بسم الله الرحمن الرحيم
نظرة في سورة بني إسرائيل (2)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد النبي الأمين وآله الطيبين الطاهرين وصحابته وتابعيهم أجمعين
فقد قدمت رؤية سابقة لجزء من سورة الإسراء وهي النبوءة الشهيرة بإفساد بني إسرائيل وعلوهم وما يتلو ذلك من أحداث وكانت على شكل أسئلة وأجوبة ، ولكني وجدت أن الأفضل أن أقدم رؤيتي لتلك الآيات العظيمة التي تزدحم فيها المعاني بشكل يفوق الوصف أن أقدم رؤية تفصيلية أحاول فيها أن آتي على الآيات من بدايتها حتى نهاية النبوءة ، فأسأل الله أن يرشدني لصواب القول ويجنبنا الخوض في كلام الله بغير علم.
نستعرض الآيات الكريمة جملة :
وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)
ونقول بالله التوفيق وعليه الاتكال وهو المستعان:
1-   (وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ) : فقضاءُ الله هنا هو المُثْبَت من الله من فعل بني إسرائيل ، والقضاء يختلف عن القدر في قطعية الحدوث ، فالقضاء لا يُرَدّ ولا يَتَغَيَّر ولكن القدر يُرَدُّ بالدُّعَاء ويَتَغيَّر فإن حَدَثَ كان قضاءً ، يقول تعالى : { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } [الرعد:39] فما يمحوه ربنا جلّت قدرته هو القدر يمحوه لحكمة أو لدعاء أو لمشيئة أيا كانت ، ولو تتبعنا آيات القدر لوجدناها حتى وقوعها كانت تحتمل المحو والتغيير ولسنا هنا في باب تفصيل ذلك ولكن يهمنا أن القضاء بحدوث الأمر قاطع واقع لا محالة مثبت ودلالات ذلك في كتاب الله كثيرة فيقول جل شأنه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا } [النساء:47] ويقول جل شأنه { إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَٰكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } [الأنفال:42]ويقول ربنا تعالت ذاته :{وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ } [الأنفال:44]
2-    (إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ)  وهنا يحتمل الأمر أنهم يعلمون بما قضى الله عليهم به فيكون قوله تعالى (إلى) اخبروا بما سيكون منهم (فِي الْكِتَابِ) وقد اختلف العلماء فمنهم من قال قضى الله أليهم في الكتاب أي اخبرهم فيما أنزل إليهم (التوراة) فتكون بمعنى (أخبرنا بني إسرائيل في التوراة) وهو الأصح ويرى البعض أن قضاء الله في الكتاب لا يعني التوراة.
3-   (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) وما يؤيد أن الكتاب المذكور هو كتاب بني إسرائيل وأن القضاء إخبار بوقوع محتوم هو قوله جلت قدرته (لَتُفْسِدُنَّ) فالتاء أتت لتؤكد توجيه الخطاب لهم والنون لتوكيده فسادا واقعا منكم يا بني إسرائيل (فِي الْأَرْضِ) قال بعض العلماء أي (بيت المقدس) والأظهر هو الأرض بعمومها وكل الأرض وليس بيت المقدس فقط ، حيث أن من قال أنها القدس أو الأرض المباركة حصراً لم يعلمون بما سيقع من اليهود في عموم الأرض من فساد وإشاعة الربا والفجور والدعارة والإباحية والشذوذ وتزعمهم لنشر الربا وأكل أموال الناس بالباطل ، وقد اقترنت لفظة (الفساد) بلفظة (الأرض) بعموم الأرض وليس خصوص مكان بعينه، ومن وجه آخر القتل وسفك دماء الأبرياء في فلسطين وأكنافها فالفساد عام وخاص بذلك وذلك الإفساد معدود في هذا السياق فيقول جل شأنه (مَرَّتَيْنِ) ولا يخفى على كل من عرف هؤلاء وتاريخهم أن فسادهم وإفسادهم مستمر منذ أن استنقذهم موسى عليه السلام من يد فرعون وحتى اليوم فأي (مَرَّتَيْنِ) هي التي يعدُّها الله جل شأنه ؟ .
4-   (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) وهنا ما يميز ويبين الافسادين اللذين عدَّهُما الله تعالى أنه مصحوب بعلو كبير  وليس كإفسادهم وفسادهم وهم مستضعفين ، فشرط النبوءة حدوث الإفساد في ظل العلو الكبير ثم يحدث إفساد آخر في ظل هذا العلو نفسه ، وتقريبا للفهم في ذلك أن يكون لهم سلطة عظيمة يحدث خلالها افسادين ولكن ماذا يفصل بينهما ؟ هذا ما سنراه في ما يلي .
5-   وشرحا للآية الآنفة فإن الله قضى وأحكم قضاءه وأعلم بهِ بني إسرائيل في التوراة أنهم سيعلون علوا كبيرا يفسدون مرتين في الأرض عند علوهم ، وإذا تساءلنا ماذا يختلف إفسادهم في علوهم وإفسادهم في تشرذمهم وذلتهم ؟ فنقول أن العلو يسوّغ الفساد ويسوّغ الإفساد لمن ساءت نفسه ونضب خوفه من الله ، والإفساد قرين السلطة وليس قرين القهر فالمقهور لا يقدر على الإفساد وإن قدر على الفساد في نفسه ، والمقهور الذليل لا يملك نشر فساده في الأرض لضيق حاله واضطهاده وعدم وجود من يمده ويسانده في نشر فساده وظلمه وانشغاله بحاله وخوف زواله ، فأي مرحلة من مراحل حياة بني إسرائيل كانوا في علو أكبر مما هم اليوم ؟
لا يوجد عصر كان فيه بني إسرائيل ذوي علو كبير كعلوهم اليوم وسيطرتهم على مفاصل المال والأعمال والإعلام والاقتصاد ولمن يحتج بعهد داود وسليمان عليهما السلام نقول لا ينطبق ذلك على عهدهما فقد كان بني إسرائيل تحت ملكين نبيين صالحين مصلحين ولم يكونا مفسدين في الأرض ، بل كان ملك سليمان لا يشمل العالم كله ، وتميز ملكه كان في ما آتاه الله من خوارق وتسخير الجن والريح له كل ذلك إجابة لدعوته بملك لا ينبغي لأحد من بعده وعليه فإن العلو الكبير الذي لا مثيل له بدأ من بداية القرن الماضي وما يزال مستمرا حتى اليوم وهذا العلو ينسخ كل علو قبله فيكون دونه ليتصدر هذا العلو ويصبح هو ما أنبأ الله به ، ولو علا بني إسرائيل في المستقبل فوق هذا العلو لكان مقدما على علو اليوم.
6-   (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا) أي استطرادا لما جاء في الآية الأولى فإذا حل الوقت والزمن بحدوث الإفساد الأول كما قضاه الله ، ولكن الله في هذه الآية نعت هذه النبوءة  بـ (وَعْد) والوعد في القرآن يبرمه الله للمؤمنين والوعيد للكافرين وهذا الوعد المفعول هو امتداد لما اسماه الله (القضاء) أي الحدث الحتمي فالله جلت قدرته في غير موضع يربط الوعد المفعول والأمر المفعول بالقضاء كما أسلفنا في شرح الآية الأولى.
7-   (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا) وهنا قاعدة مهمة فقوله جلت قدرته “بعثنا” فإن كل بعث من الله هو خير للمؤمنين حتما ، فما وردت لفظة البعث إلا كانت خيرا لأولياء الله شراً على أعداءه ، هذه القاعدة الأصيلة لا يمكن معها اعتبار بعث الله في هذه الآية يعزى للبابليين أو الرومان أو أي من الأمم الوثنية أبداً ،  (عَلَيْكُمْ) يا بني إسرائيل (عِبَادًا لَّنَا) وهنا تأكيد على أن البعث ليسوا كفارا أو أعداءً لله أبداً ، فما ذكرت العبادة مضافا إليها لفظ الجلالة أو ضمير الملكية لنا إلا دل على أنهم مؤمنين فانظر معي :
قوله تعالى :{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ } [الأنبياء:73] والله يتحدث في سياق قصة إبراهيم وذريته الذين أضافهم إليه في العبادة (دلالة على العبادة لله بضمير المتكلم (لنا))  وقال جل شأنه : { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [الأنبياء:90] وهنا تزكية الله جل وعلا لعبده زكريا عليه السلام ويضيف خشوعه لله جل وعلا.
فعندما يقول جلت قدرته (عباداً لنا ) فهو جلت قدرته يشير لعباد مؤمنين وليس للبابليين أو الرومان فلا شرف في نسبة عبادتهم لله وهم يعبدون سواه ، فهم عبيد لله قهراً عباد للأوثان اختياراً.
8-   (أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ) فهؤلاء العباد لهم بأس وقوة شديدة في الحرب والقتال ، (فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ) بين المنازل والبيوت والمعابد والمباني ، فالديار هي مباني القرى والمدن ومرافقها عامة ، ففي المرة الأولى يتسلل عباد الله أولي البأس الشديد في ديار اليهود وطرقاتهم ومزارعهم ومبانيهم فيحتلونها ويسيطرون عليها ويطلبونكم ويبحثون عنكم ليقتلوكم، ومن ضمنها (المسجد الأقصى) كما في الآية التالية والتي سيأتي الحديث إليها.
9-   (وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا) وعدا من الله للمؤمنين (عباد الله) الذين تعرضوا لإفساد بني إسرائيل الأول وردوا على هذا الإفساد والكبر في الأرض والتسلط على العباد بأن أمكنهم على هؤلاء اليهود وملكهم ديارهم وأعاد لهم المسجد الأقصى الذي سلب منهم.
10-   (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) أي يعقب احتلالهم لأرضكم يا بني إسرائيل أننا نجعل لكم الغلبة عليهم ، (وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) فَيَرِدُ إليكم مالٌ وجندٌ تكونونَ بهِ أكثر عددا من عدوكم (المؤمنين) وأقوى فتخرجونهم وتهزمونهم ويكون لكم النصر والغلبة وقد يكون ذلك باب الإفساد الثاني ، فدخول عباد الله لديار بني إسرائيل هو الفاصل بين الافسادين والعلو واحد مستمر فهذا العلو هو الذي سهل إمدادهم بالمال والبنون من أنحاء العالم حتى أصبحوا أكثر نفيرا (أكثر عدداً) وتعود لكم السيطرة على المسجد الأقصى كما سنثبتهُ من خلال الآية التالية.
11-   (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) إذا دعتكم قدرتكم بعد أن مكنكم الله إلى الإحسان وترك الظلم والقهر واستضعاف البشر وإفساد الناس فإحسانكم لأنفسكم فما سلط عليكم عباد الله إلا بظلمكم فإن تركتموه أنقذتم أنفسكم وإن أسأتم فعلى أنفسكم ، فسوء فِعْلُكُم عليكم وإحسانكم لأنفسكم وليس لعدوكم ، ولكن سياق الآيات يبين لنا أنهم سيعودون للإفساد والظلم ، فبعد أن أمكنهم الله من عباده المؤمنين ( لا شك أنه بانحرافهم عن المنهج أو بشتات أمرهم واختلاف كلمتهم) فإن بني إسرائيل سوف يتابعون الإفساد والظلم بأكثر مما كانوا لأن عقابهم في المرة الثانية أنكى واشد من الأولى فشدة الهزيمة والعذاب تبعا لشدة الظلم والإفساد.
12-  (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ) فالوعد الأول حدث للمؤمنين ورد الله لليهود كرة اخرجوا فيها المؤمنين من ديارهم ومن المسجد فجاء وعد الآخرة ( أي توابع الإفساد الثاني) أو الإفساد للمرة الثانية كما أسلفنا في بيان ذلك في الآية السابقة (لتفسدن في الأرض مرتين) فهذه المرة الثانية ويبدو أن هذه المرة ستصاحب تدميرهم لعدوهم وتتلوها حتى يعود الله عليهم بالتدمير طالما عادوا بالفساد.
13-  (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) فأول مرة حين جاسوا خلال الديار دخلوا المسجد ، وهنا إعجاز بياني قرآني لا مثيل له ، فهذا المقطع القرآني نستنتج منه بوضوح أن من دخل وجاس خلال الديار في الإفساد الأول هم من سيدخل في الثانية حتما (كما دخلوا في المرة الأولى) ومن دلائل إيمان الداخلين وإسلامهم أنهم يدخلون المسجد فالله جل شأنه يذكر هذا الحدث كنصر للداخلين وهزيمة لبني إسرائيل ، واليوم يقع المسجد الأقصى تحت سيطرتهم فلا اشد وقعا من دخول المسلمين إليه فاتحين فهو عين النصر للمسلمين وعين الهزيمة لبني إسرائيل وليس كما قيل أنهم الوثنيين من سيدخل المسجد ، فضلا عن أن دخول الوثنيين للمسجد دَنَسٌ لبيت الله فكيف يعتبره الله انتصارا على بني إسرائيل ؟ وبعد تفصيل (عبادا لنا) لا حاجة لنا بتفصيل إثبات أن أعداء بني إسرائيل في المرتين هم المسلمون ولكن ذلك من نافلة القول.
14-    (وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) ففي هذه المرة يكون عقاب الله اشد وطأة بأيدي عباده المؤمنين ففي الأولى جاسوا خلال الديار ولكنهم في المرة الثانية سيكونون اشد على عدوهم (فيتبروا) أي يدمروا كل ما علو عليه ، أو يدمروا كل ما أعلاه بني إسرائيل في الأرض المقدسة، فيكون اشتداد العقاب تبعا لاشتداد الفساد كما أسلفنا.
15-  (عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ) وعسى من الله واجبه ولكنها هنا مشروطة فمعناها ( إذا انتهيتم عن الفساد وتوقفتم عن الظلم والخراب فسيوجب الله لكم الرحمة من الذل والقتل والتتبير والتدمير (وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًاأما إذا عدتكم لما كنتم عليه الفساد والظلم والخراب فسنعود عليكم  بمثل ما عوقبتم به آنفاً (في الدنيا) وستحصرون في جهنم في الآخرة.
قراءة في أقوال أهل العلم رحمهم الله
هنا نستعرض ما قاله علماؤنا الأجلاء رحمهم الله في تلك الآيات المتفق والمتعارض منها وآراء المتقدمين والمتأخرين مستحضرا في هذا ان المتقدمين منهم رحمهم الله لم يعاصروا ما يحدث في يومنا هذا والذي ساعد بشكل كبير في فهم تلك الآيات واستيعابها بصورة اشمل لاختلاف الرؤية بناءا على اختلاف الواقع ، فما تم وسمه بخط تحته وباللون الأحمر هو ما يستدعي التعليق عليه في ما يلي كل قول من أقوال المفسرين وبالله التوفيق.
تفسير الجلالين:
( وقضينا ) أوحينا ( إلى بني إسرائيل في الكتاب ) التوراة ( لتفسدن في الأرض ) أرض الشام بالمعاصي ( مرتين ولتعلن علوا كبيرا ) تبغون بغيا عظيما
5. ( فإذا جاء وعد أولاهما ) اولى مرتي بالفساد ( بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ) أصحاب قوة في الحرب والبطش ( فجاسوا ) ترددوا لطلبكم ( خلال الديار ) وسط دياركم ليقتلوكم ويسبوكم ( وكان وعدا مفعولا ) وقد أفسدوا الأولى بقتل زكريا فبعث عليهم جالوت وجنوده فقتلوهم وسبوا أولادهم موخربوا بيت المقدس.
6. ( ثم رددنا لكم الكرة ) الدولة والغلبة ( عليهم ) بعد مائة سنة بقتل جالوت ( وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ) عشيرة
7. وقلنا ( إن أحسنتم ) بالطاعة ( أحسنتم لأنفسكم ) لأن ثوابه لها ( وإن أسأتم ) بالفساد ( فلها ) إساءتكم ( فإذا جاء وعد ) المرة ( الآخرة ) بعثناهم ( ليسوؤوا وجوهكم ) يحزنوكم بالقتل والسبي حزنا يظهر في وجوهكم ( وليدخلوا المسجد ) بيت المقدس فيخربوه ( كما دخلوه ) وخربوه ( أول مرة وليتبروا ) يهلكوا ( ما علوا ) غلبوا عليه ( تتبيرا ) هلاكا وقد أفسدوا ثانيا بقتل يحيى فبعث عليهم بختنصر فقتل منهم الوفا وسبى ذريتهم وخرب بيت المقدس.
وقلنا في الكتاب ( عسى ربكم أن يرحمكم ) بعد المرة الثانية إن تبتم ( وإن عدتم ) إلى الفساد (عدنا) الى العقوبة وقد عادوا بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم فسلط عليهم بقتل قريظة ونفي بني النضير وضرب الجزية عليهم ( وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ) محبسا وسجنا
تفسير ابن كثير :
يقول تعالى:إنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب، أي:تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنـزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون علوًا كبيرًا، أي:يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس كما قال تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [ الحجر:66 ] أي:تقدمنا إليه وأخبرناه بذلك وأعلمناه به.
وقوله: ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا ) أي:أولى الإفسادتين ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) أي:سلطنا عليكم جندًا من خلقنا أولي بأس شديد، أي:قوة وعدة وسلطة شديدة ( فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ ) أي:تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي:بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون أحدا ( وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا )
وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم:من هم؟ فعن ابن عباس وقتادة:أنه جالوت الجَزَريّ وجنوده، سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد ذلك. وقتل داود جالوت؛ ولهذا قال: ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا )
وعن سعيد بن جبير:أنه ملك الموصل سنجاريب وجنوده. وعنه أيضًا، وعن غيره:أنه بختنصر ملك بابل.
وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال، إلى أن ملك البلاد، وأنه كان فقيرًا مقعدًا ضعيفًا يستعطي الناس ويستطعمهم، ثم آل به الحال إلى ما آل، وأنه سار إلى بلاد بيت المقدس، فقتل بها خلقًا كثيرًا من بني إسرائيل.
وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثًا أسنده عن حذيفة مرفوعًا مطولا وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث! والعجب كل العجب كيف راج عليه مع إمامته وجلالة قدره! وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي، رحمه الله، بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب.
وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أر تطويل الكتاب بذكرها؛ لأن منها ما هو موضوع، من وضع [ بعض ] زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحًا، ونحن في غُنْيَة عنها، ولله الحمد. وفيما قص الله تعالى علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم. وقد أخبر الله تعالى أنهم لما بغوا وطغوا سلط الله عليهم عدوهم، فاستباح بَيْضَتَهم، وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد؛ فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء.
وقد روى ابن جرير:حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال:سمعت سعيد بن المسيب يقول:ظهر بُختنَصَّر على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دمًا يغلي على كِبًا، فسألهم:ما هذا الدم؟ فقالوا أدركنا آباءنا على هذا، وكلما ظهر عليه الكبا ظهر. قال:فقتل على ذلك الدم سبعين ألفًا من المسلمين وغيرهم، فسكن .
وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المشهور، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه خلقًا منهم أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها. ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه، لجاز كتابته وروايته، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) أي:فعليها، كما قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [ فصلت:46 ] .
وقوله: ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ ) أي:المرة الآخرة أي : إذا أفسدتم المرة الثانية وجاء أعداؤكم  ( لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ) أي:يهينوكم ويقهروكم ( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ ) أي بيت المقدس ( كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) أي:في التي جاسوا فيها خلال الديار ( وَلِيُتَبِّرُوا ) أي:يدمروا ويخربوا ( مَا عَلَوْا ) أي:ما ظهروا عليه ( تَتْبِيرًا )
تفسير الطبري : تصرف واقتصار على مواطن الاختلاف)
وكان فساد بني إسرائيل في الأرض المرةّ الأولى ما حدثني به هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في خبر ذكره عن أبي صالح، وعن أبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن عبد الله أن الله عهد إلى بني إسرائيل في التوراة ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ) فكان أوّل الفسادين: قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، وكان يُدعى صحابين فبعث الجنود، وكان أساورته من أهل فارس، فهم أولو بأس شديد، فتحصنت بنو إسرائيل، وخرج فيهم بختنصر يتيما مسكينا، إنما خرج يستطعم، وتلطف حتى دخل المدينة فأتى مجالسهم، فسمعهم يقولون: لو يعلم عدونا ما قُذف في قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم، واشتد القيام على الجيش، فرجعوا، وذلك قول الله ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا ) ثم إن بني إسرائيل تجهَّزوا، فغزوا النبط، فأصابوا مهم واستنقذوا ما في أيديهم، فذلك قول الله ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا يقول: عددا.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان إفسادهم الذي يفسدون في الأرض مرتين: قتل زكريا ويحيى بن زكريا، سلط الله عليهم سابور ذا الأكتاف ملكا من ملوك فارس، من قتل زكريا، وسلَّط عليهم بختنصر من قتل يحيى.
حدثنا عصام بن رواد بن الجراح، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيان بن سعيد الثوري، قال: ثنا منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حُذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ بنِي إسْرَائِيلَ لَمَّا اعْتَدَوْا وَعَلَوْا، وقَتَلُوا الأنْبِيَاءَ، بَعَثَ الله عَلَيْهِمْ مَلِكَ فَارِسَ بُخْتَنَصَّر، وكانَ الله مَلَّكَهُ سَبْعَ مِئَة سَنةٍ، فسارِ إِلَيْهمْ حتى دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ فَحاصَرَهَا وَفَتَحَها، وَقَتَلَ عَلى دَمِ زَكَرِيَّا سَبْعينَ ألْفا، ثُمَّ سَبَى أهْلَها وبَنِي الأنْبِياء، وَسَلَبَ حُليَّ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَاسْتَخْرَجَ مِنْها سَبْعِينَ ألْفا وَمِئَةَ ألْفِ عَجَلَةٍ مِنْ حُلَيٍّ حتى أوْرَدَهُ بابِلَ، قال حُذيفة: فقلت: يا رسول الله لقد كان بيت المقدس عظيما عند الله؟ قال: أجَلْ بَناهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ ذَهَبٍ وَدُرّ وَياقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ، وكانَ بَلاطُه بَلاطَةً مِنْ ذَهَب وَبَلاطَةً منْ فِضَّةٍ، وعُمُدُهُ ذَهَبا، أعْطاهُ الله ذلك، وسَخَّرَ لَهُ الشَّياطينَ يأْتُونَهُ بِهذِهِ الأشْياءِ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ ، فَسارَ بُخْتَنَصَّر بهذِه الأشْياءِ حتى نـزلَ بِها بابِلَ، فَأقامَ بَنُوا إسْرَائِيلَ في يَدَيهِ مِئَةَ سَنَةٍ تُعَذّبُهُمُ المَجُوسُ وأبْناءُ المَجُوسِ، فيهمُ الأنْبِياءُ وأبْناءُ الأنْبِياء، ثُمَّ إِنَّ الله رَحمَهُمْ، فأوْحَى إلى مَلِك مِنْ مُلُوكِ فارِس يُقالُ لَهُ كُورَسُ، وكانَ مُؤْمِنا، أَنْ سِرْ إلى بَقايا بَنِي إِسْرَائِيلَ حتى تَسْتَنْقذَهُمْ، فَسارَ كُورَسُ بِبَنِي إسْرَائِيلَ وحُليِّ بَيْتِ المَقْدِسِ حتى رَدَّهُ إِلَيْهِ، فَأقامَ بَنُو إسْرَائِيلَ مُطِيعينَ لله مِئَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُمْ عادُوا في المعَاصِي، فَسَلَّطَ الله عَلَيْهِمْ ابْطيانْحُوسَ فَغَزَا بأبْناءِ مَنْ غَزَا مَعَ بُخْتَنَصَّر، فَغَزَا بَنِي إسْرَائِيلَ حتى أتاهُمْ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَسَبى أهْلَها، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وَقَالَ لَهُمْ: يا بَنِي إسْرَائِيلَ إنْ عُدْتُمْ فِي المعَاصِي عُدْنا عَلَيْكُمْ بالسِّباءِ، فَعادُوا فِي المعَاصِي، فَسَيَّر الله عَلَيْهِمُ السِّباء الثَّالِثَ مَلِكَ رُوميَّةَ، يُقالُ لَهُ قاقِسُ بْنُ إسْبايُوس، فَغَزَاهُم فِي البَرّ والبَحْرِ، فَسَباهُمْ وَسَبى حُلِيّ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ بالنِّيرَانِ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذَا مِنْ صَنْعَةِ حُلِيّ بَيْتِ المَقْدِسِ، ويَرُدُّهُ المَهْدِيُّ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَهُوَ ألْفُ سَفِينَةٍ وسَبْعُ مِئَةِ سَفِينَةٍ، يُرْسَى بِها عَلى يافا حتى تُنْقَلَ إلى بَيْتَ المَقْدِسِ، وبِها يَجْمَعُ الله الأوَّلِينَ والآخِرِينَ » .
ثم قال رحمه الله :
قال أبو جعفر: فعلى القول الذي ذكرنا عن ابن عباس من رواية السديّ، وقول ابن زيد، كان إفساد بني إسرائيل في الأرض المرّة الأولى قتلهم زكريا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، مع ما كان سلف منهم قبل ذلك وبعده، إلى أن بعث الله عليهم من أحلّ على يده بهم نقمته من معاصي الله، وعتوّهم على ربهم، وأما على قول ابن إسحاق الذي روينا عنه، فكان إفسادهم المرّة الأولى ما وصف من قتلهم شعياء بن أمصيا نبيّ الله. وذكر ابن إسحاق أن بعض أهل العلم أخبره أن زكريا مات موتا ولم يُقتل، وأن المقتول إنما هو شعياء، وأن بختنصر هو الذي سُلِّط على بني إسرائيل في المرّة الأولى بعد قتلهم شعياء. حدثنا بذلك ابن حميد، عن سلمة عنه.
وأما إفسادهم في الأرض المرّة الآخرة، فلا اختلاف بين أهل العلم أنه كان قتلهم يحيى بن زكريا. وقد اختلفوا في الذي سلَّطه الله عليهم منتقما به منهم عند ذلك، وأنا ذاكر اختلافهم في ذلك إن شاء الله.
وأما قوله ( وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ) فقد ذكرنا قول من قال: يعني به: استكبارهم على الله بالجراءة عليه، وخلافهم أمره.
وكان مجاهد يقول في ذلك ما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ) قال : ولتعلنّ الناس علوّا كبيرا.
حدثنا الحارث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وأما قوله ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا ) يعني: فإذا جاء وعد أولى المرّتين اللتين يفسدون بهما في الأرض. كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا ) قال: إذا جاء وعد أولى تينك المرّتين اللتين قضينا إلى بني إسرائيل ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ) .
وقوله ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا ) يعني تعالى ذكره بقوله ( بعَثْنا عَلَيْكُمْ ) وجَّهنا إليكم، وأرسلنا عليكم ( عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) يقول: ذوي بطش في الحروب شديد. وقوله ( فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا )
يقول: فتردّدوا بين الدور والمساكن، وذهبوا وجاءوا، يقال فيه: جاس القوم بين الديار وحاسوا بمعنى واحد، وجست أنا أجوس جوسا وجوسانا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، رُوي الخبر عن ابن عباس.
حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ ) قال: مشوا. وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: معنى جاسوا: قتلوا، ويستشهد لقوله ذلك ببيت حسان:
وَمِنَّــا الَّـذِي لاقـى بسَـيْفِ مُحَـمَّدٍ               فَجـاسَ بِـهِ الأعْـدَاءَ عُرْضَ العَساكِرِ
وجائز أن يكون معناه: فجاسوا خلال الديار، فقتلوهم ذاهبين وجائين، فيصح التأويلان جميعا، ويعني بقوله ( وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا ) وكان جوس القوم الذين نبعث عليهم خلال ديارهم وعدا من الله لهم مفعولا ذلك، لا محالة، لأنه لا يخلف الميعاد.
ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله ( أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) فيما كان من فعلهم في المرّة الأولى في بني إسرائيل حين بعثوا عليهم، ومن الذين بعث عليهم في المرّة الآخرة، وما كان من صنعهم بهم، فقال بعضهم: كان الذي بعث الله عليهم في المرّة الأولى جالوت، وهو من أهل الجزيرة.
ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،  قوله ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا ) قال: بعث الله عليهم جالوت، فجاس خلال ديارهم، وضرب عليهم الخراج والذلّ، فسألوا الله أن يبعث لهم ملكا يُقاتلون في سبيل الله، فبعث الله طالوت، فقاتلوا جالوت، فنصر الله بني إسرائيل، وقُتل جالوت بيدي داود، ورجع الله إلى بني إسرائيل ملكهم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا ) قضاء قضى الله على القوم كما تسمعون، فبعث عليهم في الأولى جالوت الجزري، فسبى وقتل، وجاسوا خلال الديار كما قال الله، ثم رجع القوم على دخن فيهم.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ، قال: أما المرّة الأولى فسلَّط الله عليهم جالوت، حتى بعث طالوت ومعه داود، فقتله داود.
وقال آخرون: بل بعث عليهم في المرّة الأولى سنحاريب، وقد ذكرنا بعض قائلي ذلك فيما مضى ونذكر ما حضرنا ذكره ممن لم نذكره قبل.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي المعلى، قال: سمعت سعيد بن جبير، يقول في قوله ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: بعث الله تبارك وتعالى عليهم في المرّة الأولى سنحاريب من أهل أثور ونينوى، فسألت سعيدا عنها، فزعم أنها الموصل.
ثم يقول رحمه الله:
القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ( 6 )
يقول تعالى ذكره: ثم أدلناكم يا بني إسرائيل على هؤلاء القوم الذين وصفهم جلّ ثناؤه أنه يبعثهم عليهم، وكانت تلك الإدالة والكرّة لهم عليهم، فيما ذكر السديّ في خبره أن بني إسرائيل غزوهم، وأصابوا منهم، واستنقذوا ما في أيديهم منهم. وفي قول آخرين: إطلاق الملك الذي غزاهم ما في يديه من أسراهم، ورد ما كان أصاب من أموالهم عليهم من غير قتال، وفي قول ابن عباس الذي رواه عطية عنه هي إدالة الله إياهم من عدوّهم جالوت حتى قتلوه، وقد ذكرنا كلّ ذلك بأسانيده فيما مضى
( وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ) يقول: وزدنا فيما أعطيناكم من الأموال والبنين.
وقوله ( وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ) يقول: وصيرناكم أكثر عدَدَ نافرٍ منهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله ( وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ) : أي عددا، وذلك في زمن داود.
حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ( وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ) يقول: عددا.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قالا قال ابن زيد، في قوله ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ) لبني إسرائيل، بعد أن كانت الهزيمة، وانصرف الآخرون عنهم ( وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ) قال: جعلناكم بعد هذا أكثر عددا.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور عن معمر، عن قتادة ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ) ثم رددت الكرة لبني إسرائيل.
حدثني محمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، في قوله ( وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ) قال: أربعة آلاف.
(ما تلا ذلك من قوله رحمه الله من نقول الاسرائيليات وكلها تعزو الخراب الواقع على اليهود أن يأتي من قبل بختنصر وسنحاريب وملوك كفارا آخرين) ثم يقول رحمه الله:
ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، عن عمر بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ) قال: عادوا فعاد، ثم عادوا فعاد، ثم عادوا فعاد. قال: فسلَّط الله عليهم ثلاثة ملوك من ملوك فارس: سندبادان وشهربادان وآخر.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال الله تبارك وتعالى بعد الأولى والآخرة ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ) قال: فعادوا فسلَّط الله عليهم المؤمنين.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ) فعاد الله عليهم بعائدته ورحمته ( وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا ) قال: عاد القوم بشرّ ما يحضرهم، فبعث الله عليهم ما شاء أن يبعث من نقمته وعقوبته، ثم كان ختام ذلك أن بعث الله عليهم هذا الحيّ من العرب، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة؛ قال الله عزّ وجلّ في آية أخرى وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ …. الآية، فبعث الله عليهم هذا الحيّ من العرب.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ) فعادوا، فبعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.
(واقول هنا رأي بأن البعث الثاني غير الأول دينا وجنسا وهذا جمع أنواع التناقض بين فحوى الآيات ومعناها)
حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله تعالى ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ) قال بعد هذا ( وَإِنْ عُدْتُمْ ) لما صنعتم لمثل هذا من قتل يحيى وغيره من الأنبياء ( عُدْنا ) إليكم بمثل هذا.
وقوله ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: وجعلنا جهنم للكافرين سجنا يسجنون فيها.
(ثم فصل رحمه الله في قوله تعالى (حصيرا) إلى آخر شرح الآيات بطرح الأقوال المختلفة بهذا المعنى)
التعليق على التفاسير
وهنا إجمال التعليق على أوجه الاختلاف والذي هو رؤية أن الفساد والإفساد والتسليط تمّ وانتهى وأنه على يد ملوك غابرين كافرين أو مرة على يد ملوك غابرين والآخرة على يد المسلمين وهذا مالا نرى صحته لعدة أسباب وهي كالتالي:
اولا: فالآيات تدل على أن ما تخبر به لم يحدث بعد ، وأنه مذكور في التوراة لا يعني حدوثه.
ثانيا: أن الافسادين مصحوبين بعلو كبير ولم يكن إفسادهم آنذاك مصحوباً بعلو ولو كانوا ذوي علو آنذاك فلم يكن كعلوّهم اليوم فعلوّ اليوم يَعْلو ما سبقه.
ثالثا: أن قوم جالوت غير قوم بختنصر والآيات تخبرنا أنهم (يدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة) أي أن عدوهم في الأولى هو نفس عدوهم في الثانية.
رابعا: أن قوم جالوت وبخت نصر كانوا أقواما كافرين ودخولهم المسجد دَنَسْ فإن كان رغماً عن اليهود فهذا حجة لهم لا عليهم وإنما استنقاذ المؤمنين لبيوت الله من أيدي اليهود هو الوعد والشرف.
خامسا: إن اليهود ارتكبوا من قتل الأنبياء ومن الفساد اكبر وأعظم من قتل زكريا وابنه حصرا عليهم السلام ، ولم يذكر الله قتلهم لزكريا ويحيى (تخصيصا في كتابه الكريم) بل أجْمَلَ قتلهم ضمن قتل الأنبياء بغير الحق وفصَّلَ في صور أخرى من صور الفساد التي هي أعظم من ذلك إضلالا وإجراما في غير موضع من كتاب الله كاعتدائهم في السبت وعصيانهم وكفرهم واتخاذهم العجل وغير ذلك من وجوه الفساد العظيم.
سادسا: يستقيم القول أن الوعد الثاني يسمى (وعد الآخرة) من وجهين أنه في الآخرة (أي آخر الزمان)  وأنه الثاني والأخير فإنه  في حال القول أنه مضى الوعد فلا شك أنه قبل الآخرة فيمكن أن يقال الوعد الثاني والأخير ولكنه لا يستقيم أن يسمى وعد (الآخرة).
سابعا: وأما القول بأن التسليط الثاني هو عندما أخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة فلا يمكن لأنهم كانوا جزء صغير من اليهود ولم يتحقق فساد في الأرض بمعناه الهائل بسبب تكذيبهم أو نقضهم المواثيق.
ثامنا : أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستنقذ منهم المسجد الأقصى ويدخله مرتين فلم يكن لهم عليه من سلطان.
تاسعا: إننا لا ننكر ما وقع من حوادث وتسليط لملوك بابل والرومان وسواهم ولكن نختلف في القول أن ذاك هو المقصود في الآيات من عدمه ، ونرى أن إسقاط الآيات على تلك الحوادث فاسد وغير صحيح ومتناقض مع الآيات من الوجوه التي ذكرنا آنفاً.
عاشرا : إنَّ ردُّ الكرَّةَ لليهود وإمدادهم بأموال وبنين لا يلزم أن يكون بسبب (إحسانهم وخضوعهم) بل قد يكون بسبب عصيان أعدائهم فيسلط اليهود عليهم .
 وبذلك نقول أنه طبقا لمقارنة وقائع اليوم بالماضي وبالنظر للآيات الكريمة من سورة الإسراء فإن اليهود اليوم في علو كبير ، وافسدوا في الأرض كلها فقد احتلوا بيت المقدس وشردوا النساء والرجال والأطفال وأخرجوهم من ديارهم والإخراج من الديار من أعظم الفساد ، وقد افسدوا حين أشاعوا الربا والزنا الخراب والفساد في كافة أنحاء الأرض وملكوا الإعلام والمال والسياسة وأصبحوا في مأمن من العقاب والمحاسبة ومن يخالفهم أو ينتقدهم فقد ارتكب جرما.
ولن يوقف إفسادهم إلا باستعادة المسجد الأقصى (المرة الأولى) واستنقاذه من أيديهم فيجوسون المؤمنين من عباد الله خلال ديارهم ويستنقذون مقدسات المسلمين ، ولكن الغرب والعالم ينتفض لنصرتهم فيمددهم بأموال وبنين ويصبحون أكثر عددا وصوتا منهم قبل المرة الأولى فالعرب والمسلمون اليوم أكثر نفيرا (عددا) من اليهود ولكن إذا حشدت تلك الدول جنودها للدفاع عن إسرائيل فسيكونون أكثر عددا وهنا الفساد الثاني حيث يخرجون أكثر مما اخرجوا ويفسدون أكثر مما افسدوا ويدمرون ويحرقون أكثر مما دمروا ، ويدنسون المسجد ويحتلونه، ويمكثون لهم ما شاء الله أن يمكثون.
ثم أن الله يقيض من يقود الأمة للمرة الآخرة بعد أن يمكثون ما شاء الله لهم تحت نير الظلم والاضطهاد بأقوى واشد وانكى مما هو عليه الوضع اليوم وهنا المعركة الفاصلة التي يعيد الله فيها العزة للمؤمنين على عدوهم ويعاقب عدوهم وتكون فيه الغلبة للمؤمنين كما اخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم ولذلك تفصيل طويل يسقط على واقعنا بدقة ولكن لعله يكون في مقال آخر وصلى الله على نبينا وحبيبنا محمد وآله وصحبه وسلم.
 

About عَدْنَاَنُ الْغَاَمِدِيّ

بَاَحِثٌ فِيْ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَتَفْسِيْرَاتِهِ، أنْشُرُ أبْحَاثِيْ رَغْبَةً فِيْ مُشَارَكَةِ المَعْرِفَةِ وَالبَحْثِ عَنِ الحَقِّ أيْنَمَا وُجِدْ ، ولَعَلِّيْ أُكتَبُ مِنَ المُتَدَبِّرِيْنَ الَّذِيْنَ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ بِمَا فِيْ صُدُوْرِهِمْ مِنْ كَلَاَمِ الله.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s