بسم الله الرحمن الرحيم
 
الشروح الصحيحة  لحديث الدين النصيحة
مقدمة
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه  
فمنذ زمن طويل استمع كغيري لشيوخنا الفضلاء والعلماء الأجلاء واقرأ لهم كمسلم حريص على معرفة أمور دينه وأجد توارثا لما أراه مجانبا للصواب والله أعلم ولا أزعم أنني اعرف الحق ولا يعرفونه واسلك الصواب ولا يسلكونه ولكني كلما اتجهت يمنة ويسرة تأكد لي صحة ما ذهبت إليه بين من يؤيد ما أقول وبين من يتوقف عنده فلا يرد بشئ يقنعني.ومن أحد تلك المسائل مسألة حديث الدين النصيحة الذي وجدت إجماعا تاما – فيما اعلم- لعلماء وشراح الحديث على تفسير واحد وشرح لا يختلفون عن بعضهم في مضمونه ، والغريب أن هذا الشرح والفهم يفضي إلى استنتاج خاطيء . ولم أجد من يعارض هذا التفسير أو يناقشه أو يناقضه ، وصَعُبَ عليَّ الوصول إلى أي من العلماء لمناقشته فيما أرى فكتبت هذه الرسالة لعلها تشرح بتفصيل ما أردت شرحه وبلاغه والذي – من عنوان الرسالة – ازعم أنه الصحيح في تفسير وشرح الحديث فإن أصبت فالحمد لله وإن أخطأت – وكل ابن آدم خطّاء- فاستغفر الله وأرجو ممن يرى غير ما أرى أن يصوبني وأسأل الله العلي القدير أن يهدينا إلى سبيل الرشاد وصلى الله على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
أولا : الحديث
سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه الصحابي أبي رقية تميم بن أوس الداري صاحب حديث الجساسة المشهور والحديث ورد في كتب الحديث وأخرجه الإمام مسلم في كتاب الإيمان – باب بيان أن الدين النصيحة ، الإمام النسائي في كتاب البيعة النصيحة ،الإمام أبو داود في كتاب الأدب باب في النصيحة ، وفي مسند أحمد ، الإمام الحميدي في مسنده ، الإمام أبو عوانة في مسنده، الإمام البيهقي في شعب الإيمان، الإمام الطبراني في معجمه ، الإمام الشهاب في مسنده ، الإمام ابن حبان في صحيحه ، سنن البيهقي ، الإمام أبو الجعد في مسنده ، الإمام الشافعي في مسنده ، الإمام أبو يعلى في مسنده ، الإمام البغوي في شرح السنة، الإمام النسائي ، الإمام الترمذي ، الامام احمد ، الإمام الطبراني .وروى الحديث عبدالله ابن عباس رضي الله عنه واخرجه : الإمام النسائي ، الإمام ا لهيثمي في غاية المقصد ، الإمام ابن حجر في المطالب العالية ، الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد، الإمام أبو يعلى في مسنده.ورواه ابن عمر رضي الله عنهما وأخرجه : الدارمي في سننه ، الهيثمي في مجمع الزوائد.ورواه ثوبان رضي الله عنه واخرجه: الهيثمي في مجمع الزوائد .ورواه حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه واخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد واخترت مافي صحيح مسلم ونصه:
حدثنا محمد بن عباد المكي. حدثنا سفيان. قال: قلت لسهيل: إن عمرا حدثنا عن القعقاع، عن أبيك. قال:ورجوت أن يسقط عنى رجلا. قال فقال: سمعته من الذي سمعه منه أبي. كان صديقا له بالشام. ثم حدثنا سفيان عن سهيل، عن عطاء بن يزيد، عن تميم الداري؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”الدين النصيحة” قلنا: لمن؟ قال “لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
 
 
ثانيا :أقوال العلماء في شرح الحديث:
قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له، قال: ويقال هو من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، كما قالوا في الفلاح ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه، قال وقيل: النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب، قال وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط، قال: ومعنى الحديث عماد الدين وقوامه النصيحة،  كقوله:الحج عرفة أي عماده ومعظمه عرفة. وأما تفسير النصيحة وأنواعها فقد ذكر الخطابي وغيره من العلماء فيها كلاما نفيسا أنا أضم بعضه إلى بعض مختصرا، قالوا:
1 -أما النصيحة لله تعالى فمعناها منصرف إلى الإيمان به ، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها، وتنزيهه سبحانه وتعالى من جميع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والحب فيه والبغض فيه، وموالاة من أطاعه،ومعاداة من عصاه، وجهاد من كفر به، والاعتراف بنعمته وشكره عليها، والإخلاص في جميع الأمور، والدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة والحث عليها، والتلطف في جميع الناس أو من أمكن منهم عليها. قال الخطاب رحمه الله: وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه نفسه، فالله تعالى غني عن نصح الناصح.
2 -وأما النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق وتلاوته وتحسينها والخشوع عندها وإقامة حروفه في التلاوة والذب عنه لتأويل المحرفين وتعرض الطاعنين والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخة، ونشر علومه والدعاء إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحته.
3- وأما النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيا وميتا، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته ونشر شريعته ونفي التهمة عنها واستثارة علومها، والتفقه في معانيها والدعاء إليها، والتلطف في تعلمها وتعليمها وإعظامها وإجلالها، والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته وأصحابه، ومجانية من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه ونحو ذلك.
4 – وأما النصيحة لأئمة المسلمين فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به، وتنبيهم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم. قال الخطابي رحمه الله: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح، وهذا كله على أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات وهذا هو المشهور. وحكاه أيضا الخطابي ثم قال: وقد يتأول ذلك على الأئمة الذين هم علماء الدين، وأن من نصيحتهم قبول ما رووه، وتقليدهم في الأحكام، وإحسان الظن بهم.
5 – وأما نصيحة عامة المسلمين وهم من عدا ولاة الأمر فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم وكف الأذى عنهم، فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم، ويعينهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم وأعراضهم، وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل، وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة، وتنشيط هممهم إلى الطاعات، وقد كان في السلف رضي الله عنه من تبلغ به النصيحة إلى الإضرار بدنياه، والله أعلم. هذا آخر ما تلخص في تفسير النصيحة. قال ابن بطال رحمه الله في هذا الحديث: إن النصيحة تسمى دينا وإسلاما، وأن الدين يقع على العمل كما يقع على القول. قال:والنصيحة فرض يجزي فيه من قام به ويسقط عن الباقين. قال:والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي على نفسه أذى فهو في سعة، والله أعلم.
الإمام ابن حجر في فتح الباري البخاري في كتاب الإيمان باب: قول النبي ص: (الدين النصيحة:لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).وقوله تعالى: {إذا نصحوا لله ورسوله} التوبة: 91.- حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن إسماعيل قال: حدثني قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال:بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم.
قال ابن حجر : من صنف في الأطراف وكذا من صنف في رجال البخاري لم يذكروا تميما الداري فيمن أخرج له وهو ثابت في جميع النسخ هنا وذكر البخاري من روايته حديثا في الإيمان لكن جعله ترجمة باب وهو الدين النصيحة وقد أخرجه مسلم من حديثه وليس له عنده غيره وقد تكلمت عليه هناك وذكرت من حديث أبي هريرة وغيره أيضا فلم يتعين المراد في تميم وهو بن أوس بن خارجة بن سواد اللخمي ثم الداري نسب الى بني الدار بن لخم وكان من أهل الشام ويتعاطى التجارة في الجاهلية وكان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم فيقبل منه وكان إسلامه سنة تسع من الهجرة وقد حدث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وهو على المنبر عن تميم في قصة الجساسة والدجال وعد ذلك في مناقبه وفي رواية الأكابر عن الأصاغر وقد وجدت رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن غير تميم وذلك فيما أخرجه أبو عبد الله بن منده في معرفة الصحابة في ترجمة زرعة بن سيف بن ذي يزن فساق بسنده
الى زرعة أن النبي صكتب اليه كتابا وفيه:وأن مالك بن مزرد الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت وقاتلت المشركين فأبشر بخير….الحديث . وكان تميم الداري من أفاضل الصحابة وله مناقب وهو أول من أسرج المساجد وأول من قضى على الناس أخرجهما الطبراني وسكن تميم بيت المقدس وكان سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطعه عيون وغيرها إذا فتحت ففعل فتسلمها بذلك لما فتحت بزمن عمر، ذكر ذلك بن سعد وغيره … ومات تميم سنة أربعين .
– قوله باب قول النبي ص الدين النصيحة… هذا الحديث أورده المصنف هنا ترجمة باب ولم يخرجه مسندا في هذا الكتاب لكونه على غير شرطه ؛ ونبه بإيراده على صلاحيته في الجملة وما أورده من الآية وحديث جرير يشتمل على ما تضمنه وقد أخرجه مسلم حدثنا محمد بن عباد حدثنا سفيان قال قلت لسهيل بن أبي صالح إن عمرا حدثنا عن القعقاع عن أبيك بحديث ورجوت أن تسقط عني رجلا أي فتحدثني به عن أبيك قال فقال سمعته من الذي سمعه منه أبي كان صديقا له بالشام وهو عطاء بن يزيد عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الدين النصيحة قلنا لمن ؟ قال: لله عز وجل…. الحديث، رواه مسلم
أيضا من طريق روح بن القاسم قال حدثنا سهيل عن عطاء بن يزيد أنه سمعه وهو يحدث أبا صالح فذكره ورواه بن خزيمة من حديث جرير عن سهيل أن أباه حدث عن أبي هريرة بحديث إن الله يرضى لكم ثلاثا الحديث قال فقال عطاء بن يزيد سمعت تميما الداري يقول فذكر حديث النصيحة وقد روى حديث النصيحة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة وهو وهم من سهيل أو ممن روى عنه لما بيناه قال البخاري في تاريخه لا يصح الا عن تميم ولهذا الاختلاف على سهيل لم يخرجه في صحيحه بل لم يحتج فيه بسهيل أصلا… وللحديث طرق دون هذه في القوة منها ما أخرجه أبو يعلى من حديث بن عباس والبزار من
حديث بن عمر وقد بينت جميع ذلك في تعليق التعليق قوله: الدين النصيحة… يحتمل أن يحمل على المبالغة أي معظم الدين النصيحة كما قيل في حديث الحج عرفة ويحتمل أن يحمل على ظاهره لأن كل عمل لم يرد به عامله الإخلاص فليس من الدين وقال المازري النصيحة مشتقة من نصحت العسل إذا صفيته يقال نصح الشيء إذا خلص ونصح له القول إذا اخلصه له أو مشتقة من النصح وهي الخياطة المنصحة وهي الابرة والمعنى أنه يلم شعث اخيه بالنصح كما تلم المنصحة ومنه التوبة النصوح كأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه قال الخطابي النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للنصوح له وهي من وجيز الكلام بل ليس في الكلام كلمة مفردة تستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة.
وهذا الحديث من الأحاديث التي قيل فيها أنها أحد ارباع الدين وممن عده فيها الإمام محمد بن أسلم الطوسي وقال النووي بل هو وحده محصل لغرض الدين كله لأنه منحصر في الأمور التي ذكرها :
1- فالنصيحة لله وصفه بما هو له أهل والخضوع له ظاهرا وباطنا والرغبة في محابه بفعل طاعته والرهبة من مساخطه بترك معصيته والجهاد في رد العاصين إليه وروى الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة صاحب على قال قال الحواريون لعيسى عليه السلام يا روح الله من الناصح لله قال الذي يقدم حق الله على حق الناس
2- والنصيحة لكتاب الله تعلمه وتعليمه وإقامة حروفه في التلاوة وتحريرها في الكتابة وتفهم معانيه وحفظ حدوده والعمل بما فيه وذب تحريف المبطلين عنه.
3- والنصيحة لرسوله تعظيمه ونصره حيا وميتا واحياء سنته بتعلمها وتعليمها والاقتداء به في أقواله وافعاله ومحبته ومحبة أتباعه ..
4-والنصيحة لائمة المسلمين اعانتهم على ما حملوا القيام به وتنبيههم عند الغفلة وسد خلتهم عند الهفوة وجمع الكلمة عليهم ورد القلوب النافرة إليهم ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن ومن جملة أئمة المسلمين أئمة الاجتهاد وتقع النصيحة لهم ببث علومهم ونشر مناقبهم وتحسين الظن بهم .
5-والنصيحة لعامة المسلمين الشفقة عليهم والسعي فيما يعود نفعه عليهم وتعليمهم ما ينفعهم وكف وجوه الأذى عنهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه وفي الحديث فوائد أخرى منها أن الدين يطلق على العمل لكونه سمى النصيحة دينا وعلى هذا المعنى بني المصنف أكثر كتاب الإيمان ومنها جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب من قوله قلنا لمن ومنها رغبة السلف في طلب علو الإسناد وهو مستفاد من قصة سفيان مع سهيل.
رأيي في ذلك
أرى والله ورسوله أعلم أن هذا الحديث فُهِمَ على غير ما قصد في أصله ، وشرحه العلماء رحمهم الله تأسيساً على ذلك الفهم فأصبح لمن يتدبر ويتفكر وينظر غير متسق وفي النفس منه شئ كيفما قرأته أو حاولت أن  تستوعب معناه ، وقد قاد هذا الفهم الخاطئ لخطأ مترتب عليه في مسألة الدعوة بمفهومها العام والشامل ، فما فهم من هذا الحديث ان الرسول صلى الله عليه وسلم يلفت نظر أصحابه بتكرار العبارة ثلاثا “الدين النصيحة” فسأله الصحابة الكرام ” لمن يا رسول الله” وهنا الإشكال الذي وقع فيه شراح الحديث في نظري ، فقد فهموا أن الصحابة رضوان الله عليهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم لمن يسألونه عن الفئات التي يوجه إليها النصح أي ” من ننصح يا رسول الله؟” فقال صلى الله عليه وسلم : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.وعندما تبحث عن ابرز معاني كلمة النصيحة” في اللغة العربية والتي يمكن ان تنطبق في هذا الحديث تجدها معنيان هما : ( النصح : بمعنى الدلالة والارشاد ، والنصح : بمعنى الاخلاص)وفي هذا الحديث لابد أن تأتي النصيحة بأحد المعنيين وليس بهما معاً وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم استخدم النصيحة لكل أركان الحديث وربط بينهم بواو العطف فمثلا لو قال صلى الله عليه وسلم النصيحة لله ولكتابه ورسوله وسكت لكانت تدل على الإخلاص وما يتبع هذا المعنى من تفصيل في النصح لله ولكتابه  ولرسوله ، ولو أنه صلى الله عليه وسلم قال النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم وسكت لكانت دالة على التوجيه والإرشاد حصرا لكونها متحققة في أئمة المسلمين وعامتهم ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم استخدم النصيحة وصرفها لخمسة ( الله جل وعلا وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم) وليس من البلاغة أن تستخدم كلمة تحتمل معنيين لعدد معين وفئات معينة وتحتمل معنى في حق بعضهم ومعنى آخر في حق بعضهم الآخر.  فلو قلنا أن النصح بمعنى الإرشاد والتوجيه والتصحيح هو المقصود فلا يصح في حق الله ولا كتابه ولا رسوله إلا أنه يصح في حق أئمة المسلمين وعامتهم.ولو قلنا أن النصح بمعنى الإخلاص فيصح في حق الله وكتابه ورسوله إجمالا ولا يصح في حق أئمة المسلمين وعامتهم واقصد بذلك معنى الإخلاص المتحقق بالتبعية الكاملة والخضوع التام.ومن أهم ما قاد إليه هذا الفهم الخاطئ من نتائج هو ما نُقل أنه قاله الإمام احمد رحمه الله حيث استنتج عدم مشروعية نصح الكافر والذمي وهذا الاستنتاج بناءا على مفهوم الحديث التقليدي صحيح فقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم النصح لخمسة هم الله جل وعلا وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم ولم يطلق النصح لكل أحد غيرهم فلم يدخل في النصح الكفار وأهل الكتاب وغيرهم ، ولكن هذا الاستنتاج خطير جدا فالنصح فرع من فروع الدعوة بمفهومها الشامل والتي اظهر الله دينه لأجلها وهي في أصلها موجهة لغير المسلمين أولا ثم المسلمين ثانيا فالنصح (بمعنى الإرشاد والتوجيه) لا يقتصر على المسلم فقط بل إن أصله أن يكون لغير المسلم وهذا التفسير بذلك يتعارض من ما ذكره الله جل وعلا في كتابه الكريم وقد ورد النصح في 5 آيات من كتاب الله على النحو التالي: عن هود عليه السلام(أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ)(الأعراف : 68 ) نوح عليه السلام(أُبَلِّغُكُمْ رسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(الأعراف: 62 ) ، وعن صالح عليه السلام: (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) (الأعراف : 79 ) (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ( نوح34) فأتت بمعنى الدعوة والتصحيح والإرشاد في حق كفار ومشركين وليس في حق مؤمنين أو مسلمين وهذا دليل على أن حصر النصح في المسلمين دون غيرهم لا يصح لتناقضه وتعارضه مع الآيات الآنفة الذكر وقد أتت الآيات بمعنى آخر حيث قال تعالى: ( لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (التوبة :91 ).
وهنا يأتي النصح بمعنى الإخلاص وهو معنى مختلف ففي التفسير الكبير للإمام الطبري ذكر ما نصه : الفقراءُ، ليس عليهم مَأْثَمٌ في القعودِ عن ذلك إذا كان قعودُهم على وجهِ النُّصْحِ للهِ ورسوله، وهو إنْ سَعَوا في إصلاحِ ذات البَين وما يرجعُ على الجهادِ، ولا يكون قعودُهم للتثريب على المسلمين وإفسادِ شيءٍ من أمرِهم. والنُّصْحُ: إخراجُ الغِشِّ عن العملِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ }؛ أي ما على الْمُطِيعِينَ الموحِّدِين من سبيلٍ في العقاب، { وَٱللَّهُ غَفُورٌ }؛ لذُنوبهم، { رَّحِيمٌ }؛ إذ أرْخَصَ لهم في القعودِ بالعُذرِ.
وفي تفسير ابن كثير: قال سفيان الثوري: عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة رضي الله عنه قال: قال الحواريون: يا روح الله أخبرنا عن الناصح لله؟ قال: الذي يؤثر حق الله على حق الناس، وإذا حدث له أمران، أو بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة، بدأ بالذي للآخرة، ثم تفرغ للذي للدنيا.
 
وخلاصة ما وصلت إليه
أن من يسمع الحديث قد يتبادر لذهنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يعلم أصحابه لمن يوجهون النصيحة وأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين سألوه ما معناه (( من ننصح يا  رسول الله)) فأجابهم بما معناه (( تنصحون لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)). ولكن الحقيقة أن قول الصحابة (لمن يا رسول الله ؟ ) تفيد الاستفهام عمن له الحق في إسداء النصح ؟
وأجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن من له حق النصح أي الدعوة والإرشاد والتوجيه والتعليم والتصحيح هم ( الله جل وعلا وكتابه ونبيه صلى الله عليه وسلم وأئمة المسلمين وعامتهم) فإذا تأملنا المعنى هنا وجدناه مستقيما متزنا متوافقا لا يخرج المشركين وأهل الذمة من دائرة النصح ولا يفرق في النصح لله وكتابه ونبيه صلى الله عليه وسلم والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم.
فاللام في قول الصحابة (لمن ؟) تفيد الملكية والاستحقاق ، واللام في إجابته صلى الله عليه وسلم (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) تفيد الملكية والاستحقاق.وأتت في كتابه الكريم فقال جل من قائل : ( فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) ( الروم 4) فأفادت أنه جل وعلا مالك الأمر ومستحقه عندما مكن الفرس على الروم ومالك الأمر ومستحقه عندما مكن الروم في بضع سنين.وبمعنى آخر فإن ديننا في مجمله دين النصيحة والدعوة وهي مستحقة لله جل وعلا فهو سبحانه وتعالى ينصح خلقه ويرشدهم وينهاهم عن الشرك به ويعرفهم بذاته العلية ، وكتابه ينصح من يقرأه من المؤمنين وبه وغير المؤمنين به فينصحهم بإتباع سبيله جل وعلا ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويعرفهم بالشرك والظلم وينهاهم عنه ، والرسول صلى الله عليه وسلم ينصح أصحابه ومن أمره الله جل وعلا بنصيحتهم ودعوتهم ممن وصل إليهم من البشرية الذين هم في أمسّ الحاجة لدعوته الشريفة ، وأئمة المسلمين لهم النصيحة لمن استرعاهم الله عليهم من المسلمين وغير المسلمين بما يشمل نشر دعوته والأمر بما أمر به الله جل وعلا وما أتى في كتابه وما أمر به صلى الله عليه وسلم من باب مسئولية الدعوة.وعامة المسلمين لهم النصح لمن هم تحت أيديهم من ذراريهم ورعيتهم أزواجهم وكل نفس يرونها مسلمة او غير مسلمة مبلغين ما أمرهم الله به.وهنا تبرز عظمة الدعوة لله جل وعلا وثقلها وأهميتها وبالأخص ما يتعلق منها بالنصح لأنه اخلص الدعوة وأصدقها ولهذا فإنها تصل لقلب المتلقي لكونها مشوب بشفقة وصدق ومحبة للخير وهي خالية من العنف اللفظي والبدني وتشعر المنصوح بصدق الناصح ورغبته في الخير له.هذا ما تيسر لي إيراده فأرجو ممن يقرأه أن يعرضه على من يستطيع من العلماء والدعاة فما كان من كلامي مخالفا لما جاء به نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام فأنا استغفر الله وأتوب اليه واتراجع عما كتبت وإن كان ما كتبت صحيحا فالحمد لله رب العالمين.

About عَدْنَاَنُ الْغَاَمِدِيّ

بَاَحِثٌ فِيْ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَتَفْسِيْرَاتِهِ، أنْشُرُ أبْحَاثِيْ رَغْبَةً فِيْ مُشَارَكَةِ المَعْرِفَةِ وَالبَحْثِ عَنِ الحَقِّ أيْنَمَا وُجِدْ ، ولَعَلِّيْ أُكتَبُ مِنَ المُتَدَبِّرِيْنَ الَّذِيْنَ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ بِمَا فِيْ صُدُوْرِهِمْ مِنْ كَلَاَمِ الله.

التعليقات مغلقة.