بسم الله الرحمن الرحيم
أَوْجُهُ البَيَانْ فِي كَلَامِ الرَّحْمَنْ (ظلال الساجدين)
قال تعالى : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } [الرعد:15]
مقدمة :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً أما بعد:
فقد استوقفتني هذه الآية الكريمة كثيراً فجهدت في فهم أوجه البيان فيها ، وعندما رجعت لكلام السلف رحمهم الله وجدت تأويلات لم أتبين منها المعنى المتسق مع قواعد كلية في القرآن الكريم حتى ظننت أن الله جل وعلا أكرمني بفهم وجه من وجوه البيان في هذه الآية الكريمة لعلي أعرضه آملاً من كل قارئ كريم أن يعقب بما يصوّب ما وصلت إليه فإن كنتُ أصبت فمن الله وحده وإن أخطأت فأسأل الله لي ولكم العفو والمغفرة والأجر على الاجتهاد ، وسأبدأ بعرض آراء المفسرين رحمهم الله وما نقلوه ُمن فهم بعض السلف رحمهم الله جميعاً ، ثم أبيّنُ ما وصلتُ إليهِ بإذن الله.
 بعض أقوال المفسرين رحمهم الله:
  • تفسير القرطبي رحمه الله : قوله تعالى : ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال قوله تعالى : ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها قال الحسن وقتادة وغيرهما : المؤمن يسجد طوعا ، والكافر يسجد كرها بالسيف . وعن قتادة أيضا : يسجد الكافر كارها حين لا ينفعه الإيمان . وقال الزجاج : سجود الكافر كرها ما فيه من الخضوع وأثر الصنعة . وقال ابن زيد : ” طوعا ” من دخل في الإسلام رغبة ، و ” كرها ” من دخل فيه رهبة بالسيف . وقيل : ” طوعامن طالت مدة إسلامه فألف السجود ، و ” كرهامن يكره نفسه لله تعالى ; فالآية في المؤمنين ، وعلى هذا يكون معنى ” والأرض ” وبعض من في الأرض . قال القشيري : وفي الآية مسلكان : أحدهما : أنها عامة والمراد بها التخصيص ; فالمؤمن يسجد طوعا ، وبعض الكفار يسجدون إكراها وخوفا كالمنافقين ; فالآية محمولة على هؤلاء ، ذكره الفراء . وقيل على هذا القول : الآية في المؤمنين ; منهم من يسجد طوعا لا يثقل عليه السجود ، ومنهم من يثقل عليه ; لأن التزام التكليف مشقة ، ولكنهم يتحملون المشقة إخلاصا وإيمانا ، إلى أن يألفوا الحق ويمرنوا عليه . والمسلك الثاني : وهو الصحيح – إجراء الآية على التعميم ; وعلى هذا طريقان : أحدهما : أن المؤمن يسجد طوعا ، وأما الكافر فمأمور [ ص: 264 ] بالسجود مؤاخذ به . والثاني : وهو الحق – أن المؤمن يسجد ببدنه طوعا ، وكل مخلوق من المؤمن والكافر يسجد من حيث إنه مخلوق ، يسجد دلالة وحاجة إلى الصانع ; وهذا كقوله : وإن من شيء إلا يسبح بحمده وهو تسبيح دلالة لا تسبيح عبادة .
  • تفسير ابن كثير  رحمه الله : يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه الذي قهر كل شيء ، ودان له كل شيء . ولهذا يسجد له كل شيء طوعا من المؤمنين ، وكرها من المشركين ،( وظلالهم بالغدو ) أي : البكر والآصال ، وهو جمع أصيل وهو آخر النهار ، كما قال تعالى : ( أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ) [ النحل : 48 ] .
  • تفسير ابن جرير رحمه الله : قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فإن امتنع هؤلاء الذين يدعون من دون الله الأوثان والأصنام لله شركاء من إفراد الطاعة والإخلاص بالعبادة له فلله يسجد من في السماوات من الملائكة الكرام ومن في الأرض من المؤمنين به طوعا ، فأما الكافرون به فإنهم يسجدون له كرها حين يكرهون على السجود . كما : –
–         20298 – حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) ، فأما المؤمن فيسجد طائعا ، وأما الكافر فيسجد كارها .
 –         20299 – حدثني المثنى قال : حدثنا سويد قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن سفيان قال : كان ربيع بن خثيم إذا تلا هذه الآية : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) قال : بلى يا رباه .
 –         20300 – حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) قال : من دخل طائعا ، هذا طوعا ( وكــرها ) من لم يدخل إلا بالسيف .[ ص: 404 ] وقوله : ( وظلالهم بالغدو والآصال ) يقول : ويسجد أيضا ظلال كل من سجد طوعا وكرها بالغدوات والعشايا . وذلك أن ظل كل شخص فإنه يفيء بالعشي ، كما قال جل ثناؤه ( أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ) ، [ سورة النحل : 48 ] .وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
 –         ذكر من قال ذلك :
 –         20301 – حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( وظلالهم بالغدو والآصال ) ، يعني : حين يفيء ظل أحدهم عن يمينه أو شماله .
 –         20302 – حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن سفيان قال في تفسير مجاهد : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ) قال : ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع ، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره .
 –         20304 – حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ( وظلالهم بالغدو والآصال ) قال : ذكر أن ظلال الأشياء كلها تسجد له ، وقرأ : ( سجدا لله وهم داخرون ) [ سورة النحل : 48 ] . قال : تلك الظلال تسجد لله .
  • تفسير البغوي رحمه الله : قوله عز وجل : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا ) يعني : الملائكة والمؤمنين ( وكرها ) يعني : المنافقين والكافرين الذين أكرهوا على السجود بالسيف .
أقول تعليقاً على ذلك : أما في القول بأن قوله تعالى (كرهاً) فيعني به الكافر الذي يسجد خوفاً من القتل فهذا بعيد ولا يستقيم ، فكيف يستشهدُ اللهَ بما ينهى عنه ويستنكره سبحانه ؟ فهو جلَّ وعلا يقول وقوله الحق : { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } [يونس:99] ونفى ونَهى عن الإكراه في الدين فقال جل من قائل : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [البقرة:256]، والكافر حين سجوده (إكراها) فهو بين أمرين ، إما أن سجوده تقيةً لا تنعقد به نية لله بل قد يسجد مضمراً أنه يصرف سجوده لسواه وهنا لا يصح ولا ينطبق السجود المذكور في الآية على حاله ، وإما أنه يسجد لله فعلاً وهنا انتفى الكفر وثبت الإيمان طالما انعقدت نيته أن سجوده لله خالصاً فلا يصبح سجوده كرهاً (بمفهوم الإكراه على السجود).
ثم أن القول بأن الإكراه يرادُ به هنا من أُكرهَ بالإسلام تحتَ حدِّ  السيف قولٌ منكر نافح المسلمين عقوداً طويلة ينكرونه ويتبرؤون منه ، فكيف نثبته هنا بأن المسلمين أدخلوا الناس في الإسلام بحد السيف وبقوة المنتصر وليس إيماناً واختياراً بينه وبين الجزية كما نعلم والله جلَّ وعلا يقول  : { لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } [البقرة:272] ، ويقول جل وعلا { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } [الكافرون:6].
والآية الكريمة اتسمت بالشمول إذ يقول ربنا جلت قدرته( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ..الآية) وبمفهوم الاكراه على السجود للكفار المكرهين على السجود – ان افترضنا وجودهم- لا يناسبون عددا اخوانهم من الكفار غير الساجدين، ولا يناسبون عددا الساجدين من المؤمنين – على افتراض ان السجود طوعا للمؤمنين- بينما تتميز اللآية الكريمة بالتعميم والشمول (من في السموات والأرض) فلا يوجد استثناء حتى نقسم الكفار إلى فريقين ، ثم ماهو مصير غير الساجدين الذين تقبض ارواحهم ولم يسجدوا لله سجده ؟متى يكونون قد سجدوا مكرهين ؟؟.
أما القول باقتصار ذلك على المؤمن المتثاقل للطاعة والمؤمن الذي لا يثقل عليه السجود ففيه حصر لمقصد الآية وتضييق لمراد الله الظاهر بسعة من شملتهم في الآية من كل شيء يسجد له كالجن مثلاً، فالله جل وعلا يقول في موضع آخر : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } [النحل:49]
القيمة السامية للسجود والمفهوم البشري للإهانة
إن السبب الذي يدفع الكثير من المفسرين ويشكل المكون الرئيسي لمفهوم السجود ليعممه على الكافرين والمؤمنين هو مفهوم أن السجود خضوع والخضوع إهانة ، فينصرف الذهن لوجوب إسجادُ الكافر (ولو لم يسجد) كصورة من صور إهانته وإخضاعه لله جل وعلا وهذا مفهوم فاسد ، فالسجود لله ليس كالسجود للبشر فهو كرامة عظيمة ورفعة لكل ساجد حرم الكافر نفسه منها في الدنيا وسيحرمه الله منها في الآخرة جزاءً له على الاستكبار عنها في الدنيا إذ يقول جل شأنه:
يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43)
يريدون السجود ولكنه يمتنع عليهم إذ استكبروا عنه في الدنيا فيحرمون من شرفه في الآخره فعدم تمكنهم من السجود هو عين (الإهانة) لذلك تخشع ابصارهم وترهقهم ذلة إذ لم يسمح لهم بنيل هذا الشرف ، ولقد بين لنا جلت قدرته في موضع آخر بأن من يستكبر عن السجود لله رب العالمين فقد أهان نفسه وأهانه الله ومن يهن الله فما له من مكرم ، وهنا يقول ربنا جلت قدرته:
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } [الحج:18]
فالسجود من كل المخلوقات أحياء وجمادات ، بشر ودواب وكل خلق الله عدا بعض من أهانوا أنفسهم واستكبروا عن السجود فأهانهم الله ، ومن يهن الله فما له من مكرم ، وبالتالي نفهم الآن أن الاصرار على إسجاد الكفار فيه خروج على مفهوم السجود ككرامة لا يستحقها إلا من أكره نفسه الأمارة على إتيانها وتلذذ بإخضاع رأسه لربه واعتقد وأيقن أن تلك هي العزة الحقيقية ، فلا ينبغي أن نعامل السجود لله كالسجود للبشر الذي يعتبر خضوع إهانة وذل ، فشرف السجود لن يناله يوم القيامة إلا من حازه في الدنيا.
 أوجه الآية ومفاهيمها
لقد وجدتُ أن مفهوم الإكراه الذي يتبناه الكثير – من المفسرين رحمهم الله المتقدمين والمتأخرين – مضطرين حينما أُغلق عليهم صرف المعنى إلى سواه ، فالله جل وعلا أورد في كتابه مفردتي (طوعاً وكرهاً ) في أكثر من موضع فإن نفي أن يكون الإكراه بمعنى الإرغام والإجبار فماذا عساه يكون ؟؟ ، وكيف يمتاز ديننا بتجنب العنف ضد الناس ومحاجتهم للتمييز بين الإيمان والكفر بالحكمة والموعظة الحسنة والسماحة مع المخالف في بعض آيات القرآن من جهة ، والإكراه بمعنى الإجبار بالقوة في بعضها الآخر ؟؟؟
 ولكن لكي نتمكن من إدراك جوانب أخرى ومفاهيم أوسع لهذه الآية الكريمة ينبغي أن ندرك ونفهم بقية الآيات اللائي تشتمل على هذا التعبير القرآني وفهمها في مواضعها المشابهة يقودنا إلى معرفة الوجه الصحيح من البيان والمعنى لمراد الله جل وعلا من ذلك ، ولا شك أن تكامل معنى الطاعة والإكراه في تلك الآيات وانتفاء التعارض بينها على الفهم الذي سأبينه يدل على صحته واتساقه.
وتلكم الآيات مترابطة معنوياً وكلُّ منها يفسر الأخرى من وجه والأخرى تفسر أختها من وجه آخر فيحصل التكامل بينها جميعا.
وسأجملها كما يلي:
قوله تعالى :
{ ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [فصلت:11]
{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } [الأحزاب:72]
{ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } [آل عمران:83]
{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } [الرعد:15]
مفهوم الطاعة والإكراه :
سأبدأ بالتعريف الذي وصلت إليه لمفهومي (طوعاً و كرهاً) ثم ابدأ في تفصيل تطبيق هذين المفهومين على الآيات الكريمة لنرى مدى اتساق المعنى من النص والسياق:
المفهوم العام للطاعة والاكراه
فإتيان الأمر (كَرْهَاً و كُرْهَاً ) هو:  مُغَالَبَةُ النَّفْسِ وَإكْرَاهُهَا لإتْيَانِ خِلاَفِ مَا تُرِيْدُ أوْ تَرْكِ مَا تَرْغَب سَوَاءً كَانَ ذَلكَ بِعِلَّةِ خَارِجِيَّةٍ كَالإكْرَاَهِ بِالقُوَّةِ أوْ بِعِلَّةٍ دَاخِلِيَّةٍ كَمُغَالَبَةِ النَّفْسِ رَهْبَةً وَتُقْيَةً مِنْ خَلْقِ أوْ تَقْوَى وَخِشْيَةً مِنْ اللهِ جلَّ وَعَلا .
وإتيان الأمر (طوعاً) هو: الانْدِفَاعُ لِإتْيَانِ الفِعْلِ رِضَاً وَرَغْبَةً بِلا مُغَالَبَةِ وَلاَ تَرَدُّدْ.
مفهوم إتيان الخلق لله طوعاً وكرهاً
مفهوم إتيان الخلق لله كرهاً : هُوَ امْتِلاكُ المَخْلُوْق لِإرَاَدَةِ الاخْتِيَارِ بَيْنَ الطَّاعَةِ وَالعِصْيَانِ ، وَإعْطَاءُ اللهِ لَهُ قُدْرَةَ التَّمْيِيِزِ بَيْنَهُمَا وَاخْتِيَارِ أحَدَهُمَا وإكراه نفسه على إتيانه وإكراهها على ترك ما سواه .(كالإنس والجان)
مفهوم إتيان الخلق لله طوعاً : هُوَ سَلْبُ حُرِّيَّة ِالاخْتِياَرِ مِنَ المَخْلُوقِ فيَكَوُنَ مَجْبُورَاً عَلَى الطَّاعَةِ مجْبُولاً عَليْها لا يَعْصِيْ للهِ أمْراً وَيَفْعَلُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ بِلا َاخْتِيَارٍ وَلاَ مُغَالَبَة.(كبقية الخلق)
ومنه (تطويع) الحديد وهو تشكيله حال تخليقه وصنعه فإذا بقي حتى يبرد بقي بصورته التي صنع وتشكل عليها ،وسنرى كيف أن الطائعين من خلق الله لم يخلقهما الله كذلك إلا باختيار سابق بأن يكونوا طائعين غير مكرهين ، فالاختيار كان حاضراً ولو لمرة واحدة.
والآن سنبدأ في تقصي معاني تلك الآيات:
أول هذه الآيات قوله تعالى:
{ ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [فصلت:11]
وكان ذلك دليل رحمة الله جل وعلا وحكمته وسعة علمه فقد خيَّر السماء والأرض حين شرع في خلقهما إمَّا أنْ يكونا بعد تكوينهما و اكتمال خلقهما عابدين لله (طوعاً) أم يختارا أن يعبدان الله (كرهاً) فاختارا أن يكونا طائعين ، فيكونا مطيعين لله لا خيار لهما في منهجهما بل يمتنع عليهما العصيان ولا يملكان من أمرهما سوى المضي في أمر الله على كل حال.
ومفهوم (الإتيان) هنا هو الكينونة ، فكأنه يقول جل جلاه (اختارا أن تكونا بعد اكتمال خلقكما طائعين أو تكونا مكرهين) تخييراً فاختارا الطاعة على الإكراه.
هذا اختيارهما ، ولو كانا اختارا الإتيان كرها فإن هذا يعني أن طاعتهما لله تكون بمغالبة أنفسهما عن عصيانه وأن تستلزم الطاعة إرادة تسيطر عليهما وتغلب نفساً أمارة بالسوء حتى تتحقق الطاعة ، وهنا قد يخضعا للنفس الأمّارة فيعصيان الله ، لهذا فقد أشفقا من ذلك واختارا الجبر على الطاعة.
ولو تتبعنا السياق بعد تلك الآية لرأينا كيف أصبحت طاعتهما لا تردد فيها ولا نقص فكل من عذبه الله بتسخيرهما لتنفيذ أمر الله في حق كل عاصٍ مجرم بلا تردد ولا إعراض عن أمر الله يقول جل وعلا في سياق تلك الآية:
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)
فسخر الله هذه المخلوقات العظيمة الطائعة كطاعة الملائكة لا خيار فيها ولا إرادة تحتمل الرفض والعصيان والخروج عن منهج الله.
ثاني هذه الآيات قوله تعالى:
{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } [الأحزاب:72]
وهذه صورة أخرى من الصور التي يعرضها لنا ربنا جلت قدرته حين خلق السماوات والأرض والجبال فكانت الأمانة التي خيَّروا أن يحملوها وهي ( الإرادة والاختيار) فكان الاختيار لمرة واحدة فاختارا أن يكونا طائعين لا إرادة لهما في الطاعة فيكونا كالملائكة:
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)
فانضم لجمع الطائعين كلُّ مخلوقات الله إلا الإنس والجن فهما يملكان إرادة الاختيار والتمييز يقهران أنفسهما طاعة لله ويكرهانها على التزام التقوى وإتباع أوامر الله وترك نواهيه أو يخضعان لأهواهما فيكون منهما العصيان والخلود للشهوة والشيطان.
وإشفاق السموات والأرض والجبال من الأمانة ( أمانة الاختيار) لأنهم يعلمون أنهم لو انحرفوا عن منهج الله لكان انحرافاً قد يقود الكون للفناء فانحراف الشمس مثلاً بأن تعصي الله فتتوقف عن أداء وظائفها في حين ضعفٍ أمام شهوة أو نفس أمارة فماذا عسى نتيجة ذلك إلا هلاك كل حي على وجه الأرض ؟؟ فيكون إشفاقا مما سيلحق بهم من عذاب الله بعد انحرافهم وعصيانهم فكان اختيارهم الأول أن يكونا في طاعة لا سبيل معها للاختيار أو الانحراف.
ولكن الإنسان حملت خلقته وطبيعته أمانة الاختيار فكان (ظلوماً) لنفسه عندما لم يدرك القيمة العظيمة للإرادة التي سلبت من سواه وكان (جهولا) بما ينتظره من نعيم إن هو أكره نفسه على الطاعة وعسفها عن المعصية بما لا يتأتى لسواه من المخلوقات.
 ثالث هذه الآيات قوله تعالى:
{ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } [آل عمران:83]
فتقدير الآية ( أفغير دين الله يبغون وإليه يرجعون ؟) واعترضت جملة (وله اسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً) فكان الإرجاع في الأصل مقصود به الكافرين واعتراض الجملة شَمِلَ المذكورين فيها مع المقصودين الأصليين.
وترتيب الله (للسماوات ثم الأرض) وترتيبه جل وعلا (طوعاً و كرهاً) فقدم السماوات التي تحمل الطائعين من الملائكة والجنة والنار والسماء وأخر (الكره والإكراه) مع الأرض وهي التي تحمل على ظهرها الإنس والجن المخلوقين بقدرة الإدراك والاختيار.
وهذا الترتيب نلحظه في كل المواضع التي نتحدث عنها فدائما يكون تقديم الطائعين وتأخير المختارين ، وفي هذه الآية تُصرف مفردة (طوعاً) لمن اختار الطاعة الدائمة بلا اختيار لما سواها وهم الملائكة والجنة والنار والسموات والأرض ، وتصرف مفردة (كرهاً) لمن أكرمه الله بأمانة الاختيار والإدراك والتمييز ومغالبة النفس وإكراهها على الخير ولو رغبت عنه وأطرُها على الطاعة ولو ركنت لسواها وهم الإنس والجان ، فهم كلهم مسلمين مقرين مستسلمين لله جل وعلا بعكس فئة قليلة منحرفة هم من يبتغي غير دين الله وسيرجعون إليه فيحاسبهم على كفرهم.
رابع هذه الآيات قوله تعالى:
{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } [الرعد:15]
وهي موضعُ هذا البحث ، فاللهُ جلت قدرته يخبرنا بأن كل من خلقه الله (طائعاً) لا إرادة له من ملائكة وجبال وشجر وجماد وحيوان ونحوه يسجد لله ، وكل من خلقه الله ذا إرادة يُـكْرِهُ نفسه الأمارة على التزام الطاعة وينهاها عن المعصية (كالبشر والجن) يسجدان أيضاً لله وظلال هؤلاء وهؤلاء تسجدُ للهِ بسجودهم ، ويبين تعالى أن حركة ظلال الأشياء في وقت الغدوة والروحة سجوداً لهُ جلَّ وعلا.
فكل أولئكَ يسجدونَ لله وظلالهم كذلك فلا يحسبنَّ الكافر العاصي أن السموات والأرض خلت من الساجدين لله وهو لا يعلم أن كل طائع بفطرتهِ وكل مؤمن بإرادتهِ يسجدون لله  وظلالهم تسجد لله وتلك المخلوقات تسبحه وتذكره ولم تخلوا الأرض من الطائعين الأبرار بل إنها كلها طائعة عابدة لله عدا أولئك الكافرين المنحرفين الذين أساءوا استخدام ما فطرهم الله عليه ، وفشلوا في حمل الأمانة التي حُمِّلوا إيَّاها وخانوا الله فمالوا عن منهج الله وأطاعوا الشيطان وأنفسهم الأمارة وشهواتهم الدنيئة.
 ومفهوم الإكراه مرتبط أيضاً بمفهوم (الكُره) بهذه الصورة في كتاب الله ليس بجديد ، فيقول جل جلاله:
{ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [الأحقاف:15]
فقد خلق الله للمرأة آلة الحمل والولادة وأعضائها تؤدي هذه المهمة ، ولو كرهت بذاتها ذلك أو أكرهت من بعلها عليه فإنها لا تملك منعه بكرهها أو إكراهها فقد فطرها الله على أن تحمل وتضع وترضع فكان جسدها قابلا لذلك مهيئاً له ، وكذلك الإنسان في حمله للأمانة ، فقد هيأ الله نفسه أن يملك أمره بنفسه فيختار الإيمان أو ينحرف للكفر فلا يمكن أن يسلبه احد إرادته ولو تمنى أن يكون طائعاً تبقى فطرته لا تخلو من المغالبة بين الحق والباطل ، والطاعة والعصيان.
والآية السابقة مثال ناصع على أن الحمل (كَرْهَاً) مرغوب برغم مشقته وجسد المرأة مهيأ لذلك ولعل منشأ القول بأن (كرهاً) يقصد بها إكراه الكفار على السجود لوجود ( علة خارجية ) تكرههم على فعل السجود وكأنها غابت عنهم وجود علة داخلية (تكره) الفاعل على الفعل لاتساقها مع تكوين الفاعل وخلقه ولا شك أن حمل المرأة ووضعها دليل على ذلك.
والشرع الحنيف يرفض إثبات العمل الناتج عن العلة الخارجية فلا يستقيم أن يستشهد به فالله جل وعلا يقول:
{ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النحل:106]
فلا يثبت الله جل وعلا كفر المُكْرَه على الكفر ولا إيمان المُكْرَه على الإيمان فالاختيار والولوج في الأمر بإرادة تامة وتمييز تام من شروط القبول ومن مميزات بني آدم إذ جعل لهم الادراك والارادة فيما نزعها من سواهم ،فكان مفهوم الآية الكريمة في مسألة الطاعة والإكراه  إذ ذاك يتحدث عن المؤمنين فقط ، المؤمنين فطرةً ، والمؤمنين اختياراً، وهذا (في نظري) أدق من القول  بأن المراد هو الطائعين بلا مشقة والطائعين بتثاقل ومشقة ، فالمفهوم الذي تحدثنا عنه أوسع واشمل وأكثر تماهيا مع السياق وموافقة للمراد.
قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (54) سـورة التوبة
هذه الآية الكريمة تحمل الحجة على عدم صحة القول بأن (طوعاً) للمؤمنين الطائعين و(كرهاً) للكافرين المكرهين على السجود ، وللاحتجاج بها وجهين :
أولهما أن الله رد على المنافقين نفقاتهم فلم يقبلها سواءً كان الإنفاق بطيب نفس ومسارعة أو بمغالبة نفس كارهة أوبإكراهها إتقاءً من المؤمنين، وبين جل وعلا على ذلك فقال : (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ  ) فكان الكفر مانعاً وحاجباً وحيداً ووجيهاً لقبول الطاعات ككل ومنها النفقات ، فكيف يحتج ربنا جل وعلا بسجود الكافر المكره على السجود وهو جل وعلا يرفض نفقة الكافر الذي ينفق بطيب نفس ومسارعة ؟؟ ، فالقول بأن المُكْره هو الكافر غير دقيق البتة فالله لا يقبل منه طاعة فيذكرها ويحتج بها ثم في هذه الآية يأنف منها ويرفضها بسبب كفر صاحبها.
ثاني أوجه الاحتجاج :
أن (كرهاً) في عمومها لا تعني بالضرورة الإكراه والإجبار تحت حد السيف وفي هذه الآية الكريمة لا تعني ذلك قطعاً وإلا فإنها لا تسمى نفقة أصلا بل مالاً مغتصباً من صاحبه ، وهذا خلاف مفهوم الكره الذي يقول القائل بأنه الإكراه بالقوة.
فإتيان الأمر (كَرْهَاً و كُرْهَاً ) هو:  مُغَالَبَةُ النَّفْسِ وَإكْرَاهُهَا لإتْيَانِ خِلاَفِ مَا تُرِيْدُ أوْ تَرْكِ مَا تَرْغَب سَوَاءً كَانَ ذَلكَ بِعِلَّةِ خَارِجِيَّةٍ كَالإكْرَاَهِ بِالقُوَّةِ أوْ بِعِلَّةٍ دَاخِلِيَّةٍ كَمُغَالَبَةِ النَّفْسِ رَهْبَةً وَتُقْيَةً مِنْ خَلْقِ أوْ تَقْوَى وَخِشْيَةً مِنْ اللهِ جلَّ وَعَلا .
وإتيان الأمر (طَوْعَاً) هو: الانْدِفَاعُ لِإتْيَانِ الفِعْلِ المطلوب رِضَاً وَرَغْبَةً بِلا مُغَالَبَةِ وَلاَ تَرَدُّدْ.
وفي هذه الآية يوجه الله جل وعلا نبيه أن يقول للمنافقين بأنكم سواء انفقتم خشية المؤمنين وأنفسهم كارهة أو بادرتم للانفاق راغبين بلا تردد ولا مغالبة نفس فلن يقبل الله منكم لأنكم كفار والله لا يقبل من الكفار طاعة وليس بعد الكفر ذنب.
 ولكن هل (الكُرْه والكَرْه) يقتصر على الكفار والمنافقين ؟؟ ، لا بل أن كثير من الطاعات يأتيها المؤمنين كارهين مكرهي أنفسهم لإتيانها وهذا أحد محاور هذا البحث ودليل ذلك من كتاب الله:
{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [البقرة:216]
فتكره أنفسهم القتال ولكنهم طاعة لله وخشية من غضبه ورغبة فيما عنده يكرهون أنفسهم على القتال ومنها أسميت المعركة (بالكريهة) لثقلها على النفس ونفورها منها. وقوله تعالى (تكرهوا شيئاً) يجوِّزُ كراهة ما سوى القتال من الطاعات الثقيلة على النفس.
والله أعلى وأعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

About عَدْنَاَنُ الْغَاَمِدِيّ

بَاَحِثٌ فِيْ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَتَفْسِيْرَاتِهِ، أنْشُرُ أبْحَاثِيْ رَغْبَةً فِيْ مُشَارَكَةِ المَعْرِفَةِ وَالبَحْثِ عَنِ الحَقِّ أيْنَمَا وُجِدْ ، ولَعَلِّيْ أُكتَبُ مِنَ المُتَدَبِّرِيْنَ الَّذِيْنَ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ بِمَا فِيْ صُدُوْرِهِمْ مِنْ كَلَاَمِ الله.

2 responses »

  1. mouaffaq al baghdadi كتب:

    بارك الله بك و بمواضيعك القيمة
    الرجاء متابعة http://www.youtube.com/watch?v=qDAlru9-kww و اعطائي رأيك

  2. twadu3 كتب:

    تحليل غاية في الروعة والعمق. أسأل الله أن يكتبه في ميزان حسناتكم وينفع به.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s