السَّبَبُ المَمْدُودْ وَ الحَبْلُ المَشْدُوْد
نظرة في قوله تعالى : { مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ } [الحج:15]
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
لا شك أن الآية الكريمة المسطرة في أعلى هذا المقال تستدعي التدبر والتفكير والبحث لمحاولة فهم أوجه البيان ومواطن الحكمة سواء ما سلف تأويلات وتفسيرات أو ما يمكن استنباطه من مفاهيم بالنظر للسياق ومحاولة تقديم قراءة تشتمل على تساؤلات عما سبق وتطرح رؤية جديدة ووجه آخر يقبل النقاش والرد والأخذ.
وفي بداية هذا المقال نحن بحاجة لمطالعة ودراسة أقوال علماء التفسير الأجلاء وما تأولوه من قراءتهم لهذه الآية الكريمة فنقول وبالله التوفيق:
  • ملخص ما ذكره الطبري رحمه الله:
  • القول الأول : بأن المراد بان من يظن بأن الله لن ينصر محمداً صلى الله عليه وسلم) (فليمدد بسبب إلى السماء) حبل إلى سقف الغرفة يعلق فيها رقبته حتى يختنق (وليقطع) ثم ليقطع الحبل (فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ) وبعد ذلك فلينظر هل سيزول غيظه وحقده الذي يحمله صدره ؟.
  • القول الثاني: أن المراد أن من كان يظن أن الله لن ينصر نبيه فليمدد بسبب على السماء وليقطع عنه الوحي الذي ينزل إليه فينقطع عنه النصر وإذا قدر على ذلك فينظر إن ذهب كيده الغيظ الذي في صدره.
  • القول الثالث أن الهاء في قوله (ينصره) أي يرزق محمدا صلى الله عليه وسلم والرزق من أوجه النصر.
  • القول الرابع : من كان يظنّ أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب إلى سماء البيت ثم ليختنق، فلينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ، أنه لا يرزق!
وقد كان ترجيح ابن جرير الطبري رحمه الله إمام المفسرين ما يلي:
(وأولى ذلك بالصواب عندي في تأويل ذلك قول من قال: الهاء من ذكر نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ودينه وذلك أن الله تعالى ذكره، ذكر قومًا يعبدونه على حرف وأنهم يطمئنون بالدين إن أصابوا خيرا في عبادتهم إياه، وأنهم يرتدّون عن دينهم لشدّة تصيبهم فيها، ثم أتبع ذلك هذه الآية، فمعلوم أنه إنما أتبعه إياها توبيخا لهم على ارتدادهم عن الدين، أو على شكهم فيه نفاقهم، استبطاء منهم السعة في العيش، أو السبوغ في الرزق. وإذا كان الواجب أن يكون ذلك عقيب الخبر عن نفاقهم، فمعنى الكلام إذن، إذ كان كذلك: من كان يحسب أن لن يرزق الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته في الدنيا، فيوسع عليهم من فضله فيها، ويرزقهم في الآخرة من سَني عطاياه وكرامته، استبطاء منه فعل الله ذلك به وبهم، فليمدد بحبل إلى سماء فوقه: إما سقف بيت، أو غيره مما يعلق به السبب من فوقه، ثم يختنق إذا اغتاظ من بعض ما قضى الله، فاستعجل انكشاف ذلك عنه، فلينظر هل يذهبنّ كيده اختناقه كذلك ما يغيظ، فإن لم يذهب ذلك غيظه؛ حتى يأتي الله بالفرج من عنده فيذهبه، فكذلك استعجاله نصر الله محمدا ودينه لن يُؤَخِّر ما قضى الله له من ذلك عن ميقاته، ولا يعجَّل قبل حينه، وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في أسد وغطفان، تباطئوا عن الإسلام، وقالوا: نخاف أن لا ينصر محمد صلى الله عليه وسلم، فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا ولا يُرَوُّوننا، فقال الله تبارك وتعالى لهم: من استعجل من الله نصر محمد، فليمدد بسبب إلى السماء فليختنق فلينظر استعجاله بذلك في نفسه، هل هو مُذْهِبٌ غيظه؟ فكذلك استعجاله من الله نصر محمد غير مقدّم نصره قبل حينه.
واختلف أهل العربية في ” ما ” التي في قوله: ( مَا يَغِيظُ ) فقال بعض نحوييِّ البصرة هي بمعنى الذي، وقال: معنى الكلام: هل يذهبنّ كيده الذي يغيظه، قال: وحذفت الهاء لأنها صلة الذي، لأنه إذا صارا جميعا اسما واحدا كان الحذف أخفّ. وقال غيره: بل هو مصدر لا حاجة به إلى الهاء، هل يذهبنّ كيده غيظه.)أ.هـ.
  • ملخص ترجيحات ابن عاشور رحمه الله:
لقد نص في أول تفسيره رحمه الله بالجملة التالية (موقع هذه الآية غامض ، ومُفادها كذلك) وبدأ في ربط الآية الكريمة بالسياق وما سبقها من تصنيف لفئات من الناس في قوله تعالى { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم } [ الحج : 8 ] وقوله تعالى { ومن الناس من يعبد الله على حرف } [ الحج : 11 ] فكانا فريقين وأن المراد في الآية موضع البحث أنهم فريق ثالث أسلموا واستبطأوا نصْر المسلمين فأيسوا منه وغاظهم تعجُّلهم للدخول في الإسلام وأن لم يتريثوا في ذلك وهؤلاء هم المنافقون .
والاحتمال الثاني عنده أن الآية استئناف وتذييل لوصف من ذكروا في قوله تعالى { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم } [ الحج : 8 ] بعد جمل اعتراضية ،ونص على ما يتعلق بالسبب والسماء بقوله :
“واسم { السماء } مرادٌ به المعنى المشهور على كلا الاحتمالين أيضاً أخذاً بما رواه القرطبي عن ابن زيد ( يعني عبد الرحمان بن زيد بن أسلم ) أنه قال في قوله تعالى : { فليمدد بسبب إلى السماء } قال : هي السماء المعروفة ، يعني المُظِلة . فالمعنى : فليَنُط حبلاً بالسماء مربوطاً به ثم يقطعه فيسقط من السماء فيتمزق كل ممزق فلا يغني عنه فعله شيئاً من إزالة غيظه” أ.هـ
ثم يشرح قوله في تفسير الآية فكان ذلك بهذا النص:
وأما استخراج معنى الآية من نظمها فإنها نُسجت على إيجاز بديع ، شُبهت حالة استبطان هذا الفريق الكفر وإظهارِهم الإسلام على حنَق ، أو حالةُ تردّدهم بين البقاء في المسلمين وبين الرجوع إلى الكفار بحالة المغتاظ مما صنع فقيل لهم : عليكم أن تفعلوا ما يفعله أمثالكم ممن ملأهم الغيظ وضاقت عليهم سُبل الانفراج ، فامدُدوا حبلاً بأقصى ما يُمَدّ إليه حبلٌ ، وتعلّقوا به في أعلى مكان ثم قطعوه تخرّوا إلى الأرض ، وذلك تهكم بهم في أنهم لا يجدون غنى في شيء من أفعالهم ، وإنذار باستمرار فتنتهم في الدنيا مع الخسران في الآخرة .
ويحتمل أن تكون الآية مشيرة إلى فريق آخر أسلموا في مدة ضعف الإسلام واستبطأوا النصر فضاقت صدورهم فخطرت لهم خواطر شيطانية أن يتركوا الإسلام ويرجعوا إلى الكفر فزجرهم الله وهددهم بأنهم إن كانوا آيسين من النصر في الدنيا ومُرتابين في نَيل ثواب الآخرة فإن ارتدادهم عن الإسلام لا يضرّ الله ولا رسوله ولا يكيد الدينَ وإن شاءوا فليختنقوا فينظروا هل يزيل الاختناق غيظهم ، ولعلّ هؤلاء من المنافقين .
فموقع الآية على هذا الوجه موقع الاستئناف الابتدائي لذكر فريق آخر يشبه من يعبد الله على حرف ، والمناسبة ظاهرة .
ويجيء على هذا الوجه أن يكون ضمير { ينصره الله } عائداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مروي عن ابن عباس واختاره الفرّاء والزجاج .
ويستتبع ذلك في كل الوجوه تعريضاً بالتنبيه لخلص المؤمنين أن لا ييأسوا من نصر الله في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط . قال تعالى : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين } [ الأحزاب : 2324 ] الآية .
والسبب : الحبل .
وتقدم في قوله { وتقطعت بهم الأسباب } في [ سورة البقرة : 166 ].
والقطع : قيل يطلق على الاختناق لأنه يقطع الأنفاس .
و ( مَا ) مصدرية ، أي غيظَهُ .
والاستفهام ب { هل } إنكاري ، وهو معلق فعلَ { فلينظر } عن العمل ، والنظر قلبي ، وسمي الفعلُ كيداً لأنه يشبه الكيد في أنه فعله لأن يكيد المسلمين على وجه الاستعارة التهكمية فإنه لا يكيد به المسلمين بل يضر به نفسه .” أ.هـ
(الإشكال على تأويلات الآية)
سأسرد الإشكالات على قبول تلك التأويلات سرداً عاماً مفصلاً في نقاط متتالية فأقول وبالله التوفيق:
أولاً: لاحظت في معظم الأقوال ضعفاً في ربط الآية بالسياق لاستجلاء المعنى عدا بعض ما أورده الإمام الطبري وابن عاشور رحمهما الله.
ثانياً: إرجاع الضمير في {ينصره الله} للنبي صلى الله عليه وسلم لا دليل عليه فلا ذكر له عليه الصلاة والسلام في السياق السابق ولا التالي ، كما أن نسبة الضمير للرسول صلى الله عليه وآله وسلم يحصر الآية في الإشارة لمن عاش في زمن الرسول بالنظر لقوله تعالى{في الدنيا والآخرة}.
ثالثاً: القول بأن السبب هو (حبل) بعيد الاحتمال لكون علة استعمال السبب في الآية لوظيفة محددة وهي وسيلة كيد فأي كيد في شنق الإنسان نفسه ؟ ومن هو المكاد له ؟
رابعاً: إن قلنا إن السبب حبلٌ يتصل بسقف الغرفة التي تظله فكيف يقطع بعد أن يشنق ؟؟ وما هي صورة الكيد في ذلك ؟؟.
خامساً: أن يكون السبب هو حبل يتصل بالسماء أمر محال فكيف يترتب عليه قطع أو نتيجة بالنظر في ذهاب الغيظ من عدمه ؟ فطالما استحال العمل المبدئي فلن يتحقق الفاعل من بقية الأفعال المترتبة ، بمعنى أن العمل هو (مدُّ السَّبب للسَّماء) ثم (القطع) ثم (النظر في أثر ذلك الكيد في ذهاب الغيظ) فإن استحال الأول فما جدوى الإغراق في الثاني والثالث ؟ فكان يمكن الاكتفاء بالتحدي بأن يصل إلى السماء بسبب.
 
(توجيه الآية الكريمة)
إن الكيد في هذه الآية الكريمة كان المفتاح لفهمها على هذا الوجه وذلك على ضوء تعريف الكيد في بحث سابق عن مفهوم المكر والكيد والخداع ، فلما كان فهم الكيد على الوجه الذي سبق بيانه ينطبق على هذا المفهوم فقد بينت حقيقتها وانجلى وجه هام وناصع لهذه الآية العظيمة.
ولا شك بأن فهم السياق واستعراضه أول عمل ينبغي لنا القيام به فننظر فيه عن بعد ونقسم السياق إلى سياقات فرعية ونوجد الروابط النسيجية التي تربط التراكيب بمفاهيمها المختلفة مع التراكيب التي تسبقها والتي تليها والتي تشابهها في مواضع أخرى حتى نصل إلى انبلاج صورة جديدة نرجو أن تكون صواباً.
ونبدأ في سرد السياق ونجد أن هذه الآيات من سورة الحج تأتي بعد ثلاث آيات هي فواتح السورة ثم يبدأ السياق الرئيسي في تصوير أصناف الناس (الكافرين متبعي الشياطين ، الكافرين مضلي الناس عن سواء السبيل، المنافقين المرتابين عابدي الله على حرف ، المؤمنين من أهل جنات النعيم ، ثم من في السماوات ومن في الأرض وباقي الخلق)
ونجمل الآيات الكريمة فنستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ (4) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18) [الحج]
وسنكتفي بتوضيح صورة السياق ومحتواه إجمالاً ثم ننطلق للآية التي نريد فهمها بدقة وهي الآية الخامسة عشرة من سورة الحج ، والتي نعتقد أنها استطراداً واستئنافاً للفئة الموصوفة في الآية الحادية عشرة .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) [الحج]
فهذا يعتقد أن مقابل عبادته هو تلقي النصر والرزق والخير من الله، فإن أصابه خير ظن أنه إنما هو ثمن عبادته التي أدّاها وإن ابتلاهم الله وأصابتهم فتنة بنقص الرزق أو المرض أو الفقر انقلب على وجهه فترك عبادة الله ظناً منه أن الله تخلى عنه فيرد عليه بالتخلي عن العبادة لأنه يظن أن الله محتاج للعبادة كما يحتاج هو للرزق فطالما مُنِع الرزق أو الخير أو الصحة فإنه يرد بالتمرد على خالقه فيمنع العبادة وهو لا يعلم أنه إنما يخسر بذلك دنياه وآخرته إذ يجعل من عبادته مقايضة مع ربٍّ لا يريد منه طعاما ولا عبادة ولا سجوداً وأن عبادته له وسجوده له ولا ينال الله منه خير ولا يناله من كفره شرّ.
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) [الحج]
ثم ينتقل ربنا يثني على المؤمنين عاملي الصالحات ويعدهم بالجنات التي تجري من تحتها الأنهار وفق إرادته سبحانه وتعالى وليس فرضاً عليه بسبب أعمالهم ، ثم يستأنف الحديث عن الفئة السابقة من العابدين على حرف ويبدأ من حيث انتهى حيث انتهى بانقلابه على وجهه وخسرانه فيقول تعالى:
مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) [الحج]
فإن أيقن هذا الخاسر الذي أصابته الفتنة أن الله لن ينصره ولن يرزقه وامتلأ قلبه غيظاً على ربه وندماً على ما قدم من عبادة فله أن يكيد لربه لينفِّسَ عن غيظه ويذهبه بأن (يَمْدُد) بسبب إلى السماء ، أي يقيم مع ربه عبادة والسبب هنا هو العبادة والطاعة المتصلة بالرب جل جلاله ، والسماء يراد بها إلى الله وقد عَبَّر عنها ربنا جل جلاله بالسماء لارتياب هذا الناكص في صاحب هذه السماء ، وقد ورد التعبير بالسماء كناية عن الله جل جلاله في كتاب الله إذ يقول تعالى { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [ الذاريات :22].
إذن فليمدد هذا المنُقلِب صلة وسبباً بعبادة متصلة لله في سماءه حتى إذا استقرت ورأى فيها ثمناً ومغنماً عظيماً قطعها عن الله لعل ذلك يذهب غيظهُ ويحقق انتقامه إن ظن أن الله ينتفع بعبادته كما ينتفع هو برعاية ربه ونصره ورزقه فإن قطع عبادته رد على قطع الله نصره كما يصور له ظنه.
ولنعود لتعريف الكيد ونرى كيف ينطبق على هذا الفعل :
الكيد : كل تَدْبِيرٍ لِفِعْلٍ خَفِيِّ أو ظَاهر يريدُ مِنهُ الكاَئِد استدراج و دَفعُ المكيدِ أنْ يرتكبَ فعلاً أو عملاً سيئاً أو جرماً وذنباً بإرادتهِ بدونِ جَبرٍ أو إرغام.
فالقيام بعبادة متصلة لله ثم قطعها فجأة فعلُ كيدٍ يريد الكائد منه استفزاز المكيد لظنه أن هذا الفعل يغضبه ويؤذيه في حين أن هذا الكائد هو من سيزيد خسراناً على خسرانه والله الذي يريد أن يكيد له لا حاجة له في عبادة ولا طاعة.
وفي الآية الثامنة عشرة يبين الله جلت قدرته بأن كل خلق الله يسجدون له ويسبحونه ويذكرونه إلا قلة من الناس فهم مقارنة مع عباد الله من البشر والملائكة والجان الجماد لا يذكرون وفوق ذلك فإن عبادة كل هؤلاء لله إنما هي لأنفسهم لا ينال الله منها منفعة ولا يضره منها نقص وأولئك القلة الشاذين بين الخلق مهانين أهانهم الله فلن يجدوا من يكرمهم ويرفع عنهم المهانة والذل وفق مشيئة الله وقدرته كما كان إكرام المؤمنين وإدخالهم الجنات ليس بأعمالهم بل بإرادة الله ومشيئته .
وهكذا كان الله جل وعلا فيما يظهر من الآية يتهكم على المنافقين المرتابين الذين يظنون أن الله ينتفع بعبادتهم كما ينتفعون هم برعايته ونصره ورزقه وحفظه تعالى لخلقه ، فإن قدر عليهم رزقهم أو حرمهم النصر لحكمة عنده غضبوا وندموا على عبادتهم فكانت النصيحة لهم أن يخلصوا له في عباده ثم يقطعونها كما في نظرهم مد الله لهم أسباب الدنيا من رزق ونصر وإرشاد ثم قطع عنهم شيئاً من ذلك وعندما يرتكبون هذا الفعل ربما يزول الغيظ من قلوبهم
إن البشر حين يعتادون من بعضهم صلة أو يداً أو رعاية ثم يقطع تلك العادة فإن ذلك القطع يولد غيظاً لدى البشر يظهر على وجوههم وأفعالهم والمنافقين الذين ما قدروا الله حق قدره يعتقدون واهمين أن الله كذلك لهذا اختار الله هذا المثل ليثبت لهم أن نتيجة ذلك الفعل لن تغير في الأمر شيئاً فهم الخاسرون خسراناً مبيناً.
والله أعلم وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

About عَدْنَاَنُ الْغَاَمِدِيّ

بَاَحِثٌ فِيْ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَتَفْسِيْرَاتِهِ، أنْشُرُ أبْحَاثِيْ رَغْبَةً فِيْ مُشَارَكَةِ المَعْرِفَةِ وَالبَحْثِ عَنِ الحَقِّ أيْنَمَا وُجِدْ ، ولَعَلِّيْ أُكتَبُ مِنَ المُتَدَبِّرِيْنَ الَّذِيْنَ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ بِمَا فِيْ صُدُوْرِهِمْ مِنْ كَلَاَمِ الله.

10 responses »

  1. Shiny star كتب:

    جزاك الله خيرا ..

  2. أبو نضال خلف كتب:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
    مررت على المقال ..ووجدت طرحا جديدا !!
    ولكني قبل ردي وتعليقي ونقاشي سأقرأه ثانية بإذن الله .
    شكرا لك أستاذ عدنان الغامدي .

    • اخي الاستاذ ابانضال
      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
      لي طلب حفظك الله قبل أن تقرأ هذا المقال أن تسبق بقراءة موضوع الفرق بين المكر والكيد والخداع لارتباط فهم الآية بالمفهوم الدقيق والصحيح للكيد خلاف ما شاع من تعريفات لتلك المفردات ولكم الدعاء بالتوفيق والسداد.

  3. احمد السعدني كتب:

    رائع
    ربنا رزقك البصر والبصيرة .
    يارب ارزقني فهما صحيحا لدينك.
    استمر وربنا معاك

  4. د حسنيه عبدالله حويج كتب:

    بارك الله فيكم د عنان وبآل ألغامدي الكرام جميعا نزلت بعض أبحاثكم على صفحتي في الفيسبوك لكن لم يظهر الاسم
    أرجو المعذرة، وقد ألحقت بها تنويها باسم الكاتب داعية لكم بكل خير.

  5. أبو نضال خلف كتب:

    الأستاذ عدنان الغامدي
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    عذرا لتأخري في التعليق والرد على تحليلك وبيانك لآيةٍ حارت فيها عقول السابقين واللاحقين إلا من رحم ربي سبحانه !!
    حقيقة لك شكر على طرقك لهذه الآية وسرد ما كان من تفسيرات وتأويلات عقيمة من التراث القديم ومفسريه للآية المذكورة في سورة الحج “15”!!
    وقد مررت على مقالك وكلما سِرْت واقتربت من البيان كان يحذوني الأمل والرجاء بأن تصل في شرحك للمعنى العقلاني والمنطقي والقرآني الذي أنتظره وأريده ويثلج صدري !!
    بداية وقبل كل شيء ، وذلك لبيان أن الآية لا ترتبط بزمن محدد ثم تنطوي ..بل هي إلى آخر الزمان .
    أستاذنا الفاضل عدنان ::/
    أضع بين يديك شرحا آخر لهذه الآية ، وقد توصلت له بعد عناء وجهد وبحث مضني ، وذلك بسبب مهم لي ..ألا وهو أن التفاسير القديمة – كما أشرت في مقالك وكأن الله تعالى يأمر من يغتاظ من نصرة الله لنبيه صلى الله عليه وآله أن يقتل نفسه شنقاً !! وكيف هذا وقد حرّم الله قتل النفس والتعدي عليها بظلم ؟؟؟!!
    أخي الفاضل :
    الآيات من الحادية عشرة إلى السادسة عشرة لها علاقة فيما بينها وكما لها علاقة بآيات أخرى، فلنرَ تلك الآيات والعلاقات:
    ** الآية الحادية عشرة من سورة الحج هي قوله تعالى: «ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين»
    إن كل مسلم يبتلى في هذه الدنيا، فقد أخبرنا الله تعالى عن ذلك بقوله: «ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون» (البقرة، 2/155-157).
    من الناس مَن لا يحتمل صعوبات الحياة والتي تصيبه في حياته اليومية، فيستعين بمن يظن أنه قريب من الله، فيضل بذلك وهو يحسب أنه يحسن صنعا.
    ** والآية الثانية عشرة تبين ذلك «يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد».
    والمسلمون اليوم يلجئون في مثل هذه الظروف العسرة إلى الأضرحة كضريح الحسين والبدوي وغيرها في بلاد المسلمين وغير المسلمين . لأنهم يرون أنهم يتقربون إلى الله بذلك، والحقيقة أن أصحاب هذه الأضرحة موتى لا يسمعونهم ولا يستجيبون. ولا يمكننا أن نرى هؤلاء الموتى قبل يوم القيامة. قال الله تعالى: «قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين، ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون» (الأحقاف، 46/4-5).
    ثم يأتي هذا الشخص إلى رجل يظن أنه مقرب من الله وعالم من علماء الدين الإسلامي فيجعله وسيطا بينه وبين الله تعالى ويستعين به في الخلاص من المصائب.
    ** والآية الثالثة عشرة تبين هذا قال الله تعالى«يدعو لمن ضره أقرب إليه من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير». والمدعو نفسه محتاج إلى العون فكيف يُستعان به؟ قال الله تعالى: «والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون» (الأعراف، 7/719)
    ويصبح هذا الشخص عضوا في جماعة ما، و يكون عبدا لمن جعله وسيطا بينه وبين الله تعالى، ويقدم له الهدايا والقرابين، وينحني أمامه تعظيما له فصار به مشركا. وخسر الدنيا والآخرة بالرغم من أنه ذهب إليه ليتخلص من المصائب وليفوز بالسعادة. قال الله تعالى: «واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون» (يس، 36/74-75).
    هكذا يجعل كثير من الناس بينهم وبين الله وسطاء.. يعتقد هؤلاء الناس أن هؤلاء الوسطاء يمتلكون من الخوارق ما يمكنهم من الوساطة بين العبد وربه وذلك مثل شيوخ الطرق وأرواح الموتى، ومن يُظَنُّ أنهم مقربون إلى الله، فيتوسلون بهم لتوصيل طلباتهم ودعائهم إلى الله تعالى. والإسلام يحرم مثل هذه الأفعال ويعدُّها شركاً بالله، والشرك إثم لا يغفره الله، بينما هؤلاء يستحلون ما حرم الله من الشرك بدعوى التقرب إليه وهذا هو الفرق بين الحق والباطل.
    وقد عبر عن المستعان في الآية الثانية عشرة بـ”ما”، وعبر عنه في الآية الثالثة عشرة بـ “من”. كما بين في الآية الثانية عشرة أن المستعان شيء لا يضر ولا ينفع، أما الآية الثالثة عشرة فبينت أنه شخص ضرره أقرب من نفعه.
    ونفهم من الآيات أن هناك شيئان مختلفان قد استعين بهما، وعلى هذا الأساس تفسر الآيات. وفي التفاسير التقليدية قيل أنها أوثان أُتخذت آلهة من دون الله تعالى.
    وكلمة «العشير» في آخر الآية الثانية عشرة لها أهمية في فهم الآية. ويقال العشيرة على من انحدروا من صلب واحد وعاشوا على شكل الجماعة.
    أما العشير يقال على قوم يعيشون معا سواء انحدروا من صلب واحد أو من أصلاب متعددة يتعارفون بينهم.[9] ويقال لهم اليوم: أفراد الحزب أو الرهط أو الجماعة. وفي أيامنا تتكون الجماعة بالتفاف عدد من الناس حول شخص يزعم بأنه مقرب من الله تعالى وأن الله مكنه من أن يعين الآخرين. والذي يفر إليهم يعتبر أنه قد انضم إلى الجماعة، ويمكنه أن يكسب بعض المنافع الدنيوية بانضمامه لتلك الجماعة. وهذا هو المقصود بالنفع المذكور في الآية. كما دلَّ عليه قوله تعالى: «وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين» (العنكبوت، 29/25).
    وقد بات ذاك الشخص المذكور يحاول عبثا الوصول إلى رضى الله تعالى بالوسائط المتعددة والتي لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً.. إن هذه الوسائط ما كانت إلا سببا في ازدياد بعده عن الله سبحانه، وقد أوقعته في أزمة نفسية وتركته بلا ظهير أو نصير. والحقيقة أنه يعرف أنَّ كل شيء بيد الله تعالى،وأن ما من شيء في الأرض ولا في السماء إلا منقادٌ لأمره وخاضعٌ لحكم مشيئته
    وحين لم يتخلص هذا الشخص من المصائب ظن أن الله لا ينصره في الدنيا ولا في الآخرة، فيقول الله تعالى له مظهرا رحمانيته: اترك ما أنت عليه من الخطأ، واتبعني واتجه إلي مخلصا، وحينئذ انظر هل تتخلص من المصائب أم لا.

    شرح الكلمات الواردة في الآية:
    “فليمدد” من المد بمعنى تطويل الشيء بالمد. ويأتي بمعنى إقامة العلاقة بشيء بواسطة أو بدونها.
    السبب: بمعنى الشفيع، والوسيلة والواسطة. وقال الراغب الأصفهاني: السبب: الحبل الذي يصعد به النخل، وجمعه أسباب، قال: «فليرتقوا في الأسباب» (ص، 38/10). ولا يجوز للمسلم أن يجعل بينه وبين الله شفيعا لأن الله تعالى أقرب إليه من حبل الوريد.
    ويقصد بـ “السماء” في قوله تعالى: «فليمدد بسبب إلى السماء» الدعاء. فقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يدعو الله لتكون القبلة نحو البيت الحرام، وقد سطّرت آيات الكتاب العزيز ذلك بقوله تعالى: «قد نرى تقلب وجهك في السماء» (البقرة، 2/144).
    ويقصد بكلمة “ليقطع” : أي ليقطع العلاقة مع غير الله تعالى. لأن ما أوقعه في هذه الحالة تلك الوسائط التي اتخذها من دون الله وأعطاها أوصافا لا تليق إلا لله ولا يختص بها إلا هو سبحانه فأصبح بذلك مشركا. وبما أنّ الشرك ظلم لا يغفره الله تعالى؛ لذا فليقطع تلك العلاقة مع من اتخذهم _ زورا _ أنداداً لله تعالى، ليبقى مع الله وحده. قال الله تعالى: «إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً» (النساء، 4/48).
    و “ثم” هنا تفيد الفورية. أي يجب عليه أن يقطع علاقته مع غير الله على الفور. لأن “ثم” تأتي بمعنى “مع” والتي تفيد المصاحبة كما في الآية التالية. «ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ» (البلد، 90/17).
    و”هل” الإستفهامية في آخر الآية تستعمل لطلب الجواب الإيجابي في حادثة ملموسة. ولا تستعمل في التصور الذهني ولا لطلب الجواب السلبي
    وكلمة “كيد” تأتي بمعنى القرب من الشيء، وإيجاد الحل، وبذل الجهد. وكيد الشخص لنفسه هو جلب النفع له، وبيان الاتجاه الصحيح في الطريق.
    والكيد في الآية معناه الطريق، لأنه كيد الإنسان لنفسه. وتأتي “الكيد” بمعنى المكر. والمكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة. ولذلك ضربان:
    الأول: مكر مذموم، وهو أن يتحرى به فعلاً قبيحاً، وعلى مثل ذلك قال الله تعال: «وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ» (يوسف، 12/52).
    والثاني: مكر محمود، وذلك أن يتحرى بذلك فعلاً جميلاً، وعلى مثل ذلك قال الله تعالى:
    « و كذلك كدنا ليوسف » (يوسف، 12/76).[15]
    وكلمة غيظ ، هي الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه. وفسرنا الغيظ في الآية بـ “الكآبة” لأن شدة الغضب تؤدي إلى الكآبة.
    إذن :
    التفسير الملخص والإجمالي :
    من كان قد يئس في حياته بعد اتخاذ خلقا من دون الله يستعين بهم كالأحزاب والتنظيمات والشخصيات البارزة في المجتمع يتعزز بهم ويظن أنهم مانعوه من كل مصيبة وضائقة ..
    ومن اتخذ جمادا من دون الله كالصنم والقبر يستعين بهم ويطلب العزة منهم ..
    على هؤلاء بعد يأسهم مما عبدوا من دون الله ..عليهم أن يقطعوا علاقاتهم كلها مع الآلهة المزعومة ويتصلوا برب السماء من خلال الطاعة والقربات والعبادة الحقة .. ثم بعد هذا لينظروا : هل ذهب يأسهم وضيقهم في الحياة الدنيا أم بقي ذلك اليأس والإحباط ؟؟!!
    أسأل الله تعالى التوفيق والسداد لي ولكم ولسائر المؤمنين أمة محمد صلى الله عليه وآله .

    • شكرا لكم استاذ عدنان

    • أخي الكريم الاستاذ ابا نضال
      لا أعلم سبب غفلتي عما تفضلت به في التعليق ولكن اود التعليق على ما تفضلت به :
      أولا: فقد أختلف معكم وفقكم الله في وصم تفسيرات السابقين بالعقيمة ، فرأيي المتواضع هو ضرورة حفظ قدر أولئك المجتهدين الأفاضل فيما قدموا ونحن بشر مثلهم قد نصيب وقد نخطئ وكلنا نقدم تفسيرا ولا نقدم تأويلا فالتأويل هو معرفة المعنى على مراد الله وتعالى وهذا لا يمكن الجزم به ولكن التفسير هو استباط المجتهد فقد يوافق تاويلا وقد لا يوفق المجتهد في ذلك .

      ثانياً: ما تفضلت به تفسير وجيه وهو صحيح في أصله كمبدا شرعي إيماني ، أما عن مدى انطباقه على الآيات فقد يكون ذلك ولكن في رأيي انه يشكل عليه أن القطع متصل بالسبب الممدود إلى السماء ، فلو قال : “فليمدد بسبب إلى السماء ويقطع ما سواه” لكان ذلك موافقاً ، كما أن القطع يترتب عليه نظر ، فقال : (ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) أي أن قطعه للسبب المدود للسماء يتبعه نظر في نتيجته إن كانت تذهب الغيظ أم لا .

      إن كنت قد اسأت الفهم بهذا الرد فأتمنى منك التوضيح

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s