بسم الله الرحمن الرحيم

الوَجْهُ الأسْلَمُ لِمَفْهُومِ المُتَشَابِهِ وَالمُحْكَمْ

 

 الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده                           وبعد

 

يقول الحق جل جلاله :

 

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [آل عمران:7]

 

توطئــة

 

استوقفتني هذه الآية الكريمة كما استوقفت غيري فأدركت أهمية تدبرها والبحث حتى الوصول لمفهومها فتتبعت أقوال علمائنا الأجلاء فيها فكان حولها الكثير من الإشكالات والتساؤلات والتعارضات ، فلم أقع على إجماع على المتشابه وتحديد دقيق للمحكم ، ولم أجد حديثاً نبوياً شريفاً بشأن التفريق بين المحكم والمتشابه بل أقوال منقولة يختلف بعضها عن بعض وتتلاقى في مواضع أخرى.

وقد بحثت منطلقاً من لبنات الآية ومفرداتها حتى وصلت من خلال هذا البحث لنتيجة وجيهة استناداً للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، وقد قسمت البحث إلى قسمين أتطرق في أولهما تلمس الفرق بين مفردات متكررة متعلقة بهذا المطلب وهي مفردات (القرآن ، الفرقان ، الكتاب ) ، إذ وجدت أن كلاً منها يختلف عن الآخر دلالياً ولم تستعمل في مواضعها في القرآن الكريم جزافاً بل لأن كلا منها يناسب الموضع الذي وضعت فيه ولا يناسبه سواها كما اعتدنا عليه في كتاب الله جل وعلا ، فسأتطرق لتعريف كل منها ومن ثم يسهل علي في المطلب الذي يليه أن أصلها بمفهوم الفرق بين المحكم والمشابه.

 

وكل أملي من القارئ الكريم أن يقرأ ويتتبع ما كتبت بتأنٍ وروية ومراجعة ، وأن يدون ملاحظاته حتى ينتهي من قراءة البحث كاملاً فإن كان ما كتبته صدقاً وهدىً وفتحاً فالحمد لله ، وإن كان خطأً وسوء تقدير وفهم فاستغفر الله تعالى من الزلل وأرجو تصويب خطأي وستجدونني إن شاء الله من الصالحين.

 

مواطن الإختلاف عن المفاهيم السابقة

إن مفهومنا للمحكم والمتشابه وفق ما شرحه علمائنا باختلاف أقوالهم رحمهم الله كان يستند إلى جذر أساسي ينظر إلى الكتاب على أنه تسمية أخرى للقرآن الكريم وأن أي إشارة وذكر لمفردة الكتاب فإنه يشير إلى القرآن الكريم أو يشير إلى التوراة والكتب السماوية الأخرى بمعنى الوحي المنزل على أنبياء الله والذي دُوِّن وكُتِبَ بالأقلام على صحائف ورقية جمعت بين دفتين فكانت كتابا.

وفي مفهومنا الأدق الذي توصلنا إليه ونطرح اليوم إثباته هنا نقول بأن هذا القول غير دقيق فقد وجدنا أن مفردة الكتاب في التعبير القرآني لا يقصد بها الوحي السماوي المسمى بالقرآن والتوراة والإنجيل والزبور ولا تعني مفردة كتاب ما جمع مكتوبا على صحف بين دفتين كما يُعْتَقد.

وبالتالي سيختلف مفهوم المحكم والمتشابه طالما أن الأساس الذي بنى العلماء مفهومهم للمحكم والمتشابه وهو الكتاب وطالما اختلف فسيختلف ما يتبع ذلك في الآية السابعة من آل عمران وهي موضع البحث هنا.

إن مفهوم الأوراق المكتوبة بالحبر والمجموعة بين دفتين وتسميتها كتاب إنما هو تحور في المفهوم حدث بمرور الزمن وإلا فإن القرآن الكريم أسمى تلك الأوراق (قراطيس) يقول تعالى :

{ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } [الأنعام:91]

أي شرعاً منزلاً تكتبونه في صحائف تظهرون منها ما وافق أهوائكم وتخفون من الشرائع ما خالف شهواتكم وأقام عليكم الحجة فتتلاعبون بفرائض الله وتعبثون  بالتنزيل تحريفا وإخفاءً.

ويقول جل شأنه :

{ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } [الأنعام:7]

فلو كان الكتاب هو الورق المجموع بين الدفتين لما استدعى الأمر أن يؤتى بمفردة (قرطاس ، قراطيس) ، فطالما كان كتابا (مجموعاً) لوجب أن يكون في ورق ولكن المراد من قوله تعالى  “كتاب في قرطاس أي شريعة مدونة على ورق ، أي لو أن الله أنزل شريعته من السماء إلى الأرض مكتوبة في صحائف فرأوها بأعينهم ولمسوها بأيديهم فلن يكفهم ذلك وسيصفونه بالسحر المبين  فهذا تبيان آخر للفرق بين مفهوم الكتاب في استعمالنا اليوم وبين المفهوم القرآني للمفردة.

إننا يجب أن نقر بأن استعمال المفردات اعتراه الكثير من التحوير والتغيير فأضحت تستعمل على غير ما كانت تستعمل في أصلها وأمثلة ذلك في حياتنا كثيرة نذكر منها على سبيل المثال في مفردة (الإنسان) التي ما وردت في كتاب الله  إلا على سبيل التحقير والوضاعة في مادة الخلق وفي سوء الخلق ولكن استعمالنا لها اليوم أصبح للتكريم والتبجيل فصارت الإنسانية مرادف للعطف وحسن الخلق (وسبق لي نشر بحث بذلك) ، فهل نحتج الآن بسوء استعمالنا للمفردة على القرآن ؟ أم أن القرآن الكريم هو الحجة ؟؟.

وهكذا فإن مفهوم مفردة الكتاب يجب ردها لسياقها القرآني ومفهومها الحقيقي فيكون هو الحجة وليس ما درج عليه الآباء والأجداد هو الحجة على التنزيل الحكيم.

إن مفهومنا للكتاب وفق السرد القرآني الدقيق هو الشرائع المكتوبة والفرائض الواجبة على المسلمين دون سواها وتلك الفرائض منزلة في القرآن الكريم محكمة مجملة ومنزلة أيضا في السنة النبوية والحديث الشريف ولكنها مفصلة وهنا نجد المتشابه أما التنزيل الحكيم فكله محكم كما سنرى في هذا البحث.

ومن أحد الظواهر القرآنية الجديرة بالتأمل والتي تثبت ما سنصل إليه في هذا البحث هو تسمية “أهل الكتاب”  فلك أيها القارئ الكريم أن تتساءل، لماذا جمع اليهود والنصارى تحت إسم (أهل الكتاب)؟ ، فلو كان القرآن كتاب والإنجيل كتاب والتوراة كتاب بمفهوم المخطوط بالحبر على الورق لأسمى الله اليهود والنصارى (أهل الكتابين) بصيغة المثنى ،  ولكن لمَّا كان المعنى من مفردة الكتاب (الشريعة) وما كتبه الله عليهم من الفرائض ولمَّا كان عيسى عليه السلام أتى متبعا لشريعة موسى عليه السلام ولم يأت بشريعة جديدة فقد نُسِبَ أهل الديانتين (اليهود والنصارى) إلى كتاب واحد أي شريعة واحدة.

وهي كما في الدين الإسلامي نزلت ضمن التوراة وفصلت وحيا آخراً ضمن سنن موسى عليه السلام القولية والفعلية.

الاحتجاج بأقوال العلماء رحمهم الله

إن الاحتجاج على مفهومنا بأقوال العلماء رحمهم الله في مفهوم المحكم والمتشابه لا يمكن اعتباره وجيها يرد القول ويظهر الخطأ فيه ، ذلك أن الإتيان بتلك الأقوال على سبيل الاحتجاج لا محل له هنا لأن الاختلاف يعود لأصل المسألة وهو اعتبار الكتاب هو مرادف للقرآن والكتاب هو القرآن وهذا مفترق الطرق فإن أراد أحد أن يرد القول بالحجة فعليه أولا أن يثبت خطأ القول بأن مفهوم مفردة الكتاب تعني الشريعة الموحى بها من الله وما كتبه على خلقه وليس ما بين الدفتين من أوراق مدونة مكتوبة هنا تكون قضيت على الفكرة في مهدها وبينت خطأها بدون الحاجة للانتقال لما بعد ذلك وهو مفهوم المحكم والمتشابه.

وهذا المفهوم إنما تأسس على غير ما تأسس عليه المفهوم التقليدي لذلك فلا ينقض الفكرة إلا ما ينقض أساسها. ولكننا في سبيل تبيان أقوال العلماء رحمهم الله في المحكم والمتشابه سنورد ملخصا للمشهور من أقوالهم مما سيساعد القارئ الكريم على تبين مانحن بصدد إثباته ومقارنته مع سبق من أقوال :

فتح القدير للشوكاني (1/ 360)

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ الْمُحْكَمَاتِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ عَلَى أَقْوَالٍ

1-فَقِيلَ: إِنَّ الْمُحْكَمَ: مَا عُرِفَ تَأْوِيلُهُ، وَفُهِمَ مَعْنَاهُ، وَتَفْسِيرُهُ. وَالْمُتَشَابِهُ: مَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ سَبِيلٌ. وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، قَالُوا: وَذَلِكَ نَحْوُ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ

2-وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ: مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا، وَالْمُتَشَابِهُ: مَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، فَإِذَا رُدَّتْ إِلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَأُبْطِلَ الْبَاقِي صَارَ الْمُتَشَابِهُ مُحْكَمًا وَقِيلَ: إِنَّ الْمُحْكَمَ: نَاسِخُهُ، وَحَرَامُهُ، وَحَلَالُهُ، وَفَرَائِضُهُ، وَمَا نُؤْمِنُ بِهِ وَنَعْمَلُ عَلَيْهِ، وَالْمُتَشَابِهُ: مَنْسُوخُهُ، وَأَمْثَالُهُ، وَأَقْسَامُهُ، وَمَا نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نَعْمَلُ بِهِ. رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،

3-وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ: الذي ليس فيه تصريف ولا تحريف عما وضع له، والمتشابه: ما فيه تصريف، وتحريف، وَتَأْوِيلٌ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ

4-وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ: مَا كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يرجع فيه إِلَى غَيْرِهِ، وَالْمُتَشَابِهُ:

مَا يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْمُحْكَمَاتِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ. ا.هـ

وهنا يحضرني تعليق على القول الرابع وهو ما وصفه النحاس بأنه أحسن ما قيل في المتشابهات إذ يقول : المحكم ما كان قائما بنفسه لا يحتاج إلى أن يرجع فيه إلى غيره والمتشابه ما يرجع فيه إلى غيره ا.هـ.

وأقول كيف ذاك والله يقرر بأنه لا يعلم تأويله إلا الله ؟؟ ومن هذا الغير الذي يشارك الله في علم لا يعلمه سواه ؟؟

 

المطلب الأول : مفهوم مفردة (القرآن)

 

إن هذا البحث يقوم في أساسه على إعادة فهم وتعريف وتحديد المعنى الدقيق لمفردتي الكتاب والقرآن حتى نتمكن من إثبات أنهما ليسا مترادفين وأن كلا المفردتين تحمل كل منهما دلالة تختلف عن الأخرى .

وهذا البحث كما سبقه من الأبحاث فإني سأبدأ بالتعريف ومنه سننطلق لأبعاد البحث الأخرى لنستطيع مقارنة استقرائنا مع التعريف فنقول وبالله التوفيق بعد البحث والتقصي واستقراء الآيات تبين لي بأن تعريف القرآن هو:

 

هو : كَلاَمُ اللهِ تَعَالَى الّذِيْ نَزَّلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ مِنَ الوَحْيِ المُحْكَمِ المُثْبَتِ رَسْمَاً وَنَصَّاً المُتَعَبَّدِ بِقِرَاءَتِهِ وَتَرْتِيِلِه.

 

وهو : كُلُّ مَابَيْنَ الدَّفَّتيْن مِنْ بَسْمَلَة الفَاتِحَةِ إلى آخِرِ سُوْرَةِ النَّاسْ.

 

وهنا نعلم أن الله جلت قدرته قد أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وحييْن اثنين ، أحدهما القرآن الكريم والآخر هو الحديث الشريف الذي يحمل تفصيلاً للتشريع ، ولكن الحديث لا يتعبد المسلم بقراءته كالقرآن وقد يختلف لفظه من راوٍ لآخر مما يفرد ويميز القرآن عما يتوافر في السنة النبوية وعلى هذا الأساس كان القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع مكتسباً صفة قطعية الثبوت.

والله جل وعلا حين يورد مفردة القرآن فإنها ترد على سبيل تمييز الوحي الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم عن سواه حيث أن التوراة نزلت على موسى والإنجيل على عيسى عليهما السلام ، وتأتي على سبيل التذكير بميزة القرآن المتعلقة باسمه وهي “القراءة” المتعبد بها ، ما يميزه عما سبقه من الوحي النازل على أنبياء الله ، وسنتتبع فيما يلي ذكر مفردة القرآن في التنزيل الحكيم باستعمالين فالمجموعة الأولى تصنف على أنها ذكر القرآن في إشارة للقراءة أو الإنصات كعبادة في حد ذاتها ، والثانية للإشارة تمييزاً للوحي المحكم المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن بقية الكتب السماوية النازلة على سواه من الأنبياء عليهم السلام.

يقول تعالى:

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [البقرة:185]

وهنا نلحظ بوضوح استعمال تسمية “القرآن” لارتباط شهر رمضان بقراءة القرآن تعبداً.

{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الأعراف:204]

 

وهنا استعملت التسمية في سياق الحديث عن القراءة بصوت مسموع وما يتعلق بها من حكم وهو الإنصات والاستماع و لم يتطرق لتسمية التنزيل الحكيم بالكتاب في هذه الآيات .

 

{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [النحل:98]

{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } [الإسراء:45]

{وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا } [الإسراء:46]

 

{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [الإسراء:78]

{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا } [الإسراء:106]

 

فأشار تعالى للتنزيل الحكيم في المواضع السابقة باسم القرآن لأن المسلم يتعبد بقراءته أو الإنصات له فلم يسمِّه بالكتاب إلا أن القرآن الكريم يشتمل عليهما وسنأتي على ذلك لاحقا.

وفيما يلي سنستعرض نماذج من الآيات التي يرد فيها اسم التنزيل الحكيم “القرآن” على سبيل التمييز كوحي اختص به محمد صلى الله عليه وسلم دون بقية الأنبياء والرسل عليهم السلام.

 

يقول تعالى :

 

{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [النساء:82]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } [المائدة:101]

{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة:111]

{مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ } [طه:2]

{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ } [يس:69]

{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } [الزخرف:31]

وأختم بآية بينة تثبت بأن القرآن والكتاب ليسا بذات الشيء فيقول تعالى:

{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [الإسراء:88]

 

فالتحدي في هذه الآية هو الإتيان بآية من القرآن وليس من الكتاب ذلك أن القرآن كله محكم ولكن الكتاب فيه المحكم والمتشابه والقرآن توقيفي في نصه بينما الكتاب تصنيف وليس اسم جنس والكتاب كتصنيف أوتي موسى قبل محمد صلى الله عليهما وسلم كما أنه يشتمل على ما هو دون ذلك وسيأتي توضيح ذلك في نتيجة هذا البحث .

 

المطلب الثاني : مفهوم مفردة (الكتاب)

 

نجد أن مفردة “الكتاب” وردت في وصف ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك ما نزل على موسى عليه السلام ، والحقيقة أني لاحظت -كما سبق وقلت- خلطاً بين مفهوم الكتاب الذي نعرفه اليوم وهو الصحائف الورقية المكتوبة وبين المفهوم الحقيقي لمفردة “كتاب” في القرآن الكريم .

وبعد تتبع واستقراء المفردة فقد وجدت ان معنى مفردة كتاب هو:

 كُلُّ مَا فَرَضَهُ اللهُ وَأوْجَبَهُ عَلى خَلْقِهِ مِنْ شَرَائِعَ وَفَرَائِضَ ومحرمات سَوَاءً وَرَدَتْ فِي التَّوْرَاةِ أوْ فِيْ القُرْآنِ أوْ فِي مَا سِوَاهُمَا مِن الوَحْيِ المُنزَّلِ عَلَى أنْبيَائهِ عَليْهِمُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمْ.

 

وهنا سأورد حول مفردة الكتاب عدة إضاءات أرجو أن تبين المراد وتوضح المقصد:

 

الإضاءة الأولى : ليست كل آيات القرآن الكريم كتاباً (أي شريعة وفرائض) بل يشتمل القرآن الكريم على الفرقان والذكر والبينات سوى الكتاب.

 

الإضاءة الثانية : أن الحديث الشريف يشتمل على الكتاب أيضاً ذلك أن الله تعالى يفصل شرائعه المكتوبة على خلقه وحياً إلى نبيه فيكون سنة عملية أو قولية يتبعها المسلمون يعتبرونها شريعة وواجباً ينبغي اتباعه ، فالكثير من الشرائع لم يرد تفصيلها في القرآن بل أتى من خلال الوحي الآخر المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم ، فها هو صلى الله عليه وسلم يقول:

 

عن عبد الرحمن بن أبي عوف عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه. أهـ.

 

فاشتمل الحديث على تشريع وواجب ومحظور وهذا من الكتاب في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم كثير.

 

الاضاءة الثالثة : أن نبي الله موسى عليه السلام أوتي كتاباً أي شريعة بعضها في التوراة وبعضها نزلت وحياً عليه في حينها ، واشتملت التوراة على الكتاب وعلى الفرقان (ما نزل على سبيل الاحتجاج على أهل الكفر والباطل) ، فأما الكتاب فقد أثبت منه ما أثبت وقد نسخ منه ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب ناسخاً لشريعة سابقة.

وفيما يلي سنتتبع مفردة “الكتاب” في القرآن وفي الحديث الشريف لنجد أنها في كل مواضعها تدل على الشرائع والفرائض والواجبات .

 

تتبع مفردة “الكتاب” في القرآن الكريم

 

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } [البقرة:44]

 

هنا يخاطب الله أهل الكتاب فقرن مفردة الكتاب بالأمر والنهي وذلك مقتضى مفردة “الكتاب” ولم يقل التوراة لأن المراد هنا اتباع واجبات الشريعة وفرائضها ، ولو عدنا للآية السابقة لمراعاة السياق لرأيناها تتحدث عن الشرائع والفرائض (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِين).            

 

{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [البقرة:53]

 

وهما وجهان من وجوه التنزيل على موسى ، الأول الشرائع والواجبات وهو (الكتاب) والثاني هو (الفرقان) وهو كل ما نزل على سبيل الاحتجاج والتفريق بين الحق والباطل و كلا التصنيفين ينطبق على ما نزل أيضا على نبينا صلى الله عليه وسلم.

 

{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}  (79البقرة)

 

أي يفرضون شرعاً ويوجبون أمراً مدعين أنه من الله ليجمعوا المال من الناس بالباطل (الثمن القليل) وهو ليس من الكتاب بل كتبوه بأيديهم فأدخلوا في الوحي ما ليس منه.

 

{ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [البقرة:85]

 

فأتت مفردة الكتاب في معرض الحديث عن الأمر والنهي والفرض والواجب والترك فناسب الإتيان بمفردة الكتاب للاشارة لما يناسبها وهو الأمر والنهي.

 

{قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ } [الأحقاف:30]

 

وهنا يحسن بنا التأكيد على وجود التفريق بين الكتاب كأوراق مصففة بين غلافين والكتاب بمعنى (الشرع والفرض) وما كُتب على الناس من واجبات ومنهيات ، وهنا نذكر بأن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أتت ناسخة لشريعة موسى لأن عيسى ما أتى إلا متبعاً لموسى عليهما السلام وللكتاب الذي تضمنته التوراة (الشريعة)  وليس مجدداً بشريعة أخرى سوى بعض التخفيف عن بني اسرائيل فسمي اليهود والنصارى في القرآن أهل الكتاب أي اتباع الشريعة شريعة موسى كما أسلفنا من قبل :

 

{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } [آل عمران:50]

 

فهو عليه السلام في الأصل متبع للتوراة ولشريعة موسى عليه السلام وإذا نزل آخر الزمان أتى متبعاً أيضاً لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

 

قال صاحب التحرير والتنوير رحمه الله:

ووصْف الكتاب بأنه { أنزل من بعد موسى } دون : أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن «التوراة» آخر كتاب من كتب الشرائع نزل قبل القرآن ، وأما ما جاء بعده فكتب مكملة للتوراة ومبينة لها مثل «زبور داود» و«إنجيل عيسى» ، فكأنه لم ينزل شيء جديد بعد «التوراة» فلما نَزل القرآن جاء بهدي مستقل غير مقصود منه بيان التوراة ولكنه مصدق للتوراة وهادٍ إلى أزيد مما هدت إليه «التوراة» إ هـ .

 

{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}  ( البقرة 176).

 

فأتت مفردة الكتاب متلازمة مع الشرائع والفرائض فنراها قد سُبقت بأحكام الذبائح وتلاها تفاصيل لشرائع وفرائض الوصية وأحكامها ونذكر منها على سبيل المثال قوله تعالى:

 

{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}   (183البقرة )

 

ما فُرض فهو فريضة وما أوجِب فهو واجب وما شرع فهو شريعة وبالتالي فإن ما كتب فهو كتاب.

 

وقد ترافقت مفردتي (الحكم) و(الكتاب) ليتحقق جلياً مفهوم التشريع والحكم به على المؤمنين من قبل أنبيائهم أو من تولوا أمرهم في هذه المفردة فيقول تعالى:

 

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [البقرة:213]

 

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ } [آل عمران:23]

{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } [آل عمران:79]

{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } [النساء:105]

{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [المائدة:48]

وهذه الآية الكريمة من أبرز وأوضح ما يبين أن الكتاب هو الشريعة والمنهاج وجدت أولها عند أهل الكتاب فكانت الشرعة والمنهاج الذي هيمن عليه الكتاب الذي أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

 

{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } [هود:1]

ولو طبقنا مفهومنا للكتاب على هذه الآية لوجدناه متسقا منضبطا فالآيات المحكمات هي الشرائع المجملة الواردة ضمن القرآن الكريم وأتى بعد ذلك “ثم” التي تفيد الترتيب على التراخي وهو الجزء من الكتاب الذي أوحي به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فكان سنته القولية والفعلية تفصيلا للمحكم من الكتاب.

 

{أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } [الأنعام:114]

وهنا أيضا نجد مفهوم الآية متمما للتي سبقتها ، فالله أنزل الكتاب مفصلا فكانت صفة الصلاة مثلا التي فصلت في السنة مشابهة إلى حد كبير لصلاة اليهود لذلك قال تعالى “وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ” ذلك أن تفصيل الشرائع مطابقة لما هم عليه من الكتاب لأنهما من مشكاة واحدة.

وفي الآيتين السابقتين نجد أن (التفصيل) يتلازم مع الكتاب (التشريع).

 

{يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } [مريم:12]

وهكذا يتلازم الكتاب والحكم وتتراوح القوة مع الشريعة “الكتاب” لأن تحقيق شرع الله وفرضه في الأرض يستلزم الحزم والقوة ونبذ التراخي والتجاهل والتساهل.

 

{وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } [الجاثية:16]

{مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ}  (القلم 38)

 

ونجد هنا أيضاً التلازم بين الحكم والكتاب.

 

{ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ } [فاطر:29]

 

وهنا يجدر بنا تبيان مفهوم التلاوة ، فتلاوة كتاب الله هنا لا تعني قراءة القرآن بل اتباع شرائعه، فقوله تعالى (يتلون) أي يتبعون فالتالي هو المتبع ، وكتاب الله بمعنى فرائضه ونلحظ كيف أتت الفرائض المقصودة بعد ذلك في قوله (وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم) فأنت بصيغة الماضي بينما تلاوة كتاب الله التي سبقتها ورجاء التجارة التي لن تبور فكانت الواو العاطفة في (وأقاموا) قائمة محل الفاء السببية وأتت بصيغة المضارع ليستقر المعنى التالي :

 

إن الذين يتبعون شرائع الله وفرائضه فيـصومون وينفقون فإنهم يرجون تجارة لن تبور.

 

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [البقرة:121]

وهنا يكون اتساق المعنى فالذين يتلون الكتاب حق تلاوته أي:  يتبعون الشرع حق الاتباع ، أولئك باتباعهم هذا يثبتون إيمانهم بشريعة الله ، ولو كان المراد بتلاوة الكتاب قراءة القرآن فإن ذلك لن يكون كافياً لإثبات الإيمان ما لم يرافقه اتباع لما افترض الله على عباده من واجبات وشرائع فنجده تعالى يقول (أولئك يؤمنون به) فأثبت صفة الإيمان لمتبعي الشرع الذي آتاهم الله وأما القراءة وحدها فلا تكفي لإثبات الإيمان.

قبل ان ننظر فيما ورد مختلفاً عما سلف وددت ان أوضح الوجه الآخر من التلاوة ، فقد تحدثنا عن تلاوة الكتاب وقلنا أنها اتباع الشرع والواجب وترك المنهيات والمحرمات ، ولكن ماذا عن تلاوة الآيات ؟

إن (تلاوة الآيات) و(تلاوة القرآن) كما سياتي تعني قراءة اتباع وخضوع وإذعان ، وقد سبق في بحث سابق تبيان مفهوم التلاوة إجمالاً على أنها قراءة أوامر من سلطة عليا قراءة خضوع وإذعان واتباع فالقارئ لا يقرأها مجردة بل يتبع ما جاء فيها ويأتمر بما فيها من أوامر ، فعموم المعنى لمفردة التلاوة هو الاتباع والخضوع والاذعان وليس القراءة المجردة.

 

مَوَاضِعُ الاخْتِلاَفِ عَمَّا ذُكِر

 

هناك موضعين في القرآن الكريم ربطت فيه القراءة بالكتاب والتلاوة بالقرآن خلاف المواضع الأخرى التي مررنا عليها وتوجيهها هو كما يلي:

{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} (94) يونس .

فقال (يقرءون الكتاب وليس يتلون الكتاب ) والمراد (اليهود والنصارى) وكتابهم فيه نبوءة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو كتاب (فرض وأمر) ولكنهم لا (يتلونه) أي لا يتبعونه (في هذا الأمر) بل يقرأونه لأنهم لو اتبعوه لاتبعوا دعوتك المكتوبة في الكتاب المفروض عليهم ، ولكنهم لا يتلون الكتاب حق تلاوته بل (يتبعون الشريعة) في فرائض أخرى ولكن تحديداً كانت الآية تعني الجزء الخاص بالإخبار بمجيئه صلى الله عليه وسلم وفرض اتباعه على الأمم كافة ، وتقدير الآية (فاسأل يا محمد الذين يقرأون ما أنزل إليهم من الكتاب ويجدون البشارة بمجيئك)

 

{ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ} (92) النمل .

 

وقد قلنا بأن القرآن اشتمل على كتاب وذكر وحكمة وموعظة ، وتلاوة القرآن لا تتعارض مع قراءته ، فالتلاوة تعبد باتباع ما فيه من الكتاب وقراءة القرآن تعبد بالقراءة ، والكافر المخالف إذا قرأ القرآن لا يصح القول (يَتلوَ القرآن) لأنه غير متبع فهو يقرأ ولكنه لا يتلو ، والتلاوة متلازمة مع القراءة فليس كل قارئ تالٍ ولكن كل تالٍ قاريء بالضرورة ، وهنا نجد أن الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للكافر المخالف أنني أمرت باتباع ما يوحى إلي (القرآن) وأفرده دون الوحي الآخر لأنه وجه الإعجاز الذي كان الحجة والبينة الرئيسية التي أوتيها نبينا صلى الله عليه وسلم.

 

المطلب الثالث : مفهوم التأويل

التّأويْل : مَآلُ الأَمرِ الغَامِضْ وَ مَقْصِدُهُ وَمُنْتَهَاهْ.

وما هو على مراد الله تعالى من القول على وجه الدقة ، وسمي تأويلاٍ لأنه يحمل على (أوّل) معنى مقصود من القول ، وهو منتهى حقيقة الشيء حسب مراد الله.

أما التَّفْسِيْر : رَأيُ القَاَرِئِ فِيْ النَّصِّ بِنَاءً عَلَى قَرَائِنَ وَدَلالاتٍ وَاسْتِنْبَاط .

وقد يصيب التفسير تأويلاً وقد لا يصيب ، والتفسير يحمل أوجه عدة قد تصح وقد لا تصح فهي اجتهاد يعمل المفسر فيه عقله أما التأويل فهو لا يحتمل الخطأ ، وقد يحتمل النص تفسيرات مختلفة باختلاف العصور والأزمان والظروف وقد تصيب كلٌ في وقته والظرف المحيط به ولكن التأويل واحدٌ لا يتغير ، ويمكن الاجتهاد و القول بتفسيرات متعددة كما اسلفنا ولكن لا يجوز الجزم بتأويلٍ إلا ما أوَّلهُ الله لنا في كتابه.

لننظر في كتاب الله ونتتبع مفردة التأويل :

وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف:6]

ففي الوقت الذي يحتمل التفسير معانٍ عدة فيها الصواب وفيها الخطأ فإن التأويل لا يحتمل الخطأ لذلك كانت معرفة يوسف  بقراءة الرؤى وتعبيرها تأويلاً لا يحتمل الخطأ وليس تفسيراً لأن الله  من علمه هذا العلم ، وتعبير الرؤى يسمى تفسيراً فإن وقع مثل ما عبره المعبر كان تأويلاً لموافقته لحقيقة الرمز.

 

{قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:78]

 

فما أخبر به الخضر إنما كان من خبر الله له فكان تأويلا على مراد الله أما لو كان اجتهاداً يتلمس المراد مما لم يستطع عليه صبراً لسمي ذلك تفسيراً

 

وعندما دعى الرسول  لابن عباس  ففي المستدرك على الصحيحين للحاكم عن ابن عباس ـ  ـ قال: كان رسول الله  في بيت ميمونة فوضعت له وضوءا فقالت له ميمونة: وضع لك عبدالله بن العباس وضوءا، فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي والعراقي والبوصيري والألباني.

فلا شك ان الدعاء بالتاويل هو ابلغ فالتأويل معرفة مراد الله على وجه الدقة وإلا فالتفسير يقول فيه كل أحد ولكن لا يوافق قول التأويل إلا من فتح الله عليه أو أكرمه بدعوة النبي  كابن عباس  وأرضاه (بغض النظر عن صحة الروايات المنسوبة إليه في زماننا هذا).

 

ونعود للآية موضع البحث:

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [آل عمران:7]

 

وهنا فقد قلنا بأن المراد من المحكم هو القرآن الكريم فكله محكم ، وأما المتشابه فهو (بعض السنة والحديث) وليس كله والتبعيض أتى في الآية الكريمة لا يدل على أن كل السنة متشابه بل أن المتشابه لا يخرج من الفرائض (الكتاب) الوارد في السنة النبوية المطهرة.

ولكن كيف يكون ابتغاء التأويل:

عندما يبتغي من في قلوبهم زيغ تأويل تفصيل الكتاب ولِمَ كانت الركعات في الصلوات كذا ، أو أحكام النسك المختلفة من أحرام ورجم وميقات وعدد اشواط طواف وغيرها من الأحكام الواردة مجملة في القرآن وفصلت في السنة كالزكوات والصدقات وتفصيل الشرائع النازلة في ضمن الحديث الشريف فيستخدمون تلك الاسئلة في الطعن في الشريعة كما نرى اليوم من طعن في الاحكام والحدود والحجاب بل وحتى الصلاة فهذا الأمر واقع منذ زمن النبي  إلى يومنا هذا.

 

المطلب الرابع: مفهوم المحكم والمتشابه

 

والآن وقبل أن نعرض ما توصلنا إليه سنلخص ما سبق فنقول وبالله التوفيق:

 

أولاً: إن مفردة الكتاب في القرآن الكريم تعني الفرائض والشرائع ولا يقصد بها ما بين دفتي القرآن من أوراق مكتوبة.

ثانياً: إن الكتاب (الشرع والواجبات) ليست حصراً ضمن القرآن الكريم فقد نزلت على النبي ضمن سنته القولية والفعلية وتواترت إلينا.

ثالثاً: وبالتالي فإن (القرآن) لا يقصد به (الكتاب) فالقرآن يشتمل على جزء من الكتاب وكما يشتمل على الفرقان وهو ما نزل في القرآن على سبيل الاحتجاج على أهل الكفر والباطل.

رابعاً: إن تلاوة الكتاب لا تعني قراءة القرآن ، فقراءة القرآن أتت بهذا التعبير مباشرة أما تلاوة الكتاب فكانت تشير إلى اتباع الشرائع المكتوبة (المفروضة).

 

وبالتالي وعلى ضوء ما تقدم من مفاهيم فإن المحكم من الكتاب هو:

 

{مَا أنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الشَّـرَائِعِ وَالفَــرَائِضِ وَالأَمْــرِ وَالنَّهْيِ بِالإتْيَــانِ والتَّــرْكِ ضِمْــن القُــرْآنِ الكَــرِيْم وَ آيَاتِهِ وَ سُــوَرِهِ.}

 

والمتشابه من الكتاب هو:

 

{مَا أنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الشَّرَائِعِ وَالفَرَائِضِ وَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالإتْيَانِ والتَّرْكِ ضِمْن سُنّةِ مُحَمَّدٍ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم القَوْلِيَّةِ وَالفِعْلِيَّةِ المُتَوَاتِرَةِ والصَّحِيْحَة.}

 

ولعل فهم مسمى (المتشابه) يقودنا لتأكيد التعريف الذي وصلنا إليه ونلحظ أن تصنيف مواضع من القرآن على أنه متشابه ليس لثبوت كونه من المتشابه بنص شرعي بل لأن من نسب إليه التشابه خفي عليه معناه أو جهل توجيهه فلجأ لتصنيفه من ضمن المتشابه.

ولذلك فإن المتشابه الذي يصنف من القرآن الكريم ليس من الثابت نسبة التشابه إليه فالأمر متعلق بالقارئ وليس بحقيقة النص.

إن مفردة (المتشابه) تدل في أصلها على وجود مشبه ومشبه به بينما نجد المنسوب إليه التشابه لا يعلم مشبه بماذا ؟؟.

 

قراءة في أحد الأقوال

جاء في كتاب (الواضح في علوم القرآن) الفصل الثالث نماذج من الآيات المنسوب إليها التشابه ، وقبل أن أقتبس النص المشتمل على تلك الآيات فإني أدعو القاريء الكريم الى تحديد ماهية التشابه ومع ماذا تتشابه ؟ وسيغلق على كل قارئ فلن يجد أية صورة من صور التشابه يقول الكاتب معدداً نماذج من المتشابه (على حد قوله) :

” قال الله تعالى:

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ} [المجادلة: 7].

{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85].

{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا} [الطور: 48].

وقال سبحانه: {الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى} [طه: 5]

{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ} [الزخرف: 84]

{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 3].

وقال جل جلاله: {وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22].

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ} [البقرة: 210].

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً} [الأنعام: 158].

وقال سبحانه: {يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]

{وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54- 55].

تلك آيات من المتشابه من جهة المعاني في القرآن الكريم، ولا سبيل إلى معرفة حقيقة المراد بها”.

انتهى كلامه.

 

فما هو السبيل للإقرار بأن الآيات الآنفة من المتشابه؟ وأين المشبه والمشبه به في تلك الآيات؟ وإذا كان المتشابه قد ذكر في القرآن فتحديد ماهيته وموضعه يجب أن يكون من القرآن وما نراه هو رأي بشري ليس له سند من وحي قرآني أو حديث نبوي.

إن الآيات الآنف عرضها في كتاب الواضح في علوم القرآن لها توجيه وفهم متفق مع مثيلاتها وأوجه متعددة من التفسير وليست مبهمة فالله جل وعلا أنزله قرآنا عربياً ليفهمه الناس ويعوا حروفه وكلماته وجعله مبين واضح لا لبس فيه ولا اختلاط ، ولو قيل إنها (مشتبهة) لكان الأمر مفهوماً ، فالاشتباه في مفاهيم الآيات واقع وممكن ولكن أن يقال (متشابه) وجب حينذاك أن يوضح المشبه والمشبه به وهذا ما لا يتوافر في الآيات المذكورة.

 

شَوَاهِدٌ قُرْآنِيَّةٌ عَلَى مَعْنَى التَّشَابُه

 

إن معنى التشابه في القرآن الكريم واستعمال هذه المفردة لم يأتِ إلا بتوضيح المشبه والمشبه به وسأعرض بعض أمثلة على ذلك:

 

{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [البقرة:25]

 

وهنا يفهم التشابه بوجود مقارنة بما رزقهم الله في الدنيا مع ما رزقهم به في الجنة فكانت المقارنة بين صنفين .

 

{ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } [البقرة:70]

 

وهذه صورة أخرى يوضح فيها أن التشابه حدث بين البقر وبين الوصف الذي تلقوه للبقرة المقصودة.

 

{ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [الزمر:23]

 

والتشابه هنا ليس المراد به ما يتبعه أهل الزيع (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة) بل تشابه آياته في حسن نظمها وكمال سبكها وتشابه أحكامه وتكاملها بين القرآن الكريم وبين السنة النبوية المطهرة.

 

وجْهُ نِسْبَةُ التَّشَابُه لِلسُّنَّة

 

نحن توصلنا إلى أن القرآن الكريم محكم كله وأن السنة المطهرة هي المقصودة بالتشابه ووجه نسبة التشابه للسنة هو أن الحديث النبوي يشابه قول البشر ولكن القرآن لا يتشابه مع قول البشر وقول البشر لا يشبه القرآن الكريم فالكتاب المضمن في القرآن من الفرائض والواجبات واضح بيّن لا يمكن لأحد أن يدخل فيها ما ليس منها ولكن الحديث النبوي وصف للوحي النازل على نبيه صلى الله عليه وسلم بلسانه فكان متشابهاً مع كلام البشر ولذلك تعرضت السنة للطعن والتشكيك والإنكار من أهل الزيغ والانحراف.

ومن آثار التشابه على السنة النبوية هو الوضع فيها ونسبة الحديث المكذوب للنبي صلى الله عليه وسلم فكان علم مصطلح الحديث سبيلاً لتنقية الحديث من الكذب ، بينما لم يحدث ذلك مع القرآن الكريم لأنه محفوظ بالتواتر ولا يشابه كلام البشر حتى يضاف إليه ما يحرف معناه أو محتواه.

ومن صور (التشابه) في الإرث النبوي الشريف هو تشابه أقواله البشرية صلى الله عليه وسلم التي لم يكن لها علاقة بإتيان الوحي والتشريع مع أحاديث التشريع النازلة عليه من ربه يعلم بها أصحابه التي نعدها حسب مؤدى هذا البحث من “الكتاب”

 

ومن امثلة ذلك ما ورد في صحيح مسلم :

” عن موسى بن طلحة عن أبيه قال مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل فقال ما يصنع هؤلاء ” فقالوا يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” [ ما أظن ] يغني ذلك شيئا ” . قال فأُخبروا بذلك فتركوه فأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال ” إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني [ إنما ظننت ظنا ] فلا تؤاخذوني [ بالظن ] ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل ” )

 

وفيما قرأنا يتبين لنا كيف يكون المتشابه ، فهو من جهة تشابه كلام النبي صلى الله عليه وسلم بطبيعته البشرية مع كلامه الذي يحكيه عن ربه غير القرآن .

 

ملخص مفهوم الآية الكريمة

 

وعلى ضوء ما تقدم من تفصيلات للمفهوم الذي نراه للمتشابه والمحكم فإن هذه الآية يكون مفهومها كالتالي :

 

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ : والمراد بالكتاب الشرائع والفرائض

 

مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ : وهي ما ذكر في القرآن من الشرائع والفرائض دون بقية آيات القرآن من المواعظ الامثال والقصص والذكر والتنزيه والتعظيم ، يقول تعالى :  الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ  [هود:1] واسميت (ام الكتاب) لأنها أتت مجملة تفرض الحكم الكلي ثم تفصيل الكتاب يبين ذلك المجمل.

 

وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ : هي ضمن الجزء الآخر من الكتاب (الفرائض والشرائع) تشابهت مع قول البشر ولكنها نزلت على النبي من الله وليست من بنات افكاره ولكنها نطقت بلفظه  وليست من القرآن ، ونجد فيها تفصيل للمحكم وتبيان للأحكام .

 

فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْــه : منه أي من الكتاب فإن المنافقين والمرجفين يقعون في الشرائع التي نزلت ضمن السنة النبوية فيطعنون فيها ويشككون في صحتها ويدعون تأويلها على غير حقيقة.

 

ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ : ليفتنون الناس ويصرفونهم عن الكتاب (الشريعة) ويتهيأ بذلك الطعن في القرآن وصرف معانيه إلى غير ما بينته السنة حيث انهم “على حد زعمهم” اسقطوا السنة وشككوا فيها.

 

وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ : الضمير في تأويله يعود على (الكتاب ) ويصح أن يكون الضمير يعود على المتشابه من الكتاب أي الشرائع والفرائض المفصلة في السنة النبوية الشريفة بتتبع مراد الله من تلك الشرائع وصرفها عن حقيقتها إلى ما يوافق اهوائهم كصرف حكم القطع عن معناه الصحيح ، وكالرجم و الجلد واستلام الحجر وأحكام الشريعة عامة .

 

وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ : فالمراد من الكتاب الاتباع بلا نقاش ولا رد ، بل قبول للشرائع وتنفيذ لها كما نزلت وكما أمر بها الله في الكتاب (القرآن ، السنة) فهو وحده يعلم تاويله وحقيقة منتهاه ومآله.

 

وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا : جملة منقطعة ، تعني أن الراسخين في العلم يؤمنون (بالكتاب) محكمه ومتشابهه ، ما نزل ضمن القرآن الكريم مجملا محكما وما نزل ضمن السنة النبوية متشابهاً.

 

وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ : فمن كان من اصحاب العقول السليمة والفطرة النقية الخالية من الزيغ فإن الذكرى بهذا الأمر تتحقق لهم فكل ما تعرضوا لمحاولة صرفهم وفتنتهم عن الكتاب (قرآنا و سنة) تذكروا فعادوا إلى الحق وثابوا إلى الرشد والصواب.

صورة توضيحية لمفهوم المحكم والمتشابه

توضيح مفهوم المحكم والمتشابه

الوحي وتوضيح المحكم والمتشابه والمجمل والمفصل وما يخرج عن ذلك

صور اتباع أهل الزيغ للمتشابهات

ما فتئ أهل الزيغ والفتنة والفساد ينتقصون من الكتاب المفصل “السنة النبوية” طاعنين في السنن بصور عدة نذكر منها:

  • التشكيك في صفة الصلاة.
  • التشكيك في الحدود الشرعية.
  • التشكيك في الحجاب والجلباب
  • الطعن في المناسك كاستلام الحجر والطواف والرمي ونسبة ذلك للوثنية، مبتغين تأويل تلك الأحكام ومعلوم أن الله وحده يعلم تأويلها والحكمة التشريعية منها.
  • التشكيك والطعن في الجهاد وأحكامه .

وغير ذلك كثير من أحكام الشرع عامة والأحكام المفصلة في السنن النبوية على وجه الخصوص ، فظهرت الفرق المنحرفة كالقرآنيين وغيرهم ممن ينبذ السنة الشريفة ويسعى للاستهزاء بها والطعن والتشكيك في صحتها وسلامة توافرها.

أما المؤمنين المتقين فيتبعون الكتاب محكمه “ما جاء في القرآن” ومتشابهه “ما جاء في السنة النبوية المطهرة” مؤمنين بأن القرآن والسنة كلاهما من عند الله إيمان لا يخالطه شك

إن هذا الفهم للمحكم والمتشابه متسق مع الواقع وتتحقق من خلاله مصالح عظيمة للدين ولمصادر التشريع في ظل الهجمات الشرسة الموجهة للإسلام ولكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم نذكر منها:

  • تثبيت قلوب المؤمنين تجاه سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ودفع الإيهام والاضطراب الذي يحدثه الطاعنون في الحديث الشريف من أبناء الإسلام ومن أعدائه تجاه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وسنته القولية والفعلية.

  • تحقيق القول بالإحكام للقرآن الكريم كله وعدم نسبة التشابه إليه مع أي من اقوال البشر.

  • تحقق قاعدة رد المتشابه إلى المحكم فالنص المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم المتعارض مع القرآن الكريم لا شك أنه مكذوب عليه صلى الله عليه وسلم وهنا تتحقق فائدة رد المتشابه إلى المحكم وهذا من أصول علم مصطلح الحديث الذي نقل إلينا السنة النبوية الشريفة مهذبة مبينة واضحة .

وختاماً فأرجو من الله جل وعلا أن يرينا وإياكم الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وييسرنا جميعاً لاتباع كتاب الله على الوجه الذي يرضيه عنا وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

About عَدْنَاَنُ الْغَاَمِدِيّ

بَاَحِثٌ فِيْ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَتَفْسِيْرَاتِهِ، أنْشُرُ أبْحَاثِيْ رَغْبَةً فِيْ مُشَارَكَةِ المَعْرِفَةِ وَالبَحْثِ عَنِ الحَقِّ أيْنَمَا وُجِدْ ، ولَعَلِّيْ أُكتَبُ مِنَ المُتَدَبِّرِيْنَ الَّذِيْنَ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ بِمَا فِيْ صُدُوْرِهِمْ مِنْ كَلَاَمِ الله.

9 responses »

  1. ابو سعيد كتب:

    بوركت

  2. Om Abdelrahman كتب:

    جزاك الله عنا خير الجزاء ، وزادك الله من فضل علمه

  3. الأهراسي كتب:

    السلام عليك أخي الكريم رائع فهم علمي موضوعي ألا في الأخير (فيتبعون ما تشابه من…) فكلمة فيتبعون لم تعطيها حقها !.

  4. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    حياك الله أخي
    صدقت ، فمفردة “يتبعون” تتطلب توضيحات، فالاتباع هنا ليس بمعنى الخضوع والطاعة ولكن تتبعه بالوضع فيه وانتقاصه وسوق الحجج الباطلة للتكذيب به ونفيه.

  5. عبدالرحمن الجهني كتب:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

    الآيات المحكمات : هي العقائد والفرائض والاحكام وهي (أم الكتاب) اي التي الزمنا الله العمل بها وهي محكمة التأويل ..

    (الآيات المتشابهات) : هي الايات الغيبية التي أمر الله بالايمان بها وتصديقها مجملا بلا تفصيل وبلا تأويل كما في قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ..

    ولقد شاهدنا كيف اصابة المسلمين فتنه وقسمتهم الى فرق وطرائق مختلفة حين عمدت بعض الطوائف الى تتبع (المتشابه) فخاضوا في صفات الله تأويلا (فيما لم يفرضه الله عليهم) .. نسأل الله ان يردنا ويردهم الى الحق وان يهدينا واياهم سواء السبيل.

    ********

    عن ابن عباس أيضا أنه قال : المحكمات [ في ] قوله تعالى : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ) [ الأنعام : 151 ] والآيتان بعدها ، وقوله تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) [ الإسراء : 23 ] إلى ثلاث آيات بعدها .

    روي عن عكرمة ، ومجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، والربيع بن أنس ، والسدي أنهم قالوا : (( المحكم الذي يعمل به )).

    هذا والله اعلم .. فان اصبت فمن الله وان اخطئت فمن نفسي ومن الشيطان

  6. الكتاب هو الشرائع بأجمعها من عبادات ومعاملات ، والكتاب هو مجموع آيات الأحكام وأحاديث الأحكام لأنهما موضوعيا كل لا يتجزأ، فكما أن إقامة الصلاة كتاب على المؤمنين فإن كيفيتها تفصيل لهذا الكتاب فكانت جزء لا ينفصل عن بعضه وهذا كله هو الكتاب.
    والكتاب المنبثق من القرآن يسمى الكتاب المحكم المجمل ، والكتاب المنبثق عن السنة هو الكتاب المتشابه المفصل.
    أما آية الكرسي مثلا أو سورة المسد ونحو ذلك من آيات التنزيه والحكمة والقصص فليست من الكتاب لعدم احتوائها على فرائض مكتوبة على المؤمنين فمفهوم الكتاب مرتبط بالحكم والتشريع ومن هنا نفهم التفصيل الموضوعي للأحكام وغير الأحكام ، وسينشر مقال مكون من ثمانين حجة من كتاب الله على دقة هذا المفهوم وبطلان سواه.
    ولأن السائد بين الناس أن المتشابه في القرآن -لأنهم يعتقدون أن الكتاب هو القرآن- فقد شطحوا في فهم المتشابه وعجزوا عن تحديده لأنه كالنسخ تماما لم يشر صاحب الوحي صلي الله عليه وسلم ابدا ان المتشابه في القرآن فتفنن العلماء في التقعيد للمتشابه واختراع القواعد التي ما أنزل الله بها من سلطان فحكموا على آيات وسور أنها من المتشابه ونسبوا أخرى إلى الإحكام من عند انفسهم بلا دليل ولا هدى ولا كتاب منير.

    والله تعالى اعلم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.