تابع مدلول الحروف المقطعة في بداية السور

بسم الله الرحمن الرحيم

وبالنظرة الدقيقة في مدلول الحروف (طه)،(يس)و(طس) نجد أن حرف الطاء هو مفتاح الاسم (لطيف) وإن كان اسم لطيف مبتدئاً باللام. وذلك لأن حرف الطاء مميز لم يرد به اسم آخر وحرف اللام موجود في كل الأسماء. وحرف الهاء هو مفتاح الاسم الهادي. وبالتالي يظهر مدلول هذين الحرفين باللطف والهدى أي بالرحمة. لقد أنزلت سورة واحدة مبتدئة بالحرفين “طه” وسميت بهما. وقد جاءت موضحة للرسول صلى الله عليه وسلم أن الله هو ألطف اللطيفين بعباده فلا يوجد ألطف منه  وبالتالي لم يكافئه أحد في لطفه. فأقسم له باسمه “الله اللطيف الهادي”  أنه لم ينزل عليه القرآن من أجل أن يشقيه به، وإنما أنزله لطفاً للعباد وهدىً لهم. ففي ذلك مواساة من رب العالمين لرسوله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الآية:{مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} {إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى}(2-3) طـه.  كما أوضح له أن هذا هو حال كل رسله السابقين. ولهذا  قص عليه قصة سيدنا موسى وأبينا آدم ليعلم أن الرسالات هي لطف وهدىً من رب العالمين لقوله تعالى:{كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا}(99) طـه   فتسمية السورة  بنفس الحروف طه هي دلالة على موضوعها وهو اللطف والهدى أي الرحمة. ولهذا يكون الله قد أقسم باسمه(الله اللطيف الهادي) لينفي عن القرآن صفتي الغلظة والمشقة وهما صفتان متضادتان لصفاته. ويمكن أن يكون الحرفان “طه” مكونان لاسم من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في رأي بعض العلماء والله أعلم.

وكذلك الحرفين (يس). فقد سبق تحليل الحرف (ي) على أنه حرف  يرمز للاسم الشفع الحي القيوم الذي يدل على قيام الله ليل نهار لحفظ هذا الكون دون أن تأخذه سنة ولا نوم . أما الحرف سين فهو مفتاح للاسمين: ” السميع” و”السلام”.  ومدلول هذين الاسمين هو ” السمع الذي يعني العلم بالشيء والسلام يعني السلم  والأمان إذاً يكون مدلول لحرفين الياء والسينهو الأمن والسلم. لقد افتتحت سورة يس وحدها بالحرفين (ي س). وقد جاءت الآيات التي تلي الحرفين كالآتي:{وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ}{إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}{عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}{تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ}{لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ}{لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}(2-7) يــس. الأمر الذي يشير إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ابتأس نتيجة استنكار الكفار لرسالته ونبذهم لها لعدم تصديقهم له بأنه رسول من عند الله. فأقسم الله له باسم رحمته التيلا يكافئه فيها أحد وبالقرآن إنه من المرسلين. وأن الرسالة قد أنزلها عليه هو “العزيز الرحيم” لينذر قومه ويهديهم ولكن الكثيرين منهم كافرون بها. وفي ذلك تخيف لرسوله صلى الله عليه وسلم وتثبيت للذين آمنوا معه. حيث أوضح الله لنبيه أن الكفار لا رجاء منهم وإنما الهدى للذين آمنوا كما جاء في الآية: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}(11) يــس. وهو نفس معاني كل السور التي ابتدئت بالحروف المقطعة. فجاءت سورة يس مركزة على حقيقة أن من يستمع لنداء الدعوة إلى الله وأحكامها ويعلم بها ويتيقن منها يسلم من عذاب الله وينال رحمته وهذا ما أوضحته قصة الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يدعو القوم ليستمعوا للهدى ويتبعوا رسلهم. حيث أخبرت أن الرجل الذي أعلن إيمانه للكفار قد سلم من العذاب وكرّمه الله وهلك من لم يستمع ويستجب للنداء. والآيات هي:{وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} {اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُم أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ}{وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}{أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ}{إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}{إِنِّي آمَنتُ برَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ}{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ}{بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}(20-27) يــس    فأكدت السورة بذلك حقيقة تلازم السلم والسمع. حيث أن الذين استمعوا للهدى وصدقوه يقيناً أدخلوا الجنة وقيل لهم “سلام قولاً من رب رحيم”. لما ورد في الآيات: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ}{هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ}{لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ}{سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}(55-58) يــس. فربما أقسم الله بأحد الاسمين: ” الله الحي القيوم السلام السميع ” أو “الله الحي القيوم السميع السلام” وأقسم بالقرآن العظيم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم مرسل من عنده. فاسمي “الحي القيوم” و”السميع السلام” مرتبطان ببعضهما البعض. أي أن قيام الله المطلق الذي لايعتريه نعاس ولا نوم يكفل السمع والعلم المطلقين اللذين نتيجتهما السلم والأمن والرحمة  هذا وربما كان اسم  يس هو أحد أسماء النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في رأي بعض السلف الصالح. وعند التفكر في الحرفين “طس” نجد أن الطاء هي مفتاح اسم لطيف كما سبق ذكره والسين مفتاح الاسمين: السلام والسميع. ومدلولهم هو اللطف والرحمة والأمن والسلم. هذان الحرفان قد ابتدأت بهما سورة واحدة وهي سورة النمل، والتي جاء اسمها دال على الموضوع الذي ركزت عليه السورة والذي أقسم به المولى عز وجل. وموضوع السورة توضحه قصة سيدنا سليمان مع النملة التي سردها الله عز وجل في الآيات:{حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}{فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}(18-19) النمل. ولهذا يمكن أن يكون الله قد أقسم باسمه (الله”اللطيف السميع”) أو (الله اللطيف السلام)،أو (الله اللطيف السميع السلام) فكل هذه الأسماء تدل على أن الله لا يكافئه احد في لطفه بخلقه عندما يستمعون إلى نداء ربهم ويطيعونه ويخافون من عذابه كما استمع سيدنا سليمان إلى خوف النملة منه ومن جنوده فلطف بالنمل فسلمت ومن معها. فإذا أمد الله سيدنا سليمان بجزء يسير من سمعه وقد سمع به خوف النملة فلطف بالنمل نتيجة ذلك السمع اليسير، فما بال سمع الله ولطفه وسلمه اللا محدودين إذا سمع عبده خائفاً منه؟ إن هذا يؤكد ما سبق ذكره من أن السمع والسلم واللطف مرتبطات ببعضهم البعض والله أعلم. أما الحروف “طسم” فقد سبق الحديث عن الحرفين(طس) في تحليل سورة النمل. أما الحرف (م) فهو مفتاح الأسماء التي مفتاحها ” الم” وقد حذفت منها الألف. واللام. إذاً مدلول الأسماء التي مفتاحها طسم هو الرحمة مع الملك والمقدرة المطلقة. وهو نفس مدلول الأسماء التي مفتاحها “حم” حيث ابتدئت سورتان بهذه الحروف وهما سورة الشعراء وسورة القصص. وتحليلهما سيؤدي لمعرفة مدلولهما. لقد جاءت الآيات الأوائل من سورة الشعراء كالآتي:{طسَمَ}{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}{لَعَلّكَ بَاخِعٌ نّفْسَكَ أَلاّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }1-3  الشعراء بنفس معاني كل الآيات التي جاءت بعد الحروف المقطعة في السور التي افتتحت بها. مما يؤكد أن الحروف المقطعة قسم بشيء عظيم وجليل من أجل توكيد وحدانية الله وصدق الرسالة تثبيتاً لرسوله الكريم وتثبيتاً للذين آمنوا معه. ثم قال تعالى: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} (4) الشعراء  والآيات التالية تتحدث عن عناد الكفار وعدم تصديقهم لأي هدىً وذكر من الله وتوضح كيف كان صبر الله وحلمه عليهم لحين عذابهم في الوقت المحدد، والآيات هي: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ}{فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} 5-6  الشعراء. وبنفس نهج السور التي افتتحت بالحروف المقطعة سرد الله قصة سيدنا موسى وفرعون وقصة سيدنا إبراهيم مع قومه وأبيه، بعد توضيح موقف الكفار من الرسالات وعدم تصديقهم للقرآن. عليه سوف يتم تحليل القصتين لمعرفة الموضوع الذي ركزت عليه السورة.

ففي قصة سيدنا موسى كانت بدايتها حوار دار بين رب العزة وسيدنا موسى أوضحته الآيات: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}{قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ}{قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ}{وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ}{وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ}{قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ} 10-15 الشعراء. لقد أكد الله لسيدنا موسى عليه السلام سلامته هو وأخوه هارون من قوم فرعون. فبماذا كفل لهما السلامة؟ ألم يكن باستماعه لهما حيث قال لهما: “كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ” أي أن المولى عز وجل سيسمع لكل شيء لأن سمعه مطلق، وبالتالي يعلم بكل شيء. فعندما يسمع ويعلم أنهم في ضيق سيكفل لهما السلامة من فرعون وملائه. وقد أكدت ذلك آيتا السورة (61 – 65) اللتان أوضحتا أن سيدنا موسى كان واثقاً من أن الله سينجيه ومن معه حين تبعه فرعون وقومه فخاف من آمن معه فطمأنهم موسى لقوله تعالىعلى لسان رسوله الكريم وأصحابه:{فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}{قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} (61-62) الشعراء. وبالفعل خاطب الله سيدنا موسى ووجهه بأن يضرب البحر بعصاه. فانفلق البحر وسلم رسول الله وقومه من فرعون وأتباعه الكافرين لما ورد في الآيتين:{ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}{وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ}{وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ}{ثمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ}63-66 الشعراء  إن التركيز في هذه القصة كان على أهمية السمع للسلامة والنجاة. حيث كان الله مستمعاً لما يدور بين سيدنا موسى وأخيه هارون وبين وفرعون وقومه فنجى الله رسله  تماماً  كما نجا النمل من سيدنا سليمان عندما سمع قول النملة. ولله المثل الأعلى. وفي ذلك إشارة لمقدرة الله المطلقة وهيمنته على كل شيء. بذا تستنبط الأسماء الآتية المكونة من الحروف طسم على وزن البسملة، والتي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها لرسوله. وهي:(الله اللطيف السميع)، (الله اللطيف السلام) و(الله السميع السلام) و(الله السميع المقتدر) و(الله السلام المنتقم) أو أن يكون الله قد أقسم باسم واحد مكون من تلك الأسماء مثل (الله اللطيف السميع السلام المقتدر المنتقم) وهو اسم صفة المفاضلة الذي يعني أن الله خير من يكفل النجاة والسلامة وأقدر القادرين على الانتقام والله أعلم.. وثانياً توضح قصة سيدنا إبراهيم مع أبيه وقومه الآيات:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ}{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ}{قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ}{قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ}{أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ}69-73 الشعراء. فالحوار الذي دار بين سيدنا إبراهيم وأبيه وقومه يؤكد أن السمع هو الأداة التي عن طريقها إما ينتفع المرء أو يتضرر. فمن يستمع للهدى ويعبد الله وحده ويتضرع إليه بالدعاء والخوف من عذابه يستمع الله إليه وينجيه من عذابه. أما من يعبد غير الله لن ينجو من عذاب الله لأن الذي يملك السمع المطلق هو الله وحده وهو وحده المقتدر على نجاة المؤمنين الذين يدعوه، وأنه وحده المقتدر على الانتقام من الكفار الذين يدعون غيره. ومن هذا الحوار تستنبط نفس الأسماء التي استنبطت من قصة سيدنا موسى وأخيه هارون مع فرعون وقومه. والأسماء هي:(الله اللطيف السميع السلام) و(الله المقتدر المنتقم) أو أن يكون الله قد أقسم باسم واحد مكون من تلك الأسماء مثل (الله اللطيف السميع السلام المقتدر المنتقم)

واسم السورة “الشعراء” له صلة واضحة بالمعنى الذي ركزت عليه السورة. حيث أن الشعراء يستمع إليهم الغاوون فيتبعونهم. فالسمع إما أن يذهب بأهله للهلاك حسب المستمع إليه، وإما أن يذهب بهم للنجاة والسلامة من الهلاك.  فمن يستمع لكتاب الله ورسوله سلم ونجا من العذاب ومن استمع لغيره هلك ووقع في العذاب. وبنفس الطريقة يتم تحليل سورة القصص. لقد تلت الآيتان:{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}{نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} 2-3 الحروف “طسم”. وهما تشيران إلى أن الله قد خفف بهما على رسوله لما كان يشعر به من ألم وضيق لعدم تصديق بعض قومه لرسالته.  فبعد أن أقسم الله له أن الآيات هي آيات الكتاب الواضح الذي هو منزل من عنده هدىً للناس،  بدأ يسرد له قصة سيدنا موسى وفرعون.  وأول ما جاء في قصة موسى عليه السلام هو استماع أم موسى لأمر ربها وطاعته فسلم ابنها من فرعون كما في الآيتين: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ}{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ

فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} (7-8) القصص. ولكن الله أرجع موسى لأمه كما في الآية: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}13 القصص.  ثم بينت القصة بعد ذلك كيف أسمع سيدنا موسى خوفه من ربه لأنه ظلم نفسه، وكيف أن الله قد غفر له. لقوله تعالى على لسان سيدنا موسى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم}16 القصص  فهذه الآية توكيد إلى أن الله قد سمع دعاء سيدنا موسى فاستجاب له. أما الآية: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (21) القصص التي توضح أن سيدنا موسى قد استمع للرجل الذي جاء من أقصى المدينة ونصحه بأن يخرج من المدينة لأن القوم يأتمرون به أن يقتلوه. فخرج سيدنا موسى من المدينة وهو خائف يترقب. ولكنه عندما أسمع ربه خوفه من القوم وأنه لجأ لخير المنجينقَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” سمع الله دعاءه ونجاه منهم. ثم واصلت سورة القصص سرد قصص الأمم السابقة في الآيات الآتية: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ}{وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ}53-55 القصص.  والآية التالية أكثر توضيحاً لأهمية السمع: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ} (71) القصص

     عليه تكون خلاصة آيات سورتي الشعراء والقصص كالآتي: أن من أسمع الله خوفه من عذابه وغضبه وأسمعه حبه والإيمان والخضوع له، ضمن النجاة من النار وسلم منها وضمن الراحة الأبدية في الجنة. ومن أسمعه معصيته وعدم الخوف منه، لم ولن ينج من انتقام الله بالخلود في النار. لذا احسب أن الأسماء التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها في بداية سورة القصص هي نفس الأسماء التي استنبطت من آيات سورة الشعراء وهي:(الله اللطيف السميع السلام) و(الله المقتدر المنتقم) أو أن يكون الله قد أقسم باسم واحد مكون من تلك الأسماء مثل (الله اللطيف السميع السلام المقتدر المنتقم) الذي هو اسم صفة المفاضلة الله ألطف اللطيفين وخير السامعين وأحسن المنجين من العذاب. فالميم إذاً هي مفتاح الاسم ” الله المقتدر المنتقم” في هاتين السورتين. حيث تبلورت فيهما مقدرة الله على الانتقام من الأمم التي أرهقت كاهل رسلها ولم تستمع لرسالاتهم. فركزت آيات السورتين على حاسة السمع وأثرها في السلم والنجاة من الهلاك. وبالرغم من تركيز السور على توكيد لطف الله وسمعه وسلمه إلا أنها احتوت كسابقاتها على كل ما ورد في تفصيل سور القرآن أي ما ورد في سورة هود.وأخيراً  يتم التفكر في البحث عن مدلول الحروف الرباعية وهي: “المر” و”المص”. فإذا بحثنا في أسماء الله الحسنى التي أعلمنا الله بها في كتابه لا نجد اسماً مفتاحه الحروف “المر”. ولكن إذا تم فصل هذه الحروف نجدها تجمع بين الحروف “الم” و”الر” المذكورات سابقاً. فأحسب أنها جاءت بهذه الصورة لأن الألف واللام مشتركة. أي أنها حروف لتكوين أسماء الله الحسنى التي تدل على ملكه المطلق لهذا الكون ومقدرته على كل شيء وفي نفس الوقت أنه أرحم الراحمين. فهي إذاً الصفات التي لا يكافئ فيها الله مخلوق. فيتضح من الآيتين: {المر، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}{اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}(1-2) الرعد، أن الكفار قد شكوا في أن الرحمة “أي آيات الكتاب” قد أنزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم من رب العالمين. فأقسم الله تصديقاً وتثبيتاً وتخفيفاً لرسوله الكريم وتثبيتاً أيضاً للذين آمنوا معه أن الكتاب قد أنزل من عنده بالحق. ثم ركزت الآيات بعد ذلك على كل ما يدل على مقدرة الله المطلقة على الخلق وعلى كل ما في هذا الكون من نعم للعباد. فأوضحت الآيات خلقه للسموات والأرض وأنه الملك على عرشه وكيف أنه سخر الشمس والقمر لأجل مسمى. فهو الملك الذي له ميقات يوم معلوم لنهاية مخلوقاته كالشمس والقمر والليل والنهار. ثم أوضح الله بعد ذلك أنه هو الذي جعل في الأرض جنات من أعناب وزرع ونخيل ..وكل الخيرات والنعم التي في الأرض كما في الآيات:{وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} {وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَات ٌوَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُل إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} 3-4) الرعد. وبالرغم من كل هذه النعم التي أوضحها تفسير الآيات “3-4” الآتي، أنكر الكفار آيات الكتاب لشكهم في مقدرة الله على البعث ولقائه. ونتيجة لاستنكارهم هذا استعجلوا الرسول صلى الله عليه وسلم يوم حسابهم لعدم تصديقهم به وعدم توحيد الله. والآية التالية تنص على ذلك:{وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ}{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ}(5-6) الرعد. كما إنها تنص على أن الله ذو مغفرة وفي نفس الوقت ذو انتقام.  فسورة الرعد جاءت مزيجاً من طابع السور التي ابتدأت بها (الم) وهو المقدرة المطلقة ومن تلك السور التي ابتدأت بها (الر) التي طابعها الرحمة. والآيات التالية هي توكيد للمعنى الذي ركزت عليه السورة وهو أن بالرعد قوة تخيف الناس ومنه رزق ورحمة يطمع فيهما الناس! والآيات هي: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ}{وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} (12-13) الرعد. فمن هذه الآيات يستنبط أن الله قد أقسم بأسماء صفاته التي لا يكافئه فيها أحد أي أنه لا يوجد أقدر منه على الانتقام ولا أرحم منه.  وأسماء صفته المستنبطة من الآيات والتي على وزن البسملة ومكونة من الحروف المر هي: (الله المقتدر المنتقم) و( الله الرشيد الرحيم).  عليه أحسب أن الله قد أقسم بهذين الاسمين أو أقسم باسم واحد هو (الله المقتدر المنتقم الرشيد الرحيم).  وبنفس المعنى جاءت الحروف “المص” أي مزيج من معاني الحروف السابقة الذكر. فقد سبق ذكر أسماء الله الحسنى التي مفتاحها الحروف “الم” والاسمين اللذين مفتاحهما الحرف “ص”. مما يشير إلى ان مدلول الأسماء المركبة من هذه الأسماء المختلفة هي أسماء ملك ومقدرة مطلقة مع الوحدانية الحق والصبر المطلق الذي لا حدود له. ولكننا نجد في نفس الوقت أن الحروف “المص” هي مفتاح الاسم المصور. وتحليل السورة التي افتتحت بها تلك الحروف هو الذي سيقود إلى معرفة المقصود بالحروف هل هو الاسم المصورأم المزيج من الحروف. إن سورة الأعراف هي السورة الوحيدة التي افتتحت بالحروف ” المص”. والآيات الأوائل منها هي: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}{اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}(2-3) الأعراف. هذه الآيات فيها مواساة للرسول صلى الله عليه وسلم حتى لا يضيق صدره من الكفار والمنافقين لعدم تصديقهم لدعوته. وأن الكتاب قد أنزل أساساً هدىً ورحمة للمؤمنين. فيستنبط أن الله قد أقسم بأسماء صفاته التي لا يكافئه فيها أحد والمكونة من الحروف “المص” أن الكتاب قد أنزل بالحق على رسوله. لقد احتوت السورة كسابقاتها على قصتين: قصة أبينا آدم وإبليس وقصة أصحاب السبت. ومن أجل معرفة الموضوع الذي ركزت عليه السورة لاستنباط الأسماء التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها يتم تحليل هاتين القصتين.فقد سرد علينا المولى عزّ وجل القصة التالية:{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ}{قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }{قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ}{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}{ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}{قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} 10-18 الأعراف.    لقد بدأت هذه القصة بالحديث عن تكريم أبينا آدم وتصويره وسجود الملائكة له إلا إبليس الذي عصى ربه ورفض السجود لأبينا آدم فطرد من الجنة. ثم أوضحت بعد ذلك الحوار الذي دار بين المولى عز وجل وبين إبليس اللعين الذي كان نهايته طرده من الجنة وتوعده لربه بأن يغوي بني آدم لأنهم السبب في إغوائه. ثم جاءت الآية التالية موضحة تكريم أبوينا آدم وحواء بالجنة ونعيمها وهي: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}(19)الأعراف. وبعد دخول أبوينا الجنة بدأت قصتهما مع إبليس حيث فتنهما بارتكاب معصية ربهما كما أوضحته الآيات التالية:{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}{وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}{فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ}{قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}{قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} (20-24) الأعراف. لقد أخبرنا الله أن أبوينا قد اتبعا إبليس عدوهما وعدو الله فأكلا من الشجرة فكانت عاقبة أمرهما خسرا كما أوضحته الآية التالية: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (22) الأعراف   فما يستفاد من هذه القصة هو: أن الله الواحد الأحد الذي هو أقدر المقتدرين على خلق البشر وتصويرهم كيف يشاء هو أصبر الصابرين على جحودهم لنعمه وعصيانه وطاعة غيره. ومن مغزى هذه القصة يستنبط اسم صفة المفاضلة “الله الملك الصمد المصور الصبور” المكون من الحروف “المص” على وزن البسملة. أي أنه الملك الذي لم يلد ولم يولد وهو أصبر الصابرين على خلقه الذين صورهم فعصوه والله أعلم. وأصحاب السبت هم الذين ابتلاهم الله بأن لا يصطادون الحيتان يوم السبت. فكانت تأتيهم حيتانهم يوم يسبتون ويوم لا يسبتون لا تأتيهم. والقصة تسردها الآية التالية:{واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}163 الأعراف. هذه القصة تحكي عن فريق من القرية قد اعتدى على حدود الله وتحايل على صيد الحيتان يوم السبت بأن حفروا حفرة تأتي فيها الحيتان وهو فريق الكفار”الظالم لنفسه”. ونصحهم فريق من أهل القرية أيضاً بأن لا يصطادوا السمك يوم السبت لأن فيه اعتداء على حدود الله، وهو الفريق ” الذي أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر” أي فريق المؤمنين “السابق للخيرات”. أما الفريق الذي “لم يعتد ولم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر” فهو فريق الأعراف الذي لم يكتسب حسنة عن طريق النصح ولم يرتكب ذنباً بالصيد. فلم يزد حسنة ولم يكسب سيئة. لقد جاء الحوار التالي بين “الذين نصحوا المعتدين” وبين “الذين لم يصطادوا ولم ينصحوا” وهو: {وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (164) الأعراف. وما يستفاد من هذه القصة هو: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤديان للتقوى ويكسبان المؤمن درجة. والآيات التالية توضح موقف كل فريق: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ }{فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ } {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}(165-167) الأعراف  ومما يستفاد من هذه القصة أيضاً هو أن الله الذي صور البشر وأنعم عليهم بنعمه سيصبر على الذين اتبعوا ابليس وتعدوا حدوده وعصوا أمره وهو أصبر الصابرين عليهم وأقدر المقتدرين على الانتقام منهم. وإذا تفكرنا في نهاية الآية 167 هي صفات الله التي لا يكافئه فيها أحد. فمنها يمكن الوصول لأسماء نفس الصفات المكونة من الحروف “المص” وهي “الله الملك الصمد ” و”الله المصور الصبور” أو (الله المنتقم الصبور). كما إن اسم السورة الأعراف والآيات التي وردت في السورة يدلون على أن القسم كان بمقدرة الله المطلقة على تصوير البشر وتكريمهم ثم بعد ذلك كله يصبر على معصيتهم وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أي أنه ذو مقدرة على عقابهم وذو مقدرة على الصبر عليهم وعلى رحمة المتقين منهم . والله أعلم.

 

وبهذا نكون قد أثبتنا أن الحروف المقطعة هي حروف تكونت منها أسماءالله الحسنى على وزن البسملة وقد أقسم الله بها لتثبيت رسوله والذين آمنوا معه . كما أثبتنا أن الحروف من متشابهات أخبار الوحدانية ولهذا كن متشابهات في المعنى مع اختلافهن وبالله التوفيق والله أعلم من قبل ومن بعد

 

تابع لمدلول الحروف المقطعة في بداية السور

بسم الله الرحمن الرحيم

  بعد أن تم استنباط الحروف “الم” و”الر” نستنبط بنفس الطريقة مدلول الحروف”كهيعص”. إن الأسماء التي مفتاحها الحروف (كهيعص) كالآتي: الكاف مفتاح الاسمين:الكريم والكبير.الهاء مفتاح الاسم:الهادي. العين مفتاح الأسماء التالية:العزيز،العليم،العظيم، العدل، العلي. الصاد مفتاح الاسمين: الصمد، الصبور.أما حرف الياء فهو الحرف الوحيد الذي لم يفتتح به اسم من أسماء الله الحسنى التي نعلمها. لذا فكرت في الاحتمال الآتي: وهو أن تكون الياء مفتاحاً لاسم المفاضلة الشفع “الحي القيوم” وذلك لاستخدام حرف ال”ح” في الحواميم واستخدام حرف ال”ق” في سورة الشورى والله أعلم. ومدلول هذه الحروف لا يمكن الوصول إليه إلا بعد تحليل سورة مريم التي افتتحت بها. لقد سردت سورة مريم قصتين بعد الحروف المقطعة مباشرة هما: قصة خلق سيدنا يحي وقصة خلق سيدنا عيسى. وبما أن القصص كانت الدلالة على مدلول السور في الحروف “الم” و”الر”، أحسب أن تحليل القصتين سيدلنا على الموضوع الذي ركزت عليه السورة وهو بدوره سيؤدي إلى معرفة الأسماء المكونة من الحروف “كهيعص” التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها. إن قصة سيدنا يحي توضحها الآيات التالية:{ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا}{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا}{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا}{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا}{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا}{قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا}(2-9) مريم هذه القصة تشير إلى أن سبب ذكرها بعد القسم بالحروف المقطعة مباشرة هو الرد على شك الكفار في وحدانية الله وفي مقدرته على إحياء الموتى يوم البعث. فكان التركيز فيها على إظهار مقدرة الله على خلق سيدنا يحي من أبوين كبيرين في السن والأم عاقراً وهو أمر يسير وسهل عند الله ولكنه أمر صعب عند البشر. ففي هذه القصة توكيد لحقيقة أن الذي له مقدرة الخلق من عدم فيأي وقت ومهما كانت الظروف وهو الذي لم يخلق ولم يلد ولم يولد يسهل عليه إحياء الموتى بناءً على مخاطبة الله لنبيه زكريا عليه السلام قائلاً له: “وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا“. إذاً يستنبط من هذه القصة اسم صفة (الرب الكريم) الذي يتكون من الأسماء( الله الخالق البارئ المصور) الذي يعني (خلق وتعديل وتركيب كل إنسان بصورة معينه) بناءً على آيات سورة الانفطار التالية:{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}{الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}{فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ}(6-8 ) الانفطار التي جاء معناها كالآتي:(يا أيها الإنسان المنكر للبعث, ما الذي جعلك تغتَرُّ بربك الجواد كثير الخير الحقيق بالشكر والطاعة, أليس هو الذي خلقك فسوَّى خلقك فعَدَلك, وركَّبك لأداء وظائفك, في أيِّ صورة شاءها خلقك؟) فالاسم “الكريم” هو اسم صفة لذات الإله لم يكافئه فيها أحد لأن الإنسان مهما بلغ من المقدرات العلمية سوف يظل قليل العلم لقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (85 ) الإسراء. من هذه الآية يتضح أن الكفار قد أنكروا مقدرة الله على إرجاع الروح للبشر بعد موتهم فسألوا عن الروح الأمر الذي أظهرالله به علمه المطلق وجهلهم فظهر لنا اسمه العليم. فالله يستنكر على الكفاراستنكارهم لعدم مقدرته على بث الروح من جديد في خلقهم بعد موتهم وهو الذي لم يلد ولم يولد وخلق الخلق أول شيءمن عدم ومن أبوين كبيرين في السن والأم عاقر ولهذا أقسم باسمه الكريم الهادي أي إنه الخلق ثم هدى وباسمه الصمد الصبورالذييصبرعلى إنكارخلقه على مقدرته. واصلت آيات سورة مريم الأخبار عن سيدنا يحي في الآية:{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}(12)مريم فأخبرت أن الله قد أعطى سيدنا يحي الحكم والعلم وهداه لأن يأخذ الكتاب بقوة والكتاب هو العلم لقوله تعالى: “خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا“. وبالتالي يستنبط الاسمالله الكريم الهادي العليم الصمد الصبور” والذي هو اسم صفة المفاضلة المكونة من الحروف “كهيعص”. وآيات قصة خلق سيدنا عيسى:{فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا}{قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا}{قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا}{قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا}{قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا}(17-22) مريم.توضح معجزة الله في الكون ومقدرته المطلقة على خلق البشر وتصويرهم بطرق مختلفة. ولما أنكر عليها قومها بيّن الله لهم معجزته ومقدرته ومشيئته في ذلك بأن جعل سيدنا عيسى يخاطبهم وهو في المهد لما ورد في الآيات:{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا}{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}{وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}{وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا}(29-33) مريم.  ونتيجة لذلك وصف الكفار سيدنا عيسى بأنه ابن الله لكفرهم وجهلهم وشكهم في وحدانيته.لهذا خاطب الله المشركين بقوله:{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ}{مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} (34-35) مريم، مؤكداً لهم أنه هو الواحد الأحد الذي لم يتخذ ولداً وإنما كان خلق عيسى ابن مريم بهذه الصورة أمراً مكتوباً ومقدراً من قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنه. من هذه الآيات يتضح أن تركيز السورة كان على وحدانية الله الذي لم يلد ولم يولد وهو الذي خلق البشر بصور مختلفة. ولهذا يمكن استنباط الاسمين الكريم والصمد. أي أنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد وهو الذي خلق البشر كلهم وجعلهم يلدون ويتوالدون. وأحسب أن معنى الآية:{لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}(4) الزمر يقود إلى السؤال الآتي: إن أراد الله أن يتخذ له ولداً، فلماذا يخلق أبناءه بشراً عاديين كسيدنا عيسى وله كل المقدرات على خلق البشر بكل الطرق؟ فالله إن أراد أن يكون له أولاداً لاصطفي له أولاداً لم يكن لهم مثيل في هذا الوجود. ثم جاءت الآية: {فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (37) مريم. هذه الآية تؤكد وتبرهن أن آيات السورة تدور حول توكيد وحدانية المولى بنفي إدعاء الكفار أنه اتخذ ولداً.  وأخيراً سردت آيات سورة مريم قصة سيدنا إبراهيم مع أبيه عندما دعاه للإسلام وهي:{يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً}{يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً }43- 44 مريم. ولما وجد سيدنا إبراهيم رفض دعوته من أبيه وإنذاره بالرجم كما في الآية: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً}46 مريم. اعتزل أهله ووالده وآثر عليهم دعاء ربه كما في الآية:{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً } 48 مريم ولما فارقهم وآلهتهم التي يعبدونها من دون الله رزقه الله من الولد: إسحاق, ويعقوب بن إسحاق, وجعلهما نبيَّين، كما أوضحته الآية: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً}49 مريم. هذه الآية توضح أيضاً أن الله يرزق الأبناء ويصورهم لرسله العابدين الذين هجروا أهلهم ووالديهم من أجل توحيد الله ودعائه. فلا يقف في طريقه ما يعوق تصوير الأبناء لهم مهما بلغت بهم الظروف التي في منظور البشر لا يمكن أن يكون لهم بها ولد. حيث أوضحت الآيات أن السيدة سارة زوجة سيدنا إبراهيم، امرأة عجوز لا تلد فبشرتها الملائكة بغلام فتعجبت ولا ينبغي لها أن تعجب من أمرالله والآيات هي:{قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ}(72) هود. ثم تحدثت آيات سورة مريم عن استنكار الكفار ليوم البعث بعد سرد القصص التي أوضحت مقدرة الله على تصوير البشر بطرق مختلفة وفي أي وقت شاء كما يلي:{وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} {وَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئاً} 66- 67 مريم. أما الآيتان:{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً}{أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}77-78مريم فتخبران عن أن الله وحده الذي يعلم الغيب ومعناهما2: (أعَلِمْت – أيها الرسول – وعجبت من هذا الكافر “العاص بن وائل” وأمثاله؟ إذ بآيات الله وكذَّب بها وقال: لأعطينَّ في الآخرة أموالا وأولادًا. أطَّلَع الغيب, فرأى أن له مالا وولدًا, أم له عند الله عهد بذلك؟)  وخلاصة هاتين الآيتين هي الاسم “الله عالم الغيب والشهادة العليم”. ومن الآية التي جاء فيها استنكار من الله وهي:{وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} (81) مريم  الذي يعني:  كيف يشرك بالله حين التمس الكفار العزة من آلهة من دونه والعزة لله جميعاً! وقد ورد في هذا المعنى أيضاً الآية: (ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً) 139 النساء.ففي حقيقة أن (العزة لله جميعاً) توضيح لصفة المفاضلة “أعز العزيزين” التي اسمها “الله العزيز الحكيم” كما جاء في صحيح بخاري. وأخيراً جاءت الآية: {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا}(84) مريم التي تحث الرسول صلى الله عليه وسلم على الصبر على الكفار مما يشير إلى اسم الصفة  الصبور”.لقد أظهرت آيات سورة مريم صفات الله المتفرد بها وهي: العزيز والعليم والعظيم والكريم والهادي والصمد والصبور… الخ فكان مدلول السورة هو نفس مدلول الأسماء التي مفتاحها الحروف “كهيعص“. لذا يمكن القول بأن أسماء صفات الله المتفرد بها والمكونة من الحروف المقطعة “كهيعص” على وزن {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، والتي يمكن أن يكون الله قد اقسم بها هي:( الله الكريم الهادي)، (الله الحي القيوم )،(الله عالم الغيب والشهادة العزيز العليم)،” و”الله الصمد الصبور”. أو أن يكون القسم باسم واحد هو: (الله “الكريم الهادي”، “الحي القيوم”،  “عالم الغيب والشهادة العزيز العليم” “الصمد الصبور”) وهنا تم استناط الحي القيوم ليكون المقصود به من الياء المتوسطة الحروفنسبة لأن الحاء لها مدلول آخرفي الحواميم وق لها مدلول آخر ولهذا كان الحرف الثاني هو الياء في الاسم الشفع الحي القيوم والله أعلم.بذا يكون الله قد أقسم باسماء مقدرته التي توضح أنه هو الذي خلق ثم هدى وهو القائم على شئون هذا الكون لا تأخذه سنة ولانوم وهو أعز العزيزن وأعلمهم لعلمه بالغيب وهو وحده الذي ليس له والد ولاولد ومع كل ذلك هو أصبر الصابرين على الذين ينكرون وحدانيته ومقدراته والله أعلم. وبعد أن استنبطنا معنى مدلول الحروف “كهيعص” . نبحث مدلول الحروف الفردية”ص”، “ق”و”ن”. إن الحرف(ص) هو مفتاح الاسمين الصمد والصبور اللذين لا تجمعهما صفة محددة حتى نتعرف على ملامحهما. وقد ابتدأت سورة واحدة بهذا الحرف وسميت به، أي أن اسم السورة هو “ص”. بذا أحسب أن تحليل السورة سيساعد على الوصول لمدلول الاسمين الصمد والصبور ومدلول السورة. إن آيات السورة الأولى:{ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ}{بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ}{كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ}{وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}{وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ}{مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ} (1-7) ص. لقد تحدثت هذه الآيات عن إنكار الكفار للقرآن لشكهم في أن تكون الرسالة قد أنزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم من بينهم فكذبوه ووصفوه بأنه ساحر مما جعلهم يعلنون صبرهم على آلهتهم المتعددة  منكرين بذلك وجود إله واحد كما أخبرت عنه الآية التالية:{ أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} (8) ص.فيستنبط من ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد أقسم باسم صفة وحدانيته التي لا يكافئه فيها أحد وهي”أصبر الصابرين”عليهم لتسلية رسوله وتثبيته وتثبيت المؤمنين معه. بذا يمكن أن يكون اسم الصفة الذي أقسم الله به هو: “الله الصمد الصبور”. ولهذا تطابق مدلول اسم المفاضلة (أصبر الصابرين ) المكون من الحرف “ص” مع اسم السورة التي افتتح بها. وتطابق معهما أيضاً مدلول السورة. حيث أن المحور التي تدور حوله آيات سورة ص هو مقارعة صبر الكفار على آلهتهم المتعددة بصبر الله الواحد الأحد على الذين كذبوا الرسالة المحمدية.  وقد كان تركيزها على صبر الأنبياء والرسل على الأذى وكيف نصرهم الله. وسرد قصص صبرهم على النبي ليوضح له أن حاله هو حال جميع الرسل من قبله فذكر الله له صبر سيدنا أيوب في الآيات:{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}{ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}{وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ}{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} (41-44) ص. ثم ختم الله سبحانه وتعالى السورة بالآيات التالية التي حثت الرسول صلى الله عليه وسلم على الصبر وهي: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ}{إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}{وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ}(86-88) ص. إذاً أقسم الله لرسوله بأسم المفاضلة “الله الصمد الصبور” الذي يوضح إنه الواحد الأحد أصبر الصابرين على الكفار تثبيتاً وتسليةً لرسوله صلى الله عليه وسلم. فمحتوى الصورة والحرف التيابتدئت به كانا دلالة على الاسم الذي أقسم الله به والله  أعلم. والحرف (ق) هو مفتاح لعدد من الأسماء هي: القدوس القادر القوي القيوم القهار القابض القدير. وكلها أسماء تدل على أسماء صفات كمال الله من كل نقص وقدرته على كل شيء  وقهره لعباده. وقد افتتحت سورة واحدة بهذا الحرف وسميت سورة “ق”. وبنفس طريقة سورة (ص) وردت سورة (ق) حيث جاءت آياتها الأول كما يلي:{ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}{بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ}{أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}{قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}{بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ}(1-5)ق. فيا سبحان الله! لقد أقسم الله بأسمائه التي تدل على أنه لا يكافئه مخلوق في القدرة فلا يستحيل عليه شيء. كما أقسم بالقرآن العظيم ليدحض به للرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه حجة الكفار الواهية، حيث كانت حجتهم عدم مقدرة الله على إرجاع الخلق بعد أن يكونوا عظاماً. وهذه الحجة كانت سبب تعجبهم وشكهم في القرآن ومن أرسلت إليه. والآية التالية هي تلخيص أيضاً لموضوع الرسالة الذي تحدثت عنه السور السابقة وهي:{أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ }(15) ق. عليه يستنبط أن الأسماء المكونة من الحرف “ق” على وزن البسملة وأن يكون الله قد أقسم بها هي: (الله القادر القدير) و (الله القدوس القهار) الخ ويمكن أن يكون اسم واحد هو (الله القدوس القيوم القوي القهار القادر القدير) والله أعلم. إن الحرف (ن) هو مفتاح الاسمين(النور) و(النافع). فملامحهما هو العلم والهدى وقد افتتحت سورة واحدة بهذا الحرف وسميت به كسورتي “ص” و “ق” يتضح من الآيات الأوائل التي جاءت بعد القسم بالحرف “ن” أن الكفار قد شكوا في سلامة عقل رسولنا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم فألحقوا به الجنون. فاقسم له ربه بأنه لم يكن بنعمة الله وهي الرسالة مجنوناً بل هو على خلق عظيم وأنه سينال الأجر الدائم الباقي الذي لا ينقص ولا ينقطع. والآيات هي:{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}{وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ}{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}1-4 القلم. ففي هذه السورة أقسم الله باسم صفته الذي مفتاحه الحرف “ن” وأكد القسم الأول  بقسم آخر وهو القسم بنعمة الله على رسوله وهي الهدى الذي أنزل عليه “مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ”. وبما أن القسم الثاني توكيد للقسم الأول فهذا يعني أن القسم الأول يشبه القسم الثاني في المعنى. ولهذا أحسب أن الله قد أقسم باسمه “الله النور النافع” الذي يعني أنه الأهدى الذي يهدي ولا يُهدى ليؤكد لرسوله الكريم عظمة الهدى والعلم اللذان أرسلهما لخلقه نوراً نافعاً وقد سطره بالقلم الذي أقسم به أيضاً في الكتاب الذي أنزل عليه. والآيتان التاليتان قد أخبرتا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سيأتي يوم يعلم فيه الكفار من هو المجنون وهي:{فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ}{بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ }(5-6) القلم. والآيات التالية تؤكد أيضاً أن محور السورة هو جهل الكفار بنفع النور الذي أنزل عليهم، الأمر الذي جعل الله يسأل الكفار والمنافقين سؤالاً استنكر فيه سبب رفضهم للكتاب بالآيتين:{أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا يَتَخَيَّرُونَ}(37-38)القلم. ثم جاءت الآية:{فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُون44

القلم، موضحة نفع القرآن حيث انه ينجي صاحبه من الانتقام ومن غضب الله وعذابه ويساعده على نيل النعيم في الآخرة.  والآيات التالية تتحدث أيضاً عن الكتاب وغفلة الكفار عنه واتهام الرسول الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام بأنه مجنون. وهي:{وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ}{وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}(51-52) القلم. فكل آيات سورة القلم تشير إلى أن الله قد أقسم باسم صفته التي لا يكافئه فيها أحد وهو”الله النور النافع“. ومن هنا يمكن القول بإن السور الثلاث: “ص”، “ق” و “ن” قد جئن مؤكدات لوحدانية الله وأن رسالاته لخلقه هي الحق وهي النعمة الكبرى. كما جئن مؤكدات لملك الله لكل شيء، ومقدرته على عذاب الكافرين. وهنالك وجه شبه بينهن وهو أن كل واحدة منهن قد افتتحت بحرف واحد وسميت به. وبالرغم من اختلاف الحروف والأسماء المكونة منها إلا أن موضوع كل السور ومدلولهن واحد. والله أعلم

تابع لمدلول الحروف المقطعة في بداية السور

بسم الله الرحمن الرحيم

وعندما نتبع نفس المنهج المتبع في البحث عن الحروف “ألم” نجد أن الحروف ( الر) مفتاحاً لسبعة أسماء من أسماء الله الحسنى هي: الرحمن، الرحيم، الرشيد، الرافع، الرءوف، الرقيب والرازق. وإذا تأملنا في هذه الأسماء نجد أن مدلولها هو “الرحمة والفضل”.وقد ابتدأت خمس سور بالحروف “الر” وهي: يونس، هود، يوسف، إبراهيم، والحجر. أربعة منها سميت بأسماء بعض الرسل الأبرار عليهم السلام. أما الخامسة فقد سميت بالحجر وأصحاب الحجر هم ثمود الذين كذبوا صالحاً نبيهم عليه السلام. فما هي الصلة التي تربط بين هذه السور وبين الحروف المقطعة “الر”؟ وما هي الأسماء التي على نهج {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وافتتحت بها السور الخمس؟ لقد علمنا من نتائج تحليل السور التي افتتحت بها الحروف “الم”، أن الآيات التي تلي الحروف تشير إلى إنكار الكفار والمنافقين للرسالة أولاً، وتشير هي وأسماء السور إلى الموضوع الذي ركزت عليه السورة ثانياً والذي بدوره يشير إلى أسماء صفات الله التي أقسم بها. وهذا الامر لم يختلف في السورالمبتدئة بالحروف “الر” حيث جاءت آية سورة يونس التالية مباشرة بعد الحروف “الر” وهي: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ}(2) يونس. فيستنتج منها أن الكفار قد شكوا في أن يكون سيدنا محمداً رسول من عند الله ولهذا وصفوه بأنه ساحر. كما تشير الآية “2” إلى تنكر الكفار لرحمة الله ونعمة. لذا ركزت معظم آيات سورة يونس على رحمة الله الواسعة ورزقه حيث حاج الله بها عباده بذكر نعمه التي يشهدون له بها لما ورد في الآية:{قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْر فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون} (31) يونس ولهذا يتعجب المولى لتنكرهم لنعمة إنزال الهدى إليهم عن طريق رجل من بينهم. فمن هذه الآية ومعناها يستنبط الاسم “الله الرحيم الرازق”. والآية التالية توضح تفرده بإنزال نعمة الهدى:{قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}(35) يونس. وجاءت الآية:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}(45) يونس موضحة أن تنكر الكفار لرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم سببه شكهم في أن تكون رحمة للعباد وأنهم سيلاقون ربهم ويحاسبهم على أعمالهم. ومن هذه الآيات يستنتج الاسمان “الله الرحيم الرشيد” و”الله الرشيد الرقيب”. والآيات الآتية توضح أن هداية الله هي الرحمة كل الرحمة وكل الفضل وهي: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }{قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}{قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ}{وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ}(57-60) يونس. نلاحظ أن الأربع آيات قد ركزت على توضيح رحمة الله وفضله على عباده بتنزيل الهدى والرشد والرزق. فمنهن يستنبط الاسمان:” الله الرحيم الرازقو”الله الرشيد الرقيب” أما الآية التالية فقد أخبرت أن الأقدار خيرها وشرها من عند الله. وأن من يعطه الله من فضله فلا أحد يستطيع أن يرده منه. وأن من يصيبه بضر فلا أحد كاشف له إلا هو، والآية هي: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(107) يونس التي أكدت نهايتها عفو الله وغفرانه ورحمته بقوله تعالى: “وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” هذه الآية تشير إلى الاسم “الله الرءوف الرحيم” أي أنه وحده الرءوف على عباده الرحيم عليهم فيكشف ضرهم وهو وحده الذي يديم عليهم نعمه، ولا يستطيع غيره فعل ذلك.  فمن كل الآيات المذكورة يمكن استنباط أسماء الله الحسنى المكونة من الحروف ” الر” على وزن {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها وهي: ( الله الرحيم الرازق )، ( الله الرشيد الرقيب) و(الله الرءوف الرحيم). وربما أقسم الله بواحد أو اثنين من الأسماء التي مفتاحها الحروف “الر” وربما أقسم بهن جميعاً في اسم واحد كالآتي: الله الرحيم الرازق الرشيد الرقيب الرءوف الرحيم “. واسم السورة “يونس”هو اسم أحد الرسل الذين تغمدهم الله بواسع رحمته وتولى أمرهم عندما كان ببطن الحوت. فاسم السورة وأسماء الصفات التي مفتاحها الحروف (الر) ومحتوى السورة كان مدلولهم رحمة الله الواسعة ونعمه على عبادة التي أولها تنزيل الهدى والله أعلم. وفي سورة هود نجد أن الآيات التي وردت بعد الحروف المقطعة “الر” .  توضح أن الله سيعطي المؤمنين من فضله وسيعذب الكافرين. وبالرغم من أن الهدى قد أنزل ليبشرهم بالخيرات، إلا أنهم استغشوا ثيابهم وصدوا عنه. وهي:{ الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}{ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ }{ وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}{ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}1-4 هود. إن الاسم “هود” الذي سميت به السورة هو اسم رسول من الذين أرسلوا بالهدى رحمة لأممهم. فالرسول وما أنزل عليه من الهدى، هما أكبر رحمة وفضل من الله على خلقه، كما أوضح لهم نعمه عليهم  في الآية:( وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) (6) هود. ثم أخبرنا الله سبحانه وتعالى أن الاستغفار الذي يصد عنه المجرمون هو سبب الرحمة والرزق وكل النعم لما في الآية: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} (52) هود.  والآية التالية تؤكد عظمة الاستغفار:{وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} (90) هود.  ففي الآية إثبات صفة الرحمة والمودة والمغفرة لله تعالى كما يليق به سبحانه. لهذا أوضح الله في هذه السورة قصص رسله وما وجدوه من عذاب من الكفار هم والذين آمنوا معهم. ثم أوضح كيف كانت رحمة الله عليهم بأن أنجاهم وأهلك أعداءهم. وبالتالي جاءت ملامح سورة هود مطابقة لملامح سورة يونس. حيث استنبط منها نفس أسماء صفات رحمة الله المطلقة التي مفتاحها “الر” وهي (الله الرحيم الرازق) و(الله الرءوف الرحيم) و(الله الرشيد الرقيب) أو أن يكون القسم باسم يجمع هذه الأسماء هو(الله الرحمن الرازق الرءوف الرحيم الرشيد الرقيب).فسرد قصص الرسل وتوضيح رحمة الله وفضله سببه تثبيت الرسول والذين آمنوا معه لقوله تعالى:{ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ }120 هود. وبالتمعن في أول الآيات التي وردت في سورة يوسف:{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}(1-3) يوسف نجدها تحتوي على نفس معاني كل السور التي افتتحت بالحروف المقطعة “الر”. حيث إنكار الكفار للكتاب وضيق صدر الرسول  مما جعل الله يقسم له بأسمائه التي لا يكافئه فيها أحد أن الآيات هي آيات الكتاب الحق والتي هي رحمة ونعمة ورشد لهم. وأوضح له أن رسالاته هي نعمة على الرسل أيضاً بالرغم مما لاقوه من عناء لما ورد في الآية من نعمة على سيدنا يوسف: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(6) يوسف. فنعمة الله ورحمته وفضله على رسله هي النبوة والرسالة كما أوضحت القصة أن إخوة يوسف قد كادوا له وقرروا أن يقتلوه حتى يخلو لهم وجه أبيهم. وقد جاء في الآيتين:{وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (21-22) يوسف ما يشير إلى الاسمين “الله الرشيد الرقيب ” و”الله الرءوف الرحيم. أما الآية التالية فهي توكيد لرحمة الله على صفيه يوسف:{وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (56) يوسف. وفي الآية التالية: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}(76) يوسف، جاء معنى قوله” نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء” بالآتي: أي بالعلم والإيمان. وقرئ “نرفع درجات من نشاء” بمعنى: نرفع من نشاء درجات. عليه يمكن أن يكون الاسم “الله الرحيم الرافع” من الأسماء التي أقسم الله بها. وأي رحمة ونعمة أكبر من رفع الدرجات عند الله!.وأحسب أن الآية التالية هي أعظم الآيات توضيحاً لرحمة الله. كما أن لها أبلغ الأثر والوقع في نفوس المؤمنين،. وهي:{يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ }(87) يوسف  هذه الآية تؤكد أن قطع الرجاء من رحمة الله هو جحود وتنكر لنعمه وهي صفات الكافرين.  تواصل الآيات توضيح رحمة الله المطلقة لما ورد فيها على لسان سيدنا يوسف وهو يخاطب إخوته:{قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}(92) يوسف  وكذلك كان رد سيدنا يعقوب لأبنائه حين طلبوا منه أن يغفر لهم: {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (98) يوسف. ثم أختمت السورة بالآيات التالية:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (110-111) يوسف التي لخصت كل ما ذكر في السورة من رحمة الله على رسله بعد يأسهم من أقوامهم ونصرتهم. عليه يمكن استنباط أسماء صفة الرحمة(الله الرحيم الرافع) الذي عكسته الآية (67) بالإضافة إلى الأسماء:(الله الرءوف الرحيم) و(الله الرقيب الرشيد)…الخ. وربما كان القسم باسم واحد هو: (الله الرحيم الرزّاق الرءوف الرحيم الرشيد الرقيب).وفي سورة إبراهيم جاءت أول آية في سورة إبراهيم تخبر عن أعظم رحمة وهي الهدى:{الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}(1) إبراهيم. بعد ذلك أخبر الله تعالى عن نعمه على عباده وكيف أنه يزيدهم إن شكروه:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}(6-7) إبراهيمهاتان الآيتان تؤكدان أن الله هو “الرحيم الرازق” الذي يغدق نعمه على عباده ويزيد من يشكره من فضله. وأهم نعمة هي هدايته لخلقه وإرشاده واخراجهم من الغي والضلال إلى الهدى والعلم. وكذلك الآية التالية توضح رحمة الله التي لا حصر لها على عباده:{وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (34) إبراهيم.  أما قصة سيدنا إبراهيم وترك زوجه هاجر وطفله إسماعيل في واد غير ذي ذرع هي أكبر دليل على ثقة سيدنا إبراهيم عليه السلام في ربه بأنه هو خير الرازقين. وأن الله هو الرازق للثمرات التي تستوجب شكره عليها وتوحيده لا جحودها والكفر به.  والقصة توضحها الآيات: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (37) إبراهيم. فرحمة الله على رسله في هذه القصة توضحها استجابة الله لدعوة  رسوله سيدنا إبراهيم. عليه تستنبط أسماء الصفات الله خير الرازقين وأرحم الراحمين وخير الهادين “أي الراشدين” وهي(الله الرحيم الرازق) و(الله الرءوف الرحيم) و(الله الرقيب الرشيد) وهي الأسماء التي أحسب أن القسم كان بها في بداية سورة إبراهيم. وربما كان باسم واحد يجمع كل هذه الأسماء وهو: (الله الرحيم الرازق الرءوف الرحيم الرقيب الرشيد).  إن الآية الأولى في سورة الحجر: {الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} (1) الحجر  قد أشارت إلى أن الآيات التي أنزلت هي آيات الكتاب وهي قرآن مبين. وفي ذلك إشارة إلى أن أصحاب الحجر الذين جاءتهم الآيات قد أعرضوا عنها وكذبوها. وبداية السورة واسمها كانا دلالة واضحة على رحمة الله لخلقه التي تنكر لها خلقه. فأوضحت الآيات التالية ملك الله ومقدرته المطلقة على خلق كل شيء. وكل ما خلقه في الكون هو رحمةً وفضلاً ورزقاً ونعماً على عباده. والآيات هي:{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}{وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ}{إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ}{وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ}{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}(16-22) الحجر. أما الآية التالية فهي توكيد لرحمة الله على عباده بصريح العبارة وهي:{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (49) الحجر وواصلت السورة سرد القصص بقصة سيدنا إبراهيم عندما دخلت عليه الملائكة وبشرته بغلام عليم. فاستنكر سيدنا إبراهيم أن يكون عنده غلام وقد مسه الكبر. وقد دار بينه وبين الملائكة الحوار التالي الذي أوضحه الله على لسانهم في الآيات التالية:{قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ}{قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ}{قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ}{قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ} (53-56) الحجر. هذه الآيات تكفي لاستنباط أسماء صفات الرحمة التي لا يكافئ الله فيها أحد وهي “خير الرازقين” و”أرحم الراحمين” و”خير الراشدين أي “الهادين”. وأسماء هذه الصفات هي”الله الرحيم الرازق” و”الله الرءوف الرحيم” و”الله الرشيد الرقيب” التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها أو باسم واحد يجمعها وهو(الله الرحيم الرازق الرءوف الرحيم الرقيب الرشيد). من الملاحظ أن السور التي ابتدئت ب(الم) قد احتوت على نعم الله على عباده ابتداءً بتنزيل الهدى عليهم، إلا أن التركيز كان على توكيد ملكه وحده لكل شيء و”مقدرته المطلقة” على إحياء الموتى وبداية الخلق وإعادته وتصوير البشر بشتى الطرق وإعادة الكون إليه.  أما السور التي ابتدئت بالحروف (الر)، فقد احتوت على مقدرة الله على تصوير البشر وعلى الخلق والملك ولكن كان تركيزها على توكيد رحمة الله وفضله ورزقه لعباده عامة ولرسله خاصة بنعمته عليهم ورشدهم إلى ما فيه الخير لهم. فالرسالات تعتبر أعظم نعمة إلهية ورحمة وفضل على الرسل وعلى المؤمنين. كما نلاحظ أن طابع السور المبتدئة بالحروف (الم) هو الملك والمقدرة والهيمنة. أما طابع السور المبتدئة بالحروف (الر) هو الرحمة والفضل والنعم.  وأن الأسماء التي استنتجناها لأن تكون هي القسم واحدة في كل السور التي ابتدئت بالحروف (الم)  وواحدة في كل السور المبتدئة ب(الر) والله أعلم. وبعد ذلك نبدأ بالبحث في مدلول الحروف (حم). إن الحروف “حم” هي مفتاح لاسم واحد هو “الحميد”.  ولكن عدم الرمز إلي هذا الاسم ب”الح” كالحروف “الم” و”الر” يجعلنا نفكر في احتمال آخر وهو: أن يكون كل حرف من الحرفين مفتاح لأسماء. أي أن هذين الحرفين تتكون منهما الأسماء التي تجمع بين التي مفتاحها الحرف (ح) وتلك التي مفتاحها الحرف (م). والتأكد مما ترمز إليه هذه الحروف يستدعي حصر الأسماء التي مفتاحها الحرف “ح” وتلك التي مفتاحها الحرف “م ” ومعرفة مدلول كل منها، ثم تحليل السور التي افتتحت بالحروف”حم”. فإذا تطابق مدلول السور مع الاسم الحميد وحده تكون الحروف هي مفتاح الاسم الحميد ويكون القسم به وحده. أما إذا كان مدلول السور مطابقاً لمدلول الأسماء التي مفتاحها الحرفين”ح” و”م”، سيكون القسم بتلك الأسماء. إن الأسماء التي مفتاحها الحرف (ح) هي الأسماء التي مفتاحها “الح” وهي: الحي، الحكيم، الحسيب، الحفيظ، الحليم، الحميد والحكيم. وهي أسماء تدل على صفتي الحلم والحكمة. حيث أن الحفظ والحمد مع الحساب والحكم يدلون على الحلم والحكمة. أما الأسماء التي مفتاحها الحرف “م” فهي الأسماء التي مفتاحها الحروف “الم” والتي مدلولها  الملك والمقدرة المطلقة . وقد سبق ذكرها وعددها خمسة وعشرون اسماً. فإذا جمعت الأسماء التي مفتاحها “الح” وتلك التي مفتاحها “الم” نجد مدلولها  صفتي الحلم والحكمة المطلقتين عند الملك والمقدرة المطلقة. وهي صفة وحدانية لله لا يكافئه فيها مخلوق. وقد أنزلت سبع سور مفتتحة بهذه الحروف هي: غافر، فصلت، الشورى، الزخرف، الدخان،  الجاثية  والأحقاف. واتباعاً للمنهج يتم تحليل تلك السور. إن أول ما أخبرتنا به سورة غافر بعد الحروف “حم” هو أن الكتاب منزل من “الله العزيز العليم” الذي هو غافر الذنب وقابل التوب وهو شديد العقاب وذي الطول لقوله تعالى:{حم}{تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}{غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (1-3) غافر. تتحدث الآية عن عفو الله وقبوله للتوبة وفي نفس الوقت تتحدث عن شدة عقابه مما يدل على أن الآيات تشير لحلم الله وعفوه عند المقدرة المطلقة على الانتقام والعقاب. كما ذكرت الآية الاسم “الله العزيز العليم”. وهو اسم صفة المفاضلة أعز العزيزين وجاء على وزن البسملة ومفتاحه “الع” مما يسند الاتجاه الذي سار فيه البحث.  عليه يستنتج أن اسم صفة الحلم عند الملك والمقدرة، المكون من “حم” هو (الله الحليم المنتقم). إذاً جاء الاسم مكون من أحد أسماء الحروف التي مفتاحها الحرف “ح”(الحلم والحكمة) وأحد الأسماء التي مفتاحها الحرف “م”(الملك والمقدرة).  وبذلك تكون كل الأسماء التي تتكون من الحروف (حم) هي أسماء الحلم والحكمة عند الملك والمقدرة المطلقة على الانتقام. خاصة وأن الآيات تتحدث عن أن الله بالرغم من أنه هو الحق وأن آياته قد أنزلها بالحق، إلا أن الظالمين لأنفسهم، قد كذبوه.  فأساس القسم بالأسماء المكونة من الحروف “حم” هو: مواساة الله لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وتثبيته والذين آمنوا معه بأن الكتاب منزّل من رب العزة جميعها فهو لا شك فيه. ولهذا أوضح الله لرسوله وللذين اتبعوه وصدقوه أنه حليم على الذين يجادلون في آياته وسيكون مصيرهم إلى النار لا محالة. وأن كل الأمم السابقة قد كذبت رسلها وهمت بهم. وذلك في الآيتين:{مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ}(4-6) غافر. واصلت سورة غافر في آياتها التالية الأخبار عن مدى حلم الله على الكافرين بالرغم من مقدرته على تعذيبهم. والآيات هي:{ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ}{هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ}{فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}{يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}(12-14) غافر. فمن هذه الآيات الثلاث تستنبط الأسماء: “الله الحليم المنتقم” و”الله الحكيم المقتدر” و”الله الحسيب المنتقم” و”الله الحميد المجيد”. ومعنى الآيتين:{الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}{وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}{وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 16-17 غافر. هو: إن يوم القيامة هو الميقات المحدد لحساب الناس على أعمالهم. فالله بالرغم من مقدرته على الانتقام من الكفار إلا أنه أرجأه لميقات محدد. فهو إذاً الحليم عليهم المنتقم منهم في ميقات محدد. إذاً تظهر الاسماء التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها وهي:الله الحليم المنتقم” و”الله الحسيب المقيت” والله الحكم المقسط”. وربما أقسم الله بالاسم الجامع:( الله الحكيم المقتدر، الحكم المقسط، الحليم المنتقم، الحسيب المقيت الحميد المجيد). وآيات سورة فصلت الأولى قد أخبرت أن الكتاب آياته بلغة عربية لتخبر الناس أن الله هو الإله الواحد الأحد الذي تجب عبادته وطاعته وحده. لتبشر من يؤمن به ولتنذر من لم يستجب لذلك بعذابه الشديد. والآيات هي:{حم}{تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}{بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}{وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ} (1-6) فصلت. لقد أنزل الكتاب بالاسم الشفع “الرحمن الرحيم” وإذا أضيف له الاسم الوتر “الله” في بدايته يظهر لنا اسم البسملة ” الله الرحمن الرحيم “. فأوضح الكتاب المنزل أن الله قد أنذر الكافرين بالعذاب. فهو إذاً أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين” الرحمن الرحيم ” وفي نفس الوقت هو أقدر القادرين والمقتدرين على عذاب الكفار. عليه تظهر اسماء صفة حلمه عند المقدرة “الله الحليم المنتقم” و”الله الحكم المقسط” و”الله الحسيب المقيت” المكونين من الحروف “حم”. حيث لخصت الآيات التالية:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ}{لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}{مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ}(43) فصلت محور السورة الذي يوضحه المعنى الآتي: ما يقول لك هؤلاء المشركون -أيها الرسول-إلا ما قد قاله مَن قبلهم مِنَ الأمم لرسلهم, فاصبر على ما ينالك في سبيل الدعوة إلى الله. إن ربك لذو مغفرة لذنوب التائبين, وذو عقاب لمن أصرَّ على كفره وتكذيبه. عليه أحسب أن الله قد أقسم بأسمائه الحسنى ليدحض حجة الكافرين الواهية عندما كفروا بالكتاب العزيز الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. وبإنكار الكتاب يكونوا قد أنكروا وحدانية الله وأنكروا اليوم الآخر وأنكروا رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم. فخفف الله على رسوله عليه السلام بقوله له: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ}. والآية الآتية تعضد هذا المعنى: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (147) الأنعام.  فاسم السورة ” فصلت” توضح أن آيات الكتاب قد فصلت وفسرت لتوضيح هدى الله ورحمته ومغفرته للعباده وفي نفس الوقت عذابه الشديد لمن يكفر به فلا عذر للكفار على تكذيبه. وبالتالي يكون لاسم السورة صلة واضحة بالحروف ” حم ” ومدلولها. بذا نصل إلى أسماء صفة مقدرته المطلقة على الانتقام مع حلمه (الله “الحليم المنتقم”)، (الله “الحكم المقسط”)، ( الله الحسيب المقيت) التي أحسب أن الله قد أقسم بها. وربما يكون القسم باسم واحد (الله الحكم المقسط، الحليم المنتقم، الحسيب المقيت) والله أعلم. وإذا تمعنا في معنى الآيات الأُوائل “1-4” في سورة الزخرف نجده مطابقاً لمعنى الآيات الأوائل في سورة فصلت. ومعنى آيات الزخرف:{حم} {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} 1-4 الزخرف. فالآية الأولى بها قَسَمَان: أحدهما بأسماء المفاضلة المكونة من الحروف “حم” وثانيهما بالكتاب المبين. ثم خاطب المولى عز وجل الكفار بقوله:{أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ} 5 الزخرف. والآيتان:{وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ}{وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} 7 الزخرف فيهما تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم كي لا يضيق صدره من استهزاء الكفار والمنافقين.  ولما استنكر الكفار نزول القرآن على رجل لا يعتقدون أنه من عظمائهم لما جاء في قوله تعالى:{وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ}{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}(30-31) الزخرف أخبر الله رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام بأن الكفار لن يستمعون له لأنهم كالصم والعمي الذين لا يسمعون ولا يرون. ولهذا سينتقم الله منهم وهو المقتدر على ذلك ولكنه حليم عليهم وذلك في قوله تعالى:{أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ}{أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ}(40-42) الزخرف. فيستنبط من الآيات الأسماء المكونة من الحروف “حم” وعلى وزن البسملة وهي: (الله الحسيب المقيت) و(الله الحليم المنتقم) و(الله الحكم المقسط) و(الله الحكيم المقتدر). وربما كان اسماً واحد أحسبه (الله الحكم المقسط، ، الحليم المنتقم والحسيب المقيت) والله أعلم. هذا وقد جاءت خاتمة السورة مجسدة لحقيقة عفو الله عند المقدرة كما يلي: {وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاء قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ}{فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} 88-89) الزخرف. كما إن اسم السورة الزخرف يدل على مقدرة الله على أن يجعل للكفار بيوتاً سقوفها من فضة ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون وزخرفاً ولكنه أراد للناس أن يكونوا أمة واحدة. لقوله تعالى:{وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ}{ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ}{وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}(33-35) الزخرف. إن آيات سورة الدخان الأولى جاءت على نهج سورة الزخرف حيث أقسم الله فيها بأسمائه التي لا يكافئه فيها أحد وأقسم أيضاً بالكتاب المبين بأن الكتاب رحمة وأنه المحي المميت للخلق وذلك في الآيات:{حم}{وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ}{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}{أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}{رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}{رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ}{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ}1-8 الدخان توكيداً لنزول الكتاب وعظمته. وبالرغم من توضيح وحدانية الله بملكه ومقدرته على كل شيء وهيمنته على الكون وتدبيره لأموره وتنزيل الكتاب رحمة إلا أن الكفار في شك من ذلك لقوله تعالى:{بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ }{فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ}{يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}{رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ}{أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ} {ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ}{إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ}{يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ} (9-16) الدخان. فأكد الله لرسوله الكريم أنه سينتقم منهم حين تأتي السماء بدخان واضح، أي في وقت محدد وقد كشفه عنهم في هذه الدنيا التي زمنها قليل مما يدل على حلمه. ومن هذه الآيات نستنتج الأسماء المكونة من الحروف “حم” الآتية: “الله الحكيم المقتدر” و”الله الحليم المنتقم” و”الله الحسيب المقيت” والتي يمكن أن يكون الله قد أقسم بكل اسم أو باسم واحد مكون منها هو: (الله الحكيم المقتدر، الله الحكم المقسط، الحسيب المقيت، الحليم المنتقم) ثم اختتمت السورة بآيتين مغزاهما هو: حلم الله على الكفار وتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم مما يدل على أنه قد ضاق صدره بتكذيب الكفار لرسالته. فخفف عليه ربه تعالى بأن أكد له أن القرآن قد يسر له بلغته من أجل أن يتذكر الناس به. ثم ثبته بأن طلب منه أن يترقب مجيء ذلك اليوم الذي سيعلم فيه كم كانوا مرتقبين. والآيتان هما: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} {فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ} (58-59) الدخان. لقد كان اسم السورة دلالة على أولاً: الموضوع الذي ركزت عليه وهو يوم الدين أي الميقات الذي حدده الله للإنتقام من المجرمين. وثانياً  كان دلالة على أسماء القسم من “حم”. إن آيات الجاثية:{حم}{تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}{إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ}{وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}{وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}{يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } (1-8) الجاثية يستنبط منها ما استنبط من جميع السور وهو: توكيد أن الكتاب قد أنزل من الله على رسوله الكريم. مما يدل على أن الرسول قد حزن لعدم تصديق رسالته. فأكد الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين قدرته ووحدانيته بخلقه للسماوات والأرض وكل ما فيهن وما بينهما وما تحت الثرى. ثم توعد الله الذين استكبروا وكذبوا الرسول بالعذاب الشديد.  والآية التالية توضح مدى رحمة الله لعبيده وهو أقد القادرين على حسابهم:{قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ}(14) الجاثية. لقد كان تركيز آيات سورة الجاثية على إنكار الكفار للساعة بسؤالهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم بآبائهم إن كان من الممكن إحياء الموتى عند الساعة، وقد ورد ذلك في الآيتين: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}24-25 الجاثية. أما الآية التالية:{وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}(32) الجاثية، فقد كانت توكيداً للموضوع الذي ركزت عليه السورة وهو شك الكفار في قيام الساعة وعدم تيقنهم منها. فهو إذاً شك في مقدرة الله على إحياء الموتى ووحدانيته وتنزيل الكتاب على رسوله صلى الله عليه وسلم. عليه تكون الاسماء التي أحسب ان الله قد أقسم بها هي نفس أسماء السور السابقة وهي: (الله “الحكم المقسط”)، (الله “الحسيب المقيت”) و(الله “الحليم المنتقم“). أو بالاسم الواحد:(الله الحكم المقسط الحسيب المقيت الحليم المنتقم) والله أعلم.إن خضوع كل أمة لله سبحانه وتعالى يوم القيامة، حين تدعى كل أمة جاثية بكتابها الذي أعرض عنه الكثيرون يشير إلى مقدرة الله على الانتقام منهم وفي نفس الوقت يشير إلى حلمه المطلق على الكفرة الفجرة وإبقاءهم إلى الميقات المحدد.  إذاً اسم السورة “الجاثية له صلة أولاً بالموضوع الذي ركزت عليه السورة وثانياً بالأسماء التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها. وسورة الأحقاف هي الأخرى قد ابتدأت بالآية “حم وجاءت الآيات التي تليها “حم” توكيداً لنزول الكتاب من عند الله. وأن الله قد أنزله لينذر الناس بأن خلقه للسماوات والأرض قد كان بالحق وبأجل مسمىً. ولكن كفر البعض بما أنذروا به. والآيات هي: {حم} {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ} (1-3) الأحقاف. ونهاية السورة جاءت تلخيصاً لما ركزت عليه السورة وهو حلم الله على الكفار وصبره عليهم إلى أن تقوم الساعة تثبيتاً لرسوله صلى الله عليه وسلم . حيث طلب الله سبحانه وتعالى من رسوله الكريم أن يصبر كما صبر الرسل من قبله، وأن يكون حليماً، كما ورد في الآيات التالية: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} (33-35) الأحقاف. فطلب الله من رسوله الكريم أن يصبر على الذين كفروا برسالته هو أكبر دليل على حلم الله مع مقدرته على الانتقام. وبالتالي أحسب أن القسم في جميع السور التي ابتدأت بالحروف “حم” من أسماء الصفات: (الله الحليم المنتقم)،(الله الحسيب المقيت)و(الله الحكم المقسط) و…الخ. فكل السور متشابهة في المعنى ولهذا اشتركت في الأسماء التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها، بالرغم من اختلاف أسباب إنكار الكفار للكتاب ولرسالة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. أما سورة الشورى فقد اختلفت عن السور التي ابتدأت بالحروف (حم) بأن أضيفت إليها حروف أخرى وهي الحروف (عسق). فأحسب أن هذه الحروف تجمع بين أسماء صفات كثيرة وهي التي مفتاحها الحرف(ع) وتلك التي مفتاحها الحرف (س) وأخرى مفتاحها الحرف (ق)بالاضافة غلى حروف “حم”. وذلك لعدم وجود أسماء مفتاحها كل هذه الحروف حسب علمنا المحدود من كتاب الله العزيز.  عليه سوف يتم حصر كل أسماء الصفات التي مفتاحها الحرف “ع”، وتلك التي مفتاحها الحرف س، والتي مفتاحها الحرف ق” لنتفكر في مدلولاتها بعد إضافتها لأسماء صفات الحروف “حم”. ومن ثم يتم تحليل السورة لمعرفة الصلة التي تربط هذه الحروف بموضوعها واسمها. تدل الأسماء التي مفتاحها الحروف “ع”، “س”، “ق على صفات العزة والعلم والعدل والعلا والعظمة والسلم والسمع والقدرة والقوة والقهر. وقد أضيفت للأسماء التي تدل على صفات الحلم والحكمة والحكم والملك والمقدرة. وعند تحليل السورة نجد أن الآيات:{ حـمۤ }{ عۤسۤقۤ }{كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}{ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} (1-4) الشورى  تشير إلى أن الكفار قد شكوا فيما أوحي إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو أن الله هو العزيز الحكيم. ولهذا أقسم الله تعالى لرسوله الكريم بأن اسم صفته “الله العزيز الحكيم” قد أوحي به إليه  وإلى كل الرسل من قبله وأن ملك السماوات والأرض لله وحده الذي اسمه “العلي العظيم”. فلا يلتفت إلى الذين كفروا ولا يهتم لما يقولون. وقد كان معنى هذه الآيات كالآتي:(كما أنزل الله إليك -أيها النبي- هذا القرآن أنزل الكتب والصحف على الأنبياء من قبلك، وهو العزيز في انتقامه، الحكيم في أقواله وأفعاله. لله وحده ما في السموات وما في الأرض، وهو العليُّ بذاته وقدره وقهره، العظيم الذي له العظمة والكبرياء) فمن هذا المعنى ظهرت الأسماء “العزيز، العليّ، العظيم، القدير والقهارالتي مفتاحها الحرفينع” و”ق”. أما الآية: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاء اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} (6) الشورى،  فقد أظهرت اسم صفة المفاضلة التي لا يكافئ فيها الله أحد ” الله الحفيظ المقيت“. حيث أنه يحفظ أعمال الذين اتخذوا من دونه أولياء ويؤجل عذابهم حلماً وصبراً لميقات يوم معلوم. ومن الآيتين:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي علَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}{فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(10-11) الشورى خطر إلى ذهني السؤال التالي: لماذا يرد حكم ما اختلف فيه إلى الله؟ فأوحت إلىَّ خواطري من الاسم “الشورى” ومن أسماء الحروف “حم” و”عسق” ، أن الأمر يخص إتخاذ القرارات التي تخص المصلحة العامة. حيث أن قرار كل فرد يخصه وحده. ولكن إتخاذ القرارات العامة يحتاج إلى أن تتوفر في متخذها صفات الحلم والحكمة والقوة والمقدرة والعدل والعلم والسمع والسلم و… حتى تكون قرارات محكمة صائبة. وبما أن هذه الصفات لا يمكن أن تجتمع في شخص واحد لما في الخلق من نقص، كان الأمر شورى بين الناس لضمان توفرها في عدد كبير منهم. فما ينقص أحدهم من هذه الصفات لابد أن يتوفر في غيره. ولكن كل هذه الصفات تجتمع في الخالق عز وجل وحده الذي يوصف بالكمال وحده ولا كمال إلا له. ولهذا كان مرد الحكم المختلف فيه لله. ومن كل هذه المعاني تظهر أسماء صفاته التي لا يكافئه فيها أحد المكونة من الحروف “حم وعسق” والتي على وزن البسملة. وهي “الله الحكم المقسط” الذي هو اسم صفة المفاضلة “أحكم الحاكمين“. و” الله السميع العليم ” الذي هو اسم صفة المفاضلة “أعلم العالمين“. ومعنى الآيتين:{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ}{ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} (49-50) الشورى  يشير إلى اسم الوحدانية المكون من الحروف عسق  وهو “الله العليم القدير).  وفي نهاية الآية: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ } (51) الشورى  ورد الاسم “العلي الحكيم” وهو اسم صفة المفاضلة “أعلى العالين“.  لقد أوضح الله لعباده في سورة الشورى أنهم إذا اختلفوا في شيء وهم عصبة فالحكم إليه وحدهّ! أي أن الخالق الذي خلقهم يعلم ما فيهم من نقص. ولهذا لابد أن يكون أمرهم شورى بينهم. وما اختلفوا فيه لابد ان يرد إلى قرار الكامل المكمل الله سبحانه وتعالى الذي يُرجع إليه الأمر كله كما في الآية: (وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) 10 الشورى. وأسماء صفات الله التي يمكن أن يكون قد اقسم الله بها هي:(الله الحميد المجيد)، (الله الحكم العدل)، (الله الحفيظ المقيت)،(الله السميع القدير)،(الله العلي القدير)، (الله العزيز القوي)، (الله العزيز القهار)، (الله السميع العليم)، (الله الحليم المنتقم)، (الله الملك السلام)…الخ. فاسم السورة (الشورى) كان مدلوله هو مدلول الحروف المقطعة التي تتكون منها أسماء الله الحسنى. أي أنها دلالة على أن الشورى تعتبر من أهم مقومات المؤمنين التي تجعلهم يطبقون قوانين الله وسنة رسوله فيهزمون الكفار وتقوى شوكة الاسلام .فإذا تمعنا في السبع سور التي افتتحت بالحروف “حم”،  نجد أن الكتاب قد أنزل من المولى عزّ وجل بأسماء مختلفة، وكلها مركبة. فمنها الشفع أي المكون من اسمين كتنزيل من “الرحمن الرحيم” سورة فصلت،  ومنها الثلاثية كتنزيل الكتاب من “الله العزيز العليم” سورة غافر، وتنزيل الكتاب من “الله العزيز الحكيم” سورة الجاثية. إذاً توجد أسماء صفات مفاضلة شفع مكونة من حرف محدد “كالرحمن الرحيم” و”العزيز العليم” وتوجد أسماء مفاضلة شفع مكونة من مزيج من الحروف “كالعزيز الحكيم”. وكل هذه الأسماء هي أسماء صفات مفاضلة قد سمي الله بها نفسه ولم يتسم بها مخلوق غيره. ولهذا جاء مدلولها واحد لا اختلاف فيه بالرغم من اختلاف الأسماء والألفاظ، الأمر الذي يعضد ما توصل إليه البحث والله أعلم.

 

نظرة عميقة في مدلول الحروف المقطعة في بداية السور

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرة عميقة في مدلول الحروف المقطعة

مقدمة

      لقد منَّ الله عليَّ بالبحث في معاني أم الكتاب وفي علم المحكم والمتشابه فله الحمد والشكر. ونتائج هذين البحثين قد كانت مفتاحاً لمعاني الحروف المقطعة في بداية السور. فمن نتائج البحث في المحكم والمتشابه اتضح أن الله قد أنزل الكتاب على مرحلتين في كتابين جزئيين: كتاب أخبار وكتاب أحكام. وأن كل كتاب تنقسم آياته إلى محكمات ومتشابهات. أي أن الكتاب الكلي يحتوي على نوعين من المحكمات ونوعين من المتشابهات. فوجدت أن تشابه آيات الأخبار هو تشابههن في المعنى بالرغم من اختلاف الألفاظ لأن جميع الأخبار تتحدث عن موضوع واحد هو وحدانية الله وتوكيدها. وهو التشابه المذكور في الآية 23 الزمر التي جاء فيها ذكر الكتاب الكلي وكان المراد منه كتاب الأخبار الجزئي مجالاً مرسلاً علاقته الجزئية. أما تشابه الأحكام فهو فهو التشابه المذكور في الآية 7 آل عمران الذي يعني تشابه شيئين يصعب التمييز بينهما. والشيئان هما الحلال والحرام (المصدر تحليل حديث السيدة عائشة رضي الله عنها الذي جاء فيه: (إن أول ما نزل منه سورة من المفصل جاء فيها ذكر الجنة والنار…). وإحكام آيات الأخبار يعني اجمال معانيهن مما جعلهن غير واضحات الدلالة. أما إحكام آيات الأحكام فهو وضوح الحكم الذي لا لبس فيه. عليه تكون الحروف المقطعة من آيات الأخبار المتشابهات بمعنى أنهن محكمات أي مجملات ومبهمات المعنى. ولهذا يوجد تفصيلهن داخل الكتاب بناءً على ما ورد في الآية 1 هود. هذا مانتج من بحث المحكم والمتشابه أما البحث في أم الكتاب فقد نتج عنه الآتي: أولاً إن آيات الفاتحة هن الآيات المحكمات لأنهن أم الكتاب بناءً على قوله تعالى:{هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}7 آل عمران. وبما أن آيات الفاتحة هن المحكمات أم الكتاب فهن إذاً اللاتي أحكمهن الحكيم الخبير ثم فصلهن تدريجياً إلى أن اتضح المقصود منهن لقوله تعالى:{الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}1هود. ثانياً من حديث السيدة عائشة وقول الشعراوي إن التفصيل قد جاءنا في سور، توصلنا إلى أن السور التي افتتحت “بالحمد لله” وعددها أربع سور، قد أنزلت لتفصيل آيتي:{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}و{الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}. والسور التي أنزلت بأسماء مختلفة ليوم الدين كالانفطار والانشقاق والزلزلة والتغابن قد أنزلت لتفصيل الآية:{ماَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وعددها أربع وعشرون سورة. وأن السور التي ابتدأت بلفظ التسبيح وبلفظ تبارك (وهما لفظا العبادة التي هي توحيد الله المطلق وتنزيهه عن الوالد والصاحبة والشريك والولد) قد أنزلت لتفصيل الآية:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. وعدد هذه السور ثمانية. كما ابتدئت أربعون سورة “بيا أيها الناس اتقوا ربكم”، و “يا أيها المدثر قم فأنذر”، و”يا أيها الذين آمنوا أقيموا الصلاة”، و”سورة أنزلناها”…”. أي إنها السور التي افتتحت بالنداء لتلفت الانتباه لما سينزل من الأحكام والتكاليف. فهي إذاً السور التي أنزلت تفصيلاً للآية المحكمة: {اهدِنَا الصِّرَاط المُستَقِيمَ}. أما السور التي أوضحت صفات المغضوب عليهم والضالين كسورة (المنافقون) والمطففين والفيل وتلك التي أوضحت صفات المؤمنين كسورة (المؤمنون) قد أنزلت تفصيلاً للآية: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}. وقد جاء تفصيلها في ثماني سور. فصار

مجموع السور التي فصلت ست آيات من سورة الفاتحة هو 95 سورة. وتبقت تسع وعشرون سورة وهي التي ابتدئت

 بالحروف المقطعة. من كل ذلك يستنتج أن السور التي ابتدأت بالحروف المقطعة هي التي أنزلت لتفصيل الآية: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وتكون آيات الفاتحة السبع قد فصلتهن 113 سورة. وباضافة سورة الفاتحة يصير عدد سور القرآن 114 سورة. ومن هذه النتائج انتابني إلهام بأن الحروف المقطعة هي أسماء لله على وزن وتركيبة الآية {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} لأن بدايات كل السور التي أنزلت لتفصيل كل آية من آيات الفاتحة قد كان لها صلة بالآية التي فصلتها.  فتساءلت لماذا لا تبدأ السور التي فصلت البسمله بأسماء أخرى تشبه البسملة؟ أي بأسماء مكونه من اسم وتر “كالله” واسم شفع “كالرحمن الرحيم” خاصة وأن بحث الفاتحة قد أوضح أن الأسماء المركبة هي أسماء مفاضلة وهي التي لا يكافئ فيها الله أحد. لذا تشجعت على البحث في هذا الإتجاه. وأول ما بدأت به هو إلغاء نظرة فاحصة في كل السور التي ابتدئت بالحروف المقطعة ووجدت أن بعض الآيات التي تلت الحروف توضح أن الكفار والمنافقين قد شكوا في الكتاب وفي رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مما جعل الرسول يضيق صدره ويبتئس. ولهذا أنزل الله الآيات لتسليته وتثبيته وتثبيت الذين آمنوا معه كقوله تعالى:{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} 97 الحجر. كما اتضح لي أن شك الكفار والمنافقين سببه شكهم في كثير من المواضيع كشكهم في أن يكون الرسول بشراً من بينهم. وشكهم في مقدرة الله على إحياء الخلق بعد موتهم وهكذا.  فتوصلت إلى أن الله قد أراد أن يدحض شك الكفار في كل موضوع شكوا فيه وأدى إلى شكهم في الكتاب. فأقسم لرسوله صلى الله عليه وسلم بأسماء مكونة من الحروف الم لتنفي موضوع الشك  الذي أدى للشك في الكتاب. ومن أجل التيسير جمعت الحروف الفردية كالحرف “ص” والثنائية كالحرفين “طه” في مبحث. والحروف الثلاثية والرباعية كالحروف “طسم” و” المر” في مبحث. أما الحروف الخماسية ” كهيعص” فقد أفردت لها مبحثاً لكثرة التحليل فيها.  أما الحروف “الم” و”الر” و”حم” و”طس” فقد اقتضى الأمر أن يكون لكل منها مبحث لكثرة السور التي افتتحت بها هذه الحروف. لقد اتبعت المنهج التحليلي الذي يبدأ بحصر أسماء الله الحسنى المكونه من الحروف “الم” وتحليلها لتحديد مدلولها وطابعها ثم حصر السور التي افتتحت بها تلك الحروف وتحليلها لمعرفة مدلولها وطابعها ثم معرفة صلتها بمدلول وطابع الأسماء المكونه من الحروف. ومن ثم محاولة الوصول للأسماء التي تكونت من (الم). وأخيراً تطبيق هذا المنهج على جميع الحروف المقطعة. فإذا أخذنا القاعدة اللغوية التي تقول إن:”الصفات نكرة والأسماء معرَّفَة” في الاعتبار يكون الحرفان الألف واللام من أصل الأسماء وليس للتعريف. وبالتالي يكون عدد الأسماء المكونة من الحروف “الم” خمسة وعشرين اسماً وهي: الملك المؤمن المهيمن المتكبر المعز المذل المقيت المجيب المجيد المحصي المبدي المعيد المحي المميت المقتدر المقدم المؤخر الماجد المتعال المانع المغني المنتقم المقسط المتين المصور. وبالتمعن في كل هذه الأسماء نجد أن مدلولها واحد وطابعها واحد وهو الملك والهيمنة والمقدرة. وعند تحليل السور التي ابتدئت بالحروف ألم وجدت أن القَسم في سورة البقرة قد كان توكيداً لحقيقة أن الكتاب قد أنزله الله أساساً هدىً للمتقين. فالكفار والمنافقين لا فائدة منهم ولهذا لن يهتدوا أبداً. وبما إن الكتاب قد أنزل هدىً فقد احتوت سورة البقرة على ثلاثة أنواع من الهدى للمتقين هي: “سرد القصص” و”توضيح صراط المنافقين كي يجتنبوه” و”توضيح المنهج الرباني الذي يجب

عليهم أن يتبعوه. والقصص نوعان: نوع للوعظ والإرشاد ونوع للتثبيت. فقصص الوعظ هي التي أوضح الله فيها صراط اليهود والنصارى. وهو كفرهم وقتلهم أنبيائهم وجحودهم لنعمه نتيجة اتباعهم لإبليس وصدهم عن الصراط المستقيم مما أكسبهم غضب الله وعذابه. فالهدف من هذه القصص هو هدى المتقين ليجتنبوا سبل الشيطان التي اتبعها اليهود والنصارى وأن يسلكوا سبل ربهم. بالإضافة إلى قصة أبينا آدم وأمنا حواء التي أوضح الله فيها للمتقين أن أبوينا قد عصيا أمره واتبعا الشيطان الذي أذلهما وأخرجهما من الجنة بالرغم من تفضيله لهما على سائر خلقه. فكانت هدىً لمعرفة معنى التقوى وهي اتباع أوامر الله والرضاء بما قسمه الله لهم من أقدار وبالتالي معصية الشيطان. أما قصص التثبيت فهي أربعة قصص كلها تدور حول مقدرة الله على إحياء الموتى بعد أن يصيروا عظاماً نخرة لتنفي للمتقين حجج الكفار الواهية بتوكيد مقدرة الله على إحياء الموتى فيثبتوا على توحيدهم لله.الأمرالذي أدى إلى استنباط أن الله قد أقسم بأسماء صفاته التي تدل على ملكه وهيمنته ومقدرته المطلقة على كل شيء بصورة عامة ومقدرته المطلقة على إحياء الموتى بصورة خاصة ليدحض شك الكفار في مقدرته. وبناءً على ذلك تم استنتاج مدلول سورة البقرة وهو الملك والهيمنه والمقدرة المطلقة أي أنه نفس مدلول الأسماء التي مفتاحها الحروف “الم”. وعليه أحسب ان السورة قد سميت بالبقرة لأن قصة البقرة هي الأكثر دلالة على مقدرة الله على إحياء الموتى حيث كان إحياء الميت على أيديهم وأمام أعينهم. فجاء مدلول اسم السورة (البقرة) وطابعه هو نفس مدلول الأسماء ونفس مدلول آيات السورة وهو (المُلك والمقدرة المطلقة على كل شيء عامة وعلى إحياء الموتى خاصة). كما أخال أن الله قد أقسم باسيمن من أسماء صفة مقدرته المطلقة وملكه وهيمنته على هذا الكون: أحدهما اسم صفته “الله الملك المقتدر” ليؤكد به مقدرته التي لا تتأتى لبشر والآخر اسم صفتة “الله المحي المميت” ليؤكد به مقدرته على إحياء الموتى التي لا تتأتى لبشر وهي التي شك فيها الكفار والمنافقون مما جعلهم يشكون في كتاب الله. وربما كان القسم باسم واحد هو: “الله الملك المقتدر المحي المميت“، ولهذ أحسب أن القَسَم بأكثر من اسم أو باسم مركب هو سبب القسم بالحروف فقط ليتدبرها الناس.

وبإتباع نفس الأسلوب الذي تم به تحليل سورة البقرة، يتم به تحليل سورة آل عمران. فمن الآيات التي جاءت بعد الحروف “الم” وهي: {اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} {مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} {إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء}{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(2-6) آل عمران، يستنبط منها أن شك الكفار كان في وحدانية الله لقول الله على لسان الكفار:{ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}5ص بالاضافة لاعتقاد النصارى بأن المسيح ابن الله واعتقاد أن عزير ابن الله مما جعل الرسول والذين آمنوا معه يضيق صدرهم. ولهذا أقسم الله باسم من أسمائه المكونة من الحروف (الم) بأنه لا إله غيره ليدحض به حججهم ويثبِّت الرسول والذين آمنوا معه ويخفف عليهم ما سببه لهم شك الكفار والمنافقين من ضيق.  فسرد الله عليهم قصتين وضرب لهم مثلاً. والقصص هي قصة تصوير سيدنا عيسى من أم بدون أب وقصة تصوير سيدنا يحي من أبوين كبيرين والأم عاقر. أما المثل فهو خلق أبينا آدم من تراب كخلق سيدنا عيسى. ولكن تصوير أبينا آدم كان خارج الرحم أي بدون أم وبدون أب أيضاً.  وكان تصوير سيدنا عيسى داخل الرحم أي له أم وبدون أب. وقد سرد الله هذه القصص وضرب المثل ليؤكد بهم مقدرته على تصوير البشر وخلقهم بطرق مختلفة لا تتأتى للبشر. والقصد من ذلك هو دحض حجة من قالوا أن لله ولد وهم النصارى واليهود بقوله تعالى:{لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}(4) الزمر. إذاً تلك القصص والمثل هم أقوى حجة حيث إنهم يوضحون حقيقة أن الله وبقدرته الفائقة في خلق البشر بطرق مختلفة لو أراد أن يكون له ولد لاختار له طريقة مختلفة يصوره بها تختلف عن طريقة تصوير البشر. أي لماذا يخلق عيسى الذين يزعمون أنه ولد الله وهو مخلوق من تراب كخلق أبي البشر آدم؟ والحجة الأخرى هي أن آدم أولى بأن يعتقد الناس فيه إنه ابن الله لأن خلقه من تراب كخلق عيسى. ولكن خلقه كان من عدم ومن دون أم أو أب.  وفي هذه القصص دروس عجيبة وتحدي من الله للمشركين الذين يلصقون بالله أبناءً وهي: إن الله قد أوحى للناس طفل الأنابيب ليعلموا أنهم مهما بلغوا من العلم لم ولن يستطيعوا تصوير طفل أنابيب من أبوين كبيرين والأم عاقر كتصوير سيدنا يحي. كما أن الله قد أوحى للناس إمكانية الاستنساخ ليعلموا أنهم مهما نجحوا وبلغوا من المقدرة التي منحها لهم لم ولن يستطيعوا خلق ذكر من أنثى (كخلق سيدنا عيسى من أمنا مريم) ولا تصوير أنثى من ذكر (كخلق أمنا حواء من ضلع أبينا آدم).  وتلك القصص والمثل هم الحجة والدليل على ذلك الآية التالية: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}6  آل عمران  التي تؤكد ما تم توضيحه وهو أن الله قد أقسم أنه إن كان يريد أبناءً تكون لهم الالهوهية معه لخلقهم وصورهم بطريقة فريدة لا تشبه الطرق التي صور بها البشر. فلماذا يختار بشراً ناقصاً ليكون إبناً له كما اعتقد اليهود بأن عزير ابن الله واعتقدت النصارى بأن عيسى ابن الله. وبالتمعن في آيات السورة الأخريات نجد أن الله قد أوضح ملكه المطلق ومقدرته المطلقة وهيمنته على الكون في الآية: (قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) 26 آل عمران فمدلول السورة واسم السوره هو نفس مدلول الحروف (الم) الملك والمقدرة والهيمنة. والأسماء التي أقسم بها على وزن البسملة هي أسماء مفاضلة لا يكافئه فيها أحد. وعليه أحسب أن الله قد أقسم باسمه (الله الملك المقتدر) بصورة عامة وباسمه(الله المقتدر المصور)أو(الله الملك المصور) بصورة خاصة نسبة لأن موضوع السورة وتركيزها كان على تصوير الخلق ومقدرة الله المطلقة فيه وبصلته بالقسم وبالأسماء الحسنى المكونة من الحروف “الم”.  وفي سورة العنكبوت جاءت الآيات التالية بعد الحروف “الم” موضحةً أن هنالك من أعلن إيمانه وهو كاذب لشكه في لقاء الله ووجود يوم آخر. فالله العليم بعباده يعلم أن إبليس سيتخذ نصيبه من الذين أعلنوا إيمانهم كما توعده فأخبرالله الخلق بأنه  سيمتحن الذين قالوا آمنا ليعلم الصادقين من الكاذبين الذين اتبعوا الطاغوت وهي:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}{وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ}{مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}{وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}(2-6) العنكبوت.أما الآيتان:{ أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (19-20) العنكبوت. فهما توكيد لمقدرة الله على إعادة الخلق مرة أخرى بعد فنائهم. وبالتمعن في قصة سيدنا إبراهيم التي سردها الله في هذه السورة وقصة قارون وهامان نصل إلى أن تركيز السورة قد كان على مقدرة الله المطلقة. حيث جعل النار برداً وسلاماً على سيدنا إبراهيم وخسف الأرض بقارون بالرغم من كثرة ماله. كل ذلك تثبيتاً للرسول وللذين آمنوا معه على أن الكتاب منزل من عند الله وأنه القادر على كل شيء. بذا يستنبط أن شك الكفار في الكتاب كان سببه شكهم في مقدرة الله على إعادة الخلق مرة أخرى وبالتالي لن يأتي يوم يحاسبون فيه. فيستنبط  أن الله قد أقسم بالاسم العام “الله الملك المقتدر” وبالاسماء الخاصة وهي:”الله المبدي المعيد” و”والله المقتدر المنتقم” أو اسم واحد مكون من كل هذه الأسماء كالاسم الذي في أواخر سورة الحشر. أما آيات سورة السجدة الأولى:{الم}{تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} (1-3) السجدة. فقد أوضحت أن الكفار قد شكوا في أن يكون الكتاب قد أنزل من عند رب العالمين. وبالتالي اتهموا الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بأنه مفتري أي افترى على الله الكذب. عليه يمكن أن يكون الله قد أقسم لنبيه بأسماء ملكه ومقدرته المطلقة بأن الكتاب من عنده وأنه الحق لينذر به قومه. لقد أنزلت آيات كثيرة في سور أخرى تحمل نفس المعنى وبها تحدي من المولى عز وجل لكل من يقول أن هذا الكتاب لم ينزل من عنده وإنما افتراه الرسول صلى الله عليه وسلم. نذكر منها الآتي: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}{فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(13-14)هود. وبالتمعن في آيات السجدة الأخريات، نجد أن الآيات “22، 25، و28-30” هن اللاتي يرتكز عليهن مدلول السورة. فالآية:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}(22) السجدة يتضح اسم صفة مقدرة الله على الانتقام من الذين لم يستجيبوا لتوحيد ربهم والذي على وزن البسملة: (الله الملك المقتدر) أو(الله المقيت المنتقم). وكذلك الآية:{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }(25) السجدة توضح مقدرة الله المطلقة على حساب الخلق والفصل بينهم بالقسط في ميعاد محدد لا يملكه غيره. فمن هذه الآية يمكن استنباط اسم صفة الله المتفرد بها:” الله المعيد المقسط كما يستنبط من الآيات:{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}{قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ}{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ}(28-30) السجدة. في هذه الآيات تؤكيد لشك الكفار في اليوم الآخر وتثبيت لرسوله صلى الله عليه وسلم.فيستنبط أن الاسم الذي أقسم به الله هو: (الله المقيت المنتقم). وربما أقسم الله بجميع الأسماء باسمه “الله الملك المقتدر المعيد المقسط المقيت المنتقم ” والله أعلم.  وقد كان اسم السورة وأسماء الحروف المقطعة دلالة على موضوع تركيز السورة وهو:أن عظمة السجدة أي السجود لله  قد أوضح قبح وسوء الصد عنها، لقوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} (15) السجدة. ولما كانت السجدة هي الدليل على تصديق آيات الله وكتابه الذي أنزله على رسوله وهي التوكيد للإيمان به، نجد أن اسم السورة “السجدة” له صلة واضحة بموضوعها وهو مقدرة الله على الانتقام من الذين يصدون عن سبيله ولا يسجدون له. وكذلك له صلة بالاسم الذي أقسم به. لقد كان أهل الروم أهل كتاب وكان أهل الفرس مشركون. وكان أهل الفرس يظهرون على الروم وقد غلبت الروم وغضب المسلمون الذين كانوا يحبون أن تغلب الروم وتظهر على الفرس. ولهذا والله أعلم شك الكفارالمشركون في الاسلام أي في الرسالة فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله:{غُلِبَتِ الرُّومُ}{فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}{فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ}{بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ }(2-5) الروم.  فمن هذه الآيات ومعناها وسبب نزولها يستنبط الاسم “الله المؤمن المهيمن”. كما أوضح الله أيضاً في الآيات التالية، مقدراته التي لا حدود لها. والآيات هي: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}{وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ}(24-25) الروم. أما الآية:{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (27) الروم، فقد أوضح معناها الحديث التالي: (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «قال الله كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك, وشتمني ولم يكن له ذلك, فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته, وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً, وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) فأكدت هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى الذي بدأ الخلق أول مرة لابد من أن تكون إعادته أهون عليه من بدايته. وأن الأمر له من قبل ومن بعد وأن السماء والأرض تقومان بأمره وحده. إذاً يستنبط الاسم: (الله المبدي المعيد) الذي يؤكد مقدرة الله التي شك فيها الكفار وهو إعادة الكون بعد فنائه. عليه يستنبط أن الله قد أقسم باسم مقدرته المطلقة عامة (الله الملك المقتدر) وباسمي مقدرته الخاصين بشك الكفار “الله المؤمن المهيمن” و”الله المبدي المعيد” أو باسم واحد وهو (الله الملك المقتدر المؤمن المهيمن المبدي المعيد) الذي يعني أنه أكثر الملوك مقدرة على تسيير هذا الكون والأكثر إيماناً بمقدرته عليه وهيمنة. لقد جاءت الآيات الأوائل في سورة لقمان مؤكدة أن آيات الكتاب الحكيم هي هدىً وهي رحمة للمحسنين فقط. أما الذين ضلوا فلهم عذاب مهين لأنهم لم يستمعوا للهدى ولا خير فيهم. والآيات هي: {الم} {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ}(1-3) لقمان. فيستنبط من الآيات “1-3” ما استنبط من سورة البقرة. وهو أن الله قد أقسم لرسوله بأحد أسمائه أن آيات الكتاب قد أنزلت أصلاً للمؤمنين المحسنين وليست للكفار المنافقين. وذلك من أجل تخفيف الأمر على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المحسنين الذين آمنوا معه وتثبيتهم حتى لا يضيق صدرهم بما يقوله  الذين تنكروا للرسالة وصدوا عنها. وما يؤيد ذلك معنى الآيتين:{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}(6-7) لقمان. إن محتوى سورة لقمان كله توكيد لوحدانية الله بملكه وحده لكل ما في السماوات والأرض وما بينهما وما تحتهما. وتوكيد محتوى السورة لوحدانية الله كان بتوكيد مقدرته المطلقة المتمثلة في خلق السماوات بغير أعمدة مرئية للخلق، وبإرساء الجبال في الأرض وخلق كل الدواب فيها. كما احتوت على توكيد مقدرته على إنزال الماء من السماء لتنبت في الأرض أزواج كل شيء، لما ورد في الآية التالية:{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ}(10) لقمان. ووصايا لقمان لولده في هذه السورة تعكس بوضوح تام ملكية الله لهذا الكون وهيمنته عليه ومقدرته المطلقة، حين قال الله تعالى على لسان لقمان وهو يخاطب ابنه:{يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}16 لقمان. وجاءت الآية:{إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (34) لقمان وقال ابن عباس في علم الساعة وتنزيل الغيث وما في الأرحام ورزق الإنسان ومكان موته:(هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله تعالى، ولا يعلمها ملك مقرب ولا نبّي مرسل؛ فمن ادعى أنه يعلم شيئا من هذه فقد كفر بالقرآن؛ لأنه خالفه). فقول ابن عباس هذا يؤكد أن السورة تدور في فلك تفرد الرحمن بملكيته لهذا الكون وهيمنته عليه ومقدرته المطلقة على كل شيء. عليه يستنبط أن الله سبحانه وتعالى قد أقسم بالأسماء (الله الملك المقتدر) و(الله المؤمن المهيمن) و(الله المقيت المنتقم) أو باسم واحد هو “الله الملك المقتدر المؤمن المهيمن المقيت المنتقم” والله أعلم. لقد ورد في كتاب أصول الدين ما يؤيد نتائج البحث وهو: “والمصور والمعز والمذل والمغيث والمجيب والمبدي والمعيد والمحي والمميت والمقدم والمؤخر والمقسط والمغني والمنتقم والوهاب والهادي كل ذلك من أسمائه دالة على أفعال مخصوصة“. وأخيراً نلاحظ الصلة القوية بين طابع السور الست المبتدئة بالحروف (ألم) وطابع الأسماء التي مفتاحها الحروف (الم). حيث كان طابعهم جميعاً هو القوة والمقدرة والهيمنة. وتضحمعجزة القرآن في ان اسم كل سورة يدل على نفس الاسماء المكونة من الحروف المقطعة بالرغم من اختلاف أسماءالسور والله أعلم. يتبع

السبعة أحرف التي نزل عليها القرآن

                                                                  بسم الله الرحمن الرحيم

                               السبعة أحرف التي نزل عليها القرآن

مقدمة

          لقد أوضحت الأحاديث النبوية التي أخرجها كل من البخاري ومسلم أن القرآن نزل على سبعة أحرف. نذكر منها  الحديث التالي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منها”. فاختلف العلماء في حقيقة الأحرف السبعة ووصلت آراءهم فيها إلى 35 رأي. فمن العلماء من اعتقد أنها سبع لغات من لغات العرب. ومنهم من ذهب إلى إنها سبعة أوجه من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد والجدل والقصص والمثل. ويرى آخرون أن الأحرف السبعة هي القراءات السبعة. وبالرغم من أن هنالك شبه اتفاق على أنها “سبعة أوجه من المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة”، إلا أن تحديدها ما زال مبهماً الأمر الذي أشكل على الناس معرفة رخصة التيسير التي يمكن أن ينتفعوا بها.  عليه أحسب أن بعض الأحاديث التي وردت في توضيح الأحرف السبعة تحتاج إلى تحليل دقيق. لهذا قررت تحليل أهم الأحاديث التي ورد ذكرها. وقد اتبعت في ذلك منهجاً ناجعاً وهو وضع أسئلة من كل احديث والبحث عن إجاباتها من القرآن والسنة.  ومن ثم توضيح الأحرف السبعة التي تتفق مع كل الأحاديث وبالله التوفيق. لقد تم تحليل الحديث الأول بالأسئلة وهو:عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده، ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف”. والسؤال الأول هو:ما معنى الحرف وما هي أول قراءة أقرأها سيدنا جبريل عليه السلام لسيدنا محمد؟ لقد وردت كلمة حرف في الآية التالية: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}”11″ الحـج وقد جاء معنى كلمة حرف في هذه الآية كالآتي:” قال مجاهد: “على حرف”على شك، وقال غيره على طرف.وهذا المعنى يعضده ما جاء في الآية:{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (14) الحجرات. فمن هذه الآيات ومن تعريف كلمة الحرف يستنتج أن معنى الآية 11 الحج  هو: ” من الناس أعراب يعبدون الله على حرف أي على قول البداية فقط  وهو قول آمنا أي على القول الابتدائي الذي يعلن به المرء إسلامه. ولكن قول الأعراب هو قول كله كذب ونفاق. أي قول مصدره الفم فقط ولم يصدر من القلب لقوله تعالى “يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ”. ولهذا أنزل الله سبحانه وتعالى قوله:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}{وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}2-3 العنكبوت.أي أحسب الناس أن يتركوا دون أن يؤكدوا أنهم مسلمون ومصدقون وهم على بداية الإسلام (أي قولهم آمنا)؟ لأن الله يعلم أن من بين الذين قالوا آمنا أو قالوا ربنا الله منافقون قد انقلبوا على أعقابهم واتبعوا الشيطان الذي توعد ربه بأن يتخذ من الذين يعلنون إيمانهم نصيباً مفروضاً. فصار المنافقون على طرف الاسلام أي على حرفه أي على بدايته لأنهم لم يتوغلوا فيه. إذاً طرف الإسلام وحرفه وحافته وبدايته هو قول باللسان لم يصدقه العمل.أما الذين آمنوا  فهم الذين قالوا “ربنا الله” في بداية الإسلام ثم توغلوا في صراطه بأن أكدوا تصديقهم بالوحدانية بالعمل أي إنهم التزموا الصراط المستقيم لقوله تعالى:{إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّل عَلَيْهِمُ  ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ توعَدُونَ} 30 فصلت والالتزام بصراط الله المستقيم بعد وقوفهم على حرفه أي بدايته بقول آمنا هو العمل بحدود الله وهي زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه مستفيدين من الأمثال والقصص. ونلاحظ أننا إذا أردنا أن نستدل بآية أو حديث أو رأي أحد من البشر  لا نقول قرأنا كذا بل نقول قال الله تعالى وقال الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ونقول قال فلان. إذاً القراءة قول والقول قراءة. بذا نصل إلى أن الحرف هو قول أو لفظ ابتدائي يبدأ به المؤمن إسلامه ثم يواصل السير في صراط الإسلام المستقيم. وبما أن البحث قد توصل للحرف الأول أي القول الابتدائي الذي أنزل عليه القرآن أي أنزلت عليه الرساله وهو قول (بسم الله الرحمن الرحيم ) تصير الأحرف السبعة سبعة أقوال ابتدائية متشابهة في المعنى أي إنها أقوال معناها كمعنى البسملة ولكنها مختلفة الألفاظ.أما أول قراءة أقرأها سيدنا جبريل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي: (ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ) (خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ) (ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ) (ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ) (عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)  1-5 العلق ولما لم يكن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم له علم بما سيقرأه كان رده “ما أنا بقارىء” أي مالذي أنا قارئه؟. فالحرف “ما” كان للاستفهام وليس للنفي. فكانت القراءة في نهاية الأمر هي قول (بسم الله الرحمن الرحيم) وبالتالي يستنبط أن (بسم الله الرحمن الرحيم) هي أول ما أقرأه سيدنا جبريل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الأمر الذي يشير إلى أن كلمة إقرأ تعني “قل” وبالتالي يكون قول(بسم الله الرحمن الرحيم) هو القراءة أو القول الابتدائي أو الحرف الذي ابتدئت بها الرسالة المحمدية. والدليل على أن الحرف هو آية الحديث التالي: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنْ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: «أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا، لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ». حيث يدل على أن كل آية من آيات الفاتحة هي حرف وأن كل آية من خواتيم البقرة هي حرف. والصلة التي تجمع آيات الفاتحة وأواخر البقره هي:إن الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة هما تفصيل لقول (إياك نعبد وإياك نستعين). فالآية الأولى هي إحدى الأحرف لأنها عبادة أي إيمان لقوله تعالى:(آمن الرسول ومن اتبعه وقالوا سمعنا وأطعنا يعني عملوا بالأحكام والتزموا الصراط المستقيم) ثم كانت الآية الثانية استعانة بالله وحده وهي قول (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا…) إذاً آيات الفاتحة هن أقوال إيمانية ابتدائية وخواتيم البقرة هن تفصيل لأقوال الفاتحة. كما أن السبع الطوال هن التفصيل الكامل للسبع المثاني (آيات الفاتحة) وبالتالي السبع المثاني هن آيات الفاتحة وهن السبع الطوال والله أعلم مرة أخرى. بعد أن استنتجنا معنى الحرف بأنه قول ابتدائي يبدأ به المؤمن مسيرة الإسلام، وأن الحرف الأول الذي أقرأه سيدنا جبريل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليببدأ به رسالته هو قول(بسم الله الرحمن الرحيم) يمكن الإجابة على السؤال الثالث وهو ما هي الأحرف السبعة. حيث نستنبط أن الستة أحرف التي زادها سيدنا جبريل عليه السلام لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هن باقي آيات سورة الفاتحة لاسيما وأن لدي بحث في أم الكتاب قد نتج منه أن آياتها السبع آيات متشابهات ومتفقات في المعنى بالرغم من اختلاف ألفاظهن  وأن كل آية من آياتها:يتكَرر توكيداً وتثنية لكلمة التقوى والتوحيد (لا إله إلا الله) لأنهن من بنات جنسها ولهذا هن السبع المثاني. وقد آتاهن الله لرسوله لأنهن أصل الكتاب وأمه وبالتالي هن أصل المثاني وأصل التشابه الذي جا فيه:{الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه…} 23 الزمر كما أن كل آية منهن هي ذكر لله وحمد له وهدىً وعبادة وتقوى صراط مستقيم واستعانة. وبالتالي كل واحدة منهن تعضد وتماثل وتثني وتؤكد معنى الست آيات الأخريات والدليل هو حديث زيد بن أسلم الذي جاء فيه: أن موسى عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك؟ قال له ربه: «تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني» . أي أن كلاً من الذكر والحمد إيمان وتقوى وعبادة لأنهن ضد الكفر. فالمؤمن عندما يذكر الإله باسمه “الله الرحمن الرحيم” يكون قد وحد الله وبرأه من الشريك لأنه خصه بذكر أسمائه المتفرد بها والتي لم ولن يتسمَ بها غيره. وبذكر هذه الاسماء دون ذكر أسماء المعبودات الأخر كالأصنام يكون المؤمن قد أكد نبذ الشرك. وإذا حمد المؤمن الله وحده يكون قد ثنى وعضد وأكد توحيد الإله بتوجيه الحمد له وحده بأسمائه دون ذكر أسماء غيره إيمانا واعترافاً بأن كل النعم منه وحده. ولهذا نجد أن: آيات (الحمد لله رب العالمين) و(الرحمن الرحيم) و(مالك يوم الدين) متفقات في المعنى نسبة لأن الحمد يكون لله في الدنيا بأي اسم من أسمائه الوتر أو الشفع أو الثلاثية أو بأي من أسماء مكانته رب العالمين في الدنيا أو مالك يوم الدين في الآخرة. إذاً معنى الآية (مالك يوم الدين) هو نفس معنى الآيتين “الحمد لله رب العالمين” و “الرحمن الرحيم”. ونجد أن لكل آية من آيات الفاتحة ألفاظ أخرى مرادفة لها في المعنى داخل الكتاب. فالبسملة لها الألفاظ التالية: (لا إله إلا الله، الله أكبر، وربنا الله) مستنبط من آيات ذكر اسم الله على الذبيح. والحمد له لفظ واحد هو(الشكر). أي إن لفظ الشكر مترادف للفظ الحمد. فمتى ما ذكر أي من ألفاظ آيات الذكر أو الحمد استغني عن ذكر الالفاظ الأخرى والله أعلم. كما أن معنى الآية “إياك نعبد وإياك نستعين” هو الايمان بأن الاله الذي اسمه (الله الرحمن الرحيم) والذي هو رب العالمين ومالك يوم الدين هو الإله الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا والد ولا صاحبة له ولا ولد. وبالتالي هي ذكر لله وحمد لله وعبادة له.  ولهذه الآية ألفاظ أخرى هي “سبحان” و”تبارك” لأن تسبيح الإله بأي لفظ منهما هو تنزيه للإله من كل شرك ونقص وتبرئة له من الوالد والصاحبة والولد. وكذلك الاستعانة به وحده بطلب الهدى والثبات على الصراط المستقيم منه هو تنزيه لله من الشرك بالاعتراف بأنه الهادي وحده لا شريك له. إذاً هي ذكر لله وحمد له وإيمان بأنه الهادي وحده. هذا بالاضافة إلى أن الاستعانة به وحده تكون أيضاً بطلب صراط رسله وأنبيائه الذي يختلف عن صراط إبليس وأتباعه. وطلب هذا الطريق  هو الإيمان بعينه أي الايمان بأن الإله الذي اسمه “الله الرحمن الرحيم” الذي هو رب العالمين ومالك يوم الدين هو المستعان الواحد الأحد. وللاستعانة ألفاظ أخرى هي استغفر الله وحسبي الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا و…إلخ وتكرار أي من هذه الآيات السبع يثبيت المؤمن على الصراط المستقيم لقوله تعالى: (يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ ٱللَّه مَا يَشَآءُ)27 إبراهيم. ولهذا نجد أن كلاً منهن شاف كاف الأمر الذي أدى إلى رخصة القراءة بأي قول منهن. وبمعنى آخر يمكن لكل فرد أن يختيار أي قول منهن لتكراره ولابتداء أي قول وعمل به (فاقرأوا ما تيسر منها). فتكرار أي آية منهن يكفي المؤمن ويشفيه من الشرك والكفر والله أعلم.  بعدذلك يتم تحليل الحديث الثاني وهو:  عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فانتظرته حتى سلم، ثم لببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت : كذبت أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها ، فانطلقت أقوده إلى رسول الله ، فقلت: يا رسول الله . إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئينها ، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسله يا عمر، أقرا  يا هشام، فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقرأ يا عمر فقرأت ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منها). أحسب أن معنى هذا الحديث لن يتضح إلا إذا تم تحليله بناءً على ما تم استنتاجه من الحديث الأول وبناءً على تحليل سورة الفرقان. كما يتم تحليله بالأسئلة التالية:هل ابتدأت سورة الفرقان بأي من أقوال الفاتحة السبعة مما جعل قراءة هشام تختلف عن قراءة سيدنا عمر؟ وكيف نبرهن أن المعنى واحد للأحرف التي قرأ بها كل من الصحابيين؟ فإذا تدبرنا سورة الفرقان، نجدها قد احتوت على كثير من الأحرف السبعة التي توصلنا إليها  حيث ابتدئت بقول” تبارك” وهو لفظ العبادة الذي يتفق في المعنى مع قول “سبحان ” مما يشير إلى إمكانية  قراءة أحد الصحابة  بتبارك كما يلي:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}1الفرقان. ويكون الآخر قد قرأ بسبحان كالآتي(سبحان الذي نزل الفرقان على عبده…). وبما أن الحمد مترادف العبادة والذكر فيمكن أن يكون أحد الصحابة قد قرأ الآية : (الحمد للذي أنزل الفرقان على عبده…) .كما يمكن أن يكون أحدهما قد قرأها بالذكر أي البسملة كالآتي(بسم الله الذي نزل الفرقان على عبده…) والله اعلم  وذلك لأن كل هذه الأقوال معناها واحد. وهو توحيد الله وتقديسه لأنه هو الذي انزل القرآن أي الفرقان. أما برهان أن المعنى واحد للأحرف التي قرأ بها كل من الصحابيين فهو: إن قولي (سبحان والحمد) قد استخدما في آيات أخر ولنفس معنى الآية 1  الفرقان كما يلي:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا}{قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} {مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} 1-4 الكهف. وجاءت أيضاً الآيات:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِلِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}”1-2″ الفرقان. والآيات{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} “1-2” الجمعة كلها تعضد وتماثل نفس معنى آيات الفرقان ولكن بأقوال ابتدائية مختلفة الألفاظ ومتفقة في المعنى. فكان سبب الحمد والتسبيح والذكر لله هو أنه وحده الذي نزل القرآن وبعث الرسول ليهدي الناس ويبشر الموحدين وينذكر المشركين. ثانياً: لقد ورد في الآيات التالية تقديس للإله تارة باسمه الله وتارة باسم مكانته ” رب العالمين” وتارة أخرى باسمه الرحمن  حيث جاء في الآية التالية تقديس الإله وتنزيهه عن الشرك بلفظ تبارك وباسم مكانته الله رب العالمين:(إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ) “54” الأعراف. وجاء تقديس الإله وتنزيهه عن الشرك باللفظ  “سبحان وبالاسم “الرحمن” {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}26الأنبياء.تماماً كما جاء التنزيه بالاسم “الله” {وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ}”116″البقرة. هذا وقد برهن بحث الفاتحة أن الرحمن اسم جلالة غير مشتق كالاسم الله تماماً ولهذا جاء تقديس الإله به. عليه يمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد أقرأ أحد الصحابين بلفظ “سبحان الله” بدلاً عن “تبارك الرحمن” والعكس والله أعلم.  وأحسب أن هذه أسباب كافية لإثبات الترادف والتشابه في القرآن مما جعل إقامة اللفظ مقام مرادفه ضرورة يقتضيها تيسير الأمر على العباد مع تحقيق حلاوة القرآن ومعجزته اللغوية دون تغيير في معانيه. والحديث الثالث:عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم:” كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب، على سبعة أحرف: زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال”. قد تم تحليله بالأسئلة التالية  ما المقصود بالكتاب الأول؟ وما هو الحرف الأول الذي نزل عليه؟ وما الباب الذي نزل منه؟ وما هي السبعة أبواب التي نزل منها القرآن؟ وأخيراً  ما هي صلة الأحرف السبعة بالزجر والأمر والحلال والحرام والمحكم والمتشابه والأمثال؟ إن المقصود بالكتاب الأول هو الكتاب الذي أنزله الله على جميع الرسل المبعوثين قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. والحرف الأول الذي أنزل عليه الكتاب الأول هو قول (بسم الله الرحمن الرحيم) والدليل على ذلك أن ورقة بن نوفل عندما أخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بالخبر قال له هذا هو الناموس الذي أنزل على موسى وعيسى. أما الباب الأول الذي أنزل منه الكتاب الأول أخاله باب التوحيد وأن الكتاب الأول هو كتاب الهدى لقوله تعالى لأبينا آدم وأمنا حواء وإبليس عند هبوطهم للارض:{قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}”38″ البقرة  والأبواب السبعة التي نزل منها القرآن يمكن استناطها من الأحاديث التالية: لقد جاء في أحد الأحاديث: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أي أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة.  وفي حديث آخر عن أبي هريرة في حديث شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من باب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب . يشير هذان الحديثان إلى أن الأبواب التي أنزل منها القرآن هي أبواب الجنة وأن عدد أبواب الجنة ثمانية. وقد أخبرنا الحديث الأول بأن هنالك سبعة أبواب قد تمت تسميتهم بأسماء أركان الإسلام الخمس (التوحيد، الصلاة، الصوم، الزكاة ، الجهاد) ويمكن إضافة باب الصبر  وباب العفو إلى أبواب أركان الاسلام، وسمي الباب الثامن باسم خاص لفئة الذين سيدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب وهو اسم الأيمن. عليه يمكن استبعاد باب الأيمن،  فتكون السبعة أبواب التي نزل منها القرآن هي: باب التوحيد (وهو شهادة أن لا إله إلا الله) وباب الصلاة وباب الريان (الصوم) وباب الزكاة وباب الحج وباب الصبر وباب العفو والله أعلم. وكتب القرآن السبعة أخالها سبعة كتب متشابهة في المعنى ومختلفة في اللفظ فقط لقوله تعالى(الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) ( وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ)… 1-123هود. أي أن كل ما أحكم من آيات وما فصل من السور محتواه لا يخرج من محتوى سورة هود وهو عبادة الله وحده والاستعانة به استغفاراً و…وهكذا.  إذاً مسميات تلك الكتب معناها واحد لا اختلاف فيها.  فيتم توضيح مسميات الكتب السبعة أولاً ومن ثم يتم توضيحها. إن أحد الكتب السبعة هو كتاب الذكر لقوله تعالى:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) 9 الحجر. وسمي أحد الكتب بكتاب الهدى لقوله تعالى على لسان الجن: (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً) 13 الجن وكتاب آخر هو الفرقان لقوله تعالى: (تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) 1 الفرقان وكتاب رابع يدعى النور لقوله تعالى: (ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَه مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ  وٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ َٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ) 157 الأعراف. والكتاب الخامس سمي بالحق لقوله تعالى: (فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَاكَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) 5 الأنعام وقوله تعالى: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) 181 الأعراف. وأخيراً سمي الكتاب السابع بالآيات البينات لقوله تعالى:( وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ). ومن هذا المنطلق يمكن تحديد الكتب السبعة كالآتي: إن الكتب السبعة يمكن الوصول إليها عن طريق تفصيل وتجميع سور القرآن. فإذا تمعنا في كتاب الله  نجد أن كل مجموعة من السور قد ابتدأت ببداية واحدة أي بحرف واحد. إذاً كل كتاب هو عباره عن مجموعه من السور. وسور كل الكتب متفقة في معناها ومختلفة في اللفظ فقط. فإذا كانت بدايات سور كل كتاب هي قول من أقوال سورة الفاتحة يكون البحث قد توصل فعلاً إلى الأحرف السبعة. فهنالك كتاب مكون من أربع سور هي السور التي ابتدأت (بالحمد لله). أي التي فصلت الحرفين (أي الآيتين المحكمتين) ” الحمد لله رب العالمين” و”الرحمن الرحيم” وبما أنها ابتدئت بالحمد لله فهذا يعني أن هذا الكتاب قد أنزل مرتين لنزولهما على حرفين مختلفين. إذاً نزل هذا الكتاب على البداية أي الحرف (الحمد لله رب العالمين)  ونزل في المرة الثانية على البداية أي الحرف (الرحمن الرحيم) ولكن أنزل كل كتاب منهما باسم مختلف.  وأنزل كتاب آخر مكون من أربعة وعشرين سورة  هي السور التي ابتدئت بأحداث وأسماء مختلفة ليوم الدين. فهي إذاً السور التي تكون منها الكتاب الرابع من كتب القرآن السبعة وأنزل على الحرف أي البداية (مالك يوم الدين) كتاب لتفصيلها لأنها آية محكمة. كما ابتدئت ثمان سور بألفاظ العبادة (سبحان الله  ويسبح لله وسبح لله وتبارك الله وسبح باسم ربك الأعلى) وهي السور التي تكوَّن منها الكتاب الخامس وأنزل على الحرف أي البداية(إياك نعبد وإياك نستعين). وابتدئت أربعون سورة بيا أيها النبي، ويا أيها الناس، ويا أيها الذين آمنوا وسورة أنزلناها وفرضناها) لتنبه المخاطبين بما سينزل عليهم من الهدى أي الأحكام والقوانين (زجر وأمر وحلال و…) فتكوَّن منها الكتاب السادس وهو الذي أنزل على حرف (اهدنا الصراط المستقيم). وأنزل كتاب مكوَّن من ثماني سور مبتدئة بأسماء الذين أنعم الله عليهم كسورة (المؤمنون) وأسماء الضالين والمغضوب عليهم كسورة (المنافقون) أو بصراطهم كويل للمطففين وويل لكل همزة لمزة وهكذا. فأنزل الكتاب على حرف (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين). وتبقت تسع وعشرون سوره وهي السور المبتدئة بالحروف المقطعة التي تكوَّن منها الكتاب الذي أنزل لتفصيل البسمله ولهذا  أحسب أن بداياته أسماء مختلفة ثلاثية مكونه من الحروف المقطعة على وزن البسمله تماماً كما ابتدئت سور يوم الدين بأسماء أخرى ليوم الدين. ومعنى ذلك أن كل كتاب (أي كل مجموعة من السور) قد كانت بدايتها أو حرفها هو آية من آيات الفاتحة لتوضيح أن الكتاب قد أنزل لتفصيلها لقوله تعالى: (الر،كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) 1هود. وهذا توكيد إلى أن آيات الفاتحة هن أم الكتاب وأصله وأم التشابه وأصله وأم المثاني وأصلها. وعند نتطرق لصلة الأحرف السبعة بالزجر والأمر والحلال والحرام والمحكم والمتشابه وغير ذلك، نجد أن كل قول ابتدائي للدخول في مسيرة الاسلام يتبعه العمل بالأوامر والزواجر والحلال والحرام والمحكم والمتشابه مع الاستفادة من ضرب الأمثال والقصص. لهذا نجد أن الصراط المستقيم هو عباره عن أقوال وأعمال. فالحرف الذي يختاره المرء لبداية السير بالعمل بمنهج الله يمكن أن يستمر في تكراره هو أو أي حرف آخر يتيسر له من الأحرف السبعة الأخرى يومياً وبأي عدد ثم يعمل بالأوامر والزواجر و…فمثلاً إذا ابتدأ المؤمن صراطه بقول (بسم الله الرحمن الرحيم) أو (الحمد لله رب العالمين) أو…وبدأ العمل بالصلاة والصوم والزكاة وغيرهم من الأعمال يمكنه تكرار البسملة أو ما تيسر له من الأقوال الأخرى كالحمد لله أو سبحان الله أو استغفر الله. وهذه هي الرخصة التي توضح قول: (فاقرأوا ما تيسر منها) أي قولوا وكرروا ما تيسر من الأقوال السبعة. إذاً أي حرف من آيات الفاتحة يتبعه العمل بالزواجر والأوامر والحلال والحرام. وأكثر ما يوضح صلة الأحرف السبعة بأحكام الله ومنهجه هو الحديث الذي أوضح فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الصراط المستقيم وهو: عن النواس بن سمعان ، عنرسولاللهصلىاللهعليهوسلمقال: ضرباللهمثلاصراطامستقيما،وعلىجنبتيالصراطسورانفيهماأبوابمفتحة،وعلىالأبوابستورمرخاة،وعلىبابالصراطداعيقول: ياأيهاالناس،ادخلواالصراطجميعاولاتعوجوا،وداعيدعومنفوقالصراط،فإذاأرادالإنسانأنيفتحشيئامنتلكالأبواب،قال: ويحك لا تفتحه إن تفتحه تلجه. فالصراط الاسلام والسوران حدود الله.والأبواب المفتحة محارم الله. وذلك الداعي على رأس الصراط هو كتاب الله والداعي من فوق الصراط هو واعظ الله في قلب كل مسلم) هذا الحديث يوضح أن  الصراط هو عباره عن مجموعه من الأحكام كلها زجر وأوامر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال وقصص. وبداية الطريق هو رأسه أي أن بدايته هي أحد الأحرف وفيه توضيح لعلوم الوحدانية ولهذا يدعو الكتاب الناس للدخول فيه. فمن يؤمن بما في الكتاب الذي في بداية الطريق يبدأ بالقول الابتدائي ثم يواصل المسيرة التي هي اتباع المنهج. وبناءً على ذلك يكون كل كتاب من الكتب السبعة على رأس صراط مستقيم. فكل كتاب بداخله نفس معلومات الكتب الست الأخرى لأنها معلومات عن شيء واحد هو الوحدانية. والزواجر والأوامر والمحكم

والمتشابه من الأحكام واحده والحلال والحرام واحد والأمثال والقصص واحده. إذاً أي حرف اخترته لتكراره يكفي ويشفي من مرض الشركويكفي لتوحيد الإله. ودليل آخر هو الآيات: (قد أفلح من تزكى)و(ذكر اسم ربه فصلى) اللاتي معناهن أن الذي أفلح في حياته هو الذي آمن بوحدانية الله فزكى نفسه من الشرك ثم بدأ بذكر رب العزة بأي اسم من أسمائه (الله” أو “الرحمن” أو أي اسم مركب كالرحمن الرحيم) ثم التزم العمل وهو الصلاة.

لقد جاء الحديث الرابع برأي مختلف عن الأحاديث التي تقول أن القرآن نزل على سبعة أحرف حيث جاء فيه أن القرآن قد نزل على أربعة أحرف. وهو: عن ابن عباس مرفوعاً: ” أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء. ومتشابه لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب”. فهل هذا الحديث يتعارض مع الأحاديث الأولى أم يتفق معها؟ لم يكن هذا الحديث منافياً للحديث الأول بل كان مؤكداً له. فإذا تمعنا في آيات الفاتحة وهي الأحرف السبعة حسب نتائج البحث، نجد أن الحرف الأول (البسملة) هو ذكر. وأن الحرف الثاني والثالث والرابع هو حمد (الحمد لله رب العالمين) و(الحمد لله الرحمن الرحيم) و (الحمد لله مالك يوم الدين) ولهذا اعتبرهما ابن عباس حرفاً واحداً هو الحمد. والحرف الخامس هو عبادة واستعانة. والحرفان الأخيران السادس والسابع هما هدى واستقامة. فيستنبط أن الحروف المتشابهة (الثاني والثالث والرابع) قد تم جمعهم في حرف واحد هو الحمد. والحرفان الأخيران قد جمعا في حرف واحد هو الهدى والصراط المستقيم. لذا صارت هنالك أربعة أحرف فقط هي (الذكر والحمد والعبادة والهدى)  وكلهن مسميات لشيء واحد هو التوحيد. ولكن إذا أخذ نا كل حرف منفصلاً عن الأحرف الأخرى يكون عدد الأحرف سبعة مما يشير إلى أن ابن عباس كان يعلم بحقيقة الأحرف السبعة. والحديث الخامس: عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع”. وفي رواية أخرى: (ولكل آية حد، ولكل حد مطلع) قد تم تحليله بالأسئلة التالية: ما معنى أن لكل آية ظهر وبطن؟ وما معنى لكل حرف حد؟ وما معنى لكل حد مطلع؟  لقد وردت صفة أن للقرآن ظهر وبطن في الحديثين التاليين: أولهما:

 عن عبدالرحمن بن عوف مرفوعاً: (القرآن تحت العرش، له ظهر وبطن يحاج الله به العباد) وثانيهما:  عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل آية ظهر، ولكل حرف حد ولكل حد مطلع). أما الفريابي فقال: أن للقرآن وجوهاً بقوله:( لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوهاً). ولهذا كان التدبر في آيات كتاب الله ومعرفة بواطن معانيها فرض وواجب على كل مؤمن ومؤمنة لما ورد في الآية:{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}”29″ص. وفي

الآية: “وإن إلى ربك المنتهى” “42”النجم  توضيح بأن المنتهى للرب هو الرجوع لرب العزة. والرجوع إلى رب العزة يحتاج إلى سعي جاد. والسعي الجاد هو العمل بمقتضى منهجه:” أي العمل بمقتضى الأوامر والزواجر والعمل بالمحكمات وترك المتشابهات والهدي بالأمثال والقصص” وسنة رسول الله. فالمنهج الذي سيتبعه الداخلون من الأبواب السبعة المختلفة هو منهج واحد. ونضرب له مثلاً بالمسافات المتساوية من أبواب المسجد الحرام المختلفة وإلى الكعبة المنتهى الوحيد من كل الأبواب المختلفة. والدخول للكعبة أي البداية يبدأه المؤمن بقول بسم الله أو الحمد لله أو الله أكبر تماماً كالدخول في الصراط المستقيم. ومن يعمل بالمنهج يصلح حاله في الآخرة كما ورد في الآيات:{وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}{وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}{ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى}”39-41″النجم إذاً معنى لكل حرف حد هو: أن لكل بداية نهاية. فبالرغم من أن الأحرف هي سبعة بدايات مختلفات في اللفظ إلا أن نهايتهن جميعاً واحدة وهي الرجوع لله الحق للحساب. فمن يبدأ بأي من البدايات ويعمل بزواجرها وأوامرها ومحكمها ومتشابهها وأمثالها يكون حده مرضاة الله والفوز بالجنة. ومن لا يعمل بالأحكام فسوف تكون نهايته  غضب الله وعذابه. فمن الناس من يقول القول الابتدائي صادقاً فيه ولكنه وقف عند رأس الصراط ولم يعمل بأي عمل من الأحكام فتكون بدايته أي حرفه هو حده. ومن الناس من يصلي ويصوم فيكون حده صلاة وزكاة فقط

وهكذا. ولما كانت الأعمال لها درجات صار كل مطلع هو الدرجات التي يطلع بها المؤمن إلى مولاه ويصل بها إلى مرضاته وإلى الفردوس الأعلى. بذ يمكن أن نضرب مثلاً للمطلع بالسلم. فكلما اجتهد المؤمن في طلوع أكبر عدد من درج السلم كلما نجح في الطلوع للقمة. وخير ما نختم به ما توصل إليه البحث في معنى الحرف والحد والمطلع هو الآية التالية التي أحسبها تعكس معنى الحرف والحد والمطلع بصورة واضحة وهي:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}”30″ فصلت فالذين قالوا “ربنا الله” هم الذين بدءوا مسيرة إسلامهم بقول “ربنا الله” أي ذكروا ربهم باسمه. وقول “ربنا الله” من جنس الأقوال السبعة الأم “آيات الفاتحة”. وبعد أن ذكروا الرب باسمه “الله”، ساروا في استقامة مع ربهم وقد كانت استقامتهم هذه هي الالتزام بالعمل بكل الأحكام فصارت هي مطلعهم الذي يوصلهم إلى الحد أي المنتهى وهو قمة الهرم التي هي بشرى الله لهم بالأمن والجنة والسرور والله أعلم. ولكن هنالك من كان حده أدنى الجنات لتقصيره في عمله. ومنهم من يكون حده أو نهايته أقل من القمة بقليل وهكذا. وبما أنه قد تم برهان أن آيات الفاتحة هن الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن فهذا يعني أن كل آية منهن حرف وكل حرف هو آية. وبالتالي نجد أن الروايتين(لكل حرف حد أو لكل آية حد) لا فرق بينهما.

 

دحض حجج الناس في تعدد الزوجات

بسم الله الرحمن الرحيم

دحض حجج الناس على إباحة التعددية

   سوف نأخذ آراء الناس وحججهم المختلفة التي يعتقدون أنها الحكمة من وراء اباحة تعدد الزوجات في الآية 3 النساء (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ) ومن ثم يتم دحض تلك الآراء. أولاً يعتقد كثير من الناس أن التعددية قد أبيحت لتكاثر الأمة إن اعتقادهم هذا  مبني على

الحديث التالي: أن الرسول صلى الله عليه وسلم الرسول صلى الله عليه وسلم قال:”تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم”. ولكن هذا الحديث موجه للشباب للأسباب الآتية:أولاً:(من مقاصد الزواج الأولى إنجاب الأولاد لاستمرارية الحياة الدنيوية، فينبغي أن تكون الزوجة منجبة، حيث خطب رجل امرأة عقيما لا تلد، فقال : يا رسول الله، إني خطبت امرأة ذات حسب، وجمال وإنها لا تلد، فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال:( تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) فمن الملاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينصحه بأن يتزوجها ويتزوج معها الودود الولود” ثانياً: يتم التكاثر المطلوب بالحفدة ولنا أسوة حسنة في أمنا حواء وأبونا آدم الذين كانا أساس كل هذا التكاثر والذي سيستمر ليوم القيامة. لذا أحسب أن المقصود بالودود الولود هي الصغيرة التي تداعب وتكون منجبة” حيث ورد في حديث جابر بن عبد الله أنه لما تزوج ثيبا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:(هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك؟)، فأخبر جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أباه قد ترك بناتاً صغاراً، وهن في حاجة إلى رعاية امرأة تقوم على شئونهن، وأن الثيب أقدر على هذه الرعاية من البكر التي لم تتدرب على تدبير المنزل. فبارك الرسول له زواجه) ومن الملاحظ أيضاً أنه لم ينصحه بأخرى.  وقد روي الحديث بصورة أخرى توضح المقصود منه كما يلي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى) فقول الرسول صلى الله عليه وسلم ولا تكونوا كرهبانية النصارى يؤكد أن هذا الحديث موجه للشباب حتى لا يعزفوا عن الزواج الذي تتكاثر به الأمة. ويعضد ذلك قول أحد العلماء التالي: “يتردد المرء في قبول الزواج، فيحجم عنه خوفاً من الاضطلاع بتكاليفه، وهروباً من احتمال أعبائه. فيلفت الإسلام نظره إلى أن الله سيجعل الزواج سبيلا إلى الغنى، وأنه سيحمل عنه هذه الأعباء ويمده بالقوة التي تجعله قادرا على التغلب على أسباب الفقر بالصبر كما ورد في الآية {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(32) النــور. وهذه الآية هي أيضاً أكبر دليل على منع المتزوجين من الزواج. لأن معنى الأيم هو الرجل الغير متزوج والمرأة الغير متزوجة. وقد طبق الرسول صلى الله عليه حكمها في ابنته فاطمة حين خطبها كل من سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر رضي الله عنهما، فقال: ( إنها صغيرة). فلما خطبها سيدنا علي وهو شاب غير متزوج زوجها إياه. وهذه بعض المعاني التي أرشد الإسلام إليها، ليتخذها مريدو الزواج نبراساً يستضيئون به.ثالثاً: إن الحديث التالي موجه للمتزوجين فقط وهو: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم من امرأة ما يعجبه فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه). إن هذا الحديث يوضح أن الشيطان يزين للمتزوج فقط جمال إمرأة أخرى جمالاً كاذباً اي يصورها له بصورة غير حقيقتهاويسحره بها ليقعد له صراطه المستقيم وهو (عدم الوفاء لعقده مع زوجته) من زاوية ويجعله مع الكثيرين الذين لا يجدهم الله شاكرين لقوله تعالى على لسان إبليس ( ولن تجد أكثرهم شاكرين) بتركه زوجته التي قسمها الله له والجري وراء تزيين الشيطان كما فعل أبوانا آدم وحواء.  أما الغير متزوج فلا جناح عليه إن أراد أن يتزوجها. فعمل الشيطان دائماً هو الإغواء لمعصية الخالق وبالتالي هو عكس إرادة الله. مما يدل أن التعددية تتعارض وذكر الله وتقواه. كما يعتقد الناس أن التعددية قد أبيحت لأن عدد النساء أكثر من الرجال فنقول لهم: إن عدد النساء سيتزايد إلى أن يصل المعدل في آخر الزمان لكل خمسين امرأة  قيِّم واحد أي رجل واحد، بناءً على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم. فإذا كان الهدف هو أن تكفل التعددية أكبر فرص للنساء فلماذا يقصر الله العدد على أربع نسوة حسب اعتقادهم وقد كان العدد قبل الإسلام غير محدد؟ لماذا لم يترك العدد مفتوح كما كان حتى يكفل لعدد كبير من الفتيات الزواج؟  إن الذين كفل الله لهم الزواج والذين لم يكفل الله لهم الزواج هم متساوون في الأمر لأن كلاً منهم ممتحن ومبتلى في وضعه أيهما سيصبر على وضعه راضياً بقسمته التي قسمها الله له مؤكداً بذلك إيمانه بالقضاء والقدر.ثانياً: ربما يؤدي حل مشكلة امرأة واحدة إلى تفاقم المشكلة بأن تلد هي ثلاثة أو أربعة بنات أخريات فتُحَل مشكلة واحدة بمشكلة عدد أكبر من النساء. فربما تلد كل واحدة من الثلاث نسوة  اللاتي تزوجهن الرجل عدداً من البنات فيضفن إلى الأمة أضعاف الأربع نسوة اللاتي  حل الرجل لهن مشكلتهن.ثالثاً: لقد أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم أن خير الأمم التي أكثرها النساء. ولهذا قال ابن عباس إن اباح الزواج فيبيحه في حالة قلة النساء! وهذا عكس ادعاء الناس مما ينفي أن كثرة النساء هي التي تستدعي التعددية. ومن حجج الناس للتعددية هو أنهم يروا أن الهدف من إباحة التعددية هو كثرة الأبناء من أجل الجهاد. أولاً: لقد نص الإسلام على أن الأبناء فتنة يشغلون الناس عن ذكر الله.  وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم (العيال سوس الطاعات) فلماذا يفكر المؤمن في أن يكثر من سوس طاعاته؟! كما أن كل الأبناء ليسوا بعمل نافع كابن سيدنا نوح وكالصبي الذي قتله سيدنا الخضر. وأن إيمان القليلين الصادق خير من الكثرة ضعيفة الايمان” لقوله تعالى:{ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (249) البقرة. ثانياً: هل يضمن من يتزوج من اجل إنجاب البنين أنه سينجب بنيناً؟ ألم يكن من الإحتمال أن يكون إنجابه كله بناتاً؟ ومن اعتقاد الناس أن الزواج من أربع نسوة يدرأ الفاحشة! أولاً: هل يعني اعتقادهم هذا أن الذين لم يستطيعوا الزواج أصلاً وهؤلاء الذين لا يستطيعون الزواج بأكثر من واحدة معذورون في اقتراف الفاحشة لأن التعددية هي التي تدرأ الفاحشة؟! ثانياً: هل يستطيع أحد أن يجزم على أن كل من تزوج بأربع نسوة لم يرتكب الفاحشة قط؟!!

إن الذي يدرأ ارتكاب الفاحشة أيها المؤمنون هو الإيمان الحق والقناعة الكاملة برزق الله وقدره. وإذا ضعف إيمان المؤمن واتبع شياطين الإنس والجن، فلن تمنعه العشرات من النساء. لاسيما وأن الفاحشة حرام حتى على الشباب الذين لم يتزوجوا، فما بال المتزوج كما قال محمد الغزالي في كتابه فقه السيرة؟ ثالثاً: إن تحريم الفاحشة كتحريم الخمر والربا والسرقه وغيرها من المحرمات، فلماذا توضع التعددية  بديلاً للرجال كي لا يقعوا في الفاحشة الظاهرة وهي “الزنا” ولم توضع لهم بدائل عن الخمر والربا والسرقة حتى لا يقعوا في حرمتهم؟

رابعاً: إذا سلمنا جدلاً أن التعددية سنة فأين الرجال من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب السيدة عائشة صاحبة العقد الأول وفاءً لعقدها. وقد كان زواجه من الأخريات هو حائل بينه وبين حبيبته.  أما الرجال فيتزوجون وتكون الزوجه الأولى صاحبة العقد الأول هي الحائل بينه وبين حبيباته الأخريات. فالإتجاه معاكس لسنة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. فيا للفرق الشاسع! خامساً: إذا سلمنا أيضاً بأن الرجال المقتدرون هم الذين يمكن لهم التعددية، فهل يضمنوا  الأقدار الغيبية بأن مالهم وصحتهم سيبقون؟  لماذا لا يطبق الأغنياء الحديث الذي يدعو كل من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له إن كان مقصده الدين؟ أي أن يزوج غيره من الشباب الذين ليس لديهم المقدرة المالية بدلاً عن زواجه هو؟ وأن يقم على الأرملة من غير أن يتزوجها ويشغلها عن أبنائها، إن كان يريد رضاء الله وجنته؟ عليه لم تخلق الدنيا متاعاً للرجل وإيجاد الحلول له كي لا يقع في الخطأ. وإنما هو مأمور بعدم ارتكاب الفاحشة حتى ولو لم تكن لديه ولا امرأة واحدةوأن ينقطع لعبادته. ومن الحجج السائدة هي أن النساء تنقطع منهن فرصة مواصلة الإنجاب مبكراً في حين أن الرجل يمكنه الإنجاب باستمرار. أولاً: نقول لهؤلاء هذه حقيقة ولكن الحكمة من انقطاع سبل الإنجاب من ناحية المرأة هي: إن الله قد حدد لكل لكل زوجين عدد أطفالهما وحدد لأزواج أخرى أن لا يكون لديهم أبناء من قبل أن تخلق السماوات والأرض وعرش الرحمن على الماء.  فالانقطاع هو أولاً: امتحان للزوجين على حد السواء في قبول أو رفض قسمتهما التي قسمها الله لهما من الأطفال. كما أن من الحكمة إعطاء المرأة فرصة الطهر الكامل للعبادة بعد أن أكملت مهمتها. ولنعلم أن كثرة الأبناء لا يتحقق إلا من أمهات مختلفات وهو سبب دخول إبليس بينهم مما يؤدي لانشغال الناس بالأبناء عن ذكر الله. وقصة أبناء سيدنا يعقوب هي أكبر درس وعظة وعبرة للرجال حيث لم يحدث شقاق بين الاخوة وهم عصبة ولكنه حدث عندما جاء لهم أخ من امرأة أخرى(والمرأة الأخرى هي خالتهم!). ولهذا يمكن القول بأن كل ما نهي الله عنه أو أمر به هو ابتلاء وامتحان للنفس البشرية. والنجاح بالصبر هو المطلوب لقوله تعالى:{فَأَمَّا مَن طَغَى}{وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}{فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى }{فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (37-41) النازعات. كما يرى الناس أن التعددية معمول بها الجدود والآباء منذ القدم كيف يكون منهي عنها؟ فنقول لهم إن الله لم يترك شيئاً في كتابه من غير توضيح حيث جاء في محكم تنزيله ما يدحض هذه الحجة بقوله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَيَأْمُرُ ِبٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) 28 الأعرافى وقد أوضحنا أن الفاحشة المقصودة هي الفاحشة الباطنة. فهل هنالك فاحشة يقول عنها الناس أنهم وجدوا عليها آباءهم والله أمرهم بها غير الزواج المتعدد الذي ظاهره العقد الحلال وباطنه العقد الباطل؟ وخير ما أختم به هو النصح بأن: (اتقوا الله أيها الرجال والنساء ) واستغفر الله لي ولجميع المؤمنين

 

الفرق بين علاج نشوز الرجل ونشوز المرأة

بسم الله الرحمن الرحيم

الفرق بين نشوز الرجل ونشوز المراة

مقدمة

    يعتبر النشوز أحد تصرفات الأزواج المذمومة لأنها هدم لبناء نواة المجتمع وتفكيكها.  ولهذا أنزل الله الآيات التي توضح طريقة علاج نشوز كل من الزوج والزوجه. وأحسب أن الطريقة واحدة مع الاختلاف اليسير نتيجة للقوامة التي أعطاها الله للرجل.  ومن أجل توضيح الفرق بين طريقة اصلاح نشوز الرجل وطريقة اصلاح نشوز المرأة كان لابد أن يتم توضيح معنى النشوز وتوضيح أسبابه أولاً ثم توضيح طريقة علاج نشوز كل منهما ومن ثم توضيح الفرق. إن معنى النشوز هو الميل والإعوجاج عن الوضع الأصل وهو الميل عن أي وضع كان مستقيماً ومعتدلاً. وبناءً على ما أوضحه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رسم للصحابة خطين مستقيمين أمامه ورسم خطين مستقيمين عن يمينه وآخرين عن يساره وقال لهم إن الصراط الوسط هو الصراط المستقيم والخطان اللذان عن يمينه وعن يساره هما طريقا الشيطان. وإن الميل يميناً أو يساراً عن الصراط المستقيم هو ميل مع الشيطان. إذاً يكون معنى النشوز في حالة الزوجين هو ميل أحدهما عن إستقامته التي كان فيها مع الآخر أي عدم وفائه للعقد الذي بينهما والذي تم بلا إله إلا الله. وميله هذا هو المقصود بعدم العدل أي عدم الإعتدال الذي كان أساسه المودة والرحمة التي جعلها الله بينهما. فعندما ينشز أحدهما عن الآخر يكون قد استبدل المودة والرحمة بالكره وعدم الرحمة. وهذا المعنى يعضده تعريف البخاري للنشوز بالكره. وقبل أن نوضح علاج النشوز في القرآن يطرأ على الذهن السؤال التالي: لماذا جعل الله للنشوز علاجاً وكثير من الناس يعتقد أن القلب يقلبه الله والمحبة والكره من الله؟ والإجابة هي: إن الله يريد من المؤمن الصبر على قسمته إيماناً بوحدانيته وشكراً وحمداً له على نعمته التي لم ينلها  غيره لقوله تعالى:{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}21 الروم.كما إن الله يريد من المؤمن أن ينشغل بعبادته ويترك الجري وراء متاع الحياة الدنيا. فالله الذي جعل المودة والرحمة بين الأزواج لينعم الناس بالاستقرار وينقطعون لعبادته. إذاً لا يمكن أن يجعل الله الكره بين الناس. فالذي يبعث الكره بين الناس هو إبليس الذي توعد ربه بأن لا يجد أكثر عباده شاكرين. فهو الذي يغوي العباد ليعصوا الله ما أمرهم وهو الذي يغري بينهم العداوة والبغضاء. فيستبدل إبليس المحبة والرحمة بينهم (التي هي صنع الله) بالعداوة والبغضاء (صنعه). وعندما ينقطع حبل الود الذي يربطهم وينعدم الأمن والاستقرار بين الناس ينشغلوا عن ذكر الله وعبادته. ولهذا أنزل الله علاجاً لنشوز الزوج وعلاجاً لنشوز الزوجة. لقد ورد الحكم في نشوز المرأة عن زوجها في الآية التالية:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}(34) النساء وجاء حكم نشوز الزوج عن زوجته في الآية:{ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} 128 النساء. فكانت أحكام إصلاح نشوز الرجل واصلاح نشوز المرأة كالآتي:

حكم نشوز الرجل من زوجته                                      حكم نشوز المرأة من زوجه

 أن يحسن ويتقي كما وعظه الله                                   أن تحسن وتتقي كما يوعظها زوجها

 أن يصلحا بينهما بأن تهب المرأة                                 أن يهجرها الزوج في المضاجع

يومها ونفقتها لزوجها بأي صورة ترضاها الزوجة

 إصلاح النشوز والرجوع للاعتدال                               ضربها ضرباً غير مبرح

 إن أصلح فالحمد لله وإلا الفراق                                  إن أصلحت فالحمد لله وإلا الفراق

    لقد جاء حكم إصلاح الوضع تدريجياً في الحالتين وإن لم يحدث الإصلاح يجب عليهما أي الزوج والزوجة الأولى أن يتفرقا ليستقر مع واحدة وهي التي مال إليها فيفقد بذلك مغفرة الله.  وإن ما يثير المرء هو أن حكم الشريعة واضحاً ومع ذلك نسمع فتاوى العلماء مؤكدةً أن من تطلب الفراق عند نشوز زوجها هي آثمة!!! والآن نبحث الفرق بين حكم النشوزين وأسبابه: أولاً أن يتم وعظ الناشز إن كانت المرأة أو الرجل. ثانياً: المرأة الناشز يعظها زوجها لقوامته عليها. ثالثاً: الرجل الناشز يعظه الله لقوامته عليه. رابعاً:الوعظ للإثنين بالتذكير بتقوى الله وبالعدل والإحسان حتى يرجعا إلى صوابهما لقوله تعالى:”وإن تحسنوا وتتقوا “،”وإن تصلحوا وتتقوا”. فالرجل يعظه ربه والمرأة يعظها زوجها

ثانياً: حكم هجر المرأة في المضاجع يكسر من كبريائها ويكون وسيلة لتسهيل الإصلاح من الميل والنشوز. وكذلك حكم الصلح الذي تختاره الزوجه هو تنازلها من يومها ومن نفقتها للزوج  لأن قوامة الرجل عليها لا تسمح لها بهجره في المضاجع). ولهذا نجد أن هبة قسمتها من المبيت والنفقة للرجل لها نفس تأثير الهجر في المضاجع. لأن الزوج يشعر يشعر بنوع من الهزة في كبريائه لشعوره بأن التي رأى أنها لا تناسبه هي أيضاً غير مستكثرة منه (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير!) فيسهل عليه إصلاح وضعه المائل. أما حكم الضرب المبرح هو الفرق الوحيد، الذي أحسبه قد ورد لأن المرأة قد خلقت من الضلع الأيسر للرجل. ونحن نعلم أن المياسر هي التي يدخل منها الشيطان ليؤجج نار الفتن.  إذن عندما تنشز يكون الشيطان قد تملكها وزين لها كره زوجها فيصير الضرب المبرح هو الوسيلة لطرده كما حدث في قصة سيدنا أيوب عليه السلام مع زوجته عندما شعر أن الشيطان قد بدأ يتملكها فقرر ضربها مائة جلدة. فأمره الله أن بحزم 100 قشه يضربها بها ضربة واحدة ليبر يمينه ويتخلص من شرور الشيطان. مما يدل على أن ضعف كيد الشيطان يظهر بأن ضربة واحدة بقشة تبعده.وأن الضربليس لأديب المرأة لأن ضربة واحدة كهذه لا تؤدب مخلوقاً ولكنه ضرب للشيطان. ومثال آخرلطرد الشيطان بالضرب هو ضرب سيدنا سليمان لخيله عندما علم بأن الشيطان قد شغله بحبهم. أما الرجل الناشز فيدخل له الشيطان عن طريق المرأة الأخرى التي يزينها له فتسحره ليجري ورائها وفي هذه الحالة لا ينفع ضربه هو. وذلك بناءً على الحديث التالي: (تقبل المرأة في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإن رأيت ما يعدبك فاذهب إلى أهلك فإنه يذهب ما في قلبك).إذاً هذا الحديث وقاية للرجل من النشوز أي كره زوجته والجري وراء أخرى مما يؤكد النهي عن التعددية والله أعلم.وأخيراً نجد أن عدم العدل أي الإعتدال مع الزوجة الأولى حباً ووفاءً لعقدها الذي أبرم بلا إله إلا الله يؤدي لعدم القسمة بالتساوي أي الصلح من أجل إعطاءالفرصة للزوج لاصلاح ميله. وإن لم يحدث الإصلاح والرجوع للاستقامة فعلى الزوجين الفراقوالله أعلم.

تعدد الزوجات منهي عنه شرعاً

     إن اختلاف العلماء في تصنيف الآيات أيهن من المحكمات وأيهن من المتشابهات قد أدى لاتباع الآيات المتشابهات التي أوضح الله أن الذين يتبعون المتشابهات هم المنافقون الذين في قلوبهم ضلالة لما ورد في الآية 7 آل عمران:(هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ) وكمثال لتلك الآيات التي يعمل بها الناس على إنها محكمة وهي متشابهة منسوخة الآية  3 النساء التالية: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ ) وبالرغم من أن كلاً من السيوطي ومحمد الخضري وعبدالوهاب خلاف وصبحي الصالح قد صنفوها من المتشابهات لم تحظ الآية 3 النساء بدراسة وافيه من العلماء لتوكيد أو نفي تشابهها وتوكيد أو نفي أنها من الظاهر. إن الفهم الخطأ لمثل هذه الآية والذي كان نتيجة للفهم القاصر لعلوم، القرآن قد أدى لهضم حقوق المرأة واليتامى وجميع المستضعفين من النساء والرجال.  فقد عمل الرجال بحكم الآيات المتشابهة دون التدبر في معانيها لوجود منفعة دنيوية ظاهرة لهم.  وقصة سيدنا عمر بن الخطاب مع المرأة التي أوقفته عندما أراد تحديد المهور خير مثال لتوضيح ذلك. فعندما أراد سيدنا عمر رضي الله عنه تحديد المهور أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم قامت إمرأة واستوقفته قائلةً “وإن أعطيتموهن قنطاراً” لما ورد في الآية:{وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً}20  النساءفقال أمير المؤمنين: “أصابت إمرأة وأخطأ عمر” ثم التفت إلى الرجال قائلاً: لماذا تركتموني أفتي هكذا ولم يوقفني أحدٌ من الرجال وقد أوقفتني إمرأةٌ ليست من علماء النساء؟ ألم يكن المستفاد من هذه القصة هو أن الرجال لم ولن يسعوا لمعرفة معاني الآي التي فيها أحكام تخص النساء لأن في ظاهرها منفعةً لهم؟ ألم يستفاد منها أيضاً أن النساء هن المسئولات عن البحث عن حقوقهن وهو أكبر دليل على أن التدبر في معاني الآي واجب على المرأة كما هو واجب على الرجل؟ ألم تشر هذه القصة إلى وجوب تراجع العلماء عن أرائهم إن جاءت إمرأة بالدليل على قولها وقد تراجع ثاني الخلفاء الراشدين عن رأيه؟ ألم تدل هذه القصة أيضاً على أن من يتقصى الحقائق الدينية لا يشترط فيه أن يكون من العلماء كما يعتقد الكثيرون. باختصار شديد يتم توضيح المجال الذي أنزلت فيه المتشابهات المنسوخات والهدف من تنزيلهن وتحديد معالمهن من آيتي الخمر والربا المنسوخات ومن ثَمَّ تحليل آية التعددية والآيات التي نسختها. لقد أنزلت الآيات المتشابهات المنسوخات في الشهوات التي أدمنها الرجال في الجاهلية وكانوا يتافسون ويتفاخرون بالتكاثر منها لقول صبحي الصالح: (رأينا أن الوحي لم يفاجئ المؤمنين بالتشريع، بل نزل نجوماً على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، يتدرج مع الأحداث والوقائع، وأن هذا التدرج تناول العادات الشعورية والتقاليد الاجتماعية)  أي أن الآيات المتدرجات في الحكم قد تناولن حب الشهوات التي يشعر المرء بها بالمتعة وهي التي أوضخها الله في آيات متفرقة كقوله تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) 47 الكهف ثم أوضح أن المال والبنون فتنة لقوله تعالى (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) وأوضح الحديث التالي أن النساء فتنة كما جاء أن الخيل والبغال والحمير زبنة وأن منها جائر أي فتنة. ومن ثم جمع كل الزينة التي هي فتنة في الآية:{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ}14 آل عمران.إن الهدف الأول:  يتضح من حديث السيدة عائشة التالي: (ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لن ندع الخمر أبداً…ولو نزل لا تزنوا لقالوا لن ندع الزنا أبداً) أن الله أراد بالمتشابهات المتدرجات في النهي عن حب الشهوات والتكاثر منها  علاج الرجال من إدمانهم لحب الشهوات في الجاهلية كما يتدرج الطبيب في علاج مدمن الخمر ولله المثل الأعلى.الهدف الثاني:  أن تكون  المتشابهات المنسوخات مادة امتحان  لتمييز المؤمن بأقدار الخير من المنافق. فهن إذاً أداة تصفية للشاكرين الصابرين على نعم الله المتقين والصامدين في وجه الشيطان وإغوائه لانشغالهم بالآخرة وتمييزهم من الذين يتبعون الشيطان أي لم يجتنبوا الطاغوت فيلهثون وراء التكاثر من زينة الحياة الدنيا فلا يكتفون بقسمة الله لهم من أقدار الخير ولا يصبرون عليها لقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً) 7 الكهف وذلك لتوعد إبليس لربه بأنه سيغوي الناس فلا يجد الله أكثرهم شاكرين لنعمه لقوله تعالى على لسان إبليس:{قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}{ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}16-17 الأعراف ولا ننسى أن الله قد حذَّر من تغيير نعمه بقوله تعالى:{سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}211 البقرة. ففي هذه الآية  جاءت كلمة آية بمعنى نعمة وقد أبدل بنو اسرائيل نعمة المن والسلوى. كما كانت في هذه الآية كلمة مستترة تقديرها فبدلوها أي إن الله آتآهم من الآيات ومن النعم ما بدلوها. ولهذا من يبدل نعمة الله يلقى شديد العذاب كبني اسرائيل الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله. إذاً يتبين م قوله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}21 الروم يتبين لنا أن الزوجة آية أي نعمة ولهذا يجب على المؤمن عدم تغييرها بناءً على الآية 211 البقرة. فكثرة الزوجات يؤدي لكثرة البنين الذين وصفهم الله بأنهم فتنة أي ابتلاء وامتحان كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم سوس الطاعات. فإذا علمنا أن الإيمان بالأقدار خيرها وشرها ركن من أركان عبادة الله وتوحيده وأن الله قد قدَّر لكل فرد نصيبه من هذه الزينة (أقدار الخير أي النعم التي هي زينة الحياة) قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، نصل إلى أن قبول نعم الله والصبر عليها وعدم كفرانها وجحودها والطغيان فيها هو عين الإيمان بالأقدار. ولهذا جعل الله نعم الدنيا ابتلاءً وامتحاناً ليميز بها المؤمن الحق الذي يجاهد ويصبر في سبيله من المؤمن الضعيف الذي يغريه إبليس للجري وراء الزينة معرضاً عما أعطاه الله له. هذا وقد أوضح الله لنا في قصة أبينا آدم وإبليس أن إبليس هو الذي يتخذ زينة الحياة له مواد إغراء للناس وتزينها لهم بزينة كاذبة ويمنيهم بمستقبل كاذب وهو (التأويل الباطل) للجري ورائها والاعراض عما آتاه الله لكل مخلوق. فيلهث المرء وراء ما يزينه له المرء باطلاً وكذباً بما سيؤول له حاله بعد أخذ الزينة المنهي عنها وفي حقيقة الأمر لا يعلم تأويله أي تأويل حاله إلا الله لأنه أمرغيبي. فقد حدث لأبوينا أن زين لهما إبليس حسن الأكل من الشجرة التي هي فتنة الحرث وزين لهما حسن عاقبة حالهما إن أكلا من الشجرة الممنوعة (أي تنبأ لهما كذباً وباطلاً بما سيؤول له حالهما وهو أن يصيرا ملكين أو يخلدا) وهو تأويل باطل وكاذب لأنه لا يعلم تأويله إلا الله (وهذا هو معنى الآية 7 آل عمران). عليه يرمز الله لكذب الشيطان بالباطل ولهذا جاء قوله تعالى:{ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}72 النحل.ومن هذه الآية يتضح أن التكاثر المطلوب يحدث عن طريق الحفدة وليس عن طريق تكاثر الزوجات. وبما إن الفتنة هي الامتحان في مدى قبول الناس بالأقدار ورضاهم بها وصبرهم عليها  توكيداً لإيمانهم بأنها من الله وشكراً وحمداً له أوضحالله  أن الذين يريدون الدنيا وزينتها سوف يعطيهم لها ولكنهم لن ينالوا إلا النار في الآخرة بقوله تعالى: (من يرد الدنيا وزينتها نوف إليه منها وهم لا يبخسون )(أولئك الذي ليس لهم في الآخرة إلا النار)15-16 هود وبعد هذا التوضيح نتدبر معنى الآية 3 النساء لعدم وجود تضارب وتناقض في القرآن. لقد ضرب صبحي الصالح مثلاً للآيات المتشابهات اللاتي من الظاهربالآية 3 النساء وقال إن وجدت القرينة لا يعمل بها. وأوضح محمد الخضري القرينة بأن هنالك كلمات معناهن مشترك فلايظهرالمعنى الذي يريده الشارع إلا بعد توضيح الحرف أو ظرف الزمان أ,…الخ من استخدام الكلمة في القرآن. فكان معنى كلمة تعدلوا في الآية 3 النساء مشترك ومعنى فإن خفتم مشترك. لأن كلمة تعدلوا أصلها تعدلون من العدل  وتعدلون من الأفعال الخمسة وهي فعل مشترك .فيمكن أن يكون العدل بالشئ أو العدل عن الشئ بشيءآخر. ولتوضيح مراد الشارع وبعد تحليل الآيات التي وردت فيها كلمة تعدلون اتضح أن معنى يعدلون هو يعتدلون ويستقيمون. حيث جاء في بعض الآيات أن الناس يعتدلون بهدي الله وفي بعض الآيات الكفار يعتدلون بهدي ربهم الشيطان. وبالتالي يصير معنى ألا تعدلوا هو ألا تعتدلوا. فالفعل يعدلون قد حزفت منه الياء لوقوعها بين عين ساكنه ودال مكسوره كما هو الوضع في قوله تعالى: (ولا تعدوا في السبت) الذي معناه ولا تعتدوا في السبت فحزفت التاء لوقوعها بين عين ساكنه ودال مضمومه. وهما قاعدتان يمكن حذف التاء بهما. فالعدل أو الاستقامة في جميع الآيات المذكوره في القرآن هو إما مع حدود الله لقوله تعالى: (إن الله يأمركم بالعدل والاحسان…) أو مع الشيطان بترك العمل بحدود الله  كما أوضحه الرسول صلى الله عليه وسلم. وليس المعنى المقصود هو القسمة بالتساوي بالرغم من أن القسمة بالتساوي كانت جزءاً من الاعتدال في فترة الاباحة المؤقتة أي قبل النسخ. إذاً نجد أن الاعتدال بحدود الله المطلوب في الآية 3 النساء هو الوفاء بالعقود لقوله تعالى: (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ) 1 المائدة. ألم يكن عقد الزواج من أقوى العهود والمواثيق التي أخذها الله على عباده لأنها أبرمت بكلمة “لا إله إلا الله” لقوله تعالى:(وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقاً غَلِيظاً) 21 النساء؟ لهذا قالت السيدة عائشة : “كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعدل ويقسم” أي أنه يستقيم ويعتدل بحبها وفاءً لعقدها وفي نفس الوقت كان يقسم للأخريات معها بالتساوي في المبيت والنفقة. كما أن  معنى كلمة الخوف مشترك لأن الخوف إما أن يحدث قبل الحدث أو بعده. وبعد إيجاد القرينة اتضح أن الخوف بعد حدوث الشيء. لذا يكون معنى فإن خفتم هو فإن تيقنتم من أنكم ملتم. وبعد توضيح معنى (فإن خفتم وإن لم تعدلوا ) نصل إلى أن معنى الآية هو: إن أردتم أن تتزوجوا اليتيمات اللاتي في حجوركم لجمالهن أو لمالهن وليس لرغبة فيهن ولم تقسطوا أي لم تعتدلوا بحدود الله معهن وتعطوهن مهورهن كرصيفاتهن وتوفوا بعقودهن فاتركوهن وقد ابحنا لكم أن تختاروا ما طاب لكم من النساء واحدة أو اثنين أو ثلاث أو أربع نسوة أولات أولياء أمور، لتعوضوا ما فقدتموه منهن من المال أو الجمال أو الحسب والنسب نتيجة ترككم اليتيمة بشرط أن تعتدلوا وتستقيموا بحب الزوجة الأولى وفاءً لعقدها وأن لا تميلوا منها. فإن شعرتم بأنكم قد ملتم عنها فاختاروا واحدة إما أن تستقيموا مع الأولى أو ما ملكت اليمين أو أن تتركوا الاولى وتستقيموا مع الثانية التي ملتم إليها لأن الواحدة والواحدة فقط هي التي تحقق العدل وعدم الميل والظلم لقوله تعالى في نهاية الآية (ذلك أدنى ألا تعولوا) أي لا تجوروا. إذاً مجرد وجود ثانية يحدث الميل وعدم الاعتدال فكيف بأربع نسوة! والعدل فرض لقوله تعالى: ( إنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) 90 النحل؟ هذا وقد جاء الاسلام ليمنع الزواج الذي هدفه التمتع بالنساء للتمتع عن طريقهن بالأربع أشياء التي يحققها لهم الزواج وهي الجمال والمال والأبناء والنسب الذي كان سبب الإباحة بالعدد أربعة.ولهذا تغير الهدف من الزواج بعد الإسلام ليكون الهدف هو الدين وحده مع الإعتدال مع الأولى لما ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تتزوجوهن لجمالهن فعسى أن يرديهن ولا تتزوجوهن لمالهن فعسى أن يطغيهن ولا تتزوجوهن لحسبهن ونسبهن فعسى أن يزيدكم مذله تزوجوهن لدينهن وإن كانت أمة خرماء) فقيل وما الخرماء يا رسول الله قال المشقوق أنفها). ولما جاء أيضاً في الحديث تنكح المرأة لأربع لجمالها ولمالها ولحسبها ونسبها فاظفر بذات الدين تربت يداك. ومن هنا يمكن توضيح كيفية التدرج في النهي عن تعدد الزوجات وأن الزوجة واحدة. لقد استفتى الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم الآية 3 النساء لالتباس حكمها عليم وتشابه الخلال بالاباحة بأربع نسوة وبالبقاء مع واحدة لأنها هيالتيتحقق العدل والعدل أمرمحكم؟  فنزلت الآيات التالية تستفتيهم:{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً}{وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}{وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}{وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً}{وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً} {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً}{مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً}127-131 النساء. فاختصت الآية 127 بحقوق اليتيمة وهي زواجها عن رغبة فيها وإعطائها حقوقها كاملة والاعتدال بحبها والوفاء لعقدها. وإن لم يستطع المرء تحقيق ذلك فلا يتزوجها كما كان يتركها إن لم تكن ذات مال وجمال. وجاءت الآيات الثلاث (128-130) النساء موضحة حكم من علمت وتيقنت من كره زوجها لها ونشوزه عنها، أي أنها علمت بميله القلبي لإمرأة أخرى. وقد تدرج الحكم على ثلاث مراحل كالآتي: المرحلة الأولى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}(128) النساء. فكانت أول خطوة في التدرج هي: أن تعقد الزوجة مع زوجها الناشز عنها صلحاً.  فما هو الصلح؟ إن الصلح هو أن تهب له يومها وحقها في المبيت والنفقة أو جزء منهما كما ورد في حديث السيدة عائشة رضي الله عنها: “وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً قالت هو الرجل له امرأتان أحدهما قد كبرت والأحرى دميمة وهو لا يستكثر منها فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني”. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يكون معنى (ألا تعدلوا) هو القسمة المتساوية، والله يطالب المرأة التي نشز عنها زوجها بالتنازل له عن قسمتها في المبيت والنفقة؟؟؟ عليه يكون معنى العدل وبدون شك هو الإعتدال بحدود الله. وبما أن النشوز هو عدم الإعتدال حباً ووفاءً للعقد الأول فهو الذي يؤدي لعدم القسمة بالتساوي. فإذا كان الله قد جعل المودة والرحمة بين الزوجين فمن هو الذييغيرتلك المودة والرحمة إلى كره وإعراض؟ ألم يكن إبليس الذي قال الله عنه إنه يتعلم السحرليفرق به بين المرء وزوجه؟ ولهذا قال الزمخشري إن الشيطان يفرقبين المرء وزوجه بالكره والنشوز والفرك. إذاً يمكن توضيح الحكم في المرحلة الأولى بالآتي: أولاً: إن عدم وفاء الزوج بعهده الأول هو ميل عن حدود الله أي إعوجاج عن الصراط المستقيم. مما يؤدي إلى: استبدال عقد الزواج بعقد صلح جديد. وأهم بنود الزواج هي المبيت والنفقة ولهذا تختلف بندود الصلح عن بنود عقد الزواج عندما يسقط جزء منها. والمرأة هي التي تحدد بندي الصلح الجديدين لزوجها الناشز بما يتناسب معها. وهذا يشير إلى أن هنالك تدرج في إنهاء عقد الزواج الأول إن لم يعتدل الزوج! حيث لم يأمر الله المرأة التي مال عنها زوجها بمواصلة الحياة الزوجية معه. ولم يأمر الزوج بالقسمة المتساوية لها في المبيت والنفقة كما يعتقد الناس. وهو الحكم الذي أوضحته أم المؤمنين سوده بنت زمعة التي تنازلت عن يومها للسيدة عائشة صاحبة العقد الأول أي صاحبة اليوم أصلاً.ثانياً: لقد جاء في الآية 129:”وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ” مما يؤكد صعوبة استيفاء شرط الإباحة أيصعوبة العدل أي الإعتدال والاستقامة  بحب الأولى مع أكثر من إمرأة. لذلك وعظ الله الرجال في نهاية الآية بقوله: “وإن تحسنوا وتتقوا”. ومعنى كل من الإحسان والتقوى والعدل هو الإستقامة بالعمل بحدود الله وحكمهم الفرض لقوله تعالى:(إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) 90 النحل فوعظ الله للرجال بأن يحسنوا ويتقوا يؤكد أن الميل عن حب المرأة الاولى وبغضها لم يكن من الإحسان والتقوى في شيء. وذكر التقوى هنا إشارة لوجود الشيطان الذي يزين للرجل حسن إمرأة غير زوجته فيحبها  ويكره زوجته لما ورد في الحديث التالي: “تُقْبِل المرأة في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإن رأيت منها ما يعجبك فاذهب إلى أهلك فإنها يذهب ما بنفسك”. وبما أن النشوز هو الكره فإنه يتعارض وتقوى الله حيث نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بالحديث التالي: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقاً رضي منها الآخر” والفرك هو الكره كما أوضحه الزمخشري. بذا يظهر قبح تعدد الزوجات في تعارضه مع طاعة الله والإلتزام بحدوده وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. ثالثاً: إن الحكمة في حكم الصلح أحسبها: إعطاء الرجل فرصة أخرى للإلتزام بأوامر الله وتقواه بعد الوعظ لأن الأسرى المستقيمة بحدود الله هي نواة المجتمع المستقيم. ولما كان معنى التقوى هو طاعة الله ومعصية الشيطان كما أوضحته قصة أبينا آدم  وأمنا حواء، وعظ الله الرجال بالتقوى والإحسان ليذكرهم بأن الشيطان هو الذي أغواهم ومنّاهم بالأخريات للنشوز عن زوجاتهم اللاتي قسمهن الله لهم فتنةً أي ليفتنهم بأن لا ينجحوا في فتنة حب شهوة النساء. وبما أن الكره قد نهي عنه فهذا يدل عن أن للشيطان يد فيه والله اعلم. المرحلة الثانية من آيات الاستفتاء: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} (129) النساء يمكن تلخيصها في الآتي:أولاً توكيد عدم مقدرة الرجال على تحقيق العدل مع أكثر من امرأة ولو حرصوا على ذلك.أي استحالة تحقيق الاعتدال بحب الأولى والوفاء بعقدها. إذا يتوافق قوله تعالى:” وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ” مع قوله تعالى:{ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ} 23-24 البقرة.حيث إن مقدرة العدل في بداية الآية 129 النساء(ولن تستطيعوا أن تعدلوا…) أدى إلى الوعظ بالإصلاح والتقوى في نهاية الآية. تماماً كنفي مقدرة الإتيان بآية مثل آيات القرآن في بداية الآية 24 البقرة الذي أدى إلى الوعظ بتقوى الله الذي هو التقوىً من النار في نهاية الآية. فيستفاد من ذلك: إن أي شيء يحول دون تطبيق أوامر الله لصعوبته هو عدم تقوى فعلى المرء تركه.ثانياً لقد أنزل الله حكم هذه الآية في “فترة الإباحة” التي كان فيها الرجال معدِّدون وناشزون أصلاً عن زوجاتهم الأوائل ومائلين عنهم. ولهذا أحسب أن الله قد أراد أن يمهد لهم ويهيأهم للأمر بإصلاح ذلك الميل فأمرهم بألا يميلوا ميلاً عظيماً. لأن الميل العظيم يصعب معه الإصلاح والرجوع  للوضع الأول. ثالثاً: إن فترة الصلح التي أباحها الله للزوجين ،هي فترة مؤقتة. والخير في الصلح يكمن في أن تكون المرأة الأولى في عصمة زوجها لإعطاء الرجل فرصة لإصلاح ذلك الوضع المعوج أي عدم تقوى الله. ولهذا ورد في نهاية الآية 129:(وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله غفور رحيم). أي أن من يصلح وضعه ويتقي الله جزاؤه المغفرة لتحقيق أهداف الرسالة بتطبيق حكم الآية :{يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}(35) الأعراف أي إن هذه الآية تؤكد أن وعظ الرجال بالاصلاح والتقوى في حالة التعدد من أوضاع الجاهلية الفاسدة التي أراد الله إصلاحها. والنشوز لا يحدث إلا بالرغبة في إمرأة ثانية مما يؤكد قبح التعددية من أجل المتعة. المرحلة الثالثة: قوله تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} {وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} (130-131) النساء. أولا: يوجد في الآية 130 قوله (إن يتفرقا يغن الله) وهذه دعوة لفراقهما أي فراق الزوجة الأولى إن لم يستطع الرجل إصلاح ميله عنها والاستقامة معها وأبتغى الثانية. فالحرف “وإن”  في هذه الآيات يعني “فل”. فيكون معنى “وإن تحسنوا وتتقوا” هو “فلتحسنوا وتتقوا” ومعنى “وإن تصلحوا وتتقوا هو فلتصلحوا وتتقوا” لأن الاحسان والتقوى والاصلاح أوامر من أوامرالله . وبالتالي يكون قول وإن يتفرقا وليتفرقا والله أعلم. ثانياً: معنى الآية 130 يوافق ما ورد في الآية 3 النساء” {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} حيث أن إستحالة العدل مع أكثر من واحدة يتعارض مع الأمر بالعدل أي أن حكم الإباحة يتعارض مع حكم المحكم. وبهذا نجد أن الواحدة تتحقق بفراق من مال عنها زوجها والبقاء مع من رغب فيها وهي التي مال إليها. وبذلك يفقد الغفران الذي شَرْطُه وأساسه التقوى والإصلاح لقوله تعالى” وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله غفور رحيم “. ثالثاً: لقد أوضح الله في الآية 131 أنه قد أمر جميع الخلق بالتقوى وهي عصيان إبليس وطاعته وحده. فمن لم يصلح وضعه الفاسد ويتقي الله فيما أمره الله به فهو كفر والله لا يحب الكافرين. أي إن الله قد رفع الظلم عن الزوجة الأولى بحمايتها من المواصلة مع من ترك حبها وعقدها. وترك الرجل وحبه لدنياه لعدم  تقواه واتباع خطوات الشيطان والله أعلم. وأخيراً عندما جمع الله الزينة في الآية 14 آل عمران قال سيدنا عمر للرسول صلى الله عليه وسلم: الآن وقد زين لنا حب الشهوات فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يسكت عند الافتاء في آيات الخمر. فنزلت الآية 15 آل عمران { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ }15 آل عمران موضحة لهم أن من يتقي الله بترك متاع الدنيا يعوضه الله بأحسن منها في الآخرة. ولما كانت آيات التدرج في النهي عن شرب الخمر وأكل الربا  مفصلات في كتاب الله رأيت أهمية تحليلهن لمعرفة معالم المتشابهات المنسوخات ومقارنتها بمعالم آيات التعددية. فإن تطابقت المعالم تكون الآية 3 النساء متشابهة منسوخة لا يعمل بها دون أدنى شك. ومعالم آيات الخمر والربا كالآتي: أولاً نزلت الآيات في نوعين من زينة الحياة الدنيا شرب الخمر وزيادة المال بأكل الربا.ثانياً عند إرجاع الحكم للمحكم نجد أن الخمر يتعارض مع الصلاة التي حكمها محكم هو الفرض. ويتعارض حكم الربا مع التصدق الذي حكمه محكم هو الفرض. ثالثاً:لا يوجد في  الآيات لفظ “أُحِلَ لكم” أو”حُرِّم عليكم” مما يجعلها تخرج من دائرة “الحلال البيِّن” و”الحرام البيِّن”أي من دائرة المحكم.رابعاً: جاء الحكم بصيغة “لا تفعلوا” ففي الخمر جاء “لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى” فظهر الحكم وكأن شرب الخمر الحلال إذا لم يقربوا الصلاة. وجاء في أكل الربا “ولا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة” فظهر الحكم وكأن أكل الربا حلال إذا لم يضاعف وهو ليس بالحلال البيِّن بقول “أحل لكم” فتم تقييد شرب الخمر مع الصلاة بعدم السكر فظهر الحكم وكأنه حرام وهو ليس بالحرام البين.  وتقييد الربا بعدم المضاعفة فظهر الحكم و كأنه حرام لصعوبة تحقيق الشرط وهو ليس بالحرام البيَّن. فاشتبه على الناس هل حكم شرب الخمر وأكل الربا حلال أم حرام لأن حكمهما حكم متشابه يشتبه فيه الحلال والحرام. رابعاً: استفتي الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم تلك الآيات فسكت. خامساً: أنزلت الآيات بعدها موضحة قبح شرب الخمر ولعب الميسر وأكل الربا لما فيهم من إثم وهو الانشغال بهم عن ذكر الله وأن الشيطان يريد أن يوقع بهم العداوة بين الناس. خامساً بعد أن علموا أن الخمر وأكل الربا رجس من عمل الشيطان وفيهما إثم باطن تهيؤا لتحريمهما.سادساً أنزلت الآيات الأخيره محكمات ناهيات عن شرب الخمر وأكل الربا أي ناسخات لحكم الإباحة المتشابه بصورة واضحة الدلالة لا لبس فيها. إذاً  كل الآيات التي نزلت بعد الآية الأولى لتوضيح الاثم الباطن في شرب الخمر وأكل الربا هن آيات متشابهات لم يذكر فيهن الحلال والحرام بصورة واضحة الى أن يظهرحكم النهي بصورة واضحة في الآية الأخيرة. لقد تطابقت معالم الآية 3 النساء مع معالم آيات الخمر والرباتطابقاً كاملاً. حيث أنزل الحكم فيزينة الحياة الدنيا ولم يكن فيالآية الحلال البين ولاالحرام البين بل كانت هنالك إباحة مقيدة بأمرصعب مما جعل الحكم يشتبه على الناس. فاستفى الرجال في الحكم ونزلت الآيات موضحة قبح التعددية لأنه جحود لنعمة الله وتغييرالمودة والرحمة بالكره والاعراض اتباعاً لابليس. وبالتعددية تكثر الذرية وتكثر العداوة والبغضاء بينهم وبين أمهاتهم فينشغل الجميع عن ذكر الله ولنا في قصة سيدنا يعقوب وأبنائه آية أيعظة وعبرة. فأمرالله اللرجل وزوجته الأولى التيمال عن حبها بالفراق ليبقى مع واحدة فقط.  فنسخ حكمها مع بقاء التلاوة أي الرسم لأنه امتحان لضعيفي النفوس كما عبر عنه ابن القيم بأنه كالشرك يقع فيه المهوسون بحب الشهوات فيقعون في بيداء الحسرات. ولمِا لا وقد جاء في محكم تنزيله: (أما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى) (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى) (فإن الجنة هي المأوى.  فالرسول صلى الله عليه وسلم الذي  يطبق الأحكام عملياً في آل بيته وصحابته كي لا يتحجج الناس بأنهم لم يفهموا الحكم كما قال الشعراوي، طبق حكم النهي عن التعددية من أجل المتعة في ابنته فاطمة رضي الله عنها وأرضاها في حديثين مختلفين أولهما: عن المسور بن مخرمة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: ” إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يتزوجها فليطلق لي ابنتي فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها هكذا قال.” والحديث الثاني: قال النبي صلى الله عليه وسلم:” لا تجتمع بنت رسول الله مع بنت عدو الله تحت سقف واحد”.إن في هذين الحديثين دروس عظيمة تتلخص في: إن بني هشام قد استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم مما يدل على إسلامهم واسلام إبنتهم. ولولا ذلك لما جاز لسيدنا علي أن يتزوجها إن أراد ذلك. وفي ذلك إشارة إلى أن الموضوع تعليمي ليس إلا. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا أتى المسجد واعتلى منبره ليخبر الناس؟ تقتضي السنة أن يستأذن الرجل ولي أمر زوجته في الزواج على ابنته. فيحق لوالدها أو ولي أمرها أو الزوجة نفسها طلب الطلاق للأسباب الآتية:امتثالاً لقوله تعالى: “وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا”. تأسياً بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي يوضح لنا الأحكام عملياً. لا يعقل أن يكون أبغض الحلال عند الله الطلاق في هذه الحالة وتكون التعددية حلال, لأن كل من ينشز عنها زوجها ولا يستطيع الإعتدال معها لابد أن تطلب الطلاق ليكون مع واحدة.أما الحديث الثاني فله أبعاد عميقة لما لوجود بنت أبي جهل فيه من وزن كبير في توضيح تلك الأبعاد التي أحسبها كالآتي: أولاً:  إن اختيار بنت أبي جهل عدو الله في هذا الحديث لتكون رمزاً للمرأة التي يزينها الشيطان عدو الله للرجل وبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم هي رمز للمرأة التي يقسمها الله للرجل وهي التي أنعم الله بها عليه وبارك له فيها. ثانياً: إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم:” إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يتزوجها فليطلق لي ابنتي” يعني إن كان علياً يرغب في الزواج منها حيث لا يوجد سبب للزواج منها غير الرغبة.  عليه يتلخص الحديث في الآتي: “لا تجتمع من يزينها الشيطان عدو الله مع من قسمها الله رب العالمين تحت سقف واحد لأن الشيطان عدو الله سيجعل الرجل يظلم الأولى ويزين له دائماً وأبداً حبها وجمالها فيميل عن حب الأولى ولا يفي بعقدها” ولهذا كان فراق الأولى وابتعادها ممن يزينها الشيطان للرجل فيه خير وصلاح لها وسيغنيها الله من فضله. وغنى الله خير مما يجمعون. وبذلك أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم بهذين الحديثين سببين مختلفين للنهي عن التعددية من أجل التمتع. وإذا تمعنا في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (تقبل المرأة في صورة شيطان وتتدبر في صورة شيطان، فإن رأيت منها ما يعجبك فاذهب إلى أهلك يذهب ما في نفسك.) نجده موجهاً للمتزوجين الذين لهم أهل يذهبون إليهم. كما أنه يوضح تزيين الشيطان لإمرأة أخرى للرجل المتزوج ليلهث وراءها ولهذا كان توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذهبوا لزوجاتهم حتى يذهب ما تركته المرأة التي زينها له الشيطان في نفسه.  أما من لم يكن له أهل فلا جناح عليه أن  يتزوجها ودليل آخرعلى تحريم التعددية هو نهي الرجال والنساء عن النشوز عن أزواجهم. ولما كانت الأسرة هي نواة المجتمع أمرالله الرجل بعلاج نشوز زوجته والمرأة بعلاج نشوز زوجها. وهنالك تشابه في العلاجين مع وجود فرق يسير.والفرقبين الحكمين هو:    يعتبر النشوز أحد تصرفات الأزواج المذمومة لأنها هدم لبناء نواة المجتمع وتفكيكها.  ولهذا أنزل الله الآيات التي توضح طريقة علاج نشوز كل من الزوج والزوجه. وأحسب أن الطريقة واحدة مع الاختلاف اليسير نتيجة للقوامة التي أعطاها الله للرجل.  ومن أجل توضيح الفرق بين طريقة اصلاح نشوز الرجل وطريقة اصلاح نشوز المرأة كان لابد أن يتم توضيح معنى النشوز وتوضيح أسبابه أولاً ثم توضيح طريقة علاج نشوز كل منهما ومن ثم توضيح الفرق. إن معنى النشوز هو الميل والإعوجاج عن الوضع الأصل وهو الميل عن أي وضع كان مستقيماً ومعتدلاً. وبناءً على ما أوضحه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رسم للصحابة خطين مستقيمين أمامه ورسم خطين مستقيمين عن يمينه وآخرين عن يساره وقال لهم إن الصراط الوسط هو الصراط المستقيم والخطان اللذان عن يمينه وعن يساره هما طريقا الشيطان. وإن الميل يميناً أو يساراً عن الصراط المستقيم هو ميل مع الشيطان. إذاً يكون معنى النشوز في حالة الزوجين هو ميل أحدهما عن إستقامته التي كان فيها مع الآخر أي عدم وفائه للعقد الذي بينهما والذي تم بلا إله إلا الله. وميله هذا هو المقصود بعدم العدل أي عدم الإعتدال الذي كان أساسه المودة والرحمة التي جعلها الله بينهما. فعندما ينشز أحدهما عن الآخر يكون قد استبدل المودة والرحمة بالكره وعدم الرحمة. وهذا المعنى يعضده تعريف البخاري للنشوز بالكره. وقبل أن نوضح علاج النشوز في القرآن يطرأ على الذهن السؤال التالي: لماذا جعل الله للنشوز علاجاً وكثير من الناس يعتقد أن القلب يقلبه الله والمحبة والكره من الله؟ والإجابة هي: إن الله يريد من المؤمن الصبر على قسمته إيماناً بوحدانيته وشكراً وحمداً له على نعمته التي لم ينلها  غيره لقوله تعالى:{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}21 الروم.كما إن الله يريد من المؤمن أن ينشغل بعبادته ويترك الجري وراء متاع الحياة الدنيا. فالله الذي جعل المودة والرحمة بين الأزواج لينعم الناس بالاستقرار وينقطعون لعبادته. إذاً لا يمكن أن يجعل الله الكره بين الناس. فالذي يبعث الكره بين الناس هو إبليس الذي توعد ربه بأن لا يجد أكثر عباده شاكرين. فهو الذي يغوي العباد ليعصوا الله ما أمرهم وهو الذي يغري بينهم العداوة والبغضاء. فيستبدل إبليس المحبة والرحمة بينهم (التي هي صنع الله) بالعداوة والبغضاء (صنعه). وعندما ينقطع حبل الود الذي يربطهم وينعدم الأمن والاستقرار بين الناس ينشغلوا عن ذكر الله وعبادته. ولهذا أنزل الله علاجاً لنشوز الزوج وعلاجاً لنشوز الزوجة. لقد ورد الحكم في نشوز المرأة عن زوجها في الآية التالية:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (34) النساء وجاء حكم نشوز الزوج عن زوجته في الآية:{ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} 128 النساء. فكانت أحكام إصلاح نشوز الرجل واصلاح نشوز المرأة كالآتي:

حكم نشوز الرجل من زوجته                                   حكم نشوز المرأة من زوجها

– أن يحسن ويتقي كما وعظه الله                              –  أن تحسن وتتقي كما يوعظها زوجها

– أن يصلحا بينهما بأن تهب المرأة                             –  أن يهجرها في المضاجع

يومها ونفقتها لزوجها بأي صورة ترضاها الزوجة

– إصلاح النشوز والرجوع للاعتدال                            – ضربها ضرباً غير مبرح

– إن أصلح فالحمد لله وإلا الفراق                              – إن أصلحت فالحمد لله وإلا الفراق

    لقد جاء حكم إصلاح الوضع تدريجياً في الحالتين وإن لم يحدث الإصلاح يجب عليهما أي الزوج والزوجة الأولى أن يتفرقا ليستقر مع واحدة وهي التي مال إليها فيفقد بذلك مغفرة الله.  وإن ما يثير المرء هو أن حكم الشريعة واضحاً ومع ذلك نسمع فتاوى العلماء مؤكدةً أن من تطلب الفراق عند نشوز زوجها هي آثمة!!! والآن نبحث الفرق بين حكم النشوزين وأسبابه: أولاً أن يتم وعظ الناشز إن كانت المرأة أو الرجل. ثانياً: المرأة الناشز يعظها زوجها لقوامته عليها. ثالثاً: الرجل الناشز يعظه الله لقوامته عليه. رابعاً:الوعظ للإثنين بالتذكير بتقوى الله وبالعدل والإحسان حتى يرجعا إلى صوابهما لقوله تعالى:”وإن تحسنوا وتتقوا “،”وإن تصلحوا وتتقوا”. فالرجل يعظه ربه والمرأة يعظها زوجها. ثانياً:حكم هجر المرأة في المضاجع يكسر من كبريائها ويكون وسيلة لتسهيل الإصلاح من الميل والنشوز. وكذلك حكم الصلح الذي تختاره الزوجه هو تنازلها من يومها ومن نفقتها للزوج  لأن قوامة الرجل عليها لا تسمح لها بهجره في المضاجع). ولهذا نجد أن هبة قسمتها من المبيت والنفقة للرجل لها نفس تأثير الهجر في المضاجع. لأن الزوج يشعر يشعر بنوع من الهزة في كبريائه لشعوره بأن التي رأى أنها لا تناسبه هي أيضاً غير مستكثرة منه (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير!) فيسهل عليه إصلاح وضعه المائل. أما حكم الضرب المبرح هو الفرق الوحيد، الذي أحسبه قد ورد لأن المرأة قد خلقت من الضلع الأيسر للرجل. ونحن نعلم أن المياسر هي التي يدخل منها الشيطان ليؤجج نار الفتن.  إذن عندما تنشز يكون الشيطان قد تملكها وزين لها كره زوجها فيصير الضرب المبرح هو الوسيلة لطرده كما حدث في قصة سيدنا أيوب عليه السلام مع زوجته عندما شعر أن الشيطان قد بدأ يتملكها فقرر ضربها مائة جلدة. فأمره الله أن بحزم 100 قشه يضربها بها ضربة واحدة ليبر يمينه ويتخلص من شرور الشيطان. مما يدل على أن ضعف كيد الشيطان يظهر بأن ضربة واحدة بقشة تبعده.وأن الضربليس لأديب المرأة لأن ضربة واحدة كهذه لا تؤدب مخلوقاً ولكنه ضرب للشيطان. ومثال آخرلطرد الشيطان بالضرب هو ضرب سيدنا سليمان لخيله عندما علم بأن الشيطان قد شغله بحبهم. أما الرجل الناشز فيدخل له الشيطان عن طريق المرأة الأخرى التي يزينها له فتسحره ليجري ورائها وفي هذه الحالة لا ينفع ضربه هو. وذلك بناءً على الحديث التالي: (تقبل المرأة في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإن رأيت ما يعدبك فاذهب إلى أهلك فإنه يذهب ما في قلبك).إذاً هذا الحديث وقاية للرجل من النشوز أي كره زوجته والجري وراء أخرى مما يؤكد النهي عن التعددية والله أعلم.

 

الكتاب والقرآن اسمان لشيء واحد

       من العلماء من ينكر الترادف والاستبدال في القرآن. ولكن الترادف والاستبدال هما ظاهرتان مطلوبتان في القرآن للأسباب الآتية:  أولاً لقد أنزل الله رسالته للعالمين في 114 سورة كلها تتحدث عن موضوع واحد هو وحدانية الإله.فاحتوت كل سورة منها على أسماء الله الحسنى وصفاته الجليله وأفعاله وخلقه وكتبه ورسله وملائكته وملكيته لليوم الآخر وللأقدارخيرها وشرها.ثم أوضحت الحجج والراهين على وحدانيته ولهذا يستوجب على الناس توحيده بطاعته وحده وعدم شركه. وبعد ذلك سردت قصص الأنبياء وتفاعل أممهم مع رسالاتهم وما سيؤول له حال من آمن وحال من كفر يوم القيامة بناءً على درجة طاعتهم لله. فكان لابد أن تتغير المفردات مع اتفاق معانيها كي يكون المعنى واحداً في جميع السور دون أن يكون هنالك تكراراً يؤدي إلى الملل في تلاوته. وهذا هو سر حلاوة القرآن المعاني واحدة بالرغم من اختلاف الألفاظ. والسبب في تنزيل الرسالة بعدد 114 سورة هو توضيح أن الله  هو اسم جلاله بعدد من السورالتي تحدثت عن أفعال الله وصفاته. كما أنزل عدد من السوربالاسم الرحمن موضحة أن صفاته وأفعاله هي نفس صفات وأفعال الاسم الله لنعلم أن الاسم الله والاسم الرحمن أسما جلالة. ولهذا كان لابد من تشابه الآيات واختلاف الألفاظ حتى تحفظ الآيات والسور بحلاوتها وتنفي عنها الرتابة. وبنفس الطريقة أنزل عدد من السور كسورة فصلت لتوضيح أن الاسم “الرحمن الرحيم” هو اسم واحد شفع أي  مكون من اسمين . ثم أنزل عدد من السور لتوضيح أن تلك الأسماءالشفع هي أسماء وحدانية للإله كالاسم  الله والاسم الرحمن . وبنفس الطريقة أيضاً  أنزل الله عدداً من السور لتوضيح أن لله أسماء ثلاثية كالبسملة كالاسم “الله العزيز الحكيم” كما في سورة الزمر. وأنزل عدداً من السورلتوضيح أن اسم المكانة رب العالمين له عدد من الأسماء كرب الفلق ورب الناس وإله الناس كما أخبرتنا عنه المعوزتين وهكذا  فكل هذه السور أنزلت آياتها محكمة أولاً كآيات سورة الرحمن ثم فصلت شيئاً فشيئاً  حتى اتضحت معانيها. ولهذا كان تشابه آيات كتاب الأخبارعن الوحدانية محكماتها ومفصلاتها لما ورد في الآية:{ الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ }1 هود. ولما استدل أحد المفكرين الاسلاميين ببعض الآيات على أن الكتاب يختلف عن القرآن قررت البحث فيهما لتوضيح ترادف (الكتاب والقرآن) من الآيات والأحاديث والقصص. ولهذا وضعت أسئلة تتعلق بالمعلومات عن مهمة كل منهما ومواصفاته. ومن أجل الإجابة عنها وذلك باستخراج جميع الآيات التي ذكرت فيها كلمة الكتاب وجميع الآيات التي ذكرت فيها كلمة القرآن . فإن كانت الإجابات من آيات الكتاب وآيات القرآن متطابقة وأيدت الأحاديث النبوية ذلك التطابق ثبت أنهما مسميات مختلفة لشيء واحد وثبت الترادف بما لا يدع مجالاً للشك. وإن كانت الاجابات مختلفة ثبت نفي الترادف وثبت أن كلاً من المفردات له دلالته الخاصة. والأسئلة هي: لمن أنزل الكتاب وما الهدف ولمن أنزل القرآن وما الهدف؟ ما هي صفات الكتاب وما هي صفات القرآن؟ ماهي محتويات الكتاب وما هي محتويات القرآن؟ السؤال الأول: لمن أنزل الكتاب وما الهدف منه ولمن أنزل القرآن وما الهدف منه؟وإجابة السؤال الأول هي: أنزل الكتاب للناس جميعاً ليهديهم إلى وحدانية الله لقوله تعالى:{ الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ}1 ابراهيم وقوله أيضاً:{ إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ لِلنَّـاسِ بِٱلْحَقِّ فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ}4 الزمر وكذلك القرآن أنزل للناس جميعاً ليهديهم إلى وحدانية الله لقوله تعالى:{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا ُشْرِكُونَ} 19الأنعام وقوله أيضاً:{شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}185 البقرة.أنزل الكتاب ليهدي المتقين لقوله تعالى:{ الۤـمۤ}{ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}1-2 البقرة ثم عرَّف المتقين بأنهم المؤمنين الذين آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وتيقنوا من اليوم الآخر بقوله تعالى:{ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} 2-3 البقرة ولقوله تعالى: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْك فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}2 الأعراف وقوله أيضاً:(وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}52الأعراف وكذلك القرآن أنزل ليهدي ويبشر المؤمنين لقوله تعالى:{إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً }9 الاسراء

لقدأنزل الكتاب ليكون منهجاً يتبع وقانوناً قضائياً ليحكم به الناس لقوله تعالى:{كانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِي  وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ

فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}213 البقرة وكذلك القرآن أنزل قانوناً ومنهجاً ليحكم به ويتبعه الناس لقوله تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ تَنزِيلاً}(فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً}23-24 الانسان وقوله أيضاً:{فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ}18القيامة أي إذا قرأناه فاتبع قوانينه ومنهجه.كما أنزل الكتاب من أجل أن يتدبره الناس وذكرى لأولي الألباب لقوله تعالى:{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} 29 ص. وكذلك القرآن أنزل ليتدبروا آياته لقوله تعالى:{أفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً}82 النساء كما أنزل القرآن للذكرى  لقوله تعالى:{ولَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} 17 القمر.أما الإجابة عن السؤال الثالث فهي كالآتي:من صفات الكتاب أنه نزل مصدقاً لما بين يديه لقوله تعالى:{نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ}3 آل عمران وكذلك القرآن من صفاته أنه نزل مصدقاً لما بين يديه لقوله تعالى:  {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ}37يونس. من صفات الكتاب إنه يتلى لقوله تعالى:{ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ}121البقرة وكذلك القرآن من صفاته إنه يتلى{ وَأَنْ أَتْلُوَاْ ٱلْقُرْآنَ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ}92 النمل. والكتاب يقرأ لقوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ}94 يونس والقرآن أيضاً يقرأ لقوله:( وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}204 الأعراف والكتاب هو الذكر لقوله تعالى:{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ}41 فصلت وكذلك القرآن هو الذكر لقوله تعالى:{ولَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}17القمر.ثم نتحدث عن معجزتهما وهي:الكتاب معجزة لا يتأتى  للبشر أن يأتوا بمثله لقوله تعالى:{أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَٰتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}13هود والقرآن أيضاً معجزة لا يتاتى لبشر أو جن أن يأتوا بمثله لقوله تعالى:{ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}88الاسراء.والكتاب متشابه لقوله تعالى:{ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}23 الزمر والقرآن متشابه أيضاً لقوله تعالى {أفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً }82 النساء.ومن الصفات إن الكتاب مفصل لقوله تعالى:(أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ}114 الأنعام. والقرآن أيضاً مفصل لقوله تعالى:{وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}61 يونس

وقد تحدثت الآية عن القرآن في بدايتها وفي نهاية الآية استبدلت كلمة القرآن بالكتاب لتوضيح أن القرآن والكتاب اسمان لشيء واحد.نأتي لإجابة السؤال الثالث وهي محتويات الكتاب ومحتويات القرآن. يحتوي الكتاب على البينات والهدى بناءً على الآتي:{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ}159 البقرة. كما يحتوي القرآن على البينات والهدى أيضاً لقوله تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}185 البقرة. ويحتوي الكتاب على القصص لقوله تعالى:{تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}{نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}2-3 القصص وكذلك القرآن فمن محتوياته القصص لما ورد:{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَص بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ) 3 يوسف.كما يحتوي الكتاب على الأمثال لما في الآية:{مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} 24 هود كذلك القرآن فهو يحتوي على الأمثال لقوله تعالى:{لَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}27 الزمر. وكخاتمة نجد أن البحث قد توصل إلى حقيقة أن الكتاب والقرآن لفظان يدلان على شيء واحد لإشتراكهما في أهداف تنزيلهما وفي صفاتهما وفي محتوياتهما كما اشتراكهما في الجهة التي أرسلا إليها.وإذا تمعنا في الآية التالية:{ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ }213 البقرة وإلى الآية:{إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}111التوبة، نجد أن الآية 213البقرة تخبرنا أن الله قد أنزل الكتاب مع كل نبي ليهدي أمته. وفي الآية 111التوبة أخبرنا الله أن وعده الحق قد كان في التوراة الذي هو اسم كتاب اليهود وكان في الانجيل الذي هو اسم كتاب النصارى وكان في القرآن الذي هو اسم كتاب المسلمين. إذاً القرآن إسم والكتاب اسم والذكر اسم والنور اسم والهدى اسم وجميعهم أسماء لمنهج الله الذي يجب أن يتبع لقوله تعالى:{قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} 38 البقره.وفي الآيتين التاليتين ما يشير إلى صحة نتائج البحث حيث جاءتبادل لمواقع الكتاب والقرآن. حيث وضع الكتاب مكان القرآن وو ضع القرآن مكان الكتاب مما يدل على أنهما شيء واحد لا اختلاف فيه. والآيتان هما:{ الۤرَ تِلْكَ آيَات وَ قُرْآنٍ مُّبِينٍ }1الحجر و{طسۤ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ}1النمل.إذاً الكتاب مبين والقرآن مبين ولكل منهما آيات.أما الآية التالية فتوضح أن الكتاب قد فصل ليكون قرآناً عربياً أي منهجاً عربياً والآية هي:{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}3 فصلت. فهي قد أوضحت أن الكتاب الذي فصلت آياته هو قرآن عربي . وهذا يؤكد أن الكتاب هو القرآن والقرآن هو الكتاب وكل منهما هو المنهج الذي يجب اتباعه.وأحسب أن المنهج أو الهدى يحتوي على قسمين رئيسين: قسم أخبار الوحدانية وقسم الأحكام ولكل من القسمين منهج مفصل. إذاً الكتاب يتكون من كتابين رئيسين والقرآن يتكون من قرآنين رئيسين وهكذا. أي أن كل قسم من القسمين يسمى الكتاب ويسمى القرآن ويسمى الذكر ويسمى الهدى. وقد أوضح الرسولفي حديثه عن سورة الفاتحة إنها أم الكتاب وأم القرآن والسبع المثاني.  أعتقد أن هذا الإعجاز اللغوي هو الذي أشكل على بعض الناس والله أعلم

 

القَدَاسَةُ والتَّقْديْس فِي السِّيَاقِ القُرآنيّ

بِسْم الله الرحمن الرحيم

قال الحق تبارك وتعالى:

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} البقرة:30

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على نبي بعده          وبعد

مضى وقتٌ طويل وأنا أراجعُ هذه الآية الكريمة باحثاً عن أسرارها ومفاهيمها، ساعياً في الوصول لما تطمئن إليه النّفس، وقد اطلعت على أقوال مفسرينا الأجلاء وأقوال السلف والخلف من الأئمة والعلماء وطلبة العلم، فلم أقع على ما يروي غليلاً ولم أجد الأقوم قيلاً بل وجدت من الاضطراب في فهم الآية ما يشط بالتفاسير لتناقضات مع مواضع أخرى في القرآن الكريم، بل كان تعدد الآراء واللجوء للإسرائيليات دلالة واضحة على هذا الاضطراب، وفي نهاية الأمر لم أجد الكفاية عن مؤونة البحث والاستقراء والتدبر والاستقصاء.

وفي هذا البحث سنتتبع ونستقرئ مفردات هذه الآية لمحاولة الوصول لفهم سليم بتوفيق الله وتيسيره مسترشداً باستقراء مفردات الآية في القرآن الكريم ومقارنة المفاهيم المتشابهة.

 

أسئلة محيرة

من ابرز التساؤلات والإشكالات في ذهن بعض قراء هذه الآية ماهية العلاقة بين سؤال الملائكة وبين استخلاف الله لآدم وذريته في الأرض، فقد يصعب تبيُّن طبيعة السؤال ومؤداه، هل هو تعجبي؟ أم استنكاري؟ استفهامي؟؟ ولماذا لم يرد الجواب عن سؤال الملائكة إن كان سؤالهم على سبيل الاستفهام؟

وقد يصعب الوصول لمفهوم قوله تعالى:

(وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)

فالتسبيح بحمد الله هو تنزيهه جلّ وعلا عما لا يليق، ولكن ما معنى قوله نقدس لك؟؟.

لقد وجدت أن فهم التقديس في هذا الموضع وفي كل القرآن الكريم هو محور فهم هذه الآية على وجه دقيق متسق، فانطلقت من هنا حتى فتح الله علي بفهم ارجو أن يكون هو الأقرب للحق.

 

مفهوم التقديس والمعاني المرتبطة به

القُدْس، الْقَدَاسَة: ويعني الطهر والبراءة من الدنس والسوء من الأفعال والأقوال.

والتقديس: هو التطهير والتبرئة من الذنوب والآثام.

والملائكة مخلوقات قدسها الله أي طهرها ونزهها عن الذنوب والخطايا فلا ينبغي لها العصيان أو الرذل من الأفعال فيقول تعالى (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ، والواحد من الملائكة (الملك) يسمى “قُدَاسْ” أي الطَّاهر المطهر ، والجمع “قُدُسْ” أي الأطهار ، فالقُدَاس يجمع إلى قُدُس ، كالحجاب يجمع إلى حُجُب ، والكتاب يجمع إلى كُتُبْ ، وهي صيغة جمع التكسير لكل اسم ثلاثي معتل العين فيجمع على صيغة فُعُل ، وجبريل عليه السلام رئيس الملائكة ، ويسميه الله تعالى في القرآن الكريم “رُوْحُ القُدُس” فهو رئيس الأطهار وروحهم.

والقداسة تشمل طهارة الموضع كالوادي المقدس طوى، فطهارته وقيمته المقدسة جعلت الرحمن يأمرُ عبده موسى عليه السلام أن يخلع نعليه بعلّةِ قداسةِ الموضع وطهره فيقول جل شأنه:

 

{إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} طه:12

 

هل تصح نسبة القداسة لله؟؟

لقد طهر الله تعالى ملائكته طهارة تكوينية ، فلا ينبغي لهم إتيان المعاصي أو ترك العبادة ونبذها ، فالقداسة حلت عليهم من (القدوس) وهو اسم من أسماء الله الحسنى يشير لتفرده بتحقيق القداسة وإضفاءها على من يشاء وما يشاء من خلقه.

لا تصحُّ نسبةُ الطُّهْر إلى الله فيقال المُطَهَّر ، لأن ذلك يعني أنه قبل التقديس لم يكن كذلك تعالى ربنا عن ذلك ، بل هو القدوس الذي به يتحقق التطهير ، فعندما يجعل من الملائكة طاهرين فقد قدسهم ونزههم عن الذنوب ، وهو عندما يغفر ذنوب المذنبين فهو يطهرهم من دنس الذنب فيتقدسون حتى يعودون ويذنبون فتنتفي عنهم القداسة حتى يعود الله عليهم بالغفران والتطهير فكان اسم القدوس دليل على مصدر التطهير وليس هدفه.

والنصارى يسمون صلاتهم (قُدّاساً) فتحصل المغفرة بزعمهم لمن يشارك في هذه الطقوس الكنسية، وهم يسمون العالم الرباني الجليل أو الوليُّ من أولياء الله عندهم (القدّيس) لامتناعه عن إتيان الذنب وطهارته عن النقائص برأيهم.

فالله تعالى وحده مصدر القداسة، فهو سبوح منزه عن الدنايا قدُّوس مُطَهِّرٌ لمن يشاء له ذلك من خلقه وهذا متفق مع طبيعة كل أسماء الله الحسنى .

وظيفة الملائكة الكرام

إن القرآن الكريم يعرّفنا على وظيفتين أساسيتين هما تكاليف الملائكة وعبادتهم التي افترضها الله عليهم وهما:

أولاً: الوظيفة العلوية وهي: التسبيح بحمد ربهم جل وعلا.

ثانياً: الوظيفة السفلية وهي : الاستغفار للمؤمنين (التقديس).

 

ودلالة ذلك في قوله جلَّ شأنه:

{تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الشورى:5

 

{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} غافر:7

 

إن استغفار الملائكة لمن في الأرض هو بذاته التقديس لأنهم يطهِّرون من في الأرض باستغفارهم لهم ويستجيب القدوس سبحانه لاستغفارهم فيمحو ذنوب المكلفين فيتحقق التطهير وتحل عليهم القداسة.

وبعد الحساب ودخول أهل الجنة لمأواهم، ودخول أهل النار لمستقرهم يبقى التسبيح – وهو الوظيفة العلوية – ويتوقف التقديس – وهو الوظيفة السفلية – ويحلّ محلّهُ الحمد وذلك لتحقق الحساب والثواب والعقاب وانتهاء التكليف وفي ذلك يقول تعالى :

 

{وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } الزمر:75

 

مفهوم الآية الكريمة

هنا يتبين لنا بجلاء ووضوح مفاد هذه الآية الكريمة، فالملائكة الكرام عالمين بما في اللوح المحفوظ وعارفين بعلم من الله بما سيكون من البشر على الأرض، وقد سبق أن علمنا كيف أن الشياطين كانت تقعد مقاعد للاستماع فيعلمون شيئا من الغيوب حتى حَرَمَهُم الله جلّ جلاله من ذلك بالشهب الحارقة ترصدهم وتمزق من يحاول الاستماع.

فالملائكة يتفكرون بتعجب فيما علموا من الغيب – المستثنى – الذي علمهم الله (لا علم لنا إلا ما علمتنا) عن خلق الله وفعله بهم ، فكيف يجعل في الأرض قوما يبارزونه بالمعاصي ، ويسفكون الدماء ، وبالمقابل فإن الملائكة تؤمر بالاستغفار لهم وتقديسهم برغم سوء فعلهم و عظيم جرمهم ؟.

وهذا من أعظم المفاهيم وأجلّها، وفيها ما يبعث على الرهبة والامتنان والخشية والتذلل لهذا الرب العظيم وهذا الإله الكريم.

فالله يخبرهم بحلول أمره بتكوين الإنسان وخلق آدم وجعله خليفة فيقول تعالت ذاته :

(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة)

فيقول الملائكة الكرام بعد علمهم بما يكون من نتائج هذا الاستخلاف متعجبين من فعل الله : أتجعلُ في هذه الأرض مفسدين مذنبين طغاة بغاة (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) وهي الوظيفة الأولى، العلوية.

(وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي نستغفر لهم بأمرك ونطهرهم لأجلك رغم ما يقع منهم من سوء وسفك للدماء ؟ ، وهي الوظيفة الثانية ، السفلية.

فلو كان التقديس يقصد به تنزيه الله لقال (نقدسك) أما قوله (نقدس لك) فالتقديس لم يقع على الله بل وقع على سواه ولكن لأجله تعالى وبأمره ، فعندما يقول الرجل لأخيه إني استغفر لك ، فالمعنى اني اطلب من الله أن يحقق المغفرة لذنوبك فالعمل أقوم به لأجلك ، وعندما يقول قائل إني أذبح لله ، فالمذبوح ومن وقع عليه الذبح من النعم غير من كان الذبح تقربا إليه.

وعندما يقول لي قائلٌ : لقد طَهوتُ لك، فلا يراد أن الطهي وقع علي بل وقع لي ولأجلي ولكن الفعل وقع على الطعام المطبوخ ، وكذلك قول الملائكة (نقدس لك) نستغفر لخلقك تطهيراً لهم من آثامهم لأجلك وتنفيذاً لأمرك.

فكيف يا رب تبادل هذه المخلوقات العاصية المجرمة بالمغفرة والتطهير الدائم مع ما يبتدرونك به من العصيان والإجرام وسفك الدماء؟

وهو سؤال يعجبون فيه من فعل الرحمن بخلقه في حين أن المتبادر للذهن أن مثل أولئك قوم يستحقون العقاب الشديد على فعلهم ولكن الله يُمهلهم ويُطهرهم ويأمر الملائكة بالاستغفار لهم ويسخرهم لذلك الفعل.

لا شك أن هذه الرأفة والإشفاق على بني آدم من أسمى معاني الربوبية والرحمة، وليعلم أهل الأرض كرامة الله لهذا المخلوق العاصي وإمهاله له وعنايته به حتى أنه سخر له الملأ الأعلى ليقوم على شئونه ويصرف نصف عبادته مستغفراً له مطهراً لسجله من المعاصي والآثام.

مراجعة لبعض أقوال المفسرين

من المهم أن نراجع أقوال المفسرين في هذا الباب ونتعرف على آرائهم حيال تفسير هذه الآية ومفهومها ونعلق على كل فقرة قدر الإمكان ودائما ما نجد ابن جرير الطبري رحمه الله أكثر المفسرين إحاطة بالأقوال المتنوعة، المتفق منها والمتضارب، الشائع والشاذ فنقتبس من تفسيره رحمه الله بتصرف غير مخل اقتصر على إغفال الاسرائيليات ومالا سند له من قرآن ولا حديث فنقول وبالله التوفيق:

حدثنا به بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : ” وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ” فاستشار الملائكة في خلق آدم ، فقالوا : ” أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ” وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض ” ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ” فكان في علم الله جل ثناؤه أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة . قال : وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول : إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة : ما الله خالق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا ؟ فابتلوا بخلق آدم – وكل خلق مبتلى ، كما ابتليت السماوات والأرض بالطاعة ، فقال الله : ( ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) [ سورة فصلت : 11 ] .

وهذا الخبر عن قتادة يدل على أن قتادة كان يرى أن الملائكة قالت ما قالت من قولها : ” أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ” على غير يقين علم تقدم منها بأن ذلك كائن ، ولكن على الرأي منها والظن ، وأن الله جل ثناؤه أنكر ذلك من [ ص: 464 ] قيلها ، ورد عليها ما رأت بقوله : ” إني أعلم ما لا تعلمون ” من أنه يكون من ذرية ذلك الخليفة الأنبياء والرسل والمجتهد في طاعة الله . انتهى

أقول في هذا الباب : وهذا القول ينفي تنزيه الملائكة بالقول بالهوى والظن وعصمتهم عن الرجم بالغيب وهو فعل ذميم ، فهم ما قالوا قولهم إلا لاطلاعهم على ما قرروه وعلمهم من علم بالله بما قالوه ، ونفيهم العلم بالأسماء في قولهم ” سبحانك لا علم لنا ” مستثنى منه ما علمهم الله ” إلا ما علمتنا ” فكان دلالة على أن الملائكة علموا من علم الله شيئاً وخفي عنهم أشياء ، فالمعرفة والعلم ليست قاطعة بالعلم بكل شيء وليست منفية فيقال الجهل بكل شيء ودلالتها في الآية وهذا مما لا يحتاج معه لمزيد بحث.

وقال ابن جريج بما :

حدثنا به القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : إنما تكلموا بما أعلمهم أنه كائن من خلق آدم ، فقالوا : ” أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ” ؟ وقال بعضهم : إنما قالت الملائكة ما قالت : ” أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماءلأن الله أذن لها في السؤال عن ذلك ، بعد ما أخبرها أن ذلك كائن من بني آدم . فسألته الملائكة ، فقالت ، على التعجب منها : وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم ؟ فأجابهم ربهم : إني أعلم ما لا تعلمون ، يعني : أن ذلك كائن منهم – وإن لم تعلموه أنتم – ومن بعض من ترونه لي طائعا . يعرفهم بذلك قصور علمهم عن علمه .

وقال بعض أهل العربية : قول الملائكة : ” أتجعل فيها من يفسد فيها ” على غير وجه الإنكار منهم على ربهم ، وإنما سألوه ليعلموا ، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يسبحون . وقال : قالوا ذلك لأنهم كرهوا أن يعصى الله ، لأن الجن قد كانت أمرت قبل ذلك فعصت .

وقال بعضهم : ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك ، فكأنهم قالوا : ” يا رب خبرنا ” مسألة استخبار منهم لله ، لا على وجه مسألة التوبيخ .

قال أبو جعفر : وأولى هذه التأويلات بقول الله جل ثناؤه ، مخبرا عن ملائكته قيلها له : ” أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ” [ ص: 470 ] ، تأويل من قال : إن ذلك منها استخبار لربها ، بمعنى : أعلمنا يا ربنا أجاعل أنت في الأرض من هذه صفته ، وتارك أن تجعل خلفاءك منا ، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، لا إنكار منها لما أعلمها ربها أنه فاعل . وإن كانت قد استعظمت لما أخبرت بذلك ، أن يكون لله خلق يعصيه .

وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بالسؤال عن ذلك فسألته على [ ص: 471 ] وجه التعجب ، فدعوى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل ، ولا خبر بها من الحجة يقطع العذر . وغير جائز أن يقال في تأويل كتاب الله بما لا دلالة عليه من بعض الوجوه التي تقوم بها الحجة .

وأما وصف الملائكة من وصفت – في استخبارها ربها عنه – بالفساد في الأرض وسفك الدماء ، فغير مستحيل فيه ما روي عن ابن عباس وابن مسعود من القول الذي رواه السدي ، ووافقهما عليه قتادة من التأويل : وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا ، فقالوا : ” أتجعل فيها من يفسد فيها ” على ما وصفت من الاستخبار .

فإن قال لنا قائل : وما وجه استخبارها ، والأمر على ما وصفت ، من أنها قد أخبرت أن ذلك كائن ؟

قيل : وجه استخبارها حينئذ يكون عن حالهم عن وقوع ذلك . وهل ذلك منهم ؟ ومسألتهم ربهم أن يجعلهم الخلفاء في الأرض حتى لا يعصوه . وغير فاسد أيضا ما رواه الضحاك عن ابن عباس ، وتابعه عليه الربيع بن أنس ، من أن الملائكة قالت ذلك لما كان عندها من علم سكان الأرض – قبل آدم – من الجن ، فقالت لربها : ” أجاعل فيها أنت مثلهم من الخلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون ” ؟ على وجه الاستعلام منهم لربهم ، لا على وجه الإيجاب أن ذلك كائن كذلك ، فيكون ذلك منها إخبارا عما لم تطلع عليه من علم الغيب . وغير خطأ أيضا ما قاله ابن زيد من أن يكون قيل الملائكة ما قالت من ذلك ، على وجه التعجب منها من أن يكون لله خلق يعصي خالقه .

وإنما تركنا القول بالذي رواه الضحاك عن ابن عباس ، ووافقه عليه الربيع بن أنس ، وبالذي قاله ابن زيد في تأويل ذلك ، لأنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يقطع مجيئه العذر ، ويلزم سامعه به الحجة . والخبر عما مضى وما قد سلف ، لا يدرك علم صحته إلا بمجيئه مجيئا يمتنع معه التشاغب والتواطؤ ، ويستحيل معه الكذب والخطأ والسهو . وليس ذلك بموجود كذلك فيما حكاه الضحاك عن ابن عباس ووافقه عليه الربيع ، ولا فيما قاله ابن زيد .

نكتفي بما قد سبق وأستغفر الله العلي العظيم من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم