مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (12)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (12)

شجرة الإيمان وشعبها ، وشجرة النفاق وشعبها

سبق القول بأن الإيمان بذرة خفية تنمو وتثمر فتكون شجرة شعبها هي أعمال الإسلام (افعال الجوارح) وعلى ضوء ذلك جهدت في البحث عن تلك الشعب التي تفوق السبعين شعبة ولا يعلم عوام المسلمين منها سوى ثلاث شعب ، وقد اجتهد بعض العلماء في استظهار عدد من الشعب ، نسبها لشعب الإيمان.

ولابد ان يستقر لدينا أن هذه الشعب كلما انتفى منها شيء عند المرء نسب إلى أهل النفاق ، يقول صلى الله عليه وسلم في (حديث مرفوع) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السُّلَيْطِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : “ لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ ” إذاً فالطعن واللعن والفحش البذاءة إنما هي شعب من شعب النفاق استدلالا بقول النبي صلى الله عليه وسلم حيث نفى الإيمان عنهم فلزم أن يكونون من أهل النفاق.

لقد استحضرت في هذا البحث استنطاق النص القرآني والحديث الشريف ، ففي كل حديث يصف المؤمنين بصفة أو يحذرهم من عمل تقرر ذلك الأمر بأنه شعبة من شعب الإيمان وما انتفت ونقضت إلا كانت شعبة من شعب النفاق ، وفيما يلي سنستظهر شعب الإيمان وما يناقضها من شعب النفاق فنقول بعون الله :

 الشعبة الأولى

شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

 دلائلها :

قوله تعالى : { ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [الأنعام:102] ، فأمر بعبادته لمن آمن به واحداً أحداً.

وقوله تعالى : { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [طه:14]

فأمر بالعبادة التي تلي الإيمان بالله واليقين بوحدانيته فبدون توحيد لا تقبل عبادة وبدون إيمان سابق بمنطوق الشهادتين فإنها لا تقبل.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ – شُعْبَةً، أَعْلَاهَا: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمان» . متفق عليه.

ناقضها :

وينقض هذه الشعبة ويحيلها من شعبة إيمان إلى شعبة من شعب النفاق نطق الشهادة باللسان فحسب دون الاعتقاد بالقلب فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فتكون حينئذٍ شعبة من شعب النفاق ، يقول الحق تبارك وتعالى :

{ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } [المنافقون:1]  فهم اقروا بالشهادة بألسنتهم ، أما قلوبهم فتخلوا من حقيقة هذه الشهادة وهم فيما شهدوا به كاذبين.

 

الشعبة الثانية

إقامة الصلاة بخشوع والمحافظة عليها.

دلائلها :

يقول تعالى : (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  (3) [البقرة] ، فعرف تعالى المتقين بمن اجتمع في قلوبهم الإيمان أولاً ثم العمل ثانياً ورأسه الصلاة والإنفاق بدفع الزكاة والصدقات.

وقوله تعالى : ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)   [البقرة:110] ، ويقول تعالى يصف المؤمنين :  (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)   [المؤمنون:2]

 ناقضها :

وينقض هذه الشعبة ويحيلها لشعبة من شعب النفاق إتيان الصلاة رياءً حتى يقال أنهم (يصلون) ، وهم في حقيقة أمرهم لم يأتوا الصلاة رغبة في رضا الله وإيماناً به يقود لإتيان الصلوات ، لذلك يقول تعالى : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء:142]

الشعبة الثالثة

الإنفاق وإيتاء الزكاة

دلائلها:

إن معظم الآيات التي تقرر إقامة الصلاة يتبعها الأمر بإيتاء الزكاة ومنها:

يقول تعالى :  (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النور:56]

ويقول تعالى مبيناً صفات المؤمنين في سورة المعارج 😦وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ  (24)  لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) (المعارج) ، قال بعض أهل التفسيرومنهم قتادة أن المراد بالحق المعلوم هو الزكاة ، وقال بعضهم أنها سوى الزكاة من الصدقات والنفقات ، وقال تعالى : { آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ } [الحديد:7] فابتدر المخاطبين بالأمر بالإيمان أولا ثم الإنفاق مما جعلهم مستخلفين فيه ، فدل ذلك على وجود الإنفاق من منطلق الإيمان فكان تحقق ذلك هو عين الإحسان كما سبق وأن أوضحنا.

ناقضها :

الشح والإمساك عن الإنفاق في سبيل الله يقول تعالى : { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } [الأحزاب:19] فنفى عنهم الإيمان ، فهم مسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأتون العبادات رياءً واتقاء فكانت تلك الأعمال باطلة محبطة لا يجزون عليها بخير ، والشح والبخل وقبض اليد عن النفقة هو إحدى علامات النفاق ، فالمؤمن يعلم أن المال مال الله وأن الذي رزق العبد قادر على أن يخلف ما أنفق ويضاعفه مالا وأجراً ولكن المنافقين لا يدركون ذلك ولا يعترفون به لأنه من لوازم الإيمان وقلوبهم لم تعرف الإيمان ، وهم بالإضافة لإمساكهم عن النفقة والزكاة فهم يحرضون على البخل ومنع الخير ، فيقول تعالى : { هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ } [المنافقون:7].

 

الشعبة الرابعة

صوم رمضان

وهنا أيضاً يتجه النداء للذين آمنوا بالأمر بالصيام ، والصيام عبادة مخصوصة فلا يعلم مدى التزام العبد بها على وجه الصدق والحقيقة سوى الله فكانت فريضة الصوم ذات جزاء غير معلوم فيقول تعالى (الصوم لي وأنا أجزي به) ذلك أنه معتمد على توافر الرقابة الذاتية في قلب العبد بالكلية :

دلائلها :

 يقول الحق تبارك وتعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)  [البقرة:183] 

والله جل وعلا يثني على المؤمنين الذين يأتون فرائض الإسلام لله وتتوافر فيهم عدد من الصفات مجتمعة ومن ضمنها الصيام ، فيقول تعالى { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الأحزاب:35] .

ناقضها :

إن الصوم عبادة خفية في أصلها ، فهي ليست كالصلاة التي يأتيها المنافق رياءً ، فإن وجد امرؤ نفسه يفسد صومه بأحد نواقضه عامداً أو أنه صام عن الأكل والشرب ولم يصم عن الفحش والبذاءة من القول فلا فائدة في عمله وليتهم نفسه فإنه على شعبة من شعب النفاق ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن لم يَدَعْ قول الزُّور والعملَ به والجهلَ، فليس للهِ حاجةٌ أن يَدَعَ طعامه وشرابه))؛ رواه البخاري ، فقول الزور وشهادة الزور من جهة تعد من علامات النفاق (إذا حدث كذب) ومن جهة أخرى فهي ناقض من نواقض الصوم ، فكان صوم المنافق لا يخلو من ناقض من نواقضه ظهر به إلى الناس أو استخفى عنهم.

الشعبة الخامسة

حج بيت الله الحرام (لمن استطاع إليه سبيلا)

دلائلها:

(فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ )  [آل عمران:97]

إن شرط الاستطاعة يميز المؤمن من المنافق ، فأهل النفاق إن أرادوا الإعتذار ادعوا عدم الاستطاعة ، وإن حجوا كانت غايتهم إما تجارة أو رياءً ، فالحج مشقة وإتيانها بإيمان جزاءه مغفرة الذنب كله ، قال تعالى إجمالا : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة:197] وتفصيلا فقد روى البخاري في “صحيحه” عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه) وفي رواية له أيضًا: (من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه) وعند مسلم نحوه.

فكان شرط قبول العمل تجنب الرفث والفسوق والجدال.

ناقضها:

إن ما ينقض هذه الشعبة حتى إن أتاها المنافق هو الفسوق ، وقد اخبرنا جل وعلا بأن المنافقين هم الفاسقون ، يقول جل وعلا : { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ } [السجدة:18] فمن هو نقيض المؤمن سوى الكافر و المنافق ؟ وقد قال تعالى في سورة اسماها (المنافقون) { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [المنافقون:6] فكان الفسوق ناقض لهذه الشعبة فيكون إعراضهم عنها شعبة من النفاق.

الشعبة السادسة

التوحيد وصرف العبادة لله وحده لا شريك له.

دلائلها :

{وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:88] ، ويقول تعالى

فتوحيد الله والإيمان به وحده لا شريك له هو مقتضى الشهادتين التي تبتدئ بنفي الألوهية عن كل شيء وكل أحد باستثناء الله جل وعلا ، فلما كان الشرك من أخطر الذنوب وأسرعها بصاحبها لجهنم فقد ابتدأت الشهادتين بالنفي ، ويخبرنا الله بأن كل ذنب قابل أن يغفره الله ماعدا الشرك ، يقول تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا } [النساء:48]

ناقضها :

صرف شيء من العبادة لغير الله ذنب عظيم يشترك فيه المشركين والمنافقين ، فكلا الفريقين يصرفون العبادة لغير الله ، فالمشرك يتقرب الى وثن أو إله آخر كرجل صالح أو نبي كعيسى عليه السلام ويضعه مساويا لله جل وعلا أو يصرف له شيئاً من العبادة فيؤلهه ، وكذلك المنافق فإنه يؤدي العبادات لا يقصد بها وجه الله تعالى بل يتقي بها من المؤمنين ويريد بعباداته الصورية إيهام المؤمنين بأنه منهم فكان شرك من كلا الفئتين يقول تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [الكهف:110].

وعندما توعد المشركين فقد قرن المنافقين معهم واستثنى المؤمنين مما اعده لؤلئك المجرمين يقول تعالى : { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [الأحزاب:73] فالطاعة مع النفاق شرك لا يغفر لصاحبه، والذنب مع الإيمان قابل للمغفرة طالما تمكن الإيمان من النفس.

 

الشعبة السابعة

الطهارة

دلائلها :

إن الطهارة صنو الإيمان والنجاسة صنو النفاق ، ذلك أن الإيمان هو نقاء الباطن ونقاء الظاهر ، بينما النفاق هو إبطان الكفر والشرك وإظهار الإيمان فكان الباطن مجاف للظاهر ، وقد خص الله المؤمنين بالطهور لذا فإن المنافق يجوز عليه أداء الصلاة بلا طهور ، فلا يتأتى لأحد معرفة حقيقة الطهارة من عدمها ، فلو شاء أن يرائي فسوف يرائي في العبادات المرئية كالصلوات ونحو ذلك يقول تعالى:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [المائدة:6]

 وعندما يتطهر المؤمنون طاعة لله بدافع الإيمان على الوجه الذي أمر به الله فلا شك أن مرد ذلك يعود لاستقرار الإيمان في قلبه فكان الطهور شطر الإيمان لأنه عمل مستمر في اليوم والليلة ويعتمد على جانب الإخلاص في العمل فكأن من أتى به على وجهه الصحيح كمن استكمل شطر الإيمان ، يقول صلى الله عليه وسلم:

عنْ أَبِي مَالِكٍ الْحَارِثِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ” الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ -أَوْ: تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَك أَوْ عَلَيْك، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا“. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فإن أتى المؤمن بالوضوء والطهارة كما أُمر بقي عليه إتيان العبادة على وجهها الصحيح ليستكمل الشطر الآخر من الإيمان ، يقول صلى الله عليه وسلم: قال صلى الله عليه وسلم (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) صحيح البخاري 6954

ناقضها:

النجاسة وإهمال الإتيان بالوضوء والغسل والطهارة كما أمر الله وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم ، والمنافق يترك الغسل ويترك الوضوء ، فطالما كان الناس لا يميزون ولا يعلمون حقيقة الطهارة لأنها مسألة خفية عن الناس والمنافق كما أخفى نفاقه وأظهر عبادات البدن فإنه يخفي نجاسته واهماله للوضوء والطهارة فكان النفاق محققاً لانتفاء الطهارة لأن النفاق في أصله اختلال الظاهر والباطن مخادعة وكذباً على المؤمنين.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص و أبي هريرة و عائشة  قالوا: قال رسول الله : ( ويل للأعقاب من النار ) ، وقوله : ( ويل للأعقاب من النار )، والأعقاب: هي مؤخر الأقدام.

فما كان ذلك الإنذار المخيف إلا لتبيان أن إهمال الوضوء للأماكن الخفية عن أعين الناس كالأعقاب وإسباغه وإظهاره في سواها كالوجه واليدين ونحوه إنما هو عين النفاق فأرسل هذه الرسالة للمنافقين بالدرجة الأولى تأسيسا على الأسلوب النبوي (ما بال أقوام ) فكان دليلا بأن استكمال الوضوء على وجهه فيما خفي عن الناس وظهر فهذا هو شطر الإيمان وما عداه نفاق لم يستحضر فاعله مشاهدة الله له وعلمه بما يبطن.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أُمِرَ بعبد من عباد الله أن يُضرَب في قبره مائة جلدة ، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدةً واحدةً ، فجُلد جلدةً واحدةً ، فامتلأ قبره عليه نارًا ، فلما ارتفع عنه أفاق ، قال : علام جلدتموني ؟ فقيل له : إنك صليت صلاةً واحدةً بغير طهور ، ومررت على مظلوم فلم تنصره ) أخرجه الطحاوي في “مشكل الآثار” (4/231) وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2774) .

 

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (11)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (11)

درجات المحسنين ودركات المنافقين

 قلنا ببطلان مراتب الدين  وأن أسبقية الإسلام -العبادات العملية- على الإيمان – اليقين القلبي – يعد نفاقاً صرفاً ، وقلنا أن حقيقة الدين أنه أبواب أولها الإيمان ، فلا يقبل عمل أصلاً ما لم يسبقه إيمان لا يخالطه شك ، وأن الإحسان في حقيقته ليس مرتبة ولكنه حالة تتحقق من إتيان العمل بدافع استقرار الإيمان.

وهنا سننظر في درجات الأعمال وتفاضل المحسنين وكيف أن من أعمالنا الحسن ومنها الأحسن ولكن الضابط الثابت ألا عمل بلا إيمان ولكن تتفاوت الأعمال في درجة الإحسان في تلك الأعمال.

تمايز أهل الجنة وأهل النار:

إن الحياة الدنيا مزرعة الآخرة ، وأعمال الناس يوم القيامة إنما هي إنعكاس لأعمالهم في الدنيا وكلما زاد إحسان العبد ارتفعت درجته في الآخرة ، وكلما زاد إجرام العبد وكفره ازداد عذابه في الآخرة وهذا مؤدى عدل الله في خلقه فالناس في الدنيا متمايزين متفاضلين في أعمالهم ، يقول تعالى : { أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) آل عمران.

وقد اختلف أهل العلم في مسألة الخلود في النار وعذاب المؤمنين وخروجهم من النار وافترقت عند ذلك الفرق ، ولسنا هنا بصدد بحث هذا الأمر واستعراض الأقوال المتعددة فيه بل إننا نقول بأن هذا مما اختص الله به ونسبه لذاته فليس لنا أن نجادل في أمرٍ كهذا ولو صرفنا أوقاتنا حتى نتدبر كلام الله ونحقق مراده من شرائعه ونؤدي ما افترضه علينا لكان ذلك أولى وأجدى من الجدال فيما ليس لنا فيه أثر وليس لنا عليه سلطان.

إن التناسب بين الإثم والعقوبة وبين العمل والأجر هو من معالم العدل الإلهي وهو السنة الربانية الباقية لا تميل عن ميزانها إلا إذا تولى الله عبده العاصي برحمته ، ولو كان عدل ربنا في المكلفين كلهم ما دخل منا جنته ورضوانه أحد.

الدلائل القرآنية :

ونستعرض الدلائل القرآنية على درجات التفاضل بين الناس يوم القيامة :

يقول تعالى : { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } [الأنعام:132] (ولكل) للمؤمنين والكافرين والمنافقين ، جاء عند ابن جريررحمه الله : ” وقوله : ( ولكل درجات مما عملوا ) أي : ولكل عامل من طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب من عمله يبلغه الله إياها ، ويثيبه بها ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .” انتهى كلامه

يقول تعالى :

{ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19) الأحقاف

ولكل : للجن والإنس ، للمؤمنين والكافرين والمنافقين ، للمتقدمين والمتأخرين ، جاء عند ابن جرير “حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) قال: درج أهل النار يذهب سفالا ودرج أهل الجنة يذهب علوا( وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ) يقول جلّ ثناؤه: وليعطى جميعهم أجور أعمالهم التي عملوها في الدنيا, المحسن منهم بإحسانه ما وعد الله من الكرامة, والمسيء منهم بإساءته ما أعدّه من الجزاء ( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) يقول: وجميعهم لا يظلمون: لا يجازى المسيء منهم إلا عقوبة على ذنبه, لا على ما لم يعمل, ولا يحمل عليه ذنب غيره, ولا يبخس المحسن منهم ثوابَ إحسانه.” انتهى كلامه.

ويقول تعالى :

{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } [البقرة:253] وحتى الرسل يتفاضلون فيما بينهم وليسوا على درجة واحدة من الفضل ، فمنهم الأنبياء ومنهم الرسل ومنهم أولو العزم ومنهم من اختصه الله بمقام عالٍ وأفضلهم وأحبهم إلى الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ولكن ما هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر الذي تتفرق عنده الدرجات صعوداً للمؤمنين بمنازلهم ودرجاتهم في الجنة، ونزولا للكافرين والمنافقين بدركاتهم ومنازلهم في النار ، وما هي شروط استحقاق الرحمة والعذاب في شريعة الإسلام الربانية في الآخرة ؟ :

أولاً : العلــم وانتفـــــاء الجهــــــــل.

ثانياً : الإرادة الحرة وانتفاء الجبــر.

ثالثاً : عمل الجوارح بفعل استقرار الإيمان.

رابعاً : التوبة لله من الذنب والرجوع عنه.

إن الإيمان والنفاق من أعمال القلوب التي تنتج اعمال جوارح ، فهما متشابهان من حيث محلهما وهو القلب ، وأن الله هو وحده من يطلع على حقيقة ما يحويه هذا القلب من إيمان أو شرك ونفاق ، ويتميز الإيمان والنفاق بأنهما قد ينتجان نفس العبادات والأعمال ولكن الأولى مصروفة إلى الله بإخلاص والثانية مصروفة للمخلوقين يراد بها الرياء وإظهار ما لا يبطنه المنافق من تكذيب وكفر.

ولكن العمل (الإسلام ) المترافق مع النفاق يستحيل طريقاً إلى اسفل دركات جهنم ، والعمل المترافق مع الإيمان فإنه يستحيل درجات متفاوتة في جنات النعيم كلٌ بحسب درجة إخلاصه و ميزان حسناته وسيئاته وفي آخر الأمر لا يستحق العبد من كرامة الله شيئاً إلا برحمته تعالى.

الاسلام والكفر

 

يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (10)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (10)

الشواهد القرآنية والآثار النبوية

سنتتبع الدلائل والشواهد القرآنية والآثار النبوية لنتمكن من التحقق من انطباق مفهوم “أبواب الدين” بدلا من “مراتب الدين” وهل يتماهى النص القرآني و يتطابق مع هذا المفهوم ؟؟ وهل يتعارض مع مفهوم مراتب الدين ؟

إن استعراض الشواهد القرآنية سيحقق مفهوم أبواب الدين وينقض مفهوم مراتب الدين الذي ينقضه العقل قبل النقل ولنرى ذلك من خلال الآيات التالية:

 

القاعدة الأولى : الفرائض موجهة للمؤمنين فقط.

 أن الإيمان دائما ما يسبق العمل فالعمل هو الإسلام وهو يلي الإيمان وليس العكس فلذلك نجد دوماً (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فلا عمل صالح دون إيمان يسبقه ، وسنجد فيما يلي أن الأوامر والنواهي دائما ما يسبقها نداء (ياء) للتنبيه ثم (آمنوا) لتحديد المخاطبين فهي مختصة بهم دون سواهم ، وهذا يحمل دلالة ورداً بينا على من يقول بتراتب الدين وأن الإسلام ادنى مرتبة ، فالأعمال في كتاب الله والفرائض وجهت للمؤمنين ولم توجه بقوله يا أيها الذين أسلموا ، لأن الإسلام قد يكون لله وقد يكون لسواه ، والإسلام هو العمل فإن أصبح لله فهو ناتجُ إيمان كما أسلفنا ، ولو كان الإسلام دائرة أكبر وداخليها مقبولين عند الله لشملهم النداء فقال “يا أيها المسلمينيا ايها الذين اسلموا” حتى يتحقق شمول كافة الداخلين في الدين (الدائرة الكبرى) بالنداء بالأمر الرباني:

 {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } [البقرة:14]

إن المنافقين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، وادعائهم الإيمان عند المؤمنين ، وهم يؤدون العبادات (الإسلام) لمخادعة المؤمنين و إيهامهم بأنهم مثلهم ، ولو سلمنا بمراتب الدين فهم مسلمون لله – وهذا باطل- فهم مستسلمين للنبي وللمؤمنين ، مظهرين لشعائر الإسلام واركانه ولكن لم يتحقق اسلامهم لله لأن الإسلام لله يعقب إيمانا به تعالى.

 {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [البقرة:25]

وهذه واحدة من خمسين آية اشتملت على جملة (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ليتعزز مفهوم أسبقية الإيمان وأنه مدار الهداية وأن الإسلام (بما يشمله من أعمال الجوارح) ما هو إلا نتيجة لرسوخ الإيمان في النفس وينقض مفهوم مراتب الدين وأن الإيمان مرتبة تالية للإسلام.

 {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة:103]

فالإيمان لابد أن يكون مبتدأ الدخول في الدين وأن يتبعه تحقيق له وهو العمل (العبادة) ، والتقوى هو فعل الشرائع والأوامر وتجنب المحرمات والبعد عن كل فعل منهي عنه ، فقرر الله أن الإيمان اسبق من التقوى ، فمن يسلم ويأتي الفرائض فهو لا يأتيها تقوى لله بل تقوى لغيره.

 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [البقرة:153]

وهنا يثبت الله لهم الإيمان (اليقين القلبي) ويطالبهم بعد ذلك بالإسلام (العبادات العملية) لأن جواز باب الإيمان يعقبه إتيان العبادات وانعكاس ذلك التوالي يعني النفاق.

 {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ } [البقرة:165]

وهذا مقام المشاهدة في الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه) فتكون عبادتك محبة له ضمن إيمانك به فإن لم يستقر هذا الحب في النفس كان ذلك إشارة على غياب الإيمان غياباً مؤقتاً أو غياباً كلياً.

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } [البقرة:172]

فالعبادة لا تحتسب إلا لمن ثبت في قلبه الإيمان فكان نداء الله لمن ثبت الإيمان في قلوبهم.

 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [البقرة:178]

فالمكتوب من الشرائع يؤتى من المسلمين طاعة وعبادة ومحبة وتسليماً بأمر الله وهذا هو الإسلام وهو أن تسلم وجهك وجوارحك لله ولحكمه والقصاص حكم من أحكامه تعالى ، والخطاب موجه للمؤمنين لأنهم هم وحدهم المعنيون بتنفيذ الحكم استسلاماً وحباً وطاعة لله ، وتأدية الدية عند العفو يجب أن تترافق مع الإحسان وهو جماع الفعل القلبي والعملي الذي رضي بحكم الله وقضائه.

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة:183]

فالخطاب هنا عند فرض شرائع الإسلام للمؤمنين ذلك أن الإيمان باب الإسلام فلا شرائع ولا إسلام لمن لم يؤمن بعد ،فكان تشريع الصيام (كركن من أركان الإسلام) وفرضه بخطاب موجه وأمر تنبيه كأنه يقول أن الإيمان شرط قبول هذه العبادة ، وأتت الصفة بصيغة الماضي (آمنوا) و ليست بصيغة سواها في دلالة واضحة على شرط الإيمان للإفضاء إلى الأعمال المشروعة.

 القاعدة الثانية : الإحسان صفة لازمة:

إن المتتبع للإحسان في القرآن الكريم يجد تلازماً بين صفات الإيمان والإسلام والإحسان بما يؤيد ويؤكد بأن صورة الإحسان المغروسة في الأنفس على أنها حالة فوقية نادرة لا يصلها إلا فئة قليلة من الخلق هو مبدأ غير سديد لأنه يخرج السواد الأعظم من أهل الملة من قطار المنافسة ، ولعلنا نتتبع مواضع ذكر المحسنين والإحسان في القرآن الكريم ونرى مدى ارتباطها بالإيمان والإسلام.

من الجدير بالانتباه له أن ذكر العمل ، والعبادات والشعائر هو مرادف لذكر الاسلام ، وذكر القلب ولفظ الجلالة وصفات الله العلي العظيم مرادف للإيمان فإن اجتمعت من الإحسان فقد تحققت المعادلة المطلوبة :

يقول الحق تبارك وتعالى :

{ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [البقرة:195]         

فاجتمع العمل (الإنفاق) واسم من يُنْفَقُ في سبيله (الله) وأُ تبِعَ ذلك بالأمر بالإحسان ، فكان أمر بالإنفاق بإيمان بعلم الله وكريم جزاءه على ذلك ، ونهى عن إهلاك النفس بما يشمل إتلاف المال فيما يضر  يقول تعالى { يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا } [البلد:6] وإهلاك المال صرفه فيما فيه ضرر للنفس ، والمال يد وقوة ، والتعبير بالإلقاء بقوله (ولا تلقوا بأيديكم) ولا تسارعوا بأموالكم التي هي قوتكم لتعود عليكم بالهلاك في الآخرة ، وفي البخاري عن ابن عباس وجماعة من التابعين في معنى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } لا تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العَيْلة وإن لم إلاَّ يكز سهم أو مشقص فأْتتِ به .، وهنا فإن الإحسان يشير للإنفاق سراً كأسمى قيمة من قيم الإنفاق لأنه يكون منقطعاً من الرياء متصلاً بحقيقة الإيمان بالله .

وهنا نقول إن الإحسان ليس من عفو العمل الذي يعد متمماً غير لازم بل هو من لوازم الدين التي لا ينفع العمل بدونه.

يقول الحق سبحانه وتعالى:

{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} (85) المائدة

فاشتملت الآية على اعترافهم وإيمانهم (ربنا آمنا) و دموعهم صدقت حقيقة إيمانهم فوصفهم الله بالمحسنين لأنهم استكملوا أصول الدين فآمنوا بقلوبهم وانتقلوا من إيمان برسالة سابقة إلى إيمان برسالة لاحقة فعلم ما في قلوبهم فكان ثواب الإحسان هو جنات النعيم.

يقول الحق سبحانه وتعالى :

{ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [المائدة:93]

فلما اغتم المؤمنين عند نزول تحريم الخمر لما كان منهم من معاقرة لها قبل تحريمها فطمأنهم ربهم بأنهم غير مؤاخذين بما كان منهم إن (اتقوا) أي التزموا بما استجد عليهم من تحريمٍ لشرب الخمر فكان وصفهم (الذين آمنوا) أثبت لهم الإيمان ، ثم أعقب ذلك بشرط التقوى أي اتيان الأوامر واجتناب النواهي (العبادة) وتساوي (الإسلام) لأنها أعمال جوارح وربط الإيمان بالعمل وتوجه باسمه الجمعي وهو (الإحسان) والله يحب المحسنين فأي درجة دونه تجلب محبة الله ؟.

يقول جل شأنه :

{ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [التوبة:91]

يعذر الله المؤمنين عن بعض العبادات عند تركها لعذر ولم ينفِ عنهم الإحسان لعلمه جل وعلا أن عدم اتيانهم لهذه العبادة كالنفقة لم يكن في ظل غياب الإيمان بل لانتفاء الاستطاعة ، بشرط النصح لله ورسوله (الإخلاص) لأنه عمل قلبي صرف لا يعذر احد بتركه ، قال سفيان الثوري ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي ثمامة – رضي الله عنه – قال : قال الحواريون : يا روح الله ، أخبرنا عن الناصح لله ؟ قال : الذي يؤثر حق الله على حق الناس ، وإذا حدث له أمران – أو : بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة – بدأ بالذي للآخرة ثم تفرغ للذي للدنيا .

وقد نفى جل في علاه أن يكون السبيل أي المؤاخذة واللوم على المحسنين فلم يمنعهم مانع عن الإيمان ولكن منعهم عذر قاهر عن العمل فكانوا في عداد المحسنين الذين لا تثريب عليهم ، فلزم أن يكون السبيل على غير المحسنين وهم المنافقون ، فيقول تعالى {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [التوبة:93] فكان نقيض المحسنين هم المنافقين ، فكان الدين سبيلان لا ثالث لهما إما إحسانٌ يجسد العمل باعتقاد وإيمان ، وإما نفاق لا جدال فيه فكان ذلك مصداق لهذا التفصيل والتأصيل.

يقول تعالى :

{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [العنكبوت:69]

وهنا نلحظ اجتماع الإيمان والعمل ونسبة المذكوريَن في الآية للمحسنين ، وأخَصُّ معنى للجهاد هنا هو جهادُ النفس فهو أداة تحقق الإحسان ، فالعامل عندما يكون عمله بدافع قلبي فهو لا شك يحقق ذلك العمل بمجاهدة النفس الأمارة بالسوء ويطرد وساوس الشيطان ليقوم بالفرائض وهذا مناط الإحسان (العمل المدفوع بتحقق الإيمان).

يقول تعالى:

{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ } [آل عمران:172]

استجابوا لله والرسول = آمنوا ، أحسنوا واتقوا = العمل المنبعث من استقرار الإيمان والاستجابة لله والرسول.

نزلت في أهل أحد الذين ساروا مع رسول الله رغم ما أصابهم من جراح وما وصل مسامعهم من إرجاف ، ولا شك أن كل تلك مواضع اختبار لصدق الإيمان وتماسك المسلم المحسن ولزومه للحق برغم الجرح والقرح والخيبة.

يقول الله تعالى :

{وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل:30]

وهنا يتحدث الله عن أهل الجنة وسؤالهم فثبت لهم الإيمان ، ثم بين بأن الحسنة للذين أحسنوا وهنا يجدر بنا أن نتلقف فائدة جليلة ، هي أن مناط النجاة هو ثقل ميزان الحسنات على ميزان السيئات ، ولا تتأتى الحسنات إلى ممن أحسن فكان من المحسنين ، فإن قلنا عمن أسلم بلا استقرار للإيمان أنه يجني الحسنات فكيف تكون حسنات بلا إحسان ؟؟.

يقول ابن كثير رحمه الله :

“ثم أخبروا عما وعد الله [ به ] عباده فيما أنزله على رسله فقالوا : ( للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ) كما قال تعالى : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) [ النحل : 97 ] أي : من أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة .” انتهى كلامه

ونلحظ في قوله تعالى (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ) فكان العمل يسبقه الإيمان حتى يكتب في ميزان العبد حسنة ، وبالتالي فهذا هو الإحسان الذي ينتج الحسنات (إيمان ينتج عملاً).

يقول ابن جرير رحمه الله :

“وقوله ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ) يقول تعالى ذكره: للذين آمنوا بالله في هذه الدنيا ورسوله ، وأطاعوه فيها ، ودعوا عباد الله إلى الإيمان والعمل بما أمر الله به ،حسنة ، يقول: كرامة من الله ( وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ) يقول: ولدار الآخرة خير لَهُمْ مِنْ دَارِ الدُّنْيا، وكرامة الله التي أعدّها لهم فيها أعظم من كرامته التي عجلها لهم في الدنيا( وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ) يقول: ولنعم دار الذين خافوا الله في الدنيا فاتقوا عقابه بأداء فرائضه وتجنب معاصيه دار الآخرة.”

قال ربنا جل وعلا :

{قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [الزمر:10]

لابن عاشور رحمه الله كلام نفيس في هذه الآية منه قوله :

“والمراد بالذين أحسنوا : الذين اتقوا الله وهم المؤمنون الموصوفون بما تقدم من قوله : { أمن هو قانت } [ الزمر : 9 ] الآية ، لأن تلك الخصال تدل على الإِحسان المفسر بقول النبي صلى الله عليه وسلم “ أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك ” ، فعدل عن التعبير بضمير الخطاب بأن يقال : لكم في الدنيا حسنة ، إلى الإِتيان باسم الموصول الظاهر وهو { الذين أحسنوا } ليشمل المخاطبين وغيرهم ممن ثبتت له هذه الصلة . وذلك في معنى : اتقوا ربكم لتكونوا محسنين فإن للذين أحسنوا حسنة عظيمة فكونوا منهم . وتقديم المسند في { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ } للاهتمام بالمحسَن إليهم وأنهم أحرياء بالإِحسان .” انتهى كلامه

وتؤكد هذه الآية الكريمة ما سبق بأن الحسنات التي تثقل ميزان العبد فترجح بالسيئات لا تكون إلا من المحسنين ، فلو قلنا بأن الإحسان درجة لا يبلغها إلا الخلص فإن لازم ذلك أن ما سواهم لا يحملون في ميزان أعمالهم حسنة واحدة وهذا باطل ومحال إلا إن كانوا منافقين ممن توعدهم الله بالدرك الأسفل من النار.

قال الله تعالى :

{ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } [النجم:31]

فالسيئات تقابل المسيئين والحسنات تقابل المحسنين ، والجزاء يدور حول هاتين الفعلتين ، فكانت الحسنات لا تتولد وتدون إلا من المحسنين.

ومن رحمة الله أنه يجزي المسيئين على قدر إسائتهم ولكنه يجزي المحسنين بأحسن الذي كانوا يعملون فيدون السيئات سيئة واحدة ويضاعف الحسنات عشراً.

 

القاعدة الثالثة : صفات أهل النفاق في التنزيل الحكيم :

إذا تتبعنا مواضع ذكر النفاق والمنافقين في كتاب الله لعلمنا أن كل معالم النفاق والمنافقين في كتاب الله تصف بدقة أهل المرتبة الأولى من مراتب الدين – بالمفهوم السائد- وهم المسلمون الذين خلت قلوبهم من الإيمان ، والذي يعدهم أهل الملة قومٌ قد اتوا بالمطلوب منهم أو بشيء منه:

يقول ربنا جلت قدرته :

{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران:167]

فقد نافقوا بأن أتوا الإسلام وعباداته العملية فأظهروا للمؤمنين خلاف ما يبطنون ، والقول باللسان من أعمال الجوارح فلم تكن تطابق مافي قلوبهم ، ولو عاملناهم بقاعدة مراتب الدين لكانوا داخل مرتبة الإسلام الشرعية التي أمر الله بها وتم التأصيل لها ، بينما هم في حقيقة الأمر منافقون يراؤون الناس ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، ولكنهم مسلمون مستسلمون لسلطة الشريعة عصمت أعمالهم دمائهم عن الناس ولكنها لا تعصمهم من أمر الله والعصمة من عذاب الله وأمره هي مناط الدين فإن انتفت فقد انتفى عنهم الدين فيدخلون في الوعيد وهم في مآل الأمر إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.

يقول ربنا جلت قدرته :

{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء:142]

إن الدخول في الإسلام قبل استقرار الإيمان هو عين النفاق لأن حقيقة العمل حينئذٍ لا يعدو كونه رياءً ، والمنافقين يقومون إلى الصلاة متباطئين في إتيانها متململين من أدائها ذلك أنهم لا يأتونها إلا ليرى المؤمنون فعلهم فيعدونهم منهم ويظنون أن كل ذلك مخادعة لله وللمؤمنين ، ووجه خداع الله لهم أنه عصم أموالهم ودمائهم من المؤمنين بما اتوا من العبادات الظاهرة (الإسلام) فظنوا أنهم قد تحقق لهم خداع الله والمؤمنين بتظاهرهم هذا ، ولم يدركوا بأن الله تعالى يعد لهم في الآخرة عذاباً اليماً.

فكما استبقوا حياتهم بكذبهم على أهل الإيمان فقد أبقى الله على حياتهم واقر فعلهم فصار نفاقهم طيلة بقائهم سالمين صاررصيداً عليهم يدون في أعمال السوء التي يحاسبون عليها يوم القيامة.

 

ويقول الحق جل وعلا :

{ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [التوبة:67]

يبين الله تعالى كيف أن المنافقين والمنافقات يتواطئون في عقائدهم فيتآمرون بالسوء وينهون عن الخير ويمنعون الصدقات و يبخلون بأموالهم ، فهم يبطون البغض للمؤمنين ولا يحملون في قلوبهم إيماناً لذلك فهم يبغضون أهل الإيمان فعلم الله ما في قلوبهم وهم يظنون أنهم آمنون من مكره وعبر عن ذلك بالنسيان والنسيان هنا قد يكون الترك ، فهم تركوا الله ورغبوا عنه فتركهم الله وحفظ لهم دمائهم بظاهر عملهم حتى يحين الوقت الذي يلاقون سوء ما كانوا يفعلون.

يقول تعالى :

 {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ } (11) العنكبوت

ومن الناس من يقول آمنا بالله ، فكان قولاً باللسان لم يواطئ اعتقاداً بالجنان ، فإن أوذي لإيمانه استعظم ما ناله من الأذى فجعله أقصى ما يحذر وكأن هذا الأذى هو عذاب الله الذي يستحق أن يحذر المرء منه ، وإنْ نصر الله المؤمنين ادعوا بأنهم من مسببات هذا النصر وأنهم مع المؤمنين في موقفهم وعقيدتهم والله تعالى يعلم مافي قلوبهم من بغض للإيمان وأهله.

 

قال تعالى :

{ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [الأحزاب:73]

فالعذاب للمنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ، والتوبة للمؤمنين والمؤمنات وليس للمسلمين والمسلمات ، ذلك أن المنافقين مسلمين خلت قلوبهم من الإيمان أو اختلط إيمانهم بريبة وهم الذين في قلوبهم مرض ، فاختص الله تعالى المؤمنين والمؤمنات فقط بالنجاة من العذاب.

القاعدة الرابعة : الأثر النبوي ينفي التراتب ويعرف النفاق:

لقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم بجلاء أن الدين بلا إيمان لا يعتد به ، وعرفه في مواضع عديدة بأنه نفاق وهو صلى الله عليه وسلم يشير إلى مفهوم مراتب الدين الذي نعتمده في فكرنا الحالي كمعرف للدين وأصله :

الحديث الأول : حَدَّثَنَا فَارُوقُ بْنُ عَبْدِ الْكَبِيرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَسْمَعَ الْعَوَاتِقَ فِي خُدُورِهِنَّ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَخْلُصِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلا تَتَّبِعُوا عَوَرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ اتَّبَعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اتَّبَعَ عَوْرَتَهُ فَضَحَهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ» .

وَفِيهِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَبُرَيْدَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ

فالنبي صلى الله عليه وسلم يرد في هذا الحديث على القائلين بمراتب الدين ، فيقرر لأصحابه ويعرفهم بأن الإسلام قبل الإيمان هو عين النفاق فقال (من آمن بلسانه) أي أتى ركن الشهادتين من اركان الإسلام قبل أن يتمكن الإيمان من قلبه ، ثم نهاهم عما يعد من صفاتهم (المنافقين) وهي الغيبة ، وتتبع عورات المسلمين لأن من يفعل ذلك لا يقيم وزناً لمشاهدة الله له واطلاعه على غيبته فيظن أنه آمن لخلو قلبه من الإيمان بالله أصلاً.

وهذا الأمر النبوي يشمل عصمة المنافقين من أن يتتبع المؤمنون عوراتهم فهم في عداد المستسلمين لهم ماللمؤمنين وعليهم ما عليهم ، وهذا ما نقوله بأن المنافقين لا يشق عما في نفوسهم شاق ولا يجوز تتبع عوراتهم فأمرهم إلى الله ، ومحِلُّ خيانتهم في قلوبهم ولا سبيل لتقريرها إلى لله جل وعلا.

الحديث الثاني : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ السَّامِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ»

فقرر صلى الله عليه وسلم بأن الكذب واخلاف الوعد وخيانة الأمانة دليل النفاق حتى ولو أتى صاحبهن أركان الإسلام ، ذلك أن إتيان تلك الأفعال دليل على خلو القلب من الإيمان وإلا لم يكن جرؤَ على ذلك لو كان موقن بوجود الله وأنه يراه ، وفي ذات الوقت فإنه يتجنب أن يعرف الناس خيانته ولا يستتر من الله فكيف يكون مؤمناً حينئذٍ ؟.

ولو تدبرنا الحديث لوجدنا بأن نقيض تلك الصفات تعد من شعب الإيمان ، فالصدق ، والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة من شعب الإيمان فكان نقيضها من شعب النفاق.

الحديث الثالث : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنً عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو ذَبْحَةَ، عَنْ طَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ حَرْمَلَةُ بْنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ” الإِيمَانُ هَاهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى لِسَانِهِ، وَالنِّفَاقُ هَاهُنَا، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَلا نَذْكُرُ اللَّهَ إِلا قَلِيلا.

فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَدَّدَ ذَلِكَ حَرْمَلَةُ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَرَفِ لِسَانِ حَرْمَلَةَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ لِسَانًا صَادِقًا، وَقَلْبًا شَاكِرًا وَارْزُقْهُ حُبِّي، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّنِي، وَصَيِّرْ أَمْرَهُ إِلَى خَيْرٍ.

فَقَالَ لَهُ حَرْمَلَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي إِخْوَانًا مُنَافِقِينَ، كُنْتُ فِيهِمْ رَأْسًا، أَفَلا أَدُلُّكَ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ جَاءَنَا كَمَا جِئْتَنَا اسْتَغْفَرْنَا لَهُ كَمَا اسْتَغْفَرْنَا لَكَ، وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِ، وَلا نَخْرِقُ عَلَى أَحَدٍ سِتْرًا

فقرر حرملة بأنه منافق لأنه مؤمن بلسانه منافق بقلبه ، لم يستقر في صدره إيمان وأتى النبي صلى الله عليه وسلم تائباً ، فدعا له صلى الله عليه وسلم وأبى ان يعلمه ببقية المنافقين لأن اسلامهم يعصم دمائهم وإيمانهم خاص بأنفسهم لا يُشَقُّ عما في صدورهم وأمرهم إلى الله.

والطامة في من نافق وهو يظن أن ذلك هو أصل الإسلام ويتعلم مراتب الدين وهي عين النفاق ويظن أن هذا هو الإسلام فمن يتحمل ما هو فيه ؟؟ ، فدل ذلك على أننا على خطر عظيم ما لم تصحح هذه المفاهيم الفاسدة ويعلم الناس حقيقة دينهم والفرق بين الإيمان والنفاق على الوجه الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم.

الحديث الرابع : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَاسِي، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسَ بْنِ كَامِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ»

والمراد اجتماع الحياء مع العيّ – انعقاد اللسان وصعوبة النطق – من الإيمان ، أما قوة البيان وفصاحة اللسان في البذاءة من القول فهي من النفاق ، فالبيان منفرداً موهبة ثمينة فإذا اجتمعت مع البذاءة كانت صبغة سوء ونفاق  ، والعيّ وانعقاد اللسان صفة سيئة فإن اجتمعت من الحياء كانت مصطبغة بصبغة الإيمان.

واعتياد المنافقين على الكذب والخداع وسوء القول يهوي بمقامهم إذا اجتمع مع البيان لما يؤثر ذلك في الناس ويجلب الاتباع والمريدين لذلك المنافق.

 الحديث الخامس : حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَدْرَكَهُ الأَذَانُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ وَهُوَ لا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ، فَهُوَ مُنَافِقٌ»

فالمؤمن بالله يجد في الصلاة راحة (ارحنا بها يا بلال) فيجد نفسه مدفوعا يسابق الوقت حتى يصل للمسجد قبل انقضاء الأذان فيسكن بالصلاة والذكر ، أما المنافق فتراه كالطير في القفص يسعى للنفاذ من المسجد حتى مع ارتفاع الأذان ، فمن وجد في نفسه هذه الخصلة فليعلم بأنه من النفاق أقرب كما اخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذه الصفات والارشادات يخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم لا لنحكم على الخلق بل لكي نعرف بها أنفسنا وموقعنا من الإيمان وقربنا من النفاق ليعلم كلا منا حاله.

 

الحديث السادس : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَقَامَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ، ذَكَّرَنَا تَعْجِيلَ الصَّلاةِ أَوْ ذَكَرَهَا، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «تِلْكَ صَلاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاةُ الْمُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، أَوْ عَلَى قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلا قَلِيلا»

 

إن المؤمن يهتم للقيام بالصلاة في وقتها لعلمه بمشاهدة الله تعالى له ومحاسبته وقدرته وشديد عقابه ، فإن خلا القلب من تلك التقريرات وامتلأ بالنفاق كان الأمر عنده هيناً وأهمل رؤية الله له ومراقبته لتمكن النفاق والمرض من قلبه.

 

الحديث السابع : قال النبي صلى الله عليه وسلم “ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ، لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمْ ، وَمَنْ سَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ ، وَسَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ ، فَهُوَ أَمَارَةُ الْمُسْلِمِ الْمُؤْمِنِ ، وَأَمَارَةُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لا تَسُوءُهُ سَيِّئَتُهُ ، وَلا تَسُرُّهُ حَسَنَتُهُ ، إِنْ عَمِلَ خَيْرًا لَمْ يَرْجُ مِنَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْخَيْرِ ثَوَابًا ، وَإِنْ عَمِلَ شَرًّا لَمْ يُحِلَّ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الشَّرِ عُقُوبَةً ، وَأَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ تَكَفَّلَ بِأَرْزَاقِكُمْ ، وَكُلٌّ سَيَتَبَيَّنُ لَهُ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ عَامِلا ، اسْتَعِينُوا اللَّهَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ ، فَإِنَّهُ يَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ سورة الرعد آية 39

 

عندما جمع صلى الله عليه وسلم المنافقين والمؤمنين في سياق واحد ميز الله أهل الإيمان بقوله “المسلم المؤمن” لأن المنافق مسلمٌ غير مؤمن ، وهذا معلوم فأراد صلى الله عليه وسلم أن يبين الفرق بين ما أمر الله به وبين حال المنافقين.

وهنا يتأكد لنا بان ما يسمى “مرتبة الإسلام” ليس إلا مرتبة نفاق بلا ريب ، فكل ما يسبق دائرة الإيمان لا يعتد به ولا يعد من أتاه من أهل الإيمان.

 

القاعدة الخامسة : أثر استقرار الإيمان وانتفاؤه:

إن القائلين بمراتب الدين وبأن الإسلام أولها لا يدركون بأنهم يخرجون الإيمان من المعادلة في المرتبة الأولى ذلك أنهم رفعوه عن الإسلام وجعلوه في مرتبة تالية عالية عن سابقتها ، ولو أنهم أدركوا ذلك لعلموا حجم الخلل الذي يقررونه ، فغياب الإيمان لا يخرج المرء من دائرة الإسلام حتماً فحسب بل إنه يحبط ما سبق له من عمل حين كان في قلبه إيمان ، ولعلنا نستعرض بعض الشواهد القرآنية على ذلك :

قال تعالى :

{ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [المائدة:5]

فلم أتي هنا بقوله (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) ؟ وكل ما تضمنته الآية هو من أعمال الجوارح وليس من أعمال القلوب ، ويعد من الإسلام وليس – حسب مراتب الدين- من الإيمان ؟ ، ذلك أن إتيان شيء من تلك المحرمات هو كفر بالإيمان ساعة إتيان ذلك الفعل (قال مقاتل : بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن ، وقيل : من يكفر بالإيمان أي : يستحل الحرام ويحرم الحلال فقد حبط عمله ، وهو في الآخرة من الخاسرين قال ابن عباس : خسر الثواب .)

فنعلم من ذلك بأن العمل لا يقبل ما لم ينتج من إيمان يدفع لإتيانه ، واحباط العمل يشير لفساد ما سبق من عمل صالح بإيمان مستقر قبل ذلك بقوله “حبط عمله” ما لم يتب إلى الله قبل أن يحق عليه القول.

قال تعالى :

{ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النحل:106]   

هنا يبرز دليل آخر على ما نقول ، فالعبرة ليست بالعبادة فهي إنما تكون علامة استقرار الإيمان وقد يشترك فيها المنافق والمؤمن ، إنما العبرة بالإسلام الناشئ عن استقرار الإيمان ، فاستثنى المكره من الردة ذلك أن العمدة على ما في القلب وأن تعذر إتيان العبادات قهراً فلا مؤاخذة على من كفر وترك الإسلام قهراً ولا يزال الإيمان مستقر في قلبه ، كحال الضعفاء الذين لا يجدون مالاً يدفعونه للمجاهدين ولا يستطيعون المشاركة في الجهاد فأثبت الله لهؤلاء الإيمان حتى وإن نقص من إسلامهم شيء لأن العمل القلبي هو العامل المؤثر على تعيين الناجين من سواهم.

وقال جل شأنه :

{ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } [الحجرات:7]

فأهل الإيمان يتشوقون لأداء العبادات ولا يحتاجون من ينبههم لأدائها في أوقاتها لأن قلوبهم أحياها الإيمان فأضحت العبادات العملية تحصيل حاصل ، فالحق أن لا تجر الناس للطاعات جراً ولكن تعمل على زراعة الإيمان في قلوبهم وبه تأتي الطاعات العملية وهذا مالم نشهده في مناهجنا وتربيتنا الدينية في المدارس والمعاهد ، ودعاتنا يتفننون في شرح كيفية الصلاة -والعبادات عامة – على الوجه الموافق لصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والقلوب جافة من الإيمان لم تجد من ينذرها بأن الإيمان الذي لا يدفعك للطاعات دفعا ويجعلك تتجه للعبادات بمفردك متشوقاً لأدائها فلست من الإسلام لله في شيء ، نجد أن المنهج الدعوى في عمومه يسعى لجمع الناس في المساجد والالتزام بظاهر الدين من ملبس ونحو ذلك ، في حين أن تلك الشكليات وأنواع العبادات إنما يفترض بها أن تظهر على جوارحنا عندما يستقر الإيمان في قلوبنا.

وقال الحق تعالى:

{ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } [البقرة:143]

فقوله تعالى “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ” يشير لصلوات المؤمنين قبل تغيير القبلة بأنها لن تضيع وستدون في حساب أعمالهم فأسمى العبادات العملية “إيماناً” لأن هذا هو أصلها فهي أعمال اسلام نتجت عن استقرار إيمان ، ولو كان الأمر مراتب دين كما تقرر في مصنفات العلماء لكان قوله تعالى ” ليضيع إسلامكم” ولكن حقيقة الأمر أن ما أتاه المرء إسلاماً مجرداً من الإيمان فهو مما يحبط من العمل لأنه ليس موجها لله تعالى.

يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (9)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (9)

درجات الإيمان

لا شك أن الإيمان عند العبد يزيد وينقص ، ومن الخطأ أن يقال أن الإيمان يزداد بالطاعات ويتناقص بالمعاصي، فالطاعات والعبادات إنما هي من نواتج الإيمان وليست من مكوناته ، أي أن العمل يتأثر بمقدار الإيمان ، فإن خبا الإيمان واختفى ظهرت أعمال السوء والمعاصي كالزنا والسرقة ونحو ذلك واختفت الطاعات والصلوات والصدقات وأعمال الجوارح  ،  وإن ارتفع الايمان ازداد التقوى بإتيان الطاعات وترك المنهيات ، فالحقيقة أن زيادة الإيمان هو سبب لزيادة الطاعات و ونقص المعاصي ، والعكس صحيح ، فاضمحلال الإيمان هو نقص الطاعات وزيادة المعاصي والسيئات ، بل إن الإيمان حالات يختفي فيها ويغيب تماما ، فالعبد حال المعصية ينتفي عنه الإيمان فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن) وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله إلا النهبة.

فلا أدل من هذا الحديث على أن الإنسان حال ارتكابه المعصية يخرج من الإيمان وبالتالي فهو يخرج من الإسلام الذي تقرر لدينا أنه من نواتج الإيمان فانتفاء الإيمان هنا يعني انتفاء الإسلام لله بالكلية ولكن لا ينسب إليه الكفر ، لأن الكفر عمل قلبي ينعقد على تقرير رفض الإيمان بالله والإسلام له تعالى ونبذ أوامر الله وتركها جحوداً وتكذيباً أو عداوة لله ولشرعه ، وهنا لا بد من إثبات أربع حقائق عند تقرير هذا الأمر.

الحقيقة الأولى : أن ما يتعلق بانتفاء الإسلام والإيمان عن العبد حال ارتكابه لنواقض الإيمان هو أمر متعلق بالعبد نفسه وليس لسواه الحق في تقريره أو التعامل مع مرتكب المعصية على ذلك الأساس ولكن المعلوم من ذلك يجب أن يستقر لدى صاحب المعصية وليس لدى سواه وقد سبق لنا قول ذلك ، فمدار الأمر إرشاد العبد وتعريفه بحاله هو وإنزال نفسه في المنزلة الحقيقية التي توافق فعله فيعلم أين حدود الإيمان وانتفاءه ويطبق الثوابت على نفسه فيعلم بذلك مع أي صنف يكون.

الحقيقة الثانية : أن غياب الإيمان وانتفاءه مقصور على حال الوقوع في الجرم وقد يعود الإيمان ويحصل الندم والاستغفار بفعل اعتلاء العقل على الفؤاد وصلاح القلب بعد فساده ووقوع الندم ، وقد يتكرر منه الجرم وتتكرر التوبة ، وهنا يجدر بنا فهم مسألة تكرر الذنوب والكبائر تضعف العقل وتعلي الفؤاد وتغلف القلب وتقسِّيه.

وطالما تراوح حال العبد بين المعصية والتوبة فهو قريب من النجاة وأمره مغاير لمن كفر فرفض الدين وارتد عن الإيمان والإسلام بالكلية و انعقد قلبه على رفض حقيقة وجود الله أو عبد سواه أو أشرك معه في ملكه سواه وقبضت روحه وزهقت نفسه بغير توبة ورجوع للحق.

ولذلك اكرم الله هذه الأمة بمضاعفة الحسنات عشرة أضعاف وتدوين السيئات سيئة واحدة ، والتراجع عن المعصية بحسنة ونية فعل الحسنة بحسنة فلا يمكن أن ترجح بعبد سيئاته إلا من ترك الحسنات والطاعات بالكلية وقضى حياته في اجتراح السيئات ، وبرغم ذلك قد تغشاه رحمات الله بعمل واحد أو بشفاعة شافع أو بمطلق رحمة الله ومغفرته.

الحقيقة الثالثة : أن العمل الصالح سبب له طرفين ، أحدهما التقوى ، وهو إتيان العمل اتقاء لغضب الله وخشية له ورهبة منه تعالى ، والطرف الثاني هو الإحسان وهو إتيان العمل محبة لله ورغبة  فيما عنده جل جلاله.

الحقيقة الرابعة : أن شُعَب الإيمان إنما هي جملة أعمال الجوارح الناتجة عن استقرار الإيمان في قلب المرء ، فكل ما تكاملت تكامل معها الإيمان ، وكلما نقص منها شعبة ضعف الإيمان ونقص ، ذلك أنَّ تلك الشعب هي المؤشر عند المؤمن على قوة إيمانه وضعفه وليس المراد من معرفة العبد بها ليتأتى حكم الآخرين عليه.

الدخول في الإسلام بين المفهومين

هنا سنعمل على استيضاح الفرق في مسألة الدخول في الإسلام  بين  القائلين بالتراتب والتفاضل (مراتب  الدين) وبين ما نقول به من مفهوم أبواب الدين.

إن القائلين بالتراتب والتفاضل يقولون بأن من يدخل في الإسلام فإنه يبدأ بالدرجة الأولى والمرتبة الأدنى من مراتب الدين فيدخل الإسلام بأعماله الظاهرة فينطق الشهادتين ويبدأ في أداء الصلاة وغيرها من أركان الإسلام فيكون بذلك مسلماً ولكن لا يُعلم كم يفصل بينه وبين الارتقاء لمرتبة الإيمان ، لأن الإيمان مرتبة أعلى من الإسلام تلي في علوها الإسلام ، فيدخل الانسان في دائرة الإسلام أولاً ، ثم يدخل لدائرة الإيمان وهذه دعوة لبدء حياتك في دين الله بالنفاق الذي قد يستغرق ثوانٍ معدودة أو قد يستغرق اياما أو أشهراً أو حتى سنوات .

بينما في مفهوم أبواب الدين فإن الدخول للدين من باب الإيمان بأركانه الستة أولاً ، فإذا استقر هذا الإيمان خالياً من أي إشكالات أو اعتراضات في نفس المكلف و بإقرار ويقين ثابت راسخ فإن نتيجته ينبغي أن تكون انعكاساً على جوارحه بإتيان أركان الإسلام العملية فيكون لدينا تلازم بين الحالتين (الإيمان والإسلام) بعكس مفهوم مراتب الدين الذي يتعامل مع المسألة كحالات ارتقاء وتطور في حالة الفرد الدينية حتى يصل إلى الإحسان وهو رتبة عالية خاصة.

ومن خلال المقارنة بين الحالتين نفهم بدقة ما يقصد بنبذ مفهوم مراتب الدين وخطورته خاصة على المسلمين بالمولد الذين لا يقيمون لحقيقة الإيمان وزنه الحقيقي لأنه في ظنهم مرتبة اعلى والمهم في نظرهم هو أداء الشرائع والفرائض والعبادات (الإسلام) ، ولذلك تعاني المجتمعات الإسلامية من فقدان الشعور بروحانية الدين وتأثير العبادات على الفرد المسلم حيث يقول تعالى :

(اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)   [العنكبوت:45]

فلم تعد الصلاة تحقق النهي عن الفحشاء والمنكر لأنها لا تستحضر الإيمان بالله قبل أداء العبادة بل يعتقد المصلين بأن الصلاة تسبق الإيمان وأنها هي التي تزيد الإيمان و ترفعه وهذا خطأ فادح فإتيان الصلاة يجب أن يكون نتيجة وعلامة على استقرار الإيمان وليست وسيلة لرفع درجة الإيمان في القلب.

 الطبقية والاستعلاء بين المفهومين

ونقول بأن الناس في كلا المفهومين متمايزين ومتفاضلين فلننظر كيف يكون التمايز بين الناس في الحالين فنقول وبالله التوفيق:

إن مفهوم التراتب بين درجات الدين فيزعم بأن العلم أو النسب -عند الصوفية- هو الذي يرفع الفرد لمرتبة الإحسان وبالتالي فالعلماء يرتقون لدرجات الإحسان بينما العوام من الناس يبقون في مرتبة الإسلام ، وهذا المفهوم الصوفي مفهوم باطل يتعارض مع حديث أبي هريرة رضي الله عنه “رُبَّ أَشْعثَ أغبرَ مدْفُوعٍ بالأَبْوَابِ” وحديث أُسامَة رضي اللَّه عنه “قُمْتُ عَلَى بابِ الْجنَّةِ فَإِذَا عامَّةُ مَنْ دخَلَهَا الْمَسَاكِينُ” فهؤلاء قد يحملون من الإيمان ويتحقق منهم من الإحسان ما لا يتحقق من العالِم ، فمسالة الرتبة عند الله لا تحددها درجة علمية ولا قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بل بمقدار استقرار الإيمان في القلب و بمقدار تأثير ذلك الإيمان بما يدفع لإتيان العبادات وهجر المحرمات فهذا هو عين الإحسان الذي لا يحتاج لخصوصية خارقة للوصول إليها بل تراها متحققة بمجرد تحقق عبادات الجوارح بناء على استقرار الإيمان واليقين فيصبح الرجل تلقائيا من المحسنين فيتحقق مبدأ المساواة بين المؤمنين جميعا بلا تمييز ولا خصوصية لمؤمن حاز علما أو قوة على فعل وآخر ضعُف عن ذلك.

وهو مفهوم بدهي بسيط لا يلقى تعارضاً في نفس الإنسان ، ولم يسود الإسلام في أول عصره إلا بهذا المفهوم ، فلما قعَّدَ المقعِّدون وأصِّل المؤصِّلون واخترعوا مراتب الدين ووضعوا الإسلام مرتبة دنيا والإيمان درجة أعلى والإحسان حالة اسطورية لا يصلها إلا ثلة قليلة من الناس صار حال الناس على ما نراه اليوم من تشرذم وضياع عقدي واخلاقي لم ينجح العلماء والمصلحون في احتواءه ومعالجته.

 يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (8)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (8)

المطلب الثالث : حقيقة الدين وأصوله

 

وفي هذا المطلب سأعرض ما أراه توجيها صحيحا دقيقا متسقاً مع الآيات الكريمة كلها ويفصل فيما كان يظهر في المنظومة العقدية من خلل وتناقض بما تطمئن له النفس وتستقيم بتطبيقه المجتمعات الإسلامية ويصلح بإذن الله أمرها.

أولا : مفهوم الإسلام :

من أهم المهمات أن ندرك بأن معنى الإسلام (المجرد) في القرآن الكريم لا يعني الإخلاص لله والإنقياد له سبحانه بالطاعة على الإطلاق ، بل تحمل مفردة الإسلام المعنى التالي:

(الخضوع والطاعة والانقياد )

أيا كان المُسْلِمُ له ، فهناك من أسلم نفسه لله وهو مسلم لله ، وهناك من أسلم نفسه لهواه وشهوته ، وهناك من أسلم نفسه لحاكم أو لطاغوت أو للشيطان ذاته فهؤلاء جميعا مسلمون ذواتهم إلى شتى الآلهة والمتبوعين ، لذلك فإن المتتبع لمواضع استعمال فعل (أسلم) تجده دوما يكون متعدٍ بحرف جر ليوضح لمن يكون هذا الإسلام :

{ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ  عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ }[البقرة:1122]

فنجد تلازم بين الفعل ومستحق الفعل ونجد ارتباط الإحسان بالإسلام ولم يأت على ذكر الإيمان نصا لأنه تعدى بفعل الإسلام لله فتحقق الإيمان اصلا.

 

{ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [البقرة:131]

 

فأتبع تلبية الأمر بالإسلام بمستحق الفعل وهو الله ليبين أنه أسلم لربه وليس لإله أو طاغوت.

 

{ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ } [الزمر:54]

 

وهكذا فالرب سبحانه وتعالى لو سبق ذكره الإسلام فإنه يتبع أيضا بما يرده لمستحق الفعل.

وإذا لم تجد الارتباط بين الفعل ومستحقه بحرف جر فستجد ارتباط السياق والضمائر كلها تقود وتشير لمستحق الإسلام الذي يكون ذكره تعالى لازما في نص الآية ذاتها.

لذلك فلا يشترط أن يكون المسلم مسلما لله لأن الإسلام لله من نواتج الإيمان به تعالى فإن لم يتحقق الإيمان أولا فكيف يقبل الإسلام ؟ بدون إيمان ؟.

بينما نجد أن هناك دلالات أخرى لمفردة الإسلام عندما تكون لغير الله ، فتحمل صورة من صور الاستسلام للسلطة كما هو حال الأعراب

وهذا ما سأفصله فيما يلي من الصفحات بمشيئة الله.

 

حقيقة الإيمان والإسلام والإحسان

إن هذه المصطلحات الثلاث مرتبطة ببعضها ارتباطا أفقيا وثيقا لا يمكن فصل أحدها عن البقية لأنها تشكل مركَّباً شرعياً لازماً لا يصلح بنقص أحدها أو غيابه أبدا ، ولو بدأنا في تصويب مصطلح مراتب الدين لأسميناه “أبواب الدين” فالباب الأول هو الإيمان.

أولاً : الإيمان : استقرار اليقين والاعتقاد بوجود الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

والإيمان عمل قلبي لازم ، لا يقبل عمل جارحة بدونه أبداً ، فكيف تُقبل صلاة أو صيام امرئٍ ينكر وجود الله أو يتشكك في كتبه وشريعته، أو لا يزال في تأرجح بين الإيمان ونقيضه ؟ وعليه فإن الإيمان باب يفضي لمنطقة الأعمال بل إن الأعمال يجب أن تؤدى بدافع الإيمان والخشية من غضب الله أو الطمع فيما عنده تعالى ونحن نعلم تمام العلم أن كل عمل بلا نية لا يقبله الله فالعمل القلبي مفتاح الدين كله وما قبل دخول هذا الباب باطل لا يعتد به.

ثانيا : الإسلام : تسليم النفس لله وحده بإتيان أوامره بفعل الطاعات وترك المحرمات ، وأوجه الطاعات وأولها أركان الدين الخمسة (الشهادتين ، الصلاة، الزكاة ،الصوم ، الزكاة، الحج لبيت الله لمن استطاع إليه سبيلا).

وهو : أداء العبادات المفروضة بفعل تحقق توحيد الله و الإيمان به والإقرار بأركانه.

وكل تلك الأعمال من اعمال الجوارح كما أسلفنا ولكنها لا تتقدم على أعمال القلب أبداً ، بل يجب أن تكون أعمال الإسلام ناتج من نواتج الإيمان فيكون إتيان الصلاة مرده الرغبة فيما عند الله والخشية من غضب الرحمن الذي سبق إيماننا به وبقدرته و باستحقاقه لتلك العبادة ، وطمعا في رضاه وجنته ومحبته ، وسوى ذلك هو عمل باطل لا وزن له ولا قيمة عند الله لأن العابد أتى العبادة بلا إيمان يدفعه لإتيانه فلم تصرف العبادة لله اصلا .

يقول تعالى :

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ  ( 1 ) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ( 2 ) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ( 3 )  فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ( 5 ) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ( 6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ( 7 ) الماعون

فترك أعمال الجوارح من الطاعات والامتناع عنها هو تكذيب بالدين لأنه يناقض الإسلام ، أما إن أتاها بقلب خالٍ من الإيمان فهو عين النفاق والرياء فتوعدهم الله جل وعلا فقال : فويل للمصلين  (أي أولئك الذين يؤدون الصلاة بلا إيمان فقط ليراها المؤمنون فيعدونهم منهم كأعراب المدينة ومنافقيها).

ثالثاً : الإحسان : هو الحالة التي يتحقق فيها الإيمان فيستنهض الجوارح للقيام بالطاعات وترك المحرمات.

فيكون هذا التعريف متسقا مع تعريف النبي صلى الله عليه وسلم له بقوله (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

وبمعنى آخر فإن الإحسان هو تحقق الإسلام الناتج عن استقرار الإيمان فالنبي صلى الله عليه وسلم بين هذه العلاقة بدقة حين قال :

(أن تعبد الله) أي يتحصل العمل (العبادة لله) وهو الإسلام (كأنك تراه) بوجود الإيمان وتحققه في قلبك (فإن لم تكن تراه) أي إن كانت الرؤية على وجه الحقيقة غير متأتية وهي كذلك (فإنه يراك) فرؤية الله لك أيها العبد على وجه الحقيقة متأتية لله ومراقبته لك دائمة.

إن عبادة الله كأنك تراه هو إتيان العبادات بقلب موقن بوجود الله مؤمن به ايمانا عميقا صادقا وكأنه من شدة إيمانه يرى الله رأي العين وإلا فإن الرؤية مستحيلة ولكن لتقريب المفهوم ، فأتى من يقسمها لمقامين ودرجتين ونوعين لأنه لم يدرك ولم يفهم ماهية الإحسان وكيفيته.

والإحسان ليس بمرتبة تختار الارتقاء إليها أو البقاء في مرتبة الإيمان كما يقال بل هو حالة لابد أن تتحقق في حياة المسلم طالما ادعى الإيمان بالله ، فالإيمان علامته تظهر على الجوارح بالعبادات ( الإسلام) وعندها يتحقق الإسلام لله وأما ما عدا ذلك فهو إسلام لغير الله فإما إسلام لحاكم أو سلطة ، أو إسلام لهوى أو شهوة ، أو إسلام لإله باطل ، أو رياء للتماهي مع المجتمع وإظهار الانتماء له ، وهذا في دين الله كفر ومروق من الدين.

وعليه فإن قوله تعالى :

{ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [الحجرات:14]

لا يقصد به الإسلام لله الذي ينتج من تحقق الإيمان واستقراره بل استسلام لسلطة النبي صلى الله عليه وسلم خشية منه او طمعا في دنيا فكان نفاقٌ صِرْف لا يمكن أن يسمى اسلاما لله، ودليل ذلك في شطر الآية الثاني حيث يقول تعالى (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فلم تتحقق الطاعة منهم ولو تحققت فينبغي أن تشمل الإيمان أولاً كباب يُدْخِلُ المرء للاسلام وهو إتيان العبادات.

فاستعمال هذه الآية للدلالة على أن الإسلام المجرد من الإيمان هو المرتبة الأولى من مراتب الدين هو استعمال باطل وسوء فهم لحقيقة الإسلام.

إن المسلم لله هو المؤمن المحسن ، وفقدان هاتين الخصلتين لا يُبْقِيْ العبد في دائرة الإسلام عند الله أما عند الخلق فلا سبيل لهم على الناس فالله يتولى السرائر والنيات ويعلم فساد القلوب وصلاحها، وهو تعالى يقبل العمل أو يرده على صاحبه أما الناس فلهم ما ظهر دون البحث عما تخفي الصدور ، ولذلك كان المنافقون يعيشون بين المسلمين في المجتمع النبوي في المدينة مستسلمين لسلطة النبي صلى الله عليه وسلم بينما لم يسلمون لله تعالى وبرغم ذلك بقي أمر إسلامهم لله بينهم وبين ربهم وبقي حقهم وفق ما يظهرون للمسلمين من أعمال جوارح توهمهم بأنهم منهم.

أما الأعراب فأسلموا بأن أتوا من ظاهر العبادات ما يعصمون به دمائهم وأموالهم وتتحقق لهم المواطنة في دولة النبي صلى الله عليه وسلم فكان لهم ذلك :

في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل” أي فحسابه على صدق قوله بلسانه على الله فإن كان منافقاً يظهر الشعائر ويؤمن بلسانه بمالا يواطئ قلبه أو كان صادقاً يوافق إيمانه حقيقة مافي نفسه فهو سبحانه عليم خبير بعباده يحاسبهم بما لا يعلمه سواه ، فهو سبحانه أعلم بنفاقهم وأن إتيانهم للأركان الخمسة (أركان الإسلام) جعلهم مسلمين مستسلمين لسلطة الدولة ولكن غير مسلمين لله تعالى لأن الاستسلام لله يجب أن يكون بدافع الإيمان وليس بمعزل عنه.

إن ما نبينه من مفاهيم في هذا المطلب وما يتقرر من وصف بالإيمان أو الكفر يعني الفرد لا الجماعة فيجب أن يستقر لدى الفرد المسلم حقيقة الدين وأصوله فالعمدة على معرفة الفرد لنفسه وتقريره لتحقق الإيمان لديه من عدمه ، فإن وجد نفسه متهاونا في شأن العبادات والمنهيات فليستقر لديه أنه مفارق للإيمان لأنه لم يظهر على جوارحه إسلاما متحققا ، ولكن ذلك لا يتعلق بسواه فيسيغ لنفسه الحكم على الآخرين وتقرير ايمانهم من عدمه لأن ذلك محله القلب ولا يعلم غيب القلوب سوى الله تعالى.

إن ملة محمد صلى الله عليه وسلم ملة تعتمد في أصلها على النية فهي مدار صلاح العمل وفساده ، وبالتالي فالإسلام دين فردي في باب العقائد ولو كان جماعيا في باب العبادات ، فالمصلين بشتى أحوالهم يؤدون صلاة الجماعة لكن حقيقة الإيمان و النفاق عند كل فرد منهم متعلق بما يحويه قلب هذا الفرد لا ما يظهر من جوارحه وأصل ذلك ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)).

إلا أن هذه النية محلها القلب ولا يعنيك من أمرها سوى نيتك أنت أيها المسلم أما بقية الناس فلست في محل الحكم عليهم او تقرير أعمالهم وصحتها.

ودين الله متحقق بتوافر هذه الأركان الثلاثة في وقت واحد وما عدا ذلك فلا يتحقق الدخول في الدين ، فالإسلام (إتيان عبادات بدون إيمان) نفاق واستسلام لغير الله ، والإيمان (الإقرار بوجود الله تعالى) بدون إسلام له بإتيان العبادات العملية هو كفر بلا شك وهناك أمثلة كثيرة من كتاب الله على استقرار الإيمان في النفس واجتماعه مع الجحود في نفس الوقت يقول تعالى:

(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)  [النمل:14]

فتحقق الإيمان عندهم ولكن لم يتحقق الإسلام ، وهنا وجب التفريق بين هؤلاء وبين الذين يتناقص الإيمان عندهم فيحصل التقصير في الإسلام (العبادات) ويتراوح حالهم بين اعتلاء الإيمان في القلب وذبوله.

ويقرر اللهُ لعبادهِ قاعدةً هامة وهي أن من أتى شيئا من أركان الإسلام فلا يجوز الحكم عليه بعدم الإيمان لأنه مسألة قلبية ، وأن هذه الأركان التي تؤتى بالجوارح تعصم دم المستسلم ، فيقول تعالى :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)   [النساء:94]

فقد ألقى إليكم السلام فكان مستسلما لسلطتكم ودخل في عداد من عصم دمه وماله وعرضه منكم برغم الشك الريبة في حاله وأنه لم ينطق الشهادة أو يأتي أعمال الجوارح الظاهرة إلا خشية القتل أو رغبة في منفعة ، وهنا قد يدخل في زمرة المؤلفة قلوبهم والذين يرجى أن يهديهم الله للإيمان به وبالتالي الاستسلام والإسلام لله تعالى بدافع اليقين والإيمان وليس استسلاماً لسلطة أو دولة.

وهذا سليمان عليه السلام يدعو بلقيس وقومها للاستسلام لسلطانه وملكه فيقول تعالى:

( أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)   [النمل:31]

وهنا فلدينا بعدين هامين مررنا عليهما مراراً ، البعد الأول هو تعريف المسلم بالنسبة للمجتمع المسلم وهنا نقول أن كل من أتى العبادات البدنية وادعى الإسلام فهو معصوم الدم لا يشق عن قلبه شاق ، والبعد الثاني هو المسلم بالنسبة لله (من أسلم لله) فهذا قد بلغ علو الدرجات لأنه أتى العبادة مدفوعا باستقرار الإيمان ، وجملة هذا الفعل هو الإحسان ، فإن أردنا أن ننشئ أبنائنا ونعلم من استرعانا الله عليهم وجب أن نعلمهم كيف يسلمون لله تعالى ونقرر لهم بأن هذا هو الإسلام الحقيقي وليس قيادتهم للاستسلام لسلطة المجتمع الإسلامي وإتيان العبادة فقط وان هذا هو الإسلام.

قد يقول قائل : ولكن الله فرق بين المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات مما يدل على صحة مفهوم التراتب فقال تعالى :

{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الأحزاب:35]

نقول هذا قول غير سديد ، فالإتيان بتلك الصفات كان على سبيل الجمع وليس الإفراد ، فالثناء هنا على جملة من توافرت فيهم تلك الصفات وليس على من توفر فيه جزء منها ، فمن لم يحفظ أو من لم تحفظ فرجها فلا تدخل في الآية لأن تفريطها يحمل دلالة انتفاء الإيمان أصلاً فلا وجه للقول أن هناك تفريق في هذه الآية وإلا فما فائدة جمعها في آية واحدة ؟ لننتقي منها ما نشاء فندخل في أهل الثناء ؟ لا شك بأن ذلك غير متحقق فالسياق يحمل الامر على إجماله ، بل إن هذه الآية تؤيد ما نذهب إليه ، فجمع الله الإيمان والإسلام مع عدد من الصفات الأخرى كشروط مجتمعة تحقق شرط الآية بحصول المغفرة والأجر العظيم.

 

شعب الإيمان

يتردد على مسامع المسلمين حديث شعب الإيمان الذي لم أقع على من فصل مفهومه تفصيلاً عملياً يحقق مفهوم الارتباط بين الإيمان  والعمل على ماله من أهمية بالغة في توضيح وبيان أصل هام من أصول الدين وهو الإيمان وماعلاقة هذه الشعب بالإسلام وماعلاقتهما بالإحسان وأين بقية الشعب السبعون التي لا يفقه الناس منها الا لا اله الله أعلى شعبة وإماطة الأذى عن الطريق أدنى شعبة والحياء شعبة من الإيمان  ، وما هو الأساس والمرجع لمن استنتج تلك الشعب وقرر أنها هي ما يقصده الشارع الحكيم ؟.

وفيما يلي سيثبت لنا بأن هذا الحديث يعزز مفهوم أبواب الدين بالصورة التي ذكرناها ويتفق مع حديث جبريل و يتلازم معه دلاليا بوضوح تام.

لماذا سميت شعباً ؟؟ وكيف تكون كذلك والإيمان عمل قلبي وشعبه أعمال جوارح ؟؟ لماذا لم يتحقق الفهم السليم المتفق المتسق مع حقيقة الحديث وارتباطه بأصول الدين وقواعده الكلية ؟؟ ، ولنبدأ باستعراض الحديث الشريف الذي يدور عليه هذه المفهوم:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً, فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ, وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ))

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ – شُعْبَةً، أَعْلَاهَا: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمان» . متفق عليه.

والحقيقة أن هذا الحديث -كما اسلفنا- هو أقوى دليل على صحة ما ذهبنا له وبطلان القول بمراتب الدين ، فالرسول صلى الله عليه وسلم عدد أعمال جوارح كنطق الشهادتين ، وإماطة الأذى عن الطريق ، والحياء ونحو ذلك من بقية الشعب عددها كشعب إيمان وهنا يستقر لدينا مفهوم الإيمان والعلاقة بينه وبين الإسلام والإحسان .

فالتمثيل والتشبيه هنا شديد البلاغة ، فبذرة الشجرة التي لا يراها الناس وتكون مختفية تحت التراب توازي الإيمان المختفي في قلوب المؤمنين ، ونتاجها هو أعمال الجوارح من العبادات والأعمال المختلفة ومنها اركان الإسلام توازي شعب الشجرة النابتة من تلك البذرة ، فكانت صورة عظيمة توضح كيف أن أعمال الجوارح (الإسلام) إنما هو نابتة من بذرة الإيمان فكان الإسلام شجرة مثمرة كلما زادت شعبها كانت أقوى وأنضر.

وقد تتبعت شعب الإيمان المختلفة من خلال كل آيات كتاب الله التي تأمر المؤمنين بفعل أو تنهاهم عن فعل ، وكذلك كل الأعمال التي يحث عليها النبي صلى الله عليه وسلم ويأمر المؤمنين باتباعها و سأعدُّها مع أدلتها في ذيل هذا البحث بإذن الله.

يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (7)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (7)

التصنيف الصوفي للعوام والخواص

إن أهل التصوف هم أكثر الطوائف استفادة من هذا المفهوم التصنيفي ، فحجتهم حاضرة عندما تستنكر عليهم رفع الأولياء لمقامات عالية وما يحيط بذلك التنزيه من صرف لصور من الدعاء والعبادات لغير الله ، فيحتجون بأن الدين درجات أدناها الإسلام وهو للعوام ، فالإيمان وهو أخص وأرقى ، أما الإحسان فهو مرتبة عظيمة لا يصلها إلا الأولياء والخلص من الخلق ، فيضعون مشايخهم وأقطابهم في تلك الدرجة ، فكيف لك وقتئذٍ أن تتقبل فكرة نقض ما أقررت به بقلبك وتعلمته منذ طفولتك ؟.

ففي كتاب “التراث والتغير الاجتماعي  (أطلس دراسات التراث الشعبي) لمصطفى جاد ، وهو بحث خاص لدراسة أولياء الصحراء الغربية في الساحل الشمالي لأفريقيا وكيفية صناعة الولي والمرتكزات الاساسية التي استعملت في ترسيخ اعتقادات الصوفية في تلك المجتمعات ومن خلال عرض الطريقة البرهانية وهي احدى الطرق الصوفية يبين البحث في الصفحة 111 دور مراتب الدين في ترسيخ مفهوم الارتقاء والعلو الصوفي للأولياء من خلال الوصول لمرتبة الإحسان العالية فيتمتع حينئذٍ الولي بطاقات خارقة ومقامات فارقة لا ينالها أي أحد.

وجاء في الجزء الثاني من كتاب النصائح  للامام الصوفي أبي العباس أحمد زروق الفاسي البرنسي الصادر من دار الكتب العلمية في الصفحة 287 ما نصه :

ثم اعلم أن مراتب السلوك إلى منازل الملوك ثلاثة : الإسلام والإيمان والإحسان فالإسلام أول مراتب الدين لعامة المؤمنين ثم الإيمان أول مدارج القلب لخاصة المؤمنين ثم الإحسان اول معارج الروح لخاص المقربين. اهـ

أقول : يتبين لنا كيف تم توظيف هذه الفكرة لدعم مبدا التفاضل والتمايز بين العوام والخواص وأن هذا الأصل إنما فهم بهذه الصورة لتبرير مسائل الولاية التي تقوم عليها الصوفية بطرقها المتعددة فإن نقضت انهدمت الفكرة الصوفية من أحد أركانها.

وفي كتاب الكواكب الزاهرة في اجتماع الأولياء يقظة بسيد الدنيا والآخرة (صلى الله عليه وسلم) لمؤلفه عبدالقادر بن الحسين بن مغيزل الشاذلي الصوفي يقول تحت عنوان “تأويل المقدسي لمراتب السلوك” : قال الشيخ عبدالسلام المقدسي في مفاتيح الكنوز ما نصه:  اعلم مراتب السلوك إلى منازل الملوك ثلاثة : الإسلام والإيمان والإحسان فالإسلام أول مراتب الدين لعامة المؤمنين ثم الإيمان أول مدارج القلب لخاصة المؤمنين ثم الإحسان اول معارج الروح لخاص المقربين ، اهـ ، ويقول في الصفحة (294)قال شيخنا العارف بالله سيدي محمد المغربي : هذا جامع بين الحقيقة والشريعة لأن قوله صلى الله عليه وسلم (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ) فهذا من علوم المكاشفة المحضة عند أرباب الحقائق بخلاف قوله (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فهذا مجرد علوم المعاملة التي لا تتم إلا بعلوم المكاشفة كما صرح به الغزالي رحمه الله في باب التوحيد لأن المكاشفة من علوم الباطن التي لابد للسالكين منها ولا غنى للسائرين عنها.. الى آخر كلامه.

وقد جاء في سلسلة الأنوار الإلهية : رياض الرقائق وحياض الحقائق على صلاة القطب الفائق عبد السلام بن مشيش للدكتور محمد بن محمد المهدي التمسماني  في الصفحة 69 :

(الأسرار) أي المعارف الإلهية . والناس أهل إسلام وإيمان وإحسان واهل الإحسان أهل المراقبة والمشاهدة ، وأصل جميعها العلم المشرف في القلب ، المظهر لجميع الحقائق ، ما اكتسب الناس ذلك إلا منه عليه الصلاة والسلام ، فمراتب السلوك ثلاثة : الإسلام والإيمان والإحسان ، فالأول مراتب الدين لعامة المؤمنين والثاني مدارج القلب لخاصة المؤمنين والثالث مدارج الروح لخاصة المقربين . وقد كانت هذه الأسرار التوحيدية قبل بعثته صلى الله عليه وسلم بحرا طامسا وسماء عابسا فبنوره ظهرت وكانت الانوار الإيمانية محجوبة بظلام الكفر فبسره صلى الله عليه وسلم أشرقت بعدما كانت القلوب غافلة والارواح جاهلة فنبه صلى الله عليه وسلم لما كانت القلوب غافلة ، وعلم الأرواح لماكانت له جاهلة. انتهى.

في كتاب الإحسان لأحمد شوقي والصادر عن دار أدباء 2000 للنشر والتوزيع في الصفحة (24) مرتبة الإحسان تلك هي ثالث مستويات الوعي الانساني واكثرها صلة بالله ، الوعي الروحاني المتزن

ويقول تحت ذلك البيان : الإحسان هو أن تصبح روحك وروح الله متحدتين اتحادا تماما فتصير تتعبد الى الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك هو سبحانه والإحسان هو أساس تقوى الله وبوصولك له يعني أنك ارتقيت لقمة النجاح والفلاح فكونك في هذه المرتبة فلا يضيرك شيء من خلق الله  الخ.

وفي كتاب “مقامات الولاية و أحوال الأولياء” لقاسم أحمد عقلان في الصفحة 150 يقرر بأن مرتبة الإحسان فهي آداب خاصة بالعارفين ، بينما أدب مرتبة الإيمان فهي آداب خاصة بعامة المؤمنين ثم فصل بين المرتبتين بجدول متواز من الصفات في كل مرتبة .

وفي كتاب : الفيوضات المحمدية على الطريقة الرفاعية لفواز بن بشار بن سعيد محيي الدين يقول في الصفحة 11:

إذن مرتبة الإحسان غاية كل صادق في طاعة الله عز وجل ومبتغاه ومناه ومن نعمة الله عز وجل علينا أنه تحقق في هذه المرتبة الكثير من الرجال والنساء من هذه الأمة المباركة المرحومة فكانوا أسوة لمن بعدهم قدوة حسنة لمن أراد أن يقتفي أثرهم ومن ابرز وأشهر هؤلاء الرجال هو الإمام الشيخ الكبير إمامنا وقدوتنا السيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه . ا. هـ.

وأختم هنا بما يقول الشيخ عبدالله بن جبرين في شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري :

هكذا فسر هذه الخصال الثلاث الإسلام ،والإيمان ، والإحسان.

ذكر العلماء أن أوسعها هي مرتبة الإسلام ، وأهل الإيمان خلاصة أهل الإسلام أما أهل الإحسان فهم خلاصة الخلاصة ، يعني صفوتهم ، فالصفوة والخلاصة هم أهل الإحسان فكل من كان محسنا فإنه مسلم ومؤمن ، وكل من كان مؤمناً فإنه مسلم ، وليس كل مسلم مؤمناً وليس كل مؤمن محسناً ، ومن فاتته مرتبة الإحسان قيل : هذا مسلم مؤمن ، ومن فاتته مرتبة الإيمان قيل هذا مسلم ، فمن حصل على الإسلام فاته أن يكون من أهل الإيمان ومن أهل الإحسان ، وأما إذا حصل على الإحسان فإنه قد حاز جميع المراتب ، هذا هو الجمع بينها إذا جمع بينها.

انتهى كلامه.

فما وجه الاختلاف بين غلاة المتصوفة وأهل السلف في هذا المفهوم الطبقي ؟؟ ، فالمفهوم ذات المفهوم ، والخيارات للمرء مفتوحة ، فبإمكانه أن يكون مسلماً فقط وممكن أن يتطور فيصير مؤمناً مسلماً ، ومن الممكن أن يصل إلى الطبقة الخارقة فيصبح محسناً ، فتأمل رعاك الله في هذا القول العجيب والتمس لي العذر إن شعرت بالأسى والحزن لما نحن فيه من تمييع وفهم مقلوب لدين الله.

يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (6)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (6)

 

المطلب الثاني

أوجه الخلل في المفاهيم التقليدية للإيمان والإسلام والإحسان

إن تأصيل الدين وترتيبه بهذه الصورة تحديداً هو عمل بشري استنبطه واستنتجه علمائنا الأجلاء رحمهم الله من خلال النص القرآني والحديث الشريف وفق ما فهموه وأصبح قاعدة بعدهم ، ولم يكن هناك نص شرعي يقنن ترتيب الدين لمراتب متفاوتة علوا ونزولاً بهذه الصورة ، ولم يرد نص شرعي يحدد مقامات الإحسان ويقسم اقسامه ويفرق بين أنواعه ، ولم يرد ما يحدد أن للإسلام في جانبه الشرعي معنى عام وخاص ، ولم يرد نص شرعي قرآني أو نبوي يقول أن الإحسان مرتبة لا يصلها إلا أولياء الله الصالحين وفي بعض آراء العلماء (الأنبياء هم من يصلها فقط) ، وبذلك نستطيع القول أن مسألة تقسيم الدين ومراتبه بهذه الصورة مسألة اجتهادية يمكن لأي مجتهد أن يرى صورة أخرى من التراتبية والعلاقة بين كل أصل من هذه الأصول ، فما هو الضابط في قبول التقعيد في هذه المسالة ؟ ، لا شك أن فهم النص القرآني على وجهه من أهم الأدوات التي تساعد المجتهد على هذا التأصيل .

إن المفهوم بهذه الصورة إنما هو مفهوم صوفي صرف يقوم على دعوى تفاضل الناس ووصول القليل منهم لمرتقيات لا يبلغها سواهم من خلال مفهوم التراتبية المحدث المتبدع الذي يصنف الناس ويقسمهم لطبقات واحدة تفوق الأخرى ،هذا المفهوم الذي لم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته ، فيأتي من يدعي أتباعه وصوله لمرتبة الإحسان والمشاهدة والمقامات العالية التي لا يبلغها من هم دونه من المريدين.

وبالإضافة للأصل الصوفي البيّن والدخيل على الفكر الإسلامي بفعل تنوع الداخلين في الإسلام من الأعاجم وخلفياتهم الاعتقادية السابقة ، فإن هذه المفاهيم في نظري جنت على الأمة وتسببت في مأساة فكرية وأخلاقية عظيمة كانت خلف ما نحن فيه من تخلف ونفاق وتشرذم وسوء ، وعلى رسلك أيها القارئ الكريم فلا يأخذنك الإنفعال تجاه ما أقول إلا بعد أن تقرأ ما سأورده من حجج وحقائق بهدوء وتعقل وتفهم ما اقصده وتطبقه على واقع الأمة،  ولك كل الحق في رد ما تجد فيه مجافاة للحقيقة وستجدني عواداً إلى الحق أينما كان.

نافق أولاً

إن أول كارثة يجرها هذا المفهوم ويزرع في عقول وأنفس النشء عند تأسيسهم على هذا التقعيد هو زرع مفهوم النفاق أولاً ولكن بصورة غير مباشرة ، فالإيمان عندهم ليس القاعدة التي يرتكز عليها الدين ، بل الإسلام فهو الدائرة الأكبر التي يجب عليك الدخول إليها ، والإسلام هو أعمال الجوارح : (شهادتين ، وصلاة ، صوم ، وزكاة ،وحج) ، وعندما تأتي بهذه الأعمال فأنت مسلم ، ولكنك عندما تؤمن بالأركان الستة (الإيمان بالله ، وملائكته ، كتبه ، رسله ، اليوم الآخر ، القدر) فقد انتقلت للدائرة الأضيق أو لنقل لمرتبة أعلى.

وبالتالي فإن المسلم يتصور بأن العالم الإسلامي هو الدائرة الكبيرة التي تشمل مئات الملايين من المنافقين الذين يؤدون العبادات بلا إيمان وهناك عدد أقل يحملون إيماناً في قلوبهم وكلا الفريقين يدخلون في دائرة الدين الإسلامي ثم قلة قليلة هم المحسنون والله أعلم بهم وهذه كارثة كما اسلفنا بمعنى الكلمة تشرعن النفاق وتطبِّعه في قلوب الناس.

والمزيد من النفاق

الثمرة السيئة والخبيثة لهذا التصنيف والتأصيل هو مفهوم الإحسان وهو أحد أسباب انحدار الأمة وفساد عقيدتها ، فالإحسان هو الرقابة الذاتية التي بدلاً من تعزيزها في نفوس الناس وجعلها لازما من لوازم الدين لا يمكن أن ينفك عن الإيمان جعله أصحاب هذا التصنيف مرتبة عالية وجعلوا لها مقامات صوفية لم ينزل الله بها من سلطان فحملت شروحاتهم ما يجعل هذه المرتبة مستحيلة وتقتصر على الخلص والنخبة من المسلمين بل أن البعض حصرها في الأنبياء ، فنتجت أجيال من المنافقين الذي يحملون شخصية مزدوجة فهو في العلن يؤدي أعمال البدن كعبادات الجوارح ويتظاهر أمام الناس بخلق وشخصية فإذا خلا بمحارم الله انتهكها ولكنه لا يرى في ذلك بأساً لأن ذلك ضمن مرتبة الإحسان ومقام المشاهدة وهذا لا يتحقق إلا لأولياء الله الصالحين وبالتالي فالمطلوب في الدرجة الأولى منك هو الإسلام  ، ثم الإيمان أما الإحسان فيشق على المسلمين فهو من الكمالات التي تحقق السمو لنخبة من الناس.

ولننظر كيف أن هذا التأسيس العقدي لم يسلم منه طفل حتى استقر في عقولهم الباطنة وأخلاقهم وإيمانهم الداخلي ثوابت باطلة وقواعد خاطئة أثمرت عن أجيال من المنافقين نفاقاً مشرعناً ومقنناً ، وهذه أم المصائب التي لن تنهض الأمة من كبوتها إلا بمعالجتها والعمل على مكافحتها وتوعية الناس تجاهها.

إن الناظر لحال الأمة وعصر صدر الإسلام عندما كان الفهم الإسلامي الصافي يخلوا من هذه المحدثات من القواعد والتصنيفات يجد أن ظواهرهم وسرائرهم متطابقة لأن الطاعة بالبدن كانت تؤتى بدافع اليقين في القلب ، والدخول في الدين كان قناعة وإيمان بالأركان الستة أولا ينتج إتيان بالأركان الخمسة تاليا وليس العكس فسادوا العالم وهزم العشرة منهم مائة حتى دخل خلال بعضهم النفاق كما حدث من الأعراب فأوضعوا خلالهم وزادوهم خبالا ، ثم تطور الأمر حتى وصلنا الى تقعيد لذلك النفاق فأصبح أصلا من أصول الدين يرضعه الطفل مع أول حروف يتعلمها.

المزيد من الدعوة ،، المزيد من الفساد

من أهم وأبشع نواتج هذه المراتب المبتدعة هو تفاقم الفساد الأخلاقي والمالي والاجتماعي والديني في أوساط المجتمعات الإسلامية جمعاء ، في الوقت أن بقية المجتمعات البشرية لا تعاني من هذا الداء والانفصام الشخصي لأنها تربي أجيالاً على قدسية الصدق واستواء الظاهر والباطن ومراقبة الذات كقيمة أساسية لا يمكن أن يكون المرء بدونها إلا إنساناً بهيمياً فاسداً منافقاً.

والعجيب والغريب أننا نراقب انتشار الدعاة والمصلحين الاجتماعيين في أوساط المجتمعات الإسلامية ، وإفراد مساحات إعلامية واسعة وهامة ، فضلا عن القنوات الأخرى المكتوبة والمرئية وخطب الجمع ودروس المساجد ولكن بدلاً من القضاء على فساد المجتمعات نجد أن الفتن تتزايد ويرقق بعضها بعضها فما هي ثمرة هذه الدعوة ؟؟ المزيد من الفساد الأخلاقي والديني والسبب يعود لأن كل أولئك الفضلاء يعالجون العرض وغاب عنهم علاج المرض وهو بذرة الفساد وسببه المباشر وهو غياب الرقابة الذاتية وشرعنة النفاق في نفس كل مسلم من خلال مراتب الدين المبتدعة.

وسيأتي معنا فيما يلي تجسيد لصور من التناقض بين مفاهيم مراتب الدين القائمة على التفاضل والتمايز وبين النص القرآني الجلي والواضح

التناقض أول دلائل الخلل

إن الشواهد القرآنية التي يستعملها المؤصلون لهذه المراتب تتناقض ذاتها مع هذه المراتب ففي حين يقول تعالى :

{ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [الحجرات:14]

فأرباب مفهوم مراتب الدين يستعملون هذه الآية للاستدلال على شرعية إسلام الأعراب ذلك الإسلام المجرد وهو غير الإسلام مع الإيمان فالأعراب – في نظرهم – كانوا في مرتبة الإسلام فقط ولم يترقوا لمرتبة الإيمان ، ولسنا هنا لنبين فساد هذا الفهم فسيأتي ذلك في القادم من الفصول ولكن نريد أن نبين بأنه تأسيساً على هذا الفهم فإن الخلل الشنيع هو ان هذه الآية تتناقض مع آيات أخرى تدل على أن الإسلام غاية سامية عظيمة ومقام يفوق الإيمان سمواً وعظمة فكيف يكون قولهم صحيحاً ؟ ، ولنقرأ فيما يلي صور من التناقض في فهم اصول ديننا .

قال ابن جرير رحمه الله في تفسيرها :

“واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل للنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل لهؤلاء الأعراب: قولوا أسلمنا, ولا تقولوا آمنا, فقال بعضهم: إنما أمر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بذلك, لأن القوم كانوا صدّقوا بألسنتهم, ولم يصدّقوا قولهم بفعلهم, فقيل لهم: قولوا أسلمنا, لأن الإسلام قول, والإيمان قول وعمل.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن الزهري ( قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) قال: إن الإسلام: الكلمة, والإيمان: العمل.” ا.هـ

أقول  : كيف يكون ذلك والإسلام عمل جوارح ، والإيمان عمل قلبي ؟؟ وذلك من واقع حديث جبريل الذي فصل في الفرق بين الإسلام والإيمان فكان الإسلام يشمل أعمال الجوارح كالعبادات من صيام وصلاة وزكاة وحج ، والإيمان أعمال قلب متعلقة بالغيبيات كالإيمان بالله والملائكة الكتب والرسل واليوم الآخر ، بينما كانت الآية تدل دلالة واضحة على أنهم كانوا يأتون أعمال الإسلام حتى يترائى للمسلمين أنهم منهم ففضح الله قلوبهم وأنها خالية من الإيمان وأن أعمال الإسلام التي يؤدونها إنما هي نفاق ورياء لا قيمة لها.

أما ابن كثير رحمه الله فقد كان واضحاً تماماً في نسبة التراتبية للإسلام الإيمان والإحسان فقال في تفسير آية إسلام الأعراب :

“يقول تعالى منكرا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان ، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) . وقد استفيد من هذه الآية الكريمة : أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ، ويدل عليه حديث جبريل ، عليه السلام ، حين سأل عن الإسلام ، ثم عن الإيمان ، ثم عن الإحسان ، فترقى من الأعم إلى الأخص ، ثم للأخص منه .”

وقد فصل صاحب التحرير والتنوير بما يؤيد ذلك فقال رحمه الله:

“وهم قالوا آمنا حين كانوا في شك لم يتمكن الإيمان منهم فأنبأهم الله بما في قلوبهم وأعلمهم أن الإيمان هو التصديق بالقلب لا بمجرد اللسان لقصد أن يخلصوا إيمانهم ويتمكنوا منه كما بينه عقب هذه الآية بقوله : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله } الآية .

والاستدراك بحرف ( لكن ( لرفع ما يتوهم من قوله : { لم تؤمنوا } أنهم جاؤوا مضمرين الغدْر بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنما قال : { ولكن قولوا أسلمنا } تعليماً لهم بالفرق بين الإيمان والإسلام فإن الإسلام مَقرُّه اللسان والأعمالُ البدنية ، وهي قواعد الإسلام الأربعة : الصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج الكعبة الوارد في حديث عمر عن سُؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتأتي الزكاة وتصوم رمضان وتحُجّ البيت إن استطعتَ إليه سبيلا» فهؤلاء الأعراب لما جاءوا مظهرين الإسلام وكانت قلوبهم غير مطمئنة لعقائد الإيمان لأنهم حديثو عهد به كذبهم الله في قولهم { آمنَّا } ليعلموا أنهم لم يخف باطنهم على الله ، وأنه لا يتعدّ بالإسلام إلا إذا قارنه الإيمان ، فلا يغني أحدهما بدون الآخر ، فالإيمان بدون إسلام عناد ، والإسلام بدون إيمان نفاق ، ويجمعهما طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

وكان مقتضى ظاهر نظم الكلام أن يقال : قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم ، أو أن يقال : قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا ، ليتوافق المستدرك عنه والاستدراك بحسب النظم المتعارف في المجادلات ، فعدل عن الظاهر إلى هذا النظم لأن فيه صراحة بنفي الإيمان عنهم فلا يحسبوا أنهم غالطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم

واستغني بقوله : { لم تؤمنوا } عن أن يقال : لا تقولوا آمنا ، لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مُؤدّاه النهي عن الإعلان بالإيمان لأنهم مطالبون بأن يؤمنوا ويقولوا آمنا قولا صادقاً لا كاذباً فقيل لهم { لم تؤمنوا } تكذيباً لهم مع عدم التصريح بلفظ التكذيب ولكن وقع التعريض لهم بذلك بعد في قوله : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا } إلى قوله : { أولئك هم الصادقون } أي لا أنتم ولذلك جيء بالاستدراك محمولاً على المعنى .

وعدل عن أن يقال : ولكن أسلمتم إلى { قولوا أسلمنا } تعريضاً بوجوب الصدق في القول ليطابق الواقع ، فهم يشعرون بأن كذبهم قد ظهر ، وذلك مما يُتعير به ، أي الشأن أن تقولوا قولاً صادقاً .

وقوله : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } واقع موقع الحال من ضمير { لم تؤمنوا } وهو مبيّنٌ لمعنى نفي الإيمان عنهم في قوله : { لم تؤمنوا } بأنه ليس انتفاء وجود تصديق باللسان ولكن انتفاء رسوخه وعقد القلب عليه إذ كان فيهم بقية من ارتياب كما أشعر به مقابلته بقوله : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا } .

واستعير الدخول في قوله : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } للتمكن وعدم التزلزل لأن الداخل إلى المكان يتمكن ويَسْتقر والخارج عنه يكون سريع المفارقة له مستوفزاً للانصراف عنه .

و ( لمّا ( هذه أخت ( لم ( وتدل على أن النفي بها متصل بزمان التكلم وذلك الفارق بينها وبين ( لم ( أختها . وهذه الدلالة على استمرار النفي إلى زمن التكلم تؤذن غالباً ، بأن النمفي بها متوقع الوقوع . قال في «الكشاف» «وما في ( لمّا ( من معنى التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد» .

وهي دلالة من مستتبعات التراكيب . وهذا من دقائق العربية . وخالف فيه أبو حيان والزمخشري حجة في الذوق لا يدانيه أبو حيان ، ولهذا لم يكن قوله : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } تكريراً مع قوله : { لم يؤمنوا } .

وقوله : { وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً } إرشاد إلى دواء مرض الحال في قلوبهم من ضعف الإيمان بأنه إن يطيعوا الله ورسوله حَصل إيمانهم فإن مما أمر الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بيان عقائد الإيمان بأن يقبلوا على التعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة إقامتهم بالمدينة عوضاً عن الاشتغال بالمَنّ والتعريض بطلب الصدقات .” ا. هـ

ولكن الله تعالى يقول :

{ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا } [الجن:14]

وكان الأولى تأسيساً على مفهوم المراتب أن الإسلام أدنى المراتب وأقلها وكان الأحرى أن يكون الرشد في الإيمان أو قل في الأحسان ، أما الإسلام المجرد هكذا فهناك درجتان تعلوه وتتفوق عليه.

ويقول جل شأنه :

{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت:33]

وتأسيساً على القول بترتيب الدين لثلاث مراتب فإن الأولى أن يقول إنني (من المؤمنين) أو (المحسنين) لأنهما أعلى من الإسلام مرتبة.

ويقول تعالى :

{ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [النمل:91]

فإن علمنا من التأصيل أن الإيمان أعلى مرتبة من الإسلام فيتراءى للقارئ أن الأمر بالانتماء للمؤمنين أولى من الانتماء للمسلمين ، فهل يحق لنا أن نقول أن الأمر هو بالانتماء لإسلام الأعراب الخالي من الإيمان بوصفه أدنى مراتب الدين ؟

وهذا إبراهيم يدعو الله أن يجعله وابنه اسماعيل عليهما السلام من المسلمين:

(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )  [البقرة:128]

فكيف يرتضي ابراهيم عليه السلام أن ينزل لمرتبة أدنى من الإيمان ، أليس من الأولى أن يدعو بأن يكون من المحسنين ؟؟ .

( وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)   [الأعراف:126]

فبناء على تأسيس مراتب الدين فهم يدعون بأدنى درجات الدين وأقلها أهمية ، فلنترك ومن يفلسف المسألة فيقول ان الإيمان والإسلام اذا اجتمعا افترقا واذا افترقا اجتمعا ولكن ما حال اهل الملة من عوام المسلمين الذين تعلموا واستقر لديهم بأن الإسلام ما هو إلا درجة دنيا يعلوها ماهو أرقى منها ، وكيف يجمعون هذا المفهوم مع الدعوة بالوفاة على الإسلام ؟؟ ، لا شك أنهم سيكتفون بالإسلام فالقرآن كله يشير إلى أن الإسلام غاية المتمنين وأولهم أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام.

والعديد من الآيات المشابهة التي تكرس الدلالة على أن الإسلام هو ارقى ما يصل إليه المرء ويتمناه كل تقي مؤمن :

(وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ )  [يونس:84]

(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ)   [النحل:102]

(وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ)   [الحج:78]

 

ولكن !

ولكن بالمقابل نجد بأن الأعراب الذين أسلموا ولم يؤمنوا فإنهم بفعلهم هذا قد نافقوا بإسلامهم الذي لم يؤسس على إيمان وأقر الله نفاقهم في أكثر من موضع تترابط معنوياً ودلالياً مع آية (قالت الأعراب آمنا) فيقول تعالى مثبتاً أن الإسلام بلا إيمان هو النفاق المحض:

{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ } [التوبة:101]

{ وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [التوبة:90]

{ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [التوبة:97]

وانظر في النفاق المتصل بأولئك الأعراب الذين يدعون الإيمان وهم خارج دائرته:

{ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [الفتح:11]

والحقيقة أنك لو أبحرت في كتب العقيدة والأصول عامة لوجدت تناقضات عديدة ، ففي مواضع تجدهم يقررون بأن الإيمان عمل قلبي فقط ، ثم يتحول في موضع آخر لعمل القلب وأعمال العبادة في ذات الوقت ، وعندما تعود لحديث جبريل تجد الإيمان عمل قلب والإسلام عمل جوارح وعبادات ، وإذا تحدث عن التراتبية في الدين استعمل آية الاعراب للدلالة على دونية الإسلام واتساع دائرته وعلو الإيمان وضيق دائرته وخصوصية الإحسان ورقي موضع المحسنين ، وإذا فوجئ بالإسلام في موضع الرفعة والتقدير نسب لذلك اقترانه بالإيمان ولكن دون قرينة ولا دليل .

وهكذا فإن تلك التناقضات والمفاهيم الخاطئة كانت تحمل في سطورها دلائل الخلل والتناقض ، وتحمل في نتائجها على أرض الواقع الدليل العملي الواضح على ذلك الخلل بنتائجه وثماره الضارة.

يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (5)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (5)

 

ملخص مفهوم مراتب الدين وفق منهج السلف رحمهم الله

تتلخص هذه المراتب الثلاث في مفاهيم محددة وفق فهم السلف ، نستطيع اختصارها في نقاط مقتضبة وفق ما سبق من تفصيل وهي على النحو التالي:

أولاً: أن الدين يتكون من ثلاث مراتب دنيا ووسطى وعليا ، فأدنى مرتبة هي الإسلام وهو الإتيان بالشهادتين مع أركان الإسلام الخمسة.

ثانياً: أن المرتبة التي تلي الإسلام هي مرتبة الإيمان وهي مرتبة أرقى وأعلى من سابقتها وهي الإتيان بأركان الإيمان الستة (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره)

ثالثاً : الإحسان هو مرتبة عالية لها مفهوم فريد وهو (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، وهذه المرتبة يصلها الخلَّص من الخلق وأولياء الله الصالحين.

رابعاً : اعتبر البعض أن العلاقة بين الإسلام والإيمان والإحسان أن الأول وهو الإسلام دائرة واسعة تستوعب داخلها دائرة أصغر وهي الإيمان والإيمان يستوعب داخله دائرة أصغر وهي الإحسان ، وليس كل مسلم مؤمن ، وليس كل مؤمن محسن وقد وقعت على رسمه تشرح هذا المفهوم:

مراتب (1)

خامساً : ومن جهة أخرى اعتبرت العلاقة بين تلك المراتب تتفاوت بين الأدنى وهو الإسلام ، ثم الاعلى وهو الإيمان ثم الإحسان ، وقد مرَّ بنا مفهوم مهم للغاية في سياق بحثنا هذا وهو أن الإحسان مرتبة عالية لا يبلغها أي أحد ، ففي موسوعة الدرر السنية التي أنِف عرضها :

“وأهل الإحسان هم الصفوة الخلص من عباد الله المؤمنين، ولهذا ورد في الثناء عليهم في القرآن الكريم ما لم يرد في غيرهم. وهم درجات متفاوتة بحسب قوة استحضار قرب الله ومراقبته ومحبته وخشيته في قلوبهم”.ا.هـ

ويقول الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله عن الإحسان في كتابه معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول :هذه المرتبة هي الثالثة من مراتب الدين المفصلة في حديث جبريل المتقدم، وهي أعلى مراتب الدين وأعظمها خطرا، وأهلها هم المستكملون لها السابقون بالخيرات المقربون في علو الدرجات‏.‏ا.هـ

ومن أحد دروس الدكتور / عمر عبدالكافي : “إن الله سبحانه وتعالى قد أثنى على أهل الإحسان في العمل، وجعلهم من أعلى المراتب، فهي منزلة لا يبلغها إلا المقربون؛ ولذا كان لمن أراد أن يبلغ هذه المرتبة شروط لابد من معرفتها وتطبيقها؛ حتى يبلغ العبد مرتبة الإحسان في الأعمال والأحوال والأوقات”.

 

يتبع

 

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (4)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (4)

مرتبة الإحسان

أ- الإحسان لغة: مصدر أحسن يحسن إحسانا، وهو ضد الإساءة، وهو إجادة العمل وإتقانه وإخلاصه.

ويطلق على معنيين:

الأول: متعد بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، و في كذا، إذا حسنته وكملته.

الثاني: متعد بحرف جر، كقولك: أحسنت إلى كذا، أي: أوصلت إليه ما ينتفع به  .

ب- الإحسان شرعا: يطلق على نوعين:

النوع الأول: إحسان إلى عباد الله.وهو على قسمين  :

القسم الأول: واجب، وهو أن تقوم بحقوقهم الواجبة على أكمل وجه. مثل بر الوالدين، وصلة الأرحام، والإنصاف في جميع المعاملات.ويدخل في هذا القسم: الإحسان للبهائم، والإحسان في القتل، لما في صحيح مسلم من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته))  .

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: (وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه، فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب.

والإحسان في ترك المحرمات: الانتهاء عنها، وترك ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ [ الأنعام: 120].فهذا القدر من الإحسان فيها واجب.

وأما الإحسان في الصبر على المقدورات، فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تسخط ولا جزع.

والإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيام بما أوجب الله من حقوق ذلك كله، والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كلها، والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ليس بواجب.

والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب: إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه. وهذا النوع هو الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، ولعله ذكره على سبيل المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال).

القسم الثاني: الإحسان المستحب: وهو ما زاد على الواجب من بذل نفع بدني، أو مالي، أو علمي، فيساعد من احتاج إلى مساعدته ببدنه، أو بماله، أو بعلمه، فهذا كله داخل في باب الإحسان، وأجل أنواع الإحسان: الإحسان إلى من أساء إليك، كما قال تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [ فصلت: 34- 35].

النوع الثاني: الإحسان في عبادة الله عز وجل.وهو المراد هنا.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في شرح حديث جبريل: قوله (الإحسان): (هو مصدر، تقول أحسن يحسن إحسانا.ويتعدى بنفسه وبغيره تقول أحسنت كذا إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو المراد لأن المقصود إتقان العبادة.وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلا محسن بإخلاصه إلى نفسه، وإحسان العبادة: الإخلاص فيها والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود)  .

وقد عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك))  .

والإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها. وأهله هم المستكملون لها السابقون للخيرات، المقربون في علو الدرجات.

وإذا كان الإسلام هو الأركان الظاهرة عند التفصيل واقترانه بالإيمان. والإيمان إذ ذاك هو الأركان الباطنة، فإن الإحسان هو تحسين الظاهر والباطن. وأما عند الإطلاق فإنه يشمل الدين كله.

وقد جاء الإحسان في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، تارة مقرونا بالإسلام، وتارة مقرونا بالإيمان، وتارة مقرونا بالتقوى، أو بهما جميعا، وتارة بالجهاد، وتارة بالعمل الصالح مطلقا، وتارة بالإنفاق في سبيل الله وهو الجهاد  .

قال الله تعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة: 112]. وقال تعالى: وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [لقمان: 22]. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا [الكهف: 30]. وقال تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ المائدة: 93]. وقال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت: 69]. وقال تعالى: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 195].

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله بعد ذكره لهذه الآيات: (وقد يذكر مفردا كقوله تعالى: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس: 26]. وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله عز وجل في الجنة  ، وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان، لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك النظر إلى الله عيانا في الآخرة.

وعكس هذا ما أخبر الله به عن جزاء الكفار في الآخرة: كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين: 15]. وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا، وهو تراكم الران على قلوبهم، حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة  .

وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله: (ولما تكرر الإحسان في القرآن، وترتب عليه هذا الثواب العظيم، سأل عنه جبريل النبي صلى الله عليه وسلم. فأجابه ببيانه، ليعمل الناس عليه، فيحصل لهم هذا الحظ العظيم)  .

ج- للإحسان ركن واحد  بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله. ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك))  . فأخبر صلى الله عليه وسلم أن مرتبة الإحسان على درجتين، وأن المحسنين في الإحسان على درجتين متفاوتتين:

الدرجة الأولى: وهي أعلاهما. وهي (أن تعبد الله كأنك تراه). يشير إلى أن العبد يعبد الله على هذه الصفة، وهي استحضار قربه، وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية، والخوف، والهيبة، والتعظيم، ولذا جاء في رواية أبي هريرة عند مسلم بلفظ: ((أن تخشى الله كأنك تراه))  .

ويوجب أيضاً: النصح في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها. وهذه العبادة – أي عبادة الإنسان ربه كأنه يراه – عبادة طلب وشوق؛ وعبادة الطلب والشوق يجد الإنسان من نفسه حاثا عليها، لأن هذا هو الذي يحبه، فهو يعبده كأنه يراه، فيقصده وينيب إليه ويتقرب إليه سبحانه وتعالى.

الدرجة الثانية: أن تعبد الله لأنه يراك، والمعنى إذا لم تستطع أن تعبد الله كأنك تراه وتشاهده رأي العين، فانزل إلى المرتبة الثانية، وهي أن تعبد الله لأنه يراك.

فالأولى: عبادة رغبة وطمع، والثانية: عبادة خوف ورهب.

وكلاهما. مرتبتان عظيمتان. لكن الأولى أكمل وأفضل، فعبادة الله على وجه المراقبة والطلب أكمل من عبادته على وجه الخوف والرهب  .

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: (قوله صلى الله عليه وسلم: ((فإن لم تكن تراه فإنه يراك))  .

قيل: إنه تعليل للأول، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله في العبادة، واستحضار قربه من عبده، حتى كأن العبد يراه، فإنه قد يشق ذلك عليه، فيستعين على ذلك بإيمانه بان الله يراه، ويطلع على سره وعلانيته وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره، فإذا حقق هذا المقام، سهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني، وهو دوام التحديق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيته، حتى كأنه يراه.

وقيل: بل هو إشارة إلى أن من شق عليه أن يعبد الله كأنه يراه، فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه، فليستحي من نظره إليه).

إلى أن قال رحمه الله: (وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام، ويتفاوت أهل هذا المقام بحسب قوة نفوذ البصائر)  .

وقال النووي رحمه الله: (قوله صلى الله عليه وسلم: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))  هذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم، لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة الله وهو يعاين ربه – سبحانه وتعالى – لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به. فقال صلى الله عليه وسلم اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان، فإن التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد بإطلاع الله سبحانه وتعالى عليه، فلا يقدم العبد على تقصير في هذه الحال؛ للاطلاع عليه. وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه.

فمقصود الكلام: الحث على الإخلاص في العبادة، ومراقبة العبد ربه – تبارك وتعالى – في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك)  .

فالحاصل: أن الإحسان أعلى مراتب الدين، وهو يشمل تحسين الظاهر والباطن، ويوجب الخشية والهيبة والتعظيم لله سبحانه، والنصح في العبادة، والإخلاص فيها، ومحبة الله، والإنابة إليه، والخشوع والخضوع له.

وأهل الإحسان هم الصفوة الخلص من عباد الله المؤمنين، ولهذا ورد في الثناء عليهم في القرآن الكريم ما لم يرد في غيرهم. وهم درجات متفاوتة بحسب قوة استحضار قرب الله ومراقبته ومحبته وخشيته في قلوبهم.  انتهى .

وأقول تعليقاً على ما تقدم :

يتضح جلياً بأنهم رحمهم الله عرَّفوا الإحسان بأنه نافلة زائدة يختص به ثلة قليلة من المقربين ، وقد عدها البعض عبادة وكأنها عبادة مستقلة عن الفرائض تؤتى بزيادة عن الفرائض تجويداً وتحسيناً للعبادة ، وأنها مرتبة أعلى من الإيمان والإيمان مرتبة أعلى من الإسلام ، وهذا هو مفهوم المتصوفة في رفع درجات الناس عن بعضهم البعض ويستأثرون بالإحسان كمقام عليِّ لأوليائهم وأقطابهم.

،هنا عين الاعتراض فما نقوله بأن الإسلام والإيمان والإحسان ثلاث قواعد متلازمة لا يصح إسلام المرء لله بدونها كما سيأتي معنا ، وأن تصنيف الإحسان كمرتبة عالية تأتي بالمتابعة والتحسين يعني أنها غير متحققة في معظم المسلمين وليسوا مطالبين بها فإن أتوا بها على وجهها كان ذلك أحسن وهذا ما لا نعتقد بصحته ، وأن الإحسان إنما هو تحقق الإسلام لله (عبادة الجوارح) بفعل تحقق الإيمان (ما ينعقد في القلب) وأن هذا التقسيم والتفصيل ليس على الوجه الذي يريده الله لعباده ، إنما هو اجتهاد في فهم الحديث النبوي ودلائله المختلفة، وأن تصنيف الإحسان كمرتبة عالية تأتي بالمتابعة والتحسين يعني أنها غير متحققة في معظم المسلمين وليسوا مطالبين بها فإن أتوا بها على وجهها كان ذلك أحسن وإن لم يتمكنوا من ذلك فلا بأس وهذا ما لا نعتقد بصحته ، بل هذا هو أس النفاق فأي عبادة لا تستحضر وجود الله وإطلاعه والحياء منه فإنما هي نفاق صرف ، وأي عمل يخلو من الإحسان فلا شك أنه خال من الإيمان ، ولكن هذا التقعيد تسبب في بناء اجيال تهون من الإحسان وتستصعب الاخلاص ومراقبة الله وتعتبره – كما تعلموه – نافلة غير مطلوبة فأصبح لدينا أجيال من الخونة الذين إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها والمرجع هو هذه التفسيرات الباطلة والله المستعان.

يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (3)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (3)

مرتبة الإيمان

 

(والإيمان) هي المرتبة الثانية في الحديث المذكور والإيمان لغة التصديق قال إخوة يوسف لأبيهم وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: 17] يقول بمصدق وأما في الشريعة فلإطلاقه حالتان(1) :

(الحالة الأولى) أن يطلق على الأفراد غير مقترن بذكر الإسلام فحينئذ يراد به الدين كله كقوله عز وجل: اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ [البقرة: 257] وقوله: وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 68] وقوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ َ [الحديد: 16] وقوله: وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: 11] وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [المائدة: 23] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة))  (1) . ولهذا حصر الله الإيمان فيمن التزم الدين كله باطنا وظاهر في قوله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: 2-4] وقوله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: 15] وقوله تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 15-17] وفسرهم بمن اتصف بذلك كله في قوله عز وجل: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: 1-5] وقال الله تعالى: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران: 133-136] وفي قوله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 156-157]، وقال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: 1-11] وقال الله تعالى: طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [النمل: 1-3] وغيرها من الآيات وقد فسر الله تعالى الإيمان بذلك كله في قوله تعالى لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177].

وفسره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كله في حديث وفد عبد القيس في الصحيحين وغيرهما فقال: ((آمركم بالإيمان بالله وحده قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده قالوا: الله ورسوله أعلم قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تؤدوا من المغنم الخمس)).

وقد جعل صلى الله عليه وسلم صيام رمضان إيمانا واحتسابا من الإيمان وكذا قيام ليلة القدر وكذا أداء الأمانة وكذا الجهاد والحج واتباع الجنائز وغير ذلك وفي الصحيحين: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) . وهذه الشعب المذكورة قد جاءت في القرآن والسنة في مواضع متفرقة منها ما هو من قول القلب وعمله ومنها ما هو من قول اللسان ومنها ما هو من عمل الجوارح.

ولما كانت الصلاة جامعة لقول القلب وعمله وقول اللسان وعمله وعمل الجوارح سماها الله تعالى إيمانا في قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [البقرة: 143] يعني صلاتكم كما يعلم من سبب نزول هذه الآية… والآيات والأحاديث في هذا الباب يطول ذكرها وإنما أشرنا إلى طرف منها يدل على ما وراءه وبالله التوفيق.

وهذا المعنى هو الذي قصده السلف الصالح بقولهم رحمهم الله: إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل وإن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم.

وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارا شديدا وممن أنكر ذلك على قائله وجعله محدثا ممن سمى لنا سعيد بن جرير وميمون بن مهران وقتادة وأيوب السختياني والنخعي والزهري وإبراهيم ويحيى بن أبي كثير والثوري والأوزاعي وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. قال الثوري: هو رأي محدث أدركنا الناس على غيره وقال الأوزاعي: كان من مضى من السلف لا يفرقون بين العمل والإيمان. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار أما بعد: فإن الإيمان فرائض وشرائع فمن استكملها استكمل الإيمان.  ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان وهذا المعنى هو الذي أراد البخاري إثباته في كتاب الإيمان وعليه بوب أبوابه كلها فقال: (باب أمور الإيمان) و(باب الصلاة من الإيمان)، و(باب الزكاة من الإيمان) و(باب الجهاد من الإيمان) و(باب حب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان) و(باب الحياء من الإيمان) و(باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان) و(باب اتباع الجنائز من الإيمان) (وباب أداء الصلوات الخمس من الإيمان) وسائر أبوابه. وكذلك صنع النسائي في (المجتبى) وبوب الترمذي على حديث: وفد عبد القيس (باب ما جاء في إضافة الفرائض إلى الإيمان) وكلام أئمة الحديث وتراجمهم في كتبهم يطول ذكره وهو معلوم مشهور ومما قصدوه بذلك الرد على أهل البدع ممن قال هو مجرد التصديق فقط كابن الراوندي ومن وافقه من المعتزلة وغيرهم إذ على هذا القول يكون اليهود أقروا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستيقنوها ولم يتبعوه مؤمنين بذلك وقد نفى الله الإيمان عنهم

وقال جهم بن صفوان وأتباعه: هو المعرفة بالله فقط وعلى هذا القول ليس على وجه الأرض كافر بالكلية إذ لا يجعل الخالق سبحانه أحد وما أحسن ما قاله العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته الكافية الشافية

قالـوا وإقرار العباد بأنـه              خالقهم هو منتهـى الإيمان

والناس في الإيمان شيء واحد    كالمشط عند تماثل الأسنان

فاسأل أبا جهل وشيعته ومن       والاهمو من عابدي الأوثان

وسل اليهود وكل أقلف مشرك      عبـد المسيح مقبل الصلبان

واسأل ثمود وعاد بل سل قبلهم          أعداء نوح أمـة الطوفان

و اسأل أبا الجن اللعين أتعرف        الخلاق أم أصبحت ذا نكران

واسأل شرار الخلق أقبح أمة         لوطية هم ناكحوا الذكران

واسأل كذاك إمام كل معطل           فرعون مع قارون مع هامان

هل كان فيهم منكر للخالق              الرب العظيم مكون الأكوان

فليبشروا ما فيهموا من كافر           هم عند جهم كاملو الإيمان

 

وقالت المرجئة والكرامية الإيمان هو الإقرار باللسان دون عقد القلب فيكون المنافقون على هذا مؤمنين وقد قال الله تعالى: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 84-85] وغير ذلك من الآيات وهم قد نطقوا بالشهادتين بألسنتهم فقط وكذبهم الله عز وجل في دعواهم في غير موضع من القرآن.

وقال آخرون التصديق بالجنان والإقرار باللسان وهذا قول مخرج لأركان الإسلام الظاهرة المذكورة في حديث جبريل وهو ظاهر البطلان.

وذهب الخوارج والعلاف ومن وافقهم إلى أنه الطاعة بأسرها فرضا كانت أو نفلا وهذا القول مصادم لتعليم النبي صلى الله عليه وسلم لوفود العرب السائلين عن الإسلام والإيمان وكل ما يقول له السائل في فريضة هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع شيئا. وذهب الجبائي وأكثر المعتزلة البصرية إلى أنه الطاعات المفروضة من الأفعال والتروك دون النوافل وهذا أيضا يدخل المنافقين في الإيمان وقد نفاه الله تعالى عنهم وقال الباقون منهم العمل والنطق والاعتقاد والفرق بين هذا وبين قول السلف الصالح أن السلف لم يجعلوا كل الأعمال شرطا في الصحة بل جعلوا كثيرا منها شرطا في الكمال كما قال عمر بن عبد العزيز فيها من استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان والمعتزلة جعلوها كلها شرطا في الصحة والله أعلم.

(الحالة الثانية) أن يطلق الإيمان مقرونا بالإسلام وحينئذ يفسر بالاعتقادات الباطنة كما في حديث جبريل هذا وما في معناه وكما في قوله تعالى وَالذِّينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات [النساء: 57] في غير موضع من كتابه وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الجنازة: ((اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان)) وذلك أن الأعمال بالجوارح وإنما يتمكن منها في الحياة فأما عند الموت فلا يبقى غير قول القلب وعمله… والحاصل أنه إذا أفرد الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ بل كل منهما على انفراده يشمل الدين كله وإن فرق بين الاسمين كان الفرق بينهما بما في هذا الحديث الجليل والمجموع مع الإحسان هو الدين كما سمى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كله دينا وبهذا يحصل الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث التي فيها تفسير الإيمان بالإسلام والإسلام بالإيمان وبذلك جمع بينه وبينها أهل العلم.  

 

(1) أقول تعليقاً على ماتقدم :

إنَّ الحالات المنصوص عليها لذكر الإيمان وهما (إذا ذكر الإيمان منفرداً أريد به الإسلام والإيمان ، وإذا ذكر مترافقاً مع الإسلام عني به الأعمال القلبية) فأقول بأن هذا التقرير غير دقيق، فكل الأدلة التي تقدم ذكرها كانت تشير للعمل القلبي فقط ، وترافق ذكر أعمال الجوارح (الإسلام) في الآيات التي أنِفَ عرضها فكانت دلالة الإيمان هي على استقرار اليقين في القلب وظهور اثره على صورة عمل ولو استعرضنا ما عرض من آيات لما وجدناها تخلو من الإشارة لعمل الجوارح بجانب عمل القلب الذي هو الإيمان ، كما أن القرآن غالباً ما يذكر الإيمان مترافقاً مع العمل ، ولكنه إذا ذكر الإيمان فهو يعني الإيمان وحقيقته وثمرته هي التطبيق لأركان الإسلام وإلا فلا يكون إيماناً ، كما أن الإسلام بدون إيمان هو نفاق صرف كما في حالة الأعراب الذين قالوا بألسنتهم (أسلمنا) ولكن لم يكن إسلامهم ثمرة لإيمان وقر في قلوبهم فكانوا بنص القرآن الكريم (منافقون) بنص القرآن فيقول تعالى:

(الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) [التوبة:97]

(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ) [التوبة:101]

وهذا مثار الاعتراض على هذا التصنيف والتراتب للإسلام والإيمان والإحسان فأصبح الإسلام مرتبة يبدأ بها الداخلون في الدين  والحقيقة أن البدء لا يكون إلا بالإيمان وأركانه وليس بالإسلام.

 

يتبع