ودفع المضرة أشير إليه بقوله: {أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}، وإنما قال (3): {فِي كَثِير} لأن من النجوى ما يكون في الشؤون الخاصة، كالزراعة والتجارة مثلًا، فلا توصف بالشر، ولا مقصودة من الخير، وإنما المراد بالنجوى الكثيرة المنفي عنها الخير هي النجوى في شؤون الناس، ومن ثم استثنى منها الأشياء الثلاثة التي هي جماع الخير للناس. والكتاب الحكيم يجعل النجوى مظنة الإثم والشر، ومن ثم خاطب الله المؤمنين بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. والسر في كون النجوى مظنة الشر في الأكثر أن العادة قد جرت بحب إظهار الخير، والتحدث به في الملأ، وأن الشر والإثم هو الذي يذكر في السر والنجوى، وفي الأثر: “الإثم ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس”. وقد استثنى الله سبحانه وتعالى من النجوى التي لا خير في أكثرها أمورًا ثلاثة؛ لأن خيريتها أو كمالها تتوقف على الكتمان، وجعل التعاون عليها سرًّا والحديث فيها نجوى.
قال في النجوى صاحب تفسير المنار رحمه الله :
الْأَقْوَالِ مَا لَا يُرْضِي رَبَّهُمْ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ، وَالنَّجْوَى: مَصْدَرٌ أَوِ اسْمُ مَصْدَرٍ وَمَعْنَاهُ الْمُسَارَّةُ بِالْحَدِيثِ قِيلَ: أَصْلُهُ مِنَ النَّجْوَةِ، وَهِيَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ عَمَّا حَوْلَهُ بِحَيْثُ يَنْفَرِدُ مَنْ فِيهِ عَمَّنْ دُونَهُ، وَقِيلَ: مِنَ النَّجَاةِ، كَأَنَّهُ نَجَا بِسِرِّهِ مِمَّنْ يَحْذَرُ اطِّلَاعَهُمْ عَلَيْهِ، وَيُوصَفُ بِهِ فَيُقَالُ: قَوْمٌ نَجْوَى وَرَجُلَانِ نَجْوَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ – تَعَالَى – فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى (17: 47) ، وَمِنَ اسْتِعْمَالِهِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ – تَعَالَى -: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ (58: 7) ، وَقَوْلُهُ: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى، وَأَجَازَ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا أَنْ تَكُونَ النَّجْوَى بِمَعْنَى الْمُتَنَاجِينَ أَيْ: الْمُتَسَارِّينَ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَنَاجِينَ الَّذِينَ يُسِرُّونَ الْحَدِيثَ مِنْ جَمَاعَةِ طُعْمَةَ الَّذِينَ أَرَادُوا مُسَاعَدَتَهُ عَلَى اتِّهَامِ الْيَهُودِيِّ وَبَهْتِهِ وَمِنْ سَائِرِ النَّاسِ إِلَّا مَنْ أَمَرَ مِنْهُمْ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ مَجَامِعُ الْخَيْرَاتِ الَّتِي يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى النَّجْوَى، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا عَلَى ظَاهِرِ قَوَاعِدِ النَّحْوِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّجْوَى هُنَا بِمَعْنَى التَّنَاجِي، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ، أَيْ: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ تَنَاجِي هَؤُلَاءِ النَّاسِ، وَلَكِنَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، فَذَلِكَ هُوَ الْخَيْرُ الَّذِي يَكُونُ فِي نَجْوَاهُ الْخَيْرُ، وَإِلَّا فَإِنَّهُمْ يُقَدِّرُونَ لِلْإِعْرَابِ مُضَافًا مَحْذُوفًا، وَالتَّقْدِيرُ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا نَجْوَى مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ إِلَخْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي تَفْسِيرِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ (2: 177) ، مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَرَأَيُ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِيهِ [فَلْيُرَاجَعْ فِي ص 90 وَمَا بَعْدَهَا فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ ط الْهَيْئَةِ الْمِصْرِيَّةِ الْعَامَّةِ لِلْكِتَابِ] .
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ هُنَا: إِنَّ الْكَلَامَ فِي الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ وَيَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ، وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمُ الشَّرُّ، فَهُوَ الَّذِي يَجْرِي فِي نَجْوَاهُمْ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ هَمِّهِمْ وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ الِاسْتِثْنَاءِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ النُّكْتَةَ فِي ذِكْرِ الْكَثِيرِ هُنَا هُوَ أَنَّ مِنَ النَّجْوَى مَا يَكُونُ فِي الشُّئُونِ الْخَاصَّةِ كَالزِّرَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ مَثَلًا فَلَا تُوصَفُ بِالشَّرِّ، وَلَا هِيَ مُرَادَةٌ مِنَ الْخَيْرِ.
قال صاحب التفسير القرآني للقرآن في ذلك :
النجوى، هنا، هي النجوى المعهودة من المنافقين، وليست مطلق النجوى، فالحرف «ال» هنا للعهد، حيث النجوى التي أشار إليها سبحانه بقوله:
«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى.. الآية» أي أن هذه النجوى التي يتناجى بها المنافقون، هي من تدبير الشيطان وكيده للمؤمنين، إذ يتخذ من هؤلاء المنافقين سلاحا يحارب به المؤمنين، حيث يجمع المنافقين على هذه المجالس الآثمة، فيتناجون فيما بينهم، ويتهامسون ويتغامزون على ملأ من المؤمنين، فيخيل للمؤمنين أن القوم يدبرون لهم كيدا، أو يظهرون بهم شماتة لأحداث يحيّلون للمؤمنين بهذه المناجاة أنها وقعت، ولم يعلمها المؤمنون بعد، أو لأحداث ستقع لم يكن عند المؤمنين حساب لها.. وهكذا نحدث هذه النجوى بلبلة واضطرابا فى نفوس المؤمنين، فتذهب بهم الظنون كل مذهب، وتتداعى عليهم دواعي الضيق والحزن، ويشتمل عليهم ضباب كثيف، مما تتلمظ به هذه الشفاء الآثمة. من منكرات، وما تتغامز به العيون الزائغة من نظرات وإشارات..
وقوله تعالى: «وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» أي أن الشيطان لن يضر المؤمنين بهذا الكيد الذي يكيده لهم، وأن ما قد يقع للمؤمنين من ضر فهو مما قدره الله لهم، وشاءه فيهم. وقد يجىء هذا الضرر عن طريق الشيطان أو غيره، ولكن لا الشيطان ولا غيره بمستطيع أن يضر أحدا إلا من شاء الله له هذا الضر.
وفي كتاب شرح العقيدة الواسطية للحازمي يقول :
و({نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ}) هذا فاعل، ({مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ}) النجوى هي الإسرار، يقال: قومٌ نجوى.أي ذَوُ نجوى، أو ذُو نجوى لا إشكال، وهي مصدر ويجوز أن تطلق النجوى على الأشخاص المتناجين، يعني كما قلنا التقوى والمتقين، النجوى قد تُطلق ويراد به المعنى المصدري كالتقوى، وقد تُطلق ويراد به كالمتقين يعني الأشخاص، إما أن يراد به النجوى التي هي الإسرار المعنى المصدر، وهي مصدر حينئذٍ، وإما أن يراد بها المتناجين يعني الأشخاص وهو المراد هنا، حينئذٍ ({مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ}) ما يكون من ثلاثة متناجين، أشخاص عددهم ثلاثة، فحينئذٍ يجوز أن تطلق النجوى على الأشخاص المتناجين، فتطلق النجوى مصدرًا بمعنى الإسرار، أو على حذف مضاف هكذا قال الشوكاني في ((الفتح القدير)) أو على حذف مضاف ذُو نجوى، أو ذَوُ نجوى يعني بالإفراد والجمع وكلاهما جائز، أو على الأشخاص المتناجين، فعلى الوجه الأول الذي هو ماذا؟ كونه مصدرًا حينئذٍ يكون انخفاض ثلاثة بإضافة نجوى إليه ما يكون من ثلاثة نجوى مضاف ومضاف إليه على كونه مصدرًا، ({مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ})، ({نَّجْوَى}) مضاف و ({ثَلَاثَةٍ}) مضاف إليه، وعلى الوجهين الآخرين متناجين أو ذُو نجوى حينئذٍ يكون انخفاضها على البدل من نجوى، أو الصفة لها. قال الفراء: ({ثَلَاثَةٍ}) نعت للنجوى. ({مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ}) هو الذي لا يظهر هنا تطبيق المثال لأن النجوى هذا مقصور يعني لا تظهر عليه الحركة ({مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ}) موصوف وصفته، قال الفراء: ثلاثة نعت للنجوى فانخفضت، وإن شئت أضفت نجوى إليها. يعني جَوَّز الوجهين، ورجح الأول على كلٍّ يحمل هنا المعنى ({مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ}) أي متناجين، لأن المراد هنا الأشخاص، الله تعالى ليس مع الأوصاف كما قلنا: ليس مع التقوى، وإنما مع أصحاب التقوى، وليس مع الإحسان، وإنما مع المحسنين، كذلك ليس مع الإسرار وإنما مع أصحاب الإسرار.
الخلاصة :
لم نقع على ما يبين الفرق بين السر والنجوى ، وفي أغلب المصادر والآراء بالترادف بين السر والنجوى في حين أن النجوى تختلف عن السر في مادة النجوى كما تقدم ، فالسر أعمّ ويشمل كل ما خفي بين اثنين أو أكثر ، بينما النجوى متعلقة بما خفي عن الغائب المذكور في النجوى ولا يشترط أن تكون سرّاً ، ولكنها عن الغائب المذكور سرية وإلا فلا تسمى نجوى فليس كل سرٍّ نجوىً ، وليست كل نجوى سرّ .

والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد.

 

مفهوم #الطاعة والإكراه في #القرآن الكريم

امتداد لموضوع : ظِلاَلُ السَّاجِدِيْنْ

الفيديو منشور بالقناة التابعة للمدونة على الرابط :

مفهوم الطاعة والإكراه في #القرآن_الكريم ، #تفسير #طوعا_وكرها.

الفرق بين الحُزْنِ والحَزَنْ في القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .

لا شك أن مفردات الكتاب الحكيم تتميز بالتفرد والخصوصية ، فلا يمكن أن تستعمل مفردة محل أخرى وتعطي المعنى ذاته بل إن كل كلمة لها معناها الذي لا يؤديه سواها في هذا الموضع ، ولذلك كان النص القرآني شديد الإحكام لدرجة لا يمكن العبث بمفرداته واستبدالها ونجد كل مفردة تحمل معنى دقيق للغاية يلائم موضعها ايما ملائمة ، ولو تتبعنا مثلاً مفردتي الحُزْنْ والحَزَنْ في القرآن الكريم لرأينا أن لكل منهما تعريف ينطبق على مواضعهما في كتاب الله فنقول وبالله التوفيق لتعريف المفردتين وبيان دلالاتيهما :

الحَزَنْ: الحَسْرَةُ وَالنَّدمْ عَلى فَوَاتِ الحَاجَة. وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بالماضي وهو ضِيْقٌ مِنْ أمْرٍ فَاتَ وَانْتَهَى وَلمَ يعُدْ بالإمكان اسْتِدْرَاكُه.
الحُزْنْ:  هُوَ الخَوْفُ المُتَرَافِقُ بِاليَأْسِ مِنَ الفَرَجْ. وَهُوَ مُتعلقٌ بضيقٍ حاضرٍ أو مستقبل وخَطَر ٍ مُلِمّ لا يَبْدُوْ (لِلْمَحْزُوْنِ) فِيْهِ مَهْرَبْ وَلاِ مِنْهُ مَفَرّْ.

والآن نتتبع مواضع المفردتين في السياق القرآني لنرى هل تتفق المفاهيم التي ذكرناها مع السياق الكريم أم لا :

أولاً : الحَزَنْ
قلنا ان الحَزَنْ هو الحَسْرَةُ وَالنَّدمْ عَلى فَوَاتِ الحَاجَة. وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بالماضي وهو ضِيْقٌ مِنْ أمْرٍ فَاتَ وَانْتَهَى وَلمَ يعُدْ بالإمكان اسْتِدْرَاكُه ، وفيما يلي نستقرئ مواضع المفردة في القرآن الكريم :
يقول الحق سبحانه وتعالى:
{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ } [التوبة:92]

فالحَزَنُ هنا هو فوات ما تعلقت به أنفسهم لضيق ذات اليد وانعدام دابة تحملهم للقتال فنجد المعنى هنا متحقق وهو الحسرة والندم على فوات الحاجة ، والضيق من أمر فائت عليهم وانتهى ولم يعد بالإمكان استدراكه.

{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص:8]

فسيناصبهم العداء ردحاً من الزمن وتنتهي عداوته لهم بفقدانهم لملكهم حتى يصيبهم (الحَزَن) والحسرة على ضياع ملكهم وفواته واستحالة استدراكه وإعادته.

{وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر:34]

وهنا الحديث على لسان أهل الجنة ، فهم لا يشعرون مع ما لديهم من النعيم بالحزن على فوات ملك الدنيا وزخرفها ولا يتحسرون على ما كان لهم فيها لأن حالهم في الجنة لا يقارن بحالهم في الدنيا أياً كان حالهم ، بينما في الدنيا تجد من الأثرياء من يتحسر على أيامٍ مضت قبل ثراءه إما على أهله أو أصدقاءه أو صحته وقوته أو على راحة باله وانعدام الهم في نفسه ولكن أهل الجنة لا يخالجهم هذا الشعور ولا يشتاقون أو يندمون على شيء من أحوال الدنيا وحطامها فيحمدون الله أن اذهب عنهم (الحَزَن) وأحلهم دار المقامة التي تتميز عن دار الزوال وتفوقها نعيما وجزاءاً.

{إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران:153]

فالمراد هنا في قوله تعالى (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا) من (الحَزَن) وهو الحسرة على فوات الغنائم وذهاب النصر وما وقع عليكم من قتل وأذى.

{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139]

لا تضعفوا وتتحسروا على ما فاتكم من النصر فأنتم برغم ما حدث الأعلون ما استقر الإيمان في قلوبكم، وكان ذلك في سياق التثبيت للمؤمنين لما اصابهم في أحد ، ففي السياق : (إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140)وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142)وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) آل عمران (143)

ثانياً : الحُزْنْ

قلنا أن الحُزْنْ: هُوَ الخَوْفُ المُتَرَافِقُ بِاليَأْسِ مِنَ الفَرَجْ. وَهُوَ مُتعلقٌ بضيقٍ حاضرٍ وخَطَر ٍ مُلِمّ لا يَبْدُوْ فِيْهِ مَهْرَبْ وَلاِ مِنْهُ مَفَرّ، سننتقي بعض المواضع التي تتميز عن سواها ونكتفي بموضع أو موضعين من المتشابه.

{ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة:38]

لا خوف عليهم (أي) متبعي الهدى: من سواهم ممن يغتم لأمرهم ويهتم بحالهم ، ولاهم يحزنون : ولا يقع الحُزْن في أنفسهم وهو الخوف المترافق مع باليأس من الفرج والأظهر أنه حال الوقوف في الحساب ، فأهل الكفر والعصيان ممن لم يتبع الهدى فإنه يدخلهم الخوف الشديد المترافق من اليأس لانقطاع الأمل في التوبة والعودة للدنيا لتعويض ما قد فاتهم من عمل ، وحين يتذكرون حربهم على الله ورسوله وكفرهم بآياته والنار أمامهم يدخلهم الخوف الشديد من مصيرهم ويدركون أنه لا منجا لهم ولا مهرب وهذا هو الحُزن.

وهذه الصيغة من نفي الحزن متكررة في أربع عشرة  آية من كتاب الله فسأكتفي بما ورد أعلاه وننتقل لصيغة أخرى .

{ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [آل عمران:176]

أي لا تخشى ولا تيأس يا محمد من المنافقين الذين اشتروا الكفر بالإيمان فالدين محفوظ ولن يثلبه نفاقهم وسوء صنيعهم ، فكان النهي عن الحزن الذي هو الخوف على دين الله مصحوباً بيأس ، ولا شك أن النبي في أول الدعوة كان معه رجال أشداء وضده كفار صناديد ، ولكن دخول فئة مستجدة تحمل العداوة في ثوب الإيمان لا شك أنه يجعل المرء تدخله الخشية مما سينال دين الله على أيديهم فالنخر في صميم الدين من داخله أشد خطراً من عداوة الكفار الظاهرة ، فطمأن الله نبيه بأنهم لن يتمكنوا من الدين ما يفعلونه لا يدعوا للخوف الشديد المشوب باليأس.

{ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ } [يوسف:13]

إني أخشى على يوسف وأيأس من عودته إن أنتم ذهبتم به فهو لا يتحدث عن الماضي بل عن الحاضر والمستقبل وهي سمة الحُزْن التي تميزها عن الحَزَن  ، وأكد ذلك بقوله (َأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) فيتحقق اليأس من عودته لي ، فنرى هنا بأن المعنى متحقق في هذا الموضع بوضوح.

{ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } [يوسف:84]

فالأسى على يوسف ظاهر في قوله (يا أسفى على يوسف) والخوف عليه فكيف وقد ذهب أخاه أيضاً ؟ فهو خوف عظيم فلا هما ميتان فيعلم حالهم والأخطار التي قد تحيق بهما ولا محلهما معلوم فيطمئن عليهما فتختلط المشاعر بين الخوف واليأس فإن كان له أمل في رجعة يوسف من قبل فإن ذهاب أخيه أيضاً قتل في قلبه هذا الامل ، ولكن أنبياء الله والمؤمنين عامة تتراوح حالتهم بين اليأس والأمل.

 

{ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [يوسف:86]

لا أبدي تأوهي ويأسي وخوفي على يوسف وأخيه إلا لله وليس إليكم ، وأعلم أن الله مجيبٌ لدعائي له فيما وقع حكمة.

{ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ } [النحل:127]

ولما كانت وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الناس وهدايتهم بأمر الله إلى الإيمان واستنقاذهم من النار ، فعن بريدة بن الحصيب الأسلمي قال : خَرَجَ إلينا النَّبيُّ ﷺ يَومًا فنادى ثلاثَ مِرارٍ، فقال: أيُّها النّاسُ، تَدْرونَ ما مَثَلي ومَثَلُكم؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلَمُ، قال: إنَّما مَثَلي ومَثَلُكم مَثَلُ قَومٍ خافوا عَدُوًّا يَأتيهم، فبَعَثوا رَجُلًا يَتراءى لهم، فبيْنَما هم كذلك أبصَرَ العَدُوَّ، فأقبَلَ لِيُنذِرَهم، وخَشِيَ أنْ يُدرِكَه العَدُوُّ قَبلَ أنْ يُنذِرَ قَومَه، فأهْوى بثَوبِه: أيُّها النّاسُ أُتيتُم، أيُّها النّاسُ أُتيتُم. ثلاثَ مرارٍ.[1]

وعن أبي هريرة قال : قال صلى الله عليه وسلم : مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نارًا، فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَها جَعَلَ الفَراشُ وهذِه الدَّوابُّ الَّتي في النّارِ يَقَعْنَ فيها، وجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فيها، قالَ: فَذَلِكُمْ مَثَلِي ومَثَلُكُمْ، أنا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَنِ النّارِ، هَلُمَّ عَنِ النّارِ، هَلُمَّ عَنِ النّارِ فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فيها.[2]

فالنبي صلى الله عليه وسلم يخشى عليهم النار وتزداد خشيته حينما يرى عنادهم واستكبارهم وهم لا يعلمون ما يحمله في قلبه لهم من محبة هدايتهم وكراهة مشاهدتهم ينحطمون في جهنم لما حمله في قلبه من عطف ولين وخير ، ومصداق ذلك قوله تعالى : }أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } [فاطر:8]  فعلم سبحانه ما يحمله نبيه صلى الله عليه وسلم من حزن (خوف شديد عليهم من مصيرهم في الآخرة ويأس من هدايتهم لما يراه من صدود عن سبيل الله وعداوة لدين الله).

{ فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا } [مريم:24]

فمريم مع حملها ووضعها من غير زوج تشعر بالخوف الشديد مما حصل واليأس من تصديقها بأنها لم ترتكب الفاحشة ، وكان حالها مما يدعو لليأس من تصديقهم لها ولا تعلم مصيرها وقومها لو أقاموا عليها الحد لقتلوها ، فيطمئنها ويسليها جبريل عليه السلام وينهاها عن هذا الحُزْن .

{ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } [القصص:7]

وحال أم موسى من أظهر ما يبين المعنى فيقول تعالى فإذا خفتِ عليه : أي أدركتي أن جنود فرعون سيصلون إليه ووقع في قلبك الخوف من ذلك فألقيه في اليم ،   ( ولا تخافي) على نفسك مما فعلتي (ولا تحزني) أي لا تخشي على وليدك الرضيع المكاره مع يأسٍ من عودته إليك ، فإنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ، ثم عندما رد الله إليها موسى قال تعالى : { فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [القصص:13]  فقرار العين توقفها عن التحرك المستمر والبحث والتوجس مما يبين اضطراب النفس واشتعال الفؤاد.

{ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ } [العنكبوت:33]

أساءه مجيء الأنبياء وأدرك ان الإمهال انتهى وعذاب الله واقع لا محالة فيأس من نجاتهم واجتمع في قلبه الخوف مما سيقع والإدراك بأن ما سيحصل من عذاب لا مرد له من الله ، فنهاه عن الخوف (على نفسه) والحزن على قومه (أي الخوف بياس من نجاتهم ، وطمأنه بأن الله سينجيه وأهله واستثنى منهم امرأته.

 
{ إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } [المجادلة:10]

فمناجاة المنافقين والمسارّة فيما بينهم في الحديث يوحي الشيطان عند رؤية ذلك بوجود مؤامرة على الدين ، ولما كانوا برابطتهم الوثيقة مع اليهود والذين أشركوا يأتمرون على دين الله فإن بعض المؤمنين يخشون من وقوع مكروه جراء ما يمكره أولئك ويحيكونه ضد الدين ، فينهاهم الله عن الخوف المشوب باليأس وأن ذلك من الشيطان ليشعرهم بقوة المنافقين ومن ظاهرهم على أهل الإسلام ولكن لن يقع لكم من الضرر شيئاً إلا ما يأذن الله بوقوعه.

سياقات استعمال المفردتين بصيغها المختلفة :
إن توظيف المفردتين في السياق اللغوي كإسم معرَّف (الحُزْن) و (الحَزَن) أو غير معرفتين (حُزْن) و (حَزَن) يحدد فهم الجملة ، فعند استعمال الحُزْن نعرف أن المراد هو يأس وخوف من المستقبل ، وعند استعمال الحَزَن علمنا أنه يأس وحسرة على الماضي ولكن عند استعمال الفعل فكيف يمكننا تتمييز أي المفردتين أريد ذكرها ، كقوله (تحزنون) ، (يحزن) ، (يحزنون) .
نقول أن السياق هو السبيل لمعرفة المراد فإن كان الحديث عن حدث مستقبلي علمنا أن المراد هو (الحُزْن) أما إن كان الفعل في سياق الحديث عن الماضي فيكون المراد (الحَزَن) كخطابه تعالى لأم موسى بقوله (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَاتَحْزَنِي) يتبين بأن المراد هو (الحُزْن) لأنه ينهاها عن فعل مستقبلي ، وفي موضع آخر يقول تعالى (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ) فتبين بأن الحديث هنا عن (الحَزَن) لأنه يتحدث عن النهي فيما يتعلق بحدثٍ ماضٍ.
والسؤال هل يمكن أن تَرِد المفردة في حال الابهام وتحمل معنى مزدوج فتشير إلى (الحُزْن) و (الحَزَن) في وقت واحد ؟؟
نعم وذلك لأهل الإيمان في الآخرة فقط .. فالبشارة للمؤمنين في الآخرة تشير لانتفاء (الحُزْن) و (الحَزَن) بصيغة الفعل كقوله تعالى :
{بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:112]
فالمعنى هنا يشير لانتفاء (الحُزْن) و (الحَزَن) في كل أحواله عن أهل الجنة فلا هم يائسين متحسرين على ما فاتهم من دنياهم ، ولا خائفين يائسين من النجاة فتحمل مفردتي الحزن على كل معانيها في تلك الحالة والله تعالى أعلم

نكتفي بهذه النماذج من المفردتين ونرجو من الله جل وعلا أن يؤتينا أجر اجتهادنا ويغفر لنا إن جاوزنا الصواب إنه على كل شيء قدير وصلى اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمدلله رب العالمين.

[1] شعيب الأرنؤوط (١٤٣٨ هـ)، تخريج المسند ٢٢٩٤٨  •  صحيح لغيره
[2] مسلم (٢٦١ هـ)، صحيح مسلم ٢٢٨٤  •  [صحيح]  •  شرح رواية أخرى

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (14)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (14)

الشعبة الثالثة عشرة

ولاية المؤمنين والبراءة من الكافرين.

إن محبة المؤمنين وموالاتهم والنصح لهم دليل إيمان العبد ، ذلك أن المشترك الاعتقادي بين المؤمنين يفرض عليهم مودتهم تجسيد شعب الإيمان فيهم من إكرام وإطعام وشفقة ونحو ذلك.

{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة:71]

وبالمقابل فإن المؤمنين محبين لله متشوقين إليه مشفقين من عذابه وأعداء الله أعداء لأولئك المؤمنين ، فينبغي بغض ما هم عليه من ضلال ومقاومة عداوتهم لله وللمؤمنين ،البراءة منهم لأن من فعل ذلك فقد خلع ربقة الإيمان.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } [الممتحنة:1]

 

ناقضها:

تولي الكافرين من دون المؤمنين ، والمنافقين عديمي الإيمان ولا يعتقدون بقدرة الله على النصر ولا يثقون بالمؤمنين فضلا عن أن المؤمنين بالنسبة لهم أعداء المنهج للمنافقين، وتوعدهم ربنا جل جلاله بالعذاب الأليم.

بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)

 

 الشعبة الرابعة عشرة

الوفاء بالعهد.

إن العهد مما يلتزم العبد بإنفاذه ، وقد يقطع العبد على نفسه عهداً فيبدو له غير ما عاهد به ، أو يرى أن فيه ما يؤذيه أو لا يجلب نفعا إليه فينكث عهده وينكره ، وهذا النكران من صفات اليهود والمنافقين ، وكلا الفريقين يحملان ذات الصفة ، وقد عدَّ الله تعالى الوفاء بالعهود من صفات المؤمنين وذلك في سورة أسميت (المؤمنون) لافتتاحها بأبرز شعب الإيمان وصفات المؤمنين ، ومنها الآية التالية التي تكررت بذات الرسم في سورة المعارج أيضاً:

{ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } [المؤمنون:8] .

 والعهد كلمة قد تقال باللسان وليس عليها شاهد ولا وكيل، ولكنها ملزمة لمن عاهد بها فنسب الله تعالى العهد إليه فأسماه (عهد الله) فالمعاهدة تشتمل على اليمين بالالتزام بالعهد فمن نقضها انتفى عنه الإيمان لأن المؤمن بالله حق الإيمان لا يمكن أن ينقض العهد وهو يعلم أنه جل وعلا مطلع على فعله الخبيث.

{ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } [النحل:91]

 إن الولاية على مال اليتيم من مغريات المنافقين وقليلي الايمان للعبث به وأكله بالباطل ، وولاية مال اليتيم عهد على من بيده الولاية فإن نقض هذا العهد فقد انتفى الإيمان عنه لذلك حث المؤمنين على الوفاء بالعهد بعمومه وبالأخص في حفظ مال اليتيم لما يترتب على هذا النقض من إفساد لحياته واستغلال لضعفه عن طلب حقه واستغلال عدم وجود والده للاستيلاء على ماله وقد يكبر ولا يعلم بما حدث لماله في صغره.

{ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا } [الإسراء:34]

  ومن الآثار والأحاديث النبوية في الوفاء بالعهد حديثٌ عن عبد الله بن أبي الحمسا رضي الله عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏بايعت النبي قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو في مكانه فقال يا فتى لقد شققت على أنا ههنا منذ ثلاث انتظرك‏)‏ رواه أبو داود في سننه

 عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتم‏)‏ رواه ابن حبان في صحيحه وكذا الحاكم في مستدركه وغيرهما وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال أخبرني أبو سفيان رضي الله عنه أن هرقل قال له سألتك ماذا يأمركم فزعمت ‏(‏أنه يأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة قال وهذه صفة نبي‏)‏ أخرجه البخاري

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا جمع الله بين الأولين والآخرين يوم القيامة، يُرفع لكلِّ غادرٍ لواءٌ، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان)) ينصب الله للغادر يوم القيامة لواءً فيفضحه الله على رؤوس الأشهاد.

ناقضها:

نقض العهد من أظهر علامات النفاق ، ويشترك اليهود والمنافقون في جمع من الصفات ومنها التقليل من شأن الله تعالى والاستهانة بإحاطته تعالى بخلقه وقدرته على محاسبة الناس على أفعالهم ، ومن تلك الصفات نقض العهد والميثاق يقول تعالى :

{ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [الرعد:25]

 

وبلا شك أن الوفاء بالعهد من صفات المؤمنين فيقتضي ذلك أن نقيض الوفاء بالعهد هو من صفات المنافقين يقول صلى الله عليه وسلم : ( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا : إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ). رواه البخاري

إن العهد في أصله لا يستشهد فيه بشاهد ، فهو بين المعاهِدِ والمعاهَد ولذلك كانت خيانة العهد استغلالا لغياب الشهود من أعظم الذنوب ومن أدل الأمور على حصول النفاق في القلب.

الشعبة الخامسة عشرة

أداء الأمانة

دليلها:

من صفات المؤمنين أداء الأمانة ، وتوافر الإيمان في قلب العبد يجعله مقراً بوجود الرقيب سبحانه على المؤتمَن ومراقبته تمنع المؤمن من مجرد التفكير في الخيانة ، والله تعالى يأمر بأداء الأمانة فيقول جل شأنه

{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } [النساء:58]

ويصف تعالى المؤمنين برعاية الأمانة:

{ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } [المعارج:32].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “ أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ

وأداء الأمانة بالتالي ليست بالمقابلة ولا الجزاء بل بالابتداء ، فلو خانك من أديت إليه الأمانة لم يجوِّز لك ذلك أن تخونه مما يدلنا على عظم الأمر .

ناقضها:

خيانة الأمانة وهي من شعب النفاق ، ودلائلها كثيرة منها عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : ” لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا ، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، يَظْهَرُ النِّفَاقُ ، وَتُرْفَعُ الأَمَانَةُ ، وَتُقْبَضُ الرَّحْمَةُ ، وَيُتَّهَمُ الأَمِينُ ، وَيُؤْتَمَنُ غَيْرُ الأَمِينِ ، أَنَاخَ بِكُمُ الشُّرْفُ الْجُونُ ، قَالُوا : وَمَا الشُّرْفُ الْجُونُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ” .

وكأنه فداه أبي وأمي يتحدث عن يومنا هذا ، فالنفاق ظهر والخيانة صارت معتادة ومرد ذلك إلى مراتب الدين المبتدعة.

عَنْ أبي هريرة ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “ إِذَا اتُّخِذَ الْفَيءُ دُوَلا ، وَالأَمَانَةُ مَغْنَمًا ، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا ، وَتُعُلِّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ وَأَطَاعُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَعَقَّ أُمَّهُ وَأَدْنَى صَدِيقَهُ وَأَقْصَى أَبَاهُ ، وَظَهَرَتِ الأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ ، وَظَهَرَتِ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ ، وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ ، وَلَعَنَ آخَرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ وَزَلْزَلَةً وَخَسْفًا وَمَسْخًا وَقَذْفًا ، وَآيَاتٍ تَتَابَعُ كَنِظَامٍ بَالٍ قُطِعَ سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ ” .

وكأنه يتحدث عن عصرنا هذا حيث ازدهر النفاق وكانت كل بلوى في الحديث نراها واقعاً في حياتنا هذه.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ) رواه البخاري (33) ومسلم (59)

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا : إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ) رواه البخاري (34) ومسلم (58

فكان فيما تقدم دلائل ساطعة على أن خيانة الأمانة شعبة من شعب النفاق.

 

يتبع

صفحة جديدة لقناة الموقع على اليوتيوب

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تم استحداث صفحة جديدة تشتمل على حلقات متنوعة من المفاهيم القرآنية يتم نشرها تباعاً عبر موقع يوتيوب ، مراعاة لعدم تمكن الكثير من القراءة وتفضيلهم للاستماع ، ونتطلع لتعزيز الحوار والنقاش في مواضيع تلك المقاطع ، وقد ابتدأنا بصفحة سِلْسِلَةُ حَقِيْقَةِ النَّفْسِ البَشَرِيَّة (فيديو) حيث جمعنا المواضيع المترابطة في سلسلة مترابطة من المواضيع .

أما عنوان قناة اليوتيوب ، فيمكن الوصول إليها عبر الرابط التالي :

قناة أوجه البيان في كلام الرحمن

نرحب بكم وبآرائكم واقتراحاتكم وتقبلوا خالص الدعاء وأطيب الأمنيات.

 

إدارة الموقع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (13)

الشعبة الثامنة

أن يكون رسول الله أحب إليه من أهله وولده والناس أجمعين باتباعه وإطاعته.

إن محبة النبي ﷺ تنشأ من الإيمان بالله فيحب المؤمن ما أتى من الله ومن أتى بأوامر الله وبذلك فإن حب النبي ﷺ برهان تحقق الإيمان ، فاتباعه ﷺ والاستنان بسنته تطبيق عملي على تحقق الإيمان ، يقول تعالى :

{ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [آل عمران:31]

والإيمان ينتفي عن العبد ما لم يكن النبي ﷺ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ، وهنا فإن هذا الحديث فاصل حاسم بين الإيمان وبين النفاق  ، ودليله في الحديث التالي :

عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)).

فمعيار الإيمان والنفاق هو مستوى محبة الله ورسوله مقابل محبة الدنيا بكل أثمانها وأموالها وشخاصها من أهل وولد فإن وجد الإنسان نفسه يفضل الركون لملكه وماله عن الجهاد في سبيل الله ، سواء قتالاً أو مقاومة للنفس لردعها عن الشهوات ، فمن لم يرجح حبه لله والرسول فأنت على شعبة من النفاق وتعد من ضمن الفاسقين.

{قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (24) التوبة

ناقضها:

إن رجحان حب الدنيا على حب الله ورسوله كافية لتصنيف المرء من أهل النفاق ، ولكن من أشد النفاق إيذاء النبي ﷺ بالانتقاص والإساءة ويدعي أنه من المسلمين.

{وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة التوبة، الآية: 61]

إيذاء الله والرسول بالسب والانتقاص يورث اللعن والطرد والابعاد من رحمة الله ، فكان كل ذلك مما يصنف المرء من أهل النفاق.

{ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا } [الأحزاب:57]

الشعبة التاسعة

طاعة أولي الأمر

لقد جعل الله ولاية الأمر في المجتمع الإسلامي صمام أمان للناس من نمو الفوضى وظهور الإجرام وتحقيق العدل وفرض حكم الله في الأرض ، فكانت طاعة ولي الأمر دليل من دلائل الإيمان والعصيان والفتنة من دلائل النفاق لما يترتب على ذلك من مفاسد عظيمة تنهار بسببها الأمم وتضيع الضروريات الخمس ويفتقد الأمن ، فكان ذلك من أشد شعب النفاق ضررا على الأمة والدولة ، وطاعة ولي الأمر هو وسيلة تحقيق استقرار المجتمع المؤمن وسلامة أعضاءه وأمنه ورفاهيته.

لقد أمر ربنا سبحانه وتعالى بنداء المؤمنين ودعوتهم إلى طاعة الله وطاعة الرسول وولاة الأمر ، فكان النداء الإيماني دليل انتماء هذا الأمر ومن يأتيه إلى شعب الإيمان ، وانتماء نقيضه بالضرورة لشعب النفاق وأهله ، يقول تعالى :

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [النساء:59]

ناقضها :

إن نشر الفتنة وتحريض العامة على العصيان والعدوان على الأبرياء ومنازعة الأمر أهم أسباب الفشل وذهاب القوة وحلول الفساد والخراب ، وإن كانت طاعة ولاة الأمر والمناجاة بالمعروف والإصلاح من شعب الإيمان وأسبابه فإن نقيضها هو من شعب النفاق وأسباب نشوئه في المجتمعات ، يقول تعالى :

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [المجادلة:8]

{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [آل عمران:132]

وقد وصف الله تعالى أولئك المفتنين من المنافقين المفرقين بين المؤمنين فقال تعالى:

{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } [التوبة:107]

فحملت هذه الآية الكريمة أظهر الأدلة على انتماء العصيان والفتنة لشعب النفاق.

الشعبة العاشرة

الصدق واجتناب الكذب

يقول تعالى :

{ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ } [يونس:2]

إن للمؤمنين قدم صدق عند ربهم ، والصدق شعبة من شعب الإيمان وناتج من نواتج اليقين بوجود الله ، فالمؤمن ينفر من الكذب ويفرق منه لعلمه وإيمانه بإن الكذب ولو خفي عن الناس فهو لا يخفى عن الله فالصدق قرين الإيمان.

يقول تعالى :

{ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا } [الأحزاب:8]

وهنا صورة من صور المقابلة بين الكافرين والصادقين ، فالصدق صنو الإيمان ورديفه والكذب صنو الكفر والنفاق.

{ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } [الزمر:33]

فأثبت الله الصدق للمتقين ، وهم من يأتي الطاعات ويتجنب المحرمات اتقاء عذاب الله وغضبه واشفاقا من سخط الرحمن ، فوجب أن يتلازم الإيمان بالصدق بالتقوى وذلك هو الإحسان وكمال الإسلام.

{ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}  (17) آل عمران

إن المقرين بالإيمان يتوسلون بإيمانهم لنيل المغفرة ويسألون ربهم الوقاية من العذاب فوصفهم الله تعالى بالصبر والصدق والقنوت والبذل وكثرة التوبة والاستغفار ولكن طلب المغفرة يكون في خلوة بينهم وبين خالقهم في وقت السحر فلا رياء ولا نفاق بل انقطاع عن الدنيا واتصال بالله بإيمان ويقين.

{ قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [المائدة:119]

وهذه الآية الكريمة من مثاني قوله تعالى (ليسأل الصادقين عن صدقهم الآية) فهو جل وعلا يسأل أهل الصدق و الإيمان عما يقال فيهم في الدنيا وما ينسب إليهم – وهو تعالى أعلم- ولكنه يستنطقهم أمام الأشهاد ليثبت افتراء المفترين عليهم ، كما هو الحال مع نبي الله عيسى إذ يقوم أمام الأشهاد مكذبا من يدعي أنه قال بألوهيته أو بنوته لله تعالى عن ذلك ، فتقوم الحجة بذلك على المفترين.

ناقضها:

الكذب نقيض الصدق ، وبالتالي هو نقيض الإيمان ، وأشد الناس كذبا هم أهل النفاق وحياتهم مغلفة بالدين يظهرون الطاعة ويتلبسون بلبوس العمل لإيهام الناس بأنهم من أهل الإيمان ، وهم في حقيقتهم لا يؤمنون ، يقول تعالى :

{ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ } [النحل:105]

ويشترك الكفار والمشركين مع أهل النفاق في تمكن الكذب من قلوبهم وانتفاء الإيمان عنهم ، فيدعون لله شركاء ويعيدون معه ما لا يكافئه ولا يستحق العبادة فكان أسوأ الكذب وأشده ضررا بصاحبه.

والكذب شعبة من شعب النفاق ، لذلك كان من علامات النفاق ، قال رسول الله ﷺ : ( آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ) فكان الكذب أس البلاء عند المنافقين لأن النفاق يقوم أصله على الكذب ، ثم يجر بقية الخصال الخبيثة  ، فيصفهم الله بكذبهم فيقول تعالى: { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } [البقرة:10]

والنفاق نقيض الصدق بلا ريب فالله تعالى يقول :

{لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) [الأحزاب]

وفي الأثر الموقوف عن ابن مسعود رضي الله عنه : (الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ ) وما ذلك إلا لأن حديث الغناء والشعر جله كذب ، واليوم لمّا اختلطت المفاهيم وغابت حقائق الإيمان وحقائق النفاق تحت مفهوم مراتب الدين المبتدعة استمرأ الناس الكذب واستمرأوا الشعر والغناء ولم يعودوا ينكرون كذبه وهزله فاستوى الإيمان والنفاق في أذهانهم .

إننا في العصر الحاضر نرى الكذب في كل مكان حتى أصبح مستساغاً لا يتنزه منه أحد ، وأصبح يدخل في كل حديث ، بل تجد أن هناك من الدعاة من يتناقل القصص المكذوبة بلا تحري لمصدرها ولا تأكد من صدقها، وأعتقد أن تربية المجتمعات بأسرها على مراتب الدين بصورتها التي ندعو لنقضها اليوم كانت هي التي مررت هذا التمييع لمسالة النفاق وما يتبع لها من شعب وخصال ذميمة وعلى رأسها الكذب ، والله المستعان.

ولن ينحسر مدّ الكذب والتزييف الجارف والنفاق الذي يجتاح حياتنا ومجتمعاتنا ، صغارنا وكبارنا ، صالحينا و مصلحينا إلا بوقفة حقيقية لنقض مراتب الدين وتصحيح هذا المفهوم و سنحتاج لأجيال وجهود إصلاحية حثيثة للقضاء على هذه الآفات القاتلة لجسد الأمة.

الشعبة الحادية عشرة

الهجرة والقتال

القتال في سبيل الله من أعظم دلائل الإيمان ، فالنفس من أنفس ما يملك المرء ، فإن بذلها في سبيل الله تعالى وإيمانا وتصديقاً بوعده وخشية من وعيده فقد أتى أعظم الأعمال وأجلها ، ذلك إن كان هذا القتال على ما تقتضيه ضوابط الشريعة المطهرة.

إن الجهاد جهادين ، والهجرة هجرتين ، فالجهاد الأول مقاومة نزوات النفس وشهواتها ، والجهاد الثاني هو مقاومة أعداء الدين بالسيف واللسان وبكل وسيلة مشروعة لمنعهم من الإضرار بالدين وإيقاف مسير الدعوة ، والهجرة الأولى نبذ أهل الباطل واعتزالهم ، وترك الشهوات والعقائد الفاسدة وهجرها ، والهجرة الثانية بالانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان ، يقول تعالى :

{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [الأنفال:74]

ومن واقع الآية السابقة فإن الجهاد والهجرة والإيواء والنصر تتطلب تحقق الإيمان ، فإن تحقق الإيمان كان فعلهم تحقيقاً لهذا الإيمان وإثباتاً لصدقه وصفاءه.

{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الأنفال:72]

ناقضها:

القعود والتولي يوم الزحف نقيض الهجرة والقتال، فخشيتهم على أنفسهم مرده غياب الإيمان عن قلوبهم وتمسكهم بالحياة الدنيا والمال والولد وكراهة لقاء العدو والخوف الشديد من القتال لتمكن النفاق في قلوبهم ، ففي كان القتال والهجرة من علامات الإيمان وشعبه فإن القعود من علامات النفاق وشعبه ، يقول تعالى :

{ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } [آل عمران:167]

ويقول جل شأنه في بيان فرارهم وتوليهم يوم الزحف :

{وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا}    (13) الأحزاب

وبذلك كان القعود عن القتال والهجرة من شعب النفاق وعلاماته لمناقضتها شعبة من شعب الإيمان .

الشعبة الثانية عشرة

الدعوة

إن المؤمن يسعى لإنقاذ الناس من مصير السوء والموت على الضلال والكفر ، فتراه يدعو إلى الله سعياً في رضاه وتنفيذاً لأمره جل جلاله وأمر نبيه وامتثالاً لواجب المسلم وإشفاقاً على الناس  ، وهذا من ثمرات إيمانه بالله بلا شك ، يقول تعالى :

{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ   صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت:33]

والمجتمع المسلم يجب أن يقوم منه من يسعى للدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإذا قام كل فرد مؤمن بواجبه بالدعوة والموعظة الحسنة مستهدفاً من هم خارج دائرة الإيمان والإسلام من ونشر الإيمان بالله وفي ذلك الفلاح يوم القيامة.

{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آل عمران:104]

ناقضها:

الصد عن سبيل الله ، فطالما غاب الإيمان عن النفس واستوطن النفاق فلن يسعى المنافق لهداية الناس لأن الهداية غائبة عن قلبه ، والمنافق تراه دوما يحمل من القيم والمبادئ ما يناقض بها قيم المؤمنين ومبادئها وأهم مبادئ الدين هي الدعوة فكيف يدعو لما لا يؤمن به أصلا .

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا } [النساء:61]

{ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [المنافقون:2]

أي جعلوا يمينهم الكاذب بقولهم (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) جُنَّة يتقون منكم بها ، ثم بدأوا يصدون عن سبيل الله يحرفون الناس عن الحق والإيمان.

 

يتبع …

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (12)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (12)

شجرة الإيمان وشعبها ، وشجرة النفاق وشعبها

سبق القول بأن الإيمان بذرة خفية تنمو وتثمر فتكون شجرة شعبها هي أعمال الإسلام (افعال الجوارح) وعلى ضوء ذلك جهدت في البحث عن تلك الشعب التي تفوق السبعين شعبة ولا يعلم عوام المسلمين منها سوى ثلاث شعب ، وقد اجتهد بعض العلماء في استظهار عدد من الشعب ، نسبها لشعب الإيمان.

ولابد ان يستقر لدينا أن هذه الشعب كلما انتفى منها شيء عند المرء نسب إلى أهل النفاق ، يقول صلى الله عليه وسلم في (حديث مرفوع) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السُّلَيْطِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : “ لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ ” إذاً فالطعن واللعن والفحش البذاءة إنما هي شعب من شعب النفاق استدلالا بقول النبي صلى الله عليه وسلم حيث نفى الإيمان عنهم فلزم أن يكونون من أهل النفاق.

لقد استحضرت في هذا البحث استنطاق النص القرآني والحديث الشريف ، ففي كل حديث يصف المؤمنين بصفة أو يحذرهم من عمل تقرر ذلك الأمر بأنه شعبة من شعب الإيمان وما انتفت ونقضت إلا كانت شعبة من شعب النفاق ، وفيما يلي سنستظهر شعب الإيمان وما يناقضها من شعب النفاق فنقول بعون الله :

 الشعبة الأولى

شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

 دلائلها :

قوله تعالى : { ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [الأنعام:102] ، فأمر بعبادته لمن آمن به واحداً أحداً.

وقوله تعالى : { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [طه:14]

فأمر بالعبادة التي تلي الإيمان بالله واليقين بوحدانيته فبدون توحيد لا تقبل عبادة وبدون إيمان سابق بمنطوق الشهادتين فإنها لا تقبل.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ – شُعْبَةً، أَعْلَاهَا: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمان» . متفق عليه.

ناقضها :

وينقض هذه الشعبة ويحيلها من شعبة إيمان إلى شعبة من شعب النفاق نطق الشهادة باللسان فحسب دون الاعتقاد بالقلب فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فتكون حينئذٍ شعبة من شعب النفاق ، يقول الحق تبارك وتعالى :

{ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } [المنافقون:1]  فهم اقروا بالشهادة بألسنتهم ، أما قلوبهم فتخلوا من حقيقة هذه الشهادة وهم فيما شهدوا به كاذبين.

 

الشعبة الثانية

إقامة الصلاة بخشوع والمحافظة عليها.

دلائلها :

يقول تعالى : (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  (3) [البقرة] ، فعرف تعالى المتقين بمن اجتمع في قلوبهم الإيمان أولاً ثم العمل ثانياً ورأسه الصلاة والإنفاق بدفع الزكاة والصدقات.

وقوله تعالى : ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)   [البقرة:110] ، ويقول تعالى يصف المؤمنين :  (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)   [المؤمنون:2]

 ناقضها :

وينقض هذه الشعبة ويحيلها لشعبة من شعب النفاق إتيان الصلاة رياءً حتى يقال أنهم (يصلون) ، وهم في حقيقة أمرهم لم يأتوا الصلاة رغبة في رضا الله وإيماناً به يقود لإتيان الصلوات ، لذلك يقول تعالى : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء:142]

الشعبة الثالثة

الإنفاق وإيتاء الزكاة

دلائلها:

إن معظم الآيات التي تقرر إقامة الصلاة يتبعها الأمر بإيتاء الزكاة ومنها:

يقول تعالى :  (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النور:56]

ويقول تعالى مبيناً صفات المؤمنين في سورة المعارج 😦وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ  (24)  لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) (المعارج) ، قال بعض أهل التفسيرومنهم قتادة أن المراد بالحق المعلوم هو الزكاة ، وقال بعضهم أنها سوى الزكاة من الصدقات والنفقات ، وقال تعالى : { آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ } [الحديد:7] فابتدر المخاطبين بالأمر بالإيمان أولا ثم الإنفاق مما جعلهم مستخلفين فيه ، فدل ذلك على وجود الإنفاق من منطلق الإيمان فكان تحقق ذلك هو عين الإحسان كما سبق وأن أوضحنا.

ناقضها :

الشح والإمساك عن الإنفاق في سبيل الله يقول تعالى : { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } [الأحزاب:19] فنفى عنهم الإيمان ، فهم مسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأتون العبادات رياءً واتقاء فكانت تلك الأعمال باطلة محبطة لا يجزون عليها بخير ، والشح والبخل وقبض اليد عن النفقة هو إحدى علامات النفاق ، فالمؤمن يعلم أن المال مال الله وأن الذي رزق العبد قادر على أن يخلف ما أنفق ويضاعفه مالا وأجراً ولكن المنافقين لا يدركون ذلك ولا يعترفون به لأنه من لوازم الإيمان وقلوبهم لم تعرف الإيمان ، وهم بالإضافة لإمساكهم عن النفقة والزكاة فهم يحرضون على البخل ومنع الخير ، فيقول تعالى : { هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ } [المنافقون:7].

 

الشعبة الرابعة

صوم رمضان

وهنا أيضاً يتجه النداء للذين آمنوا بالأمر بالصيام ، والصيام عبادة مخصوصة فلا يعلم مدى التزام العبد بها على وجه الصدق والحقيقة سوى الله فكانت فريضة الصوم ذات جزاء غير معلوم فيقول تعالى (الصوم لي وأنا أجزي به) ذلك أنه معتمد على توافر الرقابة الذاتية في قلب العبد بالكلية :

دلائلها :

 يقول الحق تبارك وتعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)  [البقرة:183] 

والله جل وعلا يثني على المؤمنين الذين يأتون فرائض الإسلام لله وتتوافر فيهم عدد من الصفات مجتمعة ومن ضمنها الصيام ، فيقول تعالى { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الأحزاب:35] .

ناقضها :

إن الصوم عبادة خفية في أصلها ، فهي ليست كالصلاة التي يأتيها المنافق رياءً ، فإن وجد امرؤ نفسه يفسد صومه بأحد نواقضه عامداً أو أنه صام عن الأكل والشرب ولم يصم عن الفحش والبذاءة من القول فلا فائدة في عمله وليتهم نفسه فإنه على شعبة من شعب النفاق ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن لم يَدَعْ قول الزُّور والعملَ به والجهلَ، فليس للهِ حاجةٌ أن يَدَعَ طعامه وشرابه))؛ رواه البخاري ، فقول الزور وشهادة الزور من جهة تعد من علامات النفاق (إذا حدث كذب) ومن جهة أخرى فهي ناقض من نواقض الصوم ، فكان صوم المنافق لا يخلو من ناقض من نواقضه ظهر به إلى الناس أو استخفى عنهم.

الشعبة الخامسة

حج بيت الله الحرام (لمن استطاع إليه سبيلا)

دلائلها:

(فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ )  [آل عمران:97]

إن شرط الاستطاعة يميز المؤمن من المنافق ، فأهل النفاق إن أرادوا الإعتذار ادعوا عدم الاستطاعة ، وإن حجوا كانت غايتهم إما تجارة أو رياءً ، فالحج مشقة وإتيانها بإيمان جزاءه مغفرة الذنب كله ، قال تعالى إجمالا : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة:197] وتفصيلا فقد روى البخاري في “صحيحه” عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه) وفي رواية له أيضًا: (من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه) وعند مسلم نحوه.

فكان شرط قبول العمل تجنب الرفث والفسوق والجدال.

ناقضها:

إن ما ينقض هذه الشعبة حتى إن أتاها المنافق هو الفسوق ، وقد اخبرنا جل وعلا بأن المنافقين هم الفاسقون ، يقول جل وعلا : { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ } [السجدة:18] فمن هو نقيض المؤمن سوى الكافر و المنافق ؟ وقد قال تعالى في سورة اسماها (المنافقون) { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [المنافقون:6] فكان الفسوق ناقض لهذه الشعبة فيكون إعراضهم عنها شعبة من النفاق.

الشعبة السادسة

التوحيد وصرف العبادة لله وحده لا شريك له.

دلائلها :

{وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:88] ، ويقول تعالى

فتوحيد الله والإيمان به وحده لا شريك له هو مقتضى الشهادتين التي تبتدئ بنفي الألوهية عن كل شيء وكل أحد باستثناء الله جل وعلا ، فلما كان الشرك من أخطر الذنوب وأسرعها بصاحبها لجهنم فقد ابتدأت الشهادتين بالنفي ، ويخبرنا الله بأن كل ذنب قابل أن يغفره الله ماعدا الشرك ، يقول تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا } [النساء:48]

ناقضها :

صرف شيء من العبادة لغير الله ذنب عظيم يشترك فيه المشركين والمنافقين ، فكلا الفريقين يصرفون العبادة لغير الله ، فالمشرك يتقرب الى وثن أو إله آخر كرجل صالح أو نبي كعيسى عليه السلام ويضعه مساويا لله جل وعلا أو يصرف له شيئاً من العبادة فيؤلهه ، وكذلك المنافق فإنه يؤدي العبادات لا يقصد بها وجه الله تعالى بل يتقي بها من المؤمنين ويريد بعباداته الصورية إيهام المؤمنين بأنه منهم فكان شرك من كلا الفئتين يقول تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [الكهف:110].

وعندما توعد المشركين فقد قرن المنافقين معهم واستثنى المؤمنين مما اعده لؤلئك المجرمين يقول تعالى : { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [الأحزاب:73] فالطاعة مع النفاق شرك لا يغفر لصاحبه، والذنب مع الإيمان قابل للمغفرة طالما تمكن الإيمان من النفس.

 

الشعبة السابعة

الطهارة

دلائلها :

إن الطهارة صنو الإيمان والنجاسة صنو النفاق ، ذلك أن الإيمان هو نقاء الباطن ونقاء الظاهر ، بينما النفاق هو إبطان الكفر والشرك وإظهار الإيمان فكان الباطن مجاف للظاهر ، وقد خص الله المؤمنين بالطهور لذا فإن المنافق يجوز عليه أداء الصلاة بلا طهور ، فلا يتأتى لأحد معرفة حقيقة الطهارة من عدمها ، فلو شاء أن يرائي فسوف يرائي في العبادات المرئية كالصلوات ونحو ذلك يقول تعالى:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [المائدة:6]

 وعندما يتطهر المؤمنون طاعة لله بدافع الإيمان على الوجه الذي أمر به الله فلا شك أن مرد ذلك يعود لاستقرار الإيمان في قلبه فكان الطهور شطر الإيمان لأنه عمل مستمر في اليوم والليلة ويعتمد على جانب الإخلاص في العمل فكأن من أتى به على وجهه الصحيح كمن استكمل شطر الإيمان ، يقول صلى الله عليه وسلم:

عنْ أَبِي مَالِكٍ الْحَارِثِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ” الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ -أَوْ: تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَك أَوْ عَلَيْك، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا“. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فإن أتى المؤمن بالوضوء والطهارة كما أُمر بقي عليه إتيان العبادة على وجهها الصحيح ليستكمل الشطر الآخر من الإيمان ، يقول صلى الله عليه وسلم: قال صلى الله عليه وسلم (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) صحيح البخاري 6954

ناقضها:

النجاسة وإهمال الإتيان بالوضوء والغسل والطهارة كما أمر الله وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم ، والمنافق يترك الغسل ويترك الوضوء ، فطالما كان الناس لا يميزون ولا يعلمون حقيقة الطهارة لأنها مسألة خفية عن الناس والمنافق كما أخفى نفاقه وأظهر عبادات البدن فإنه يخفي نجاسته واهماله للوضوء والطهارة فكان النفاق محققاً لانتفاء الطهارة لأن النفاق في أصله اختلال الظاهر والباطن مخادعة وكذباً على المؤمنين.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص و أبي هريرة و عائشة  قالوا: قال رسول الله : ( ويل للأعقاب من النار ) ، وقوله : ( ويل للأعقاب من النار )، والأعقاب: هي مؤخر الأقدام.

فما كان ذلك الإنذار المخيف إلا لتبيان أن إهمال الوضوء للأماكن الخفية عن أعين الناس كالأعقاب وإسباغه وإظهاره في سواها كالوجه واليدين ونحوه إنما هو عين النفاق فأرسل هذه الرسالة للمنافقين بالدرجة الأولى تأسيسا على الأسلوب النبوي (ما بال أقوام ) فكان دليلا بأن استكمال الوضوء على وجهه فيما خفي عن الناس وظهر فهذا هو شطر الإيمان وما عداه نفاق لم يستحضر فاعله مشاهدة الله له وعلمه بما يبطن.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أُمِرَ بعبد من عباد الله أن يُضرَب في قبره مائة جلدة ، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدةً واحدةً ، فجُلد جلدةً واحدةً ، فامتلأ قبره عليه نارًا ، فلما ارتفع عنه أفاق ، قال : علام جلدتموني ؟ فقيل له : إنك صليت صلاةً واحدةً بغير طهور ، ومررت على مظلوم فلم تنصره ) أخرجه الطحاوي في “مشكل الآثار” (4/231) وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2774) .

 

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (11)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (11)

درجات المحسنين ودركات المنافقين

 قلنا ببطلان مراتب الدين  وأن أسبقية الإسلام -العبادات العملية- على الإيمان – اليقين القلبي – يعد نفاقاً صرفاً ، وقلنا أن حقيقة الدين أنه أبواب أولها الإيمان ، فلا يقبل عمل أصلاً ما لم يسبقه إيمان لا يخالطه شك ، وأن الإحسان في حقيقته ليس مرتبة ولكنه حالة تتحقق من إتيان العمل بدافع استقرار الإيمان.

وهنا سننظر في درجات الأعمال وتفاضل المحسنين وكيف أن من أعمالنا الحسن ومنها الأحسن ولكن الضابط الثابت ألا عمل بلا إيمان ولكن تتفاوت الأعمال في درجة الإحسان في تلك الأعمال.

تمايز أهل الجنة وأهل النار:

إن الحياة الدنيا مزرعة الآخرة ، وأعمال الناس يوم القيامة إنما هي إنعكاس لأعمالهم في الدنيا وكلما زاد إحسان العبد ارتفعت درجته في الآخرة ، وكلما زاد إجرام العبد وكفره ازداد عذابه في الآخرة وهذا مؤدى عدل الله في خلقه فالناس في الدنيا متمايزين متفاضلين في أعمالهم ، يقول تعالى : { أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) آل عمران.

وقد اختلف أهل العلم في مسألة الخلود في النار وعذاب المؤمنين وخروجهم من النار وافترقت عند ذلك الفرق ، ولسنا هنا بصدد بحث هذا الأمر واستعراض الأقوال المتعددة فيه بل إننا نقول بأن هذا مما اختص الله به ونسبه لذاته فليس لنا أن نجادل في أمرٍ كهذا ولو صرفنا أوقاتنا حتى نتدبر كلام الله ونحقق مراده من شرائعه ونؤدي ما افترضه علينا لكان ذلك أولى وأجدى من الجدال فيما ليس لنا فيه أثر وليس لنا عليه سلطان.

إن التناسب بين الإثم والعقوبة وبين العمل والأجر هو من معالم العدل الإلهي وهو السنة الربانية الباقية لا تميل عن ميزانها إلا إذا تولى الله عبده العاصي برحمته ، ولو كان عدل ربنا في المكلفين كلهم ما دخل منا جنته ورضوانه أحد.

الدلائل القرآنية :

ونستعرض الدلائل القرآنية على درجات التفاضل بين الناس يوم القيامة :

يقول تعالى : { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } [الأنعام:132] (ولكل) للمؤمنين والكافرين والمنافقين ، جاء عند ابن جريررحمه الله : ” وقوله : ( ولكل درجات مما عملوا ) أي : ولكل عامل من طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب من عمله يبلغه الله إياها ، ويثيبه بها ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .” انتهى كلامه

يقول تعالى :

{ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19) الأحقاف

ولكل : للجن والإنس ، للمؤمنين والكافرين والمنافقين ، للمتقدمين والمتأخرين ، جاء عند ابن جرير “حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) قال: درج أهل النار يذهب سفالا ودرج أهل الجنة يذهب علوا( وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ) يقول جلّ ثناؤه: وليعطى جميعهم أجور أعمالهم التي عملوها في الدنيا, المحسن منهم بإحسانه ما وعد الله من الكرامة, والمسيء منهم بإساءته ما أعدّه من الجزاء ( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) يقول: وجميعهم لا يظلمون: لا يجازى المسيء منهم إلا عقوبة على ذنبه, لا على ما لم يعمل, ولا يحمل عليه ذنب غيره, ولا يبخس المحسن منهم ثوابَ إحسانه.” انتهى كلامه.

ويقول تعالى :

{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } [البقرة:253] وحتى الرسل يتفاضلون فيما بينهم وليسوا على درجة واحدة من الفضل ، فمنهم الأنبياء ومنهم الرسل ومنهم أولو العزم ومنهم من اختصه الله بمقام عالٍ وأفضلهم وأحبهم إلى الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ولكن ما هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر الذي تتفرق عنده الدرجات صعوداً للمؤمنين بمنازلهم ودرجاتهم في الجنة، ونزولا للكافرين والمنافقين بدركاتهم ومنازلهم في النار ، وما هي شروط استحقاق الرحمة والعذاب في شريعة الإسلام الربانية في الآخرة ؟ :

أولاً : العلــم وانتفـــــاء الجهــــــــل.

ثانياً : الإرادة الحرة وانتفاء الجبــر.

ثالثاً : عمل الجوارح بفعل استقرار الإيمان.

رابعاً : التوبة لله من الذنب والرجوع عنه.

إن الإيمان والنفاق من أعمال القلوب التي تنتج اعمال جوارح ، فهما متشابهان من حيث محلهما وهو القلب ، وأن الله هو وحده من يطلع على حقيقة ما يحويه هذا القلب من إيمان أو شرك ونفاق ، ويتميز الإيمان والنفاق بأنهما قد ينتجان نفس العبادات والأعمال ولكن الأولى مصروفة إلى الله بإخلاص والثانية مصروفة للمخلوقين يراد بها الرياء وإظهار ما لا يبطنه المنافق من تكذيب وكفر.

ولكن العمل (الإسلام ) المترافق مع النفاق يستحيل طريقاً إلى اسفل دركات جهنم ، والعمل المترافق مع الإيمان فإنه يستحيل درجات متفاوتة في جنات النعيم كلٌ بحسب درجة إخلاصه و ميزان حسناته وسيئاته وفي آخر الأمر لا يستحق العبد من كرامة الله شيئاً إلا برحمته تعالى.

الاسلام والكفر

 

يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (10)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (10)

الشواهد القرآنية والآثار النبوية

سنتتبع الدلائل والشواهد القرآنية والآثار النبوية لنتمكن من التحقق من انطباق مفهوم “أبواب الدين” بدلا من “مراتب الدين” وهل يتماهى النص القرآني و يتطابق مع هذا المفهوم ؟؟ وهل يتعارض مع مفهوم مراتب الدين ؟

إن استعراض الشواهد القرآنية سيحقق مفهوم أبواب الدين وينقض مفهوم مراتب الدين الذي ينقضه العقل قبل النقل ولنرى ذلك من خلال الآيات التالية:

 

القاعدة الأولى : الفرائض موجهة للمؤمنين فقط.

 أن الإيمان دائما ما يسبق العمل فالعمل هو الإسلام وهو يلي الإيمان وليس العكس فلذلك نجد دوماً (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فلا عمل صالح دون إيمان يسبقه ، وسنجد فيما يلي أن الأوامر والنواهي دائما ما يسبقها نداء (ياء) للتنبيه ثم (آمنوا) لتحديد المخاطبين فهي مختصة بهم دون سواهم ، وهذا يحمل دلالة ورداً بينا على من يقول بتراتب الدين وأن الإسلام ادنى مرتبة ، فالأعمال في كتاب الله والفرائض وجهت للمؤمنين ولم توجه بقوله يا أيها الذين أسلموا ، لأن الإسلام قد يكون لله وقد يكون لسواه ، والإسلام هو العمل فإن أصبح لله فهو ناتجُ إيمان كما أسلفنا ، ولو كان الإسلام دائرة أكبر وداخليها مقبولين عند الله لشملهم النداء فقال “يا أيها المسلمينيا ايها الذين اسلموا” حتى يتحقق شمول كافة الداخلين في الدين (الدائرة الكبرى) بالنداء بالأمر الرباني:

 {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } [البقرة:14]

إن المنافقين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، وادعائهم الإيمان عند المؤمنين ، وهم يؤدون العبادات (الإسلام) لمخادعة المؤمنين و إيهامهم بأنهم مثلهم ، ولو سلمنا بمراتب الدين فهم مسلمون لله – وهذا باطل- فهم مستسلمين للنبي وللمؤمنين ، مظهرين لشعائر الإسلام واركانه ولكن لم يتحقق اسلامهم لله لأن الإسلام لله يعقب إيمانا به تعالى.

 {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [البقرة:25]

وهذه واحدة من خمسين آية اشتملت على جملة (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ليتعزز مفهوم أسبقية الإيمان وأنه مدار الهداية وأن الإسلام (بما يشمله من أعمال الجوارح) ما هو إلا نتيجة لرسوخ الإيمان في النفس وينقض مفهوم مراتب الدين وأن الإيمان مرتبة تالية للإسلام.

 {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة:103]

فالإيمان لابد أن يكون مبتدأ الدخول في الدين وأن يتبعه تحقيق له وهو العمل (العبادة) ، والتقوى هو فعل الشرائع والأوامر وتجنب المحرمات والبعد عن كل فعل منهي عنه ، فقرر الله أن الإيمان اسبق من التقوى ، فمن يسلم ويأتي الفرائض فهو لا يأتيها تقوى لله بل تقوى لغيره.

 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [البقرة:153]

وهنا يثبت الله لهم الإيمان (اليقين القلبي) ويطالبهم بعد ذلك بالإسلام (العبادات العملية) لأن جواز باب الإيمان يعقبه إتيان العبادات وانعكاس ذلك التوالي يعني النفاق.

 {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ } [البقرة:165]

وهذا مقام المشاهدة في الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه) فتكون عبادتك محبة له ضمن إيمانك به فإن لم يستقر هذا الحب في النفس كان ذلك إشارة على غياب الإيمان غياباً مؤقتاً أو غياباً كلياً.

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } [البقرة:172]

فالعبادة لا تحتسب إلا لمن ثبت في قلبه الإيمان فكان نداء الله لمن ثبت الإيمان في قلوبهم.

 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [البقرة:178]

فالمكتوب من الشرائع يؤتى من المسلمين طاعة وعبادة ومحبة وتسليماً بأمر الله وهذا هو الإسلام وهو أن تسلم وجهك وجوارحك لله ولحكمه والقصاص حكم من أحكامه تعالى ، والخطاب موجه للمؤمنين لأنهم هم وحدهم المعنيون بتنفيذ الحكم استسلاماً وحباً وطاعة لله ، وتأدية الدية عند العفو يجب أن تترافق مع الإحسان وهو جماع الفعل القلبي والعملي الذي رضي بحكم الله وقضائه.

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة:183]

فالخطاب هنا عند فرض شرائع الإسلام للمؤمنين ذلك أن الإيمان باب الإسلام فلا شرائع ولا إسلام لمن لم يؤمن بعد ،فكان تشريع الصيام (كركن من أركان الإسلام) وفرضه بخطاب موجه وأمر تنبيه كأنه يقول أن الإيمان شرط قبول هذه العبادة ، وأتت الصفة بصيغة الماضي (آمنوا) و ليست بصيغة سواها في دلالة واضحة على شرط الإيمان للإفضاء إلى الأعمال المشروعة.

 القاعدة الثانية : الإحسان صفة لازمة:

إن المتتبع للإحسان في القرآن الكريم يجد تلازماً بين صفات الإيمان والإسلام والإحسان بما يؤيد ويؤكد بأن صورة الإحسان المغروسة في الأنفس على أنها حالة فوقية نادرة لا يصلها إلا فئة قليلة من الخلق هو مبدأ غير سديد لأنه يخرج السواد الأعظم من أهل الملة من قطار المنافسة ، ولعلنا نتتبع مواضع ذكر المحسنين والإحسان في القرآن الكريم ونرى مدى ارتباطها بالإيمان والإسلام.

من الجدير بالانتباه له أن ذكر العمل ، والعبادات والشعائر هو مرادف لذكر الاسلام ، وذكر القلب ولفظ الجلالة وصفات الله العلي العظيم مرادف للإيمان فإن اجتمعت من الإحسان فقد تحققت المعادلة المطلوبة :

يقول الحق تبارك وتعالى :

{ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [البقرة:195]         

فاجتمع العمل (الإنفاق) واسم من يُنْفَقُ في سبيله (الله) وأُ تبِعَ ذلك بالأمر بالإحسان ، فكان أمر بالإنفاق بإيمان بعلم الله وكريم جزاءه على ذلك ، ونهى عن إهلاك النفس بما يشمل إتلاف المال فيما يضر  يقول تعالى { يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا } [البلد:6] وإهلاك المال صرفه فيما فيه ضرر للنفس ، والمال يد وقوة ، والتعبير بالإلقاء بقوله (ولا تلقوا بأيديكم) ولا تسارعوا بأموالكم التي هي قوتكم لتعود عليكم بالهلاك في الآخرة ، وفي البخاري عن ابن عباس وجماعة من التابعين في معنى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } لا تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العَيْلة وإن لم إلاَّ يكز سهم أو مشقص فأْتتِ به .، وهنا فإن الإحسان يشير للإنفاق سراً كأسمى قيمة من قيم الإنفاق لأنه يكون منقطعاً من الرياء متصلاً بحقيقة الإيمان بالله .

وهنا نقول إن الإحسان ليس من عفو العمل الذي يعد متمماً غير لازم بل هو من لوازم الدين التي لا ينفع العمل بدونه.

يقول الحق سبحانه وتعالى:

{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} (85) المائدة

فاشتملت الآية على اعترافهم وإيمانهم (ربنا آمنا) و دموعهم صدقت حقيقة إيمانهم فوصفهم الله بالمحسنين لأنهم استكملوا أصول الدين فآمنوا بقلوبهم وانتقلوا من إيمان برسالة سابقة إلى إيمان برسالة لاحقة فعلم ما في قلوبهم فكان ثواب الإحسان هو جنات النعيم.

يقول الحق سبحانه وتعالى :

{ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [المائدة:93]

فلما اغتم المؤمنين عند نزول تحريم الخمر لما كان منهم من معاقرة لها قبل تحريمها فطمأنهم ربهم بأنهم غير مؤاخذين بما كان منهم إن (اتقوا) أي التزموا بما استجد عليهم من تحريمٍ لشرب الخمر فكان وصفهم (الذين آمنوا) أثبت لهم الإيمان ، ثم أعقب ذلك بشرط التقوى أي اتيان الأوامر واجتناب النواهي (العبادة) وتساوي (الإسلام) لأنها أعمال جوارح وربط الإيمان بالعمل وتوجه باسمه الجمعي وهو (الإحسان) والله يحب المحسنين فأي درجة دونه تجلب محبة الله ؟.

يقول جل شأنه :

{ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [التوبة:91]

يعذر الله المؤمنين عن بعض العبادات عند تركها لعذر ولم ينفِ عنهم الإحسان لعلمه جل وعلا أن عدم اتيانهم لهذه العبادة كالنفقة لم يكن في ظل غياب الإيمان بل لانتفاء الاستطاعة ، بشرط النصح لله ورسوله (الإخلاص) لأنه عمل قلبي صرف لا يعذر احد بتركه ، قال سفيان الثوري ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي ثمامة – رضي الله عنه – قال : قال الحواريون : يا روح الله ، أخبرنا عن الناصح لله ؟ قال : الذي يؤثر حق الله على حق الناس ، وإذا حدث له أمران – أو : بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة – بدأ بالذي للآخرة ثم تفرغ للذي للدنيا .

وقد نفى جل في علاه أن يكون السبيل أي المؤاخذة واللوم على المحسنين فلم يمنعهم مانع عن الإيمان ولكن منعهم عذر قاهر عن العمل فكانوا في عداد المحسنين الذين لا تثريب عليهم ، فلزم أن يكون السبيل على غير المحسنين وهم المنافقون ، فيقول تعالى {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [التوبة:93] فكان نقيض المحسنين هم المنافقين ، فكان الدين سبيلان لا ثالث لهما إما إحسانٌ يجسد العمل باعتقاد وإيمان ، وإما نفاق لا جدال فيه فكان ذلك مصداق لهذا التفصيل والتأصيل.

يقول تعالى :

{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [العنكبوت:69]

وهنا نلحظ اجتماع الإيمان والعمل ونسبة المذكوريَن في الآية للمحسنين ، وأخَصُّ معنى للجهاد هنا هو جهادُ النفس فهو أداة تحقق الإحسان ، فالعامل عندما يكون عمله بدافع قلبي فهو لا شك يحقق ذلك العمل بمجاهدة النفس الأمارة بالسوء ويطرد وساوس الشيطان ليقوم بالفرائض وهذا مناط الإحسان (العمل المدفوع بتحقق الإيمان).

يقول تعالى:

{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ } [آل عمران:172]

استجابوا لله والرسول = آمنوا ، أحسنوا واتقوا = العمل المنبعث من استقرار الإيمان والاستجابة لله والرسول.

نزلت في أهل أحد الذين ساروا مع رسول الله رغم ما أصابهم من جراح وما وصل مسامعهم من إرجاف ، ولا شك أن كل تلك مواضع اختبار لصدق الإيمان وتماسك المسلم المحسن ولزومه للحق برغم الجرح والقرح والخيبة.

يقول الله تعالى :

{وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل:30]

وهنا يتحدث الله عن أهل الجنة وسؤالهم فثبت لهم الإيمان ، ثم بين بأن الحسنة للذين أحسنوا وهنا يجدر بنا أن نتلقف فائدة جليلة ، هي أن مناط النجاة هو ثقل ميزان الحسنات على ميزان السيئات ، ولا تتأتى الحسنات إلى ممن أحسن فكان من المحسنين ، فإن قلنا عمن أسلم بلا استقرار للإيمان أنه يجني الحسنات فكيف تكون حسنات بلا إحسان ؟؟.

يقول ابن كثير رحمه الله :

“ثم أخبروا عما وعد الله [ به ] عباده فيما أنزله على رسله فقالوا : ( للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ) كما قال تعالى : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) [ النحل : 97 ] أي : من أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة .” انتهى كلامه

ونلحظ في قوله تعالى (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ) فكان العمل يسبقه الإيمان حتى يكتب في ميزان العبد حسنة ، وبالتالي فهذا هو الإحسان الذي ينتج الحسنات (إيمان ينتج عملاً).

يقول ابن جرير رحمه الله :

“وقوله ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ) يقول تعالى ذكره: للذين آمنوا بالله في هذه الدنيا ورسوله ، وأطاعوه فيها ، ودعوا عباد الله إلى الإيمان والعمل بما أمر الله به ،حسنة ، يقول: كرامة من الله ( وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ) يقول: ولدار الآخرة خير لَهُمْ مِنْ دَارِ الدُّنْيا، وكرامة الله التي أعدّها لهم فيها أعظم من كرامته التي عجلها لهم في الدنيا( وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ) يقول: ولنعم دار الذين خافوا الله في الدنيا فاتقوا عقابه بأداء فرائضه وتجنب معاصيه دار الآخرة.”

قال ربنا جل وعلا :

{قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [الزمر:10]

لابن عاشور رحمه الله كلام نفيس في هذه الآية منه قوله :

“والمراد بالذين أحسنوا : الذين اتقوا الله وهم المؤمنون الموصوفون بما تقدم من قوله : { أمن هو قانت } [ الزمر : 9 ] الآية ، لأن تلك الخصال تدل على الإِحسان المفسر بقول النبي صلى الله عليه وسلم “ أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك ” ، فعدل عن التعبير بضمير الخطاب بأن يقال : لكم في الدنيا حسنة ، إلى الإِتيان باسم الموصول الظاهر وهو { الذين أحسنوا } ليشمل المخاطبين وغيرهم ممن ثبتت له هذه الصلة . وذلك في معنى : اتقوا ربكم لتكونوا محسنين فإن للذين أحسنوا حسنة عظيمة فكونوا منهم . وتقديم المسند في { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ } للاهتمام بالمحسَن إليهم وأنهم أحرياء بالإِحسان .” انتهى كلامه

وتؤكد هذه الآية الكريمة ما سبق بأن الحسنات التي تثقل ميزان العبد فترجح بالسيئات لا تكون إلا من المحسنين ، فلو قلنا بأن الإحسان درجة لا يبلغها إلا الخلص فإن لازم ذلك أن ما سواهم لا يحملون في ميزان أعمالهم حسنة واحدة وهذا باطل ومحال إلا إن كانوا منافقين ممن توعدهم الله بالدرك الأسفل من النار.

قال الله تعالى :

{ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } [النجم:31]

فالسيئات تقابل المسيئين والحسنات تقابل المحسنين ، والجزاء يدور حول هاتين الفعلتين ، فكانت الحسنات لا تتولد وتدون إلا من المحسنين.

ومن رحمة الله أنه يجزي المسيئين على قدر إسائتهم ولكنه يجزي المحسنين بأحسن الذي كانوا يعملون فيدون السيئات سيئة واحدة ويضاعف الحسنات عشراً.

 

القاعدة الثالثة : صفات أهل النفاق في التنزيل الحكيم :

إذا تتبعنا مواضع ذكر النفاق والمنافقين في كتاب الله لعلمنا أن كل معالم النفاق والمنافقين في كتاب الله تصف بدقة أهل المرتبة الأولى من مراتب الدين – بالمفهوم السائد- وهم المسلمون الذين خلت قلوبهم من الإيمان ، والذي يعدهم أهل الملة قومٌ قد اتوا بالمطلوب منهم أو بشيء منه:

يقول ربنا جلت قدرته :

{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران:167]

فقد نافقوا بأن أتوا الإسلام وعباداته العملية فأظهروا للمؤمنين خلاف ما يبطنون ، والقول باللسان من أعمال الجوارح فلم تكن تطابق مافي قلوبهم ، ولو عاملناهم بقاعدة مراتب الدين لكانوا داخل مرتبة الإسلام الشرعية التي أمر الله بها وتم التأصيل لها ، بينما هم في حقيقة الأمر منافقون يراؤون الناس ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، ولكنهم مسلمون مستسلمون لسلطة الشريعة عصمت أعمالهم دمائهم عن الناس ولكنها لا تعصمهم من أمر الله والعصمة من عذاب الله وأمره هي مناط الدين فإن انتفت فقد انتفى عنهم الدين فيدخلون في الوعيد وهم في مآل الأمر إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.

يقول ربنا جلت قدرته :

{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء:142]

إن الدخول في الإسلام قبل استقرار الإيمان هو عين النفاق لأن حقيقة العمل حينئذٍ لا يعدو كونه رياءً ، والمنافقين يقومون إلى الصلاة متباطئين في إتيانها متململين من أدائها ذلك أنهم لا يأتونها إلا ليرى المؤمنون فعلهم فيعدونهم منهم ويظنون أن كل ذلك مخادعة لله وللمؤمنين ، ووجه خداع الله لهم أنه عصم أموالهم ودمائهم من المؤمنين بما اتوا من العبادات الظاهرة (الإسلام) فظنوا أنهم قد تحقق لهم خداع الله والمؤمنين بتظاهرهم هذا ، ولم يدركوا بأن الله تعالى يعد لهم في الآخرة عذاباً اليماً.

فكما استبقوا حياتهم بكذبهم على أهل الإيمان فقد أبقى الله على حياتهم واقر فعلهم فصار نفاقهم طيلة بقائهم سالمين صاررصيداً عليهم يدون في أعمال السوء التي يحاسبون عليها يوم القيامة.

 

ويقول الحق جل وعلا :

{ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [التوبة:67]

يبين الله تعالى كيف أن المنافقين والمنافقات يتواطئون في عقائدهم فيتآمرون بالسوء وينهون عن الخير ويمنعون الصدقات و يبخلون بأموالهم ، فهم يبطون البغض للمؤمنين ولا يحملون في قلوبهم إيماناً لذلك فهم يبغضون أهل الإيمان فعلم الله ما في قلوبهم وهم يظنون أنهم آمنون من مكره وعبر عن ذلك بالنسيان والنسيان هنا قد يكون الترك ، فهم تركوا الله ورغبوا عنه فتركهم الله وحفظ لهم دمائهم بظاهر عملهم حتى يحين الوقت الذي يلاقون سوء ما كانوا يفعلون.

يقول تعالى :

 {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ } (11) العنكبوت

ومن الناس من يقول آمنا بالله ، فكان قولاً باللسان لم يواطئ اعتقاداً بالجنان ، فإن أوذي لإيمانه استعظم ما ناله من الأذى فجعله أقصى ما يحذر وكأن هذا الأذى هو عذاب الله الذي يستحق أن يحذر المرء منه ، وإنْ نصر الله المؤمنين ادعوا بأنهم من مسببات هذا النصر وأنهم مع المؤمنين في موقفهم وعقيدتهم والله تعالى يعلم مافي قلوبهم من بغض للإيمان وأهله.

 

قال تعالى :

{ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [الأحزاب:73]

فالعذاب للمنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ، والتوبة للمؤمنين والمؤمنات وليس للمسلمين والمسلمات ، ذلك أن المنافقين مسلمين خلت قلوبهم من الإيمان أو اختلط إيمانهم بريبة وهم الذين في قلوبهم مرض ، فاختص الله تعالى المؤمنين والمؤمنات فقط بالنجاة من العذاب.

القاعدة الرابعة : الأثر النبوي ينفي التراتب ويعرف النفاق:

لقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم بجلاء أن الدين بلا إيمان لا يعتد به ، وعرفه في مواضع عديدة بأنه نفاق وهو صلى الله عليه وسلم يشير إلى مفهوم مراتب الدين الذي نعتمده في فكرنا الحالي كمعرف للدين وأصله :

الحديث الأول : حَدَّثَنَا فَارُوقُ بْنُ عَبْدِ الْكَبِيرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَسْمَعَ الْعَوَاتِقَ فِي خُدُورِهِنَّ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَخْلُصِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلا تَتَّبِعُوا عَوَرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ اتَّبَعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اتَّبَعَ عَوْرَتَهُ فَضَحَهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ» .

وَفِيهِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَبُرَيْدَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ

فالنبي صلى الله عليه وسلم يرد في هذا الحديث على القائلين بمراتب الدين ، فيقرر لأصحابه ويعرفهم بأن الإسلام قبل الإيمان هو عين النفاق فقال (من آمن بلسانه) أي أتى ركن الشهادتين من اركان الإسلام قبل أن يتمكن الإيمان من قلبه ، ثم نهاهم عما يعد من صفاتهم (المنافقين) وهي الغيبة ، وتتبع عورات المسلمين لأن من يفعل ذلك لا يقيم وزناً لمشاهدة الله له واطلاعه على غيبته فيظن أنه آمن لخلو قلبه من الإيمان بالله أصلاً.

وهذا الأمر النبوي يشمل عصمة المنافقين من أن يتتبع المؤمنون عوراتهم فهم في عداد المستسلمين لهم ماللمؤمنين وعليهم ما عليهم ، وهذا ما نقوله بأن المنافقين لا يشق عما في نفوسهم شاق ولا يجوز تتبع عوراتهم فأمرهم إلى الله ، ومحِلُّ خيانتهم في قلوبهم ولا سبيل لتقريرها إلى لله جل وعلا.

الحديث الثاني : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ السَّامِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ»

فقرر صلى الله عليه وسلم بأن الكذب واخلاف الوعد وخيانة الأمانة دليل النفاق حتى ولو أتى صاحبهن أركان الإسلام ، ذلك أن إتيان تلك الأفعال دليل على خلو القلب من الإيمان وإلا لم يكن جرؤَ على ذلك لو كان موقن بوجود الله وأنه يراه ، وفي ذات الوقت فإنه يتجنب أن يعرف الناس خيانته ولا يستتر من الله فكيف يكون مؤمناً حينئذٍ ؟.

ولو تدبرنا الحديث لوجدنا بأن نقيض تلك الصفات تعد من شعب الإيمان ، فالصدق ، والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة من شعب الإيمان فكان نقيضها من شعب النفاق.

الحديث الثالث : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنً عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو ذَبْحَةَ، عَنْ طَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ حَرْمَلَةُ بْنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ” الإِيمَانُ هَاهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى لِسَانِهِ، وَالنِّفَاقُ هَاهُنَا، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَلا نَذْكُرُ اللَّهَ إِلا قَلِيلا.

فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَدَّدَ ذَلِكَ حَرْمَلَةُ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَرَفِ لِسَانِ حَرْمَلَةَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ لِسَانًا صَادِقًا، وَقَلْبًا شَاكِرًا وَارْزُقْهُ حُبِّي، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّنِي، وَصَيِّرْ أَمْرَهُ إِلَى خَيْرٍ.

فَقَالَ لَهُ حَرْمَلَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي إِخْوَانًا مُنَافِقِينَ، كُنْتُ فِيهِمْ رَأْسًا، أَفَلا أَدُلُّكَ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ جَاءَنَا كَمَا جِئْتَنَا اسْتَغْفَرْنَا لَهُ كَمَا اسْتَغْفَرْنَا لَكَ، وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِ، وَلا نَخْرِقُ عَلَى أَحَدٍ سِتْرًا

فقرر حرملة بأنه منافق لأنه مؤمن بلسانه منافق بقلبه ، لم يستقر في صدره إيمان وأتى النبي صلى الله عليه وسلم تائباً ، فدعا له صلى الله عليه وسلم وأبى ان يعلمه ببقية المنافقين لأن اسلامهم يعصم دمائهم وإيمانهم خاص بأنفسهم لا يُشَقُّ عما في صدورهم وأمرهم إلى الله.

والطامة في من نافق وهو يظن أن ذلك هو أصل الإسلام ويتعلم مراتب الدين وهي عين النفاق ويظن أن هذا هو الإسلام فمن يتحمل ما هو فيه ؟؟ ، فدل ذلك على أننا على خطر عظيم ما لم تصحح هذه المفاهيم الفاسدة ويعلم الناس حقيقة دينهم والفرق بين الإيمان والنفاق على الوجه الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم.

الحديث الرابع : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَاسِي، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسَ بْنِ كَامِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ»

والمراد اجتماع الحياء مع العيّ – انعقاد اللسان وصعوبة النطق – من الإيمان ، أما قوة البيان وفصاحة اللسان في البذاءة من القول فهي من النفاق ، فالبيان منفرداً موهبة ثمينة فإذا اجتمعت مع البذاءة كانت صبغة سوء ونفاق  ، والعيّ وانعقاد اللسان صفة سيئة فإن اجتمعت من الحياء كانت مصطبغة بصبغة الإيمان.

واعتياد المنافقين على الكذب والخداع وسوء القول يهوي بمقامهم إذا اجتمع مع البيان لما يؤثر ذلك في الناس ويجلب الاتباع والمريدين لذلك المنافق.

 الحديث الخامس : حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَدْرَكَهُ الأَذَانُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ وَهُوَ لا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ، فَهُوَ مُنَافِقٌ»

فالمؤمن بالله يجد في الصلاة راحة (ارحنا بها يا بلال) فيجد نفسه مدفوعا يسابق الوقت حتى يصل للمسجد قبل انقضاء الأذان فيسكن بالصلاة والذكر ، أما المنافق فتراه كالطير في القفص يسعى للنفاذ من المسجد حتى مع ارتفاع الأذان ، فمن وجد في نفسه هذه الخصلة فليعلم بأنه من النفاق أقرب كما اخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذه الصفات والارشادات يخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم لا لنحكم على الخلق بل لكي نعرف بها أنفسنا وموقعنا من الإيمان وقربنا من النفاق ليعلم كلا منا حاله.

 

الحديث السادس : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَقَامَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ، ذَكَّرَنَا تَعْجِيلَ الصَّلاةِ أَوْ ذَكَرَهَا، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «تِلْكَ صَلاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاةُ الْمُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، أَوْ عَلَى قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلا قَلِيلا»

 

إن المؤمن يهتم للقيام بالصلاة في وقتها لعلمه بمشاهدة الله تعالى له ومحاسبته وقدرته وشديد عقابه ، فإن خلا القلب من تلك التقريرات وامتلأ بالنفاق كان الأمر عنده هيناً وأهمل رؤية الله له ومراقبته لتمكن النفاق والمرض من قلبه.

 

الحديث السابع : قال النبي صلى الله عليه وسلم “ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ، لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمْ ، وَمَنْ سَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ ، وَسَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ ، فَهُوَ أَمَارَةُ الْمُسْلِمِ الْمُؤْمِنِ ، وَأَمَارَةُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لا تَسُوءُهُ سَيِّئَتُهُ ، وَلا تَسُرُّهُ حَسَنَتُهُ ، إِنْ عَمِلَ خَيْرًا لَمْ يَرْجُ مِنَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْخَيْرِ ثَوَابًا ، وَإِنْ عَمِلَ شَرًّا لَمْ يُحِلَّ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الشَّرِ عُقُوبَةً ، وَأَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ تَكَفَّلَ بِأَرْزَاقِكُمْ ، وَكُلٌّ سَيَتَبَيَّنُ لَهُ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ عَامِلا ، اسْتَعِينُوا اللَّهَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ ، فَإِنَّهُ يَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ سورة الرعد آية 39

 

عندما جمع صلى الله عليه وسلم المنافقين والمؤمنين في سياق واحد ميز الله أهل الإيمان بقوله “المسلم المؤمن” لأن المنافق مسلمٌ غير مؤمن ، وهذا معلوم فأراد صلى الله عليه وسلم أن يبين الفرق بين ما أمر الله به وبين حال المنافقين.

وهنا يتأكد لنا بان ما يسمى “مرتبة الإسلام” ليس إلا مرتبة نفاق بلا ريب ، فكل ما يسبق دائرة الإيمان لا يعتد به ولا يعد من أتاه من أهل الإيمان.

 

القاعدة الخامسة : أثر استقرار الإيمان وانتفاؤه:

إن القائلين بمراتب الدين وبأن الإسلام أولها لا يدركون بأنهم يخرجون الإيمان من المعادلة في المرتبة الأولى ذلك أنهم رفعوه عن الإسلام وجعلوه في مرتبة تالية عالية عن سابقتها ، ولو أنهم أدركوا ذلك لعلموا حجم الخلل الذي يقررونه ، فغياب الإيمان لا يخرج المرء من دائرة الإسلام حتماً فحسب بل إنه يحبط ما سبق له من عمل حين كان في قلبه إيمان ، ولعلنا نستعرض بعض الشواهد القرآنية على ذلك :

قال تعالى :

{ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [المائدة:5]

فلم أتي هنا بقوله (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) ؟ وكل ما تضمنته الآية هو من أعمال الجوارح وليس من أعمال القلوب ، ويعد من الإسلام وليس – حسب مراتب الدين- من الإيمان ؟ ، ذلك أن إتيان شيء من تلك المحرمات هو كفر بالإيمان ساعة إتيان ذلك الفعل (قال مقاتل : بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن ، وقيل : من يكفر بالإيمان أي : يستحل الحرام ويحرم الحلال فقد حبط عمله ، وهو في الآخرة من الخاسرين قال ابن عباس : خسر الثواب .)

فنعلم من ذلك بأن العمل لا يقبل ما لم ينتج من إيمان يدفع لإتيانه ، واحباط العمل يشير لفساد ما سبق من عمل صالح بإيمان مستقر قبل ذلك بقوله “حبط عمله” ما لم يتب إلى الله قبل أن يحق عليه القول.

قال تعالى :

{ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النحل:106]   

هنا يبرز دليل آخر على ما نقول ، فالعبرة ليست بالعبادة فهي إنما تكون علامة استقرار الإيمان وقد يشترك فيها المنافق والمؤمن ، إنما العبرة بالإسلام الناشئ عن استقرار الإيمان ، فاستثنى المكره من الردة ذلك أن العمدة على ما في القلب وأن تعذر إتيان العبادات قهراً فلا مؤاخذة على من كفر وترك الإسلام قهراً ولا يزال الإيمان مستقر في قلبه ، كحال الضعفاء الذين لا يجدون مالاً يدفعونه للمجاهدين ولا يستطيعون المشاركة في الجهاد فأثبت الله لهؤلاء الإيمان حتى وإن نقص من إسلامهم شيء لأن العمل القلبي هو العامل المؤثر على تعيين الناجين من سواهم.

وقال جل شأنه :

{ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } [الحجرات:7]

فأهل الإيمان يتشوقون لأداء العبادات ولا يحتاجون من ينبههم لأدائها في أوقاتها لأن قلوبهم أحياها الإيمان فأضحت العبادات العملية تحصيل حاصل ، فالحق أن لا تجر الناس للطاعات جراً ولكن تعمل على زراعة الإيمان في قلوبهم وبه تأتي الطاعات العملية وهذا مالم نشهده في مناهجنا وتربيتنا الدينية في المدارس والمعاهد ، ودعاتنا يتفننون في شرح كيفية الصلاة -والعبادات عامة – على الوجه الموافق لصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والقلوب جافة من الإيمان لم تجد من ينذرها بأن الإيمان الذي لا يدفعك للطاعات دفعا ويجعلك تتجه للعبادات بمفردك متشوقاً لأدائها فلست من الإسلام لله في شيء ، نجد أن المنهج الدعوى في عمومه يسعى لجمع الناس في المساجد والالتزام بظاهر الدين من ملبس ونحو ذلك ، في حين أن تلك الشكليات وأنواع العبادات إنما يفترض بها أن تظهر على جوارحنا عندما يستقر الإيمان في قلوبنا.

وقال الحق تعالى:

{ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } [البقرة:143]

فقوله تعالى “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ” يشير لصلوات المؤمنين قبل تغيير القبلة بأنها لن تضيع وستدون في حساب أعمالهم فأسمى العبادات العملية “إيماناً” لأن هذا هو أصلها فهي أعمال اسلام نتجت عن استقرار إيمان ، ولو كان الأمر مراتب دين كما تقرر في مصنفات العلماء لكان قوله تعالى ” ليضيع إسلامكم” ولكن حقيقة الأمر أن ما أتاه المرء إسلاماً مجرداً من الإيمان فهو مما يحبط من العمل لأنه ليس موجها لله تعالى.

يتبع