بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد
فقد قال الحق جل وعلا في سورة (بني إسرائيل) الإسراء :
وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)
مستعينا بالله أحاول أن أتلمس المعاني والتساؤلات التي ترد وتبرز عند تلاوتنا لهذه الآيات الكريمة ومن هذه التساؤلات:
هل ما يعنيه الله في الآية يفيد المستقبل فيما بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم أم قبله؟
تحدث الكثير من المفسرين رحمهم الله عن المقصود بهذه الآيات فقال منهم إنها تفيد حدثين وقعا فعلا من الرومان والبابليين على اليهود وهذا في رأيي غير صحيح بالبابليين والرومان كانتا دولتين وثنيتين ولم يكونا عبادا لله بل عبادا للأوثان لأن صفة العبودية بقول الله (عباد) تأتي في السياق القرآني للتشريف والتكريم ولو قال عبيدا لشملت المؤمن والكافر ، ثم إن الافسادين يسلط الله فيهما نفس العباد لأن الضمير في كل ما تلا قوله عبادا لنا يعود على هؤلاء العباد ، ولم يسجل التاريخ أن تعرض اليهود لهجوم وتدمير على يد مؤمنين قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن المفسرين والعلماء من قال أن المقصود بالإفساد والتسليط الأول هو تسليط الله للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على يهود في المدينة حيث سبوهم ونفوهم واستأصلوهم وهذا في رأيي غير صحيح من عدة وجوه ، الأول أن اليهود لم يكونوا في العلو الكبير بل ان من تواجد في المدينة منهم عدد ضئيل من قبائل اليهود مقارنة بالشعب اليهودي كافة ولم يملكوا الفرصة للإفساد والعلو الكبير فقد سجل التاريخ علوا لهم أعظم مما كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم إن الله في قوله (وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة) ينفي أن يكون المقصود يهود المدينة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم فالمعنى في الآية يفيد أنهم في المرة الأولى كان المسجد تحت سيطرة اليهود فيدخلونه من يسلطهم الله عليهم في المرة الأولى ، ثم يدخلونه مرة أخرى عندما يسلطهم الله للمرة الثانية في الإفساد الثاني ، وهذا ينفي ان يكونون البابليين (نبوخذ نصر وقومه) والرومان فلا كرامة في دخول الوثنيين للمسجد بل المقصود مؤمنين موحدين ، وفي عصر النبي صلى الله عليه وآله لم يحدث ان كان اليهود مستولين على مسجد فدخله المؤمنين ، وحتى بيت المقدس كان تحت سيطرة الرومان ولم يشهد التاريخ منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ان كان احد مقدسات المسلمين تحت سيطرة دولة يهودية الا في العصر الحاضر وبالتالي فلا يقصد من الحدث قتال اليهود في العصر النبوي والله اعلم
هل يفصل بينهما مئات السنين أم إن الإفساد المزدوج يقوم به نفس الجيل منهم ؟
الله وحده أعلم ولكن بالنظر للآيات المباركات نجد أن الضمير يعود على نفس القوم فيقول الله تعالى (ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين ) فالضمير في قوله تعالى (عليهم) يبدو منه أن يعني نفس العباد الذين بعثهم الله وهذا ينفي أن المقصود ما حدث على يد البابليين والرومان فهما يختلفان بعضهما البعض ، بل تداول في القوة والسلطة بين عباد لله من دين واحد وبين اليهود والأظهر والله أعلم أنهم المسلمين وذريتهم.
ماذا يقصد الله بعبارتي (الأولى والآخرة) في قول الله أولاهما وقوله وعد الآخرة؟
اتفق اغلب المفسرين على أن (الأولى) يقصد بها الإفساد في (المرة الأولى) و (وعد الآخرة)  يقصد به (الإفساد في المرة الثانية والأخيرة) ، وهي أيضا تعني الآخرة بمعناها المعروف لأنها من إرهاصات وعلامات الآخرة.
من هم العباد الذين يبعثهم الله عليهم في المرة الأولى؟.
والله اعلم أن الله يبعث عليهم المسلمين الموحدين فيدخلون المسجد ويستنقذوه منهم بعد أن يتغلغلوا في مستعمراتهم ومساكنهم وديارهم ويعملون فيهم قتلا وتشريدا ويحتلون بيت المقدس الذي هو الآن في قبضتهم ولكنهم لا يستأصلونهم تماما ، ولكن ينتفض لهم الغرب والشرق فيمدونهم بالأموال والجنود وهو حبل الناس الذي اخبر به الله جل وعلا (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس( يستعيدون فيه المسجد ويظهرهم الله على المسلمين.
 هل حدثت المرة الأولى والثانية أم لم تحدث أم إن أحداهما حدثت وننتظر الثانية؟
نحن بمقتضى الآيات الكريمة والله أعلم نشهد الإفساد الأول ولم يحدث تسليط الله للمؤمنين وتمكينهم من اليهود وهو على وشك الحدوث وسوف يليها إظهار لليهود على المسلمين يتلوه فساد وقتل كبير منهم على المسلمين لن يلبث طويلا حتى تحدث الواقعة الثانية وما يسمى وعد الآخرة وهي التي سوف تحدث في آخر الزمان والله اعلى واعلم.
من هم الذين يبعثهم الله على بني إسرائيل في الإفساد الثاني وما علاقتهم بالبعث الأول؟
لا شك أن البعث الثاني من المنتقمين هم المسلمين فالضمير في الآيات يعود على نفس البعث الأول وهي عملية مداولة بين اليهود وبينهم تختم للمسلمين بالنصر ولليهود بالذلة والمسكنة والصغار والقهر.
لم يوجه الله الخطاب بقوله تعالى عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا؟
مقتضى الآيات لكي يفهم يجب ان يوضع في سياقه فلو فصلنا في قوله تعالى (عسى ربكم أن يرحمكم) فنترجمها ونفصلها بهذه الصورة(عسى ربكم إن اعتبرتم بما وقع لكم مقابل إفسادكم مرتين من القهر والذل والقتل جراء ما اقترفتموه فعسى أن تكون تلك العبرة موجبة لرحمة الله لكم برفعه القهر والصغار والذلة عنكم ما لم تعودون إلى الإفساد والعصيان فإن عدتم إلى ما كنتم عليه من الفساد العظيم عدنا لتسليط عبادنا عليكم ) فهي رحمة مشروطة بالانتهاء عن الفساد والظلم الذي ستكون عاقبته من جنسه جزاءا وفاقا ، فسنة الله في خلقه مؤمنهم وكافرهم أن يعاملهم في الدنيا بعدله وكرمه ومنه أيا كان معتقدهم إلا الظالم فإن الله بقصمه في الدنيا والآخرة مسلما كان أو غير مسلم فالله يتحدث عن الرحمة الدنيوية التي تشمل من يشاء وليست رحمته في الآخرة التي يختص بها عباده المؤمنين.
ماذا نستخلص من الآيات الكريمة وهل لها انعكاسات على واقعنا؟
في الآيات الكريمات يخبر الله نبيه عن أمر يحدث في المستقبل وهذا ما تنبئ عنه الآيات في قوله تعالى (فإذا جاء وعد أولاهما) وهذا أول ما يفتتح به للحديث عن هذه الآيات المباركات في سورة الإسراء وأما ما يتبع ذلك من قوله (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) فهذا يتبع ما ستؤول إليه الأحداث فيما يلي الإفساد والعلو زمنيا وما يتبع ذلك من نتائج ، فأول ما يجب أن نثبته هو أن الآيات من كلام الله تخبر عن أمر يقع في المستقبل قضاه الله على بني إسرائيل في الكتاب أي أنه واقع لا محالة ليس بسبب إرادة الله لهم بالإفساد بل بعلمه جل وعلا بما سيقومون به من تلقاء أنفسهم لسوء طويتهم ونفاقهم وكفرهم ،
وما اعتقده والعلم عند الله وحده أننا نعيش في مرحلة العلو الكبير الأول المقترن بالفساد في الأرض وهو ما نشاهده اليوم في العالم من سيطرة لليهود على الاقتصاد والإعلام وإفسادهم لاقتصاد العالم بإشاعة الربا والرذيلة وملكية قنوات الإباحية ونشرهم للشذوذ والقذارة ونفي الأخلاق ، وقتل واحتلال أراضي الفلسطينيين وقتل أطفالهم ورجالهم وسجنهم ظلما وعدوانا وتدنيس المسجد الأقصى وإخراج الناس من ديارهم وهذا أعظم الفتن واشد الفساد بغضا من الله جل وعلا, وهذا الفساد والعلو لم تشهده الأمة اليهودية قط في تاريخها فلم يكن لها دولة وقدرة ونفوذ ومال كما لهم اليوم فمنذ الشتات على يد نبوخذ نصر وهم مستضعفون أذلاء حتى الدولة النازية التي أمعنت في إذلالهم مما سرع في إنشاء دولتهم وتحكموا في مفاصل الاقتصاد والسياسة والإعلام فحكموا العالم ، ولكنهم برغم سيطرتهم وسيادتهم وتجبرهم لم يصلوا على العلو الأكبر ، فما يحدث اليوم هو المرحلة الأولى التي تتشكل آخر مراحلها بما يسمى الربيع العربي.
فأظن والله أعلم أن ثلاث دول هي سوريا والأردن ومصر ستكون منطلقا لهجوم يشنه المؤمنين يجوسون خلال الديار ويحتلون بيت المقدس وتكون بذلك نهاية المرحلة الأولى من الإفساد والعلو الكبير ، يرد الله الكرة على المؤمنين فيأتي المدد من أوروبا والغرب وروسيا في حرب مقدسة يصعقون فيها المسلمين ويقتلونهم شر قتلة ويحتلون أجزاء من تلك الدول تشمل كامل الأردن وأجزاء كبيرة من سوريا ومن مصر ويشكلون حزاما ناريا عازلا يحمي اليهود من أعدائهم ويكونون مستعمرات في ديار المسلمين بقيادة اليهود وهذا العلو والإفساد الثاني الذي يستمر ما شاء الله له أن يستمر حتى ظهور المهدي والله اعلم فيحقق الله وعد الآخرة في اقرب السنين من الآخرة.
وما يظهر والله اعلم أن الزمن يتسارع وتحدث تلك الأحداث في فترات متقاربة متسارعة ، وعندما نرى ما حدث من ثورات في الدول العربية نعلم ان الأحداث تتقادح كالشرار وتنفجر فجأة فنصبح في خضم عظائم الأحداث فلا يجب ان نستبعد شيئا اغترارا بطول الأمل او الاستقرار النسبي فما هذا الاستقرار والتمكين للباطل إلا ثواني في عمر الزمن
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

About عَدْنَاَنُ الْغَاَمِدِيّ

بَاَحِثٌ فِيْ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَتَفْسِيْرَاتِهِ، أنْشُرُ أبْحَاثِيْ رَغْبَةً فِيْ مُشَارَكَةِ المَعْرِفَةِ وَالبَحْثِ عَنِ الحَقِّ أيْنَمَا وُجِدْ ، ولَعَلِّيْ أُكتَبُ مِنَ المُتَدَبِّرِيْنَ الَّذِيْنَ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ بِمَا فِيْ صُدُوْرِهِمْ مِنْ كَلَاَمِ الله.

2 responses »

  1. _ كتب:

    تحية طيبة أ. عدنان
    تحليل جميل جدا
    لكن ما هو توقعك للمدة الزمنية الفاصلة بين المرحلة الأولى والثانية ؟
    إذا كانت سريعة ومتقاربة .. ماهي الحكمة من هزيمة المسلمين بهذه السرعة ؟ ولماذا أصلا يقررون جميعا ويتحدون لإسترجاع الأقصى .. مالذي يدفعهم ؟ .. طبعا أحاول تخيل السيناريو على واقعنا الآن

    • RolexyMan كتب:

      لو افصحت عن رأيي قد لا تقبله الافهام لانه مجتزأ ولم يعرض كاملا حتى تتضح الصورة كاملة ويكون سيناريو قابل للتطبيق ولكن برأيي ان هذه هي الغضبة التي يغضبها الدجال ، المساس بدولة اليهود وبالتالي (يخرج) اي للقتال وهنا يحدث استعمار واحتلال يبقى لسنين طويلة وليس مسالة اشهر او اسابيع بل مرحلة كاملة يعاني منها المسلمين الامرين حتى يقيض الله المهدي الذي تجتمع عليه الكلمة وتتحد خلفه الصفوف ، والجدير بالذكر انه لو كان اعداء الامة فقط 3 ملايين اسرائيلي مقابل الف مليون مسلم فليس في ذلك اي كرامة ان يقاتل المسلمين من يفوقونهم عددا بهذه الصورة بل المسألة معركة شاملة كبيرة ، الفترة الفاصلة برأيي المتواضع بين الدخول الاول والكرة التي ترد لليهود فترة قصيرة ولكن بين احتلالهم ووعد الآخرة الفترة اللازمة لاستنزاف بحر الجليل بواسطة محطات التخلية لتغذية مستعمراتهم في الاردن ومصر والعراق وجزء من سوريا فاذا جفت كانت معركة النهاية ، وللمعلومية فان بحر الجليل (بحيرة طبريا) انخفض منسوب المياه فيها 8 امتار.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s