بسم الله الرحمن الرحيم

                               السبعة أحرف التي نزل عليها القرآن

مقدمة

          لقد أوضحت الأحاديث النبوية التي أخرجها كل من البخاري ومسلم أن القرآن نزل على سبعة أحرف. نذكر منها  الحديث التالي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منها”. فاختلف العلماء في حقيقة الأحرف السبعة ووصلت آراءهم فيها إلى 35 رأي. فمن العلماء من اعتقد أنها سبع لغات من لغات العرب. ومنهم من ذهب إلى إنها سبعة أوجه من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد والجدل والقصص والمثل. ويرى آخرون أن الأحرف السبعة هي القراءات السبعة. وبالرغم من أن هنالك شبه اتفاق على أنها “سبعة أوجه من المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة”، إلا أن تحديدها ما زال مبهماً الأمر الذي أشكل على الناس معرفة رخصة التيسير التي يمكن أن ينتفعوا بها.  عليه أحسب أن بعض الأحاديث التي وردت في توضيح الأحرف السبعة تحتاج إلى تحليل دقيق. لهذا قررت تحليل أهم الأحاديث التي ورد ذكرها. وقد اتبعت في ذلك منهجاً ناجعاً وهو وضع أسئلة من كل احديث والبحث عن إجاباتها من القرآن والسنة.  ومن ثم توضيح الأحرف السبعة التي تتفق مع كل الأحاديث وبالله التوفيق. لقد تم تحليل الحديث الأول بالأسئلة وهو:عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده، ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف”. والسؤال الأول هو:ما معنى الحرف وما هي أول قراءة أقرأها سيدنا جبريل عليه السلام لسيدنا محمد؟ لقد وردت كلمة حرف في الآية التالية: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}”11″ الحـج وقد جاء معنى كلمة حرف في هذه الآية كالآتي:” قال مجاهد: “على حرف”على شك، وقال غيره على طرف.وهذا المعنى يعضده ما جاء في الآية:{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (14) الحجرات. فمن هذه الآيات ومن تعريف كلمة الحرف يستنتج أن معنى الآية 11 الحج  هو: ” من الناس أعراب يعبدون الله على حرف أي على قول البداية فقط  وهو قول آمنا أي على القول الابتدائي الذي يعلن به المرء إسلامه. ولكن قول الأعراب هو قول كله كذب ونفاق. أي قول مصدره الفم فقط ولم يصدر من القلب لقوله تعالى “يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ”. ولهذا أنزل الله سبحانه وتعالى قوله:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}{وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}2-3 العنكبوت.أي أحسب الناس أن يتركوا دون أن يؤكدوا أنهم مسلمون ومصدقون وهم على بداية الإسلام (أي قولهم آمنا)؟ لأن الله يعلم أن من بين الذين قالوا آمنا أو قالوا ربنا الله منافقون قد انقلبوا على أعقابهم واتبعوا الشيطان الذي توعد ربه بأن يتخذ من الذين يعلنون إيمانهم نصيباً مفروضاً. فصار المنافقون على طرف الاسلام أي على حرفه أي على بدايته لأنهم لم يتوغلوا فيه. إذاً طرف الإسلام وحرفه وحافته وبدايته هو قول باللسان لم يصدقه العمل.أما الذين آمنوا  فهم الذين قالوا “ربنا الله” في بداية الإسلام ثم توغلوا في صراطه بأن أكدوا تصديقهم بالوحدانية بالعمل أي إنهم التزموا الصراط المستقيم لقوله تعالى:{إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّل عَلَيْهِمُ  ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ توعَدُونَ} 30 فصلت والالتزام بصراط الله المستقيم بعد وقوفهم على حرفه أي بدايته بقول آمنا هو العمل بحدود الله وهي زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه مستفيدين من الأمثال والقصص. ونلاحظ أننا إذا أردنا أن نستدل بآية أو حديث أو رأي أحد من البشر  لا نقول قرأنا كذا بل نقول قال الله تعالى وقال الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ونقول قال فلان. إذاً القراءة قول والقول قراءة. بذا نصل إلى أن الحرف هو قول أو لفظ ابتدائي يبدأ به المؤمن إسلامه ثم يواصل السير في صراط الإسلام المستقيم. وبما أن البحث قد توصل للحرف الأول أي القول الابتدائي الذي أنزل عليه القرآن أي أنزلت عليه الرساله وهو قول (بسم الله الرحمن الرحيم ) تصير الأحرف السبعة سبعة أقوال ابتدائية متشابهة في المعنى أي إنها أقوال معناها كمعنى البسملة ولكنها مختلفة الألفاظ.أما أول قراءة أقرأها سيدنا جبريل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي: (ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ) (خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ) (ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ) (ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ) (عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)  1-5 العلق ولما لم يكن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم له علم بما سيقرأه كان رده “ما أنا بقارىء” أي مالذي أنا قارئه؟. فالحرف “ما” كان للاستفهام وليس للنفي. فكانت القراءة في نهاية الأمر هي قول (بسم الله الرحمن الرحيم) وبالتالي يستنبط أن (بسم الله الرحمن الرحيم) هي أول ما أقرأه سيدنا جبريل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الأمر الذي يشير إلى أن كلمة إقرأ تعني “قل” وبالتالي يكون قول(بسم الله الرحمن الرحيم) هو القراءة أو القول الابتدائي أو الحرف الذي ابتدئت بها الرسالة المحمدية. والدليل على أن الحرف هو آية الحديث التالي: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنْ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: «أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا، لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ». حيث يدل على أن كل آية من آيات الفاتحة هي حرف وأن كل آية من خواتيم البقرة هي حرف. والصلة التي تجمع آيات الفاتحة وأواخر البقره هي:إن الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة هما تفصيل لقول (إياك نعبد وإياك نستعين). فالآية الأولى هي إحدى الأحرف لأنها عبادة أي إيمان لقوله تعالى:(آمن الرسول ومن اتبعه وقالوا سمعنا وأطعنا يعني عملوا بالأحكام والتزموا الصراط المستقيم) ثم كانت الآية الثانية استعانة بالله وحده وهي قول (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا…) إذاً آيات الفاتحة هن أقوال إيمانية ابتدائية وخواتيم البقرة هن تفصيل لأقوال الفاتحة. كما أن السبع الطوال هن التفصيل الكامل للسبع المثاني (آيات الفاتحة) وبالتالي السبع المثاني هن آيات الفاتحة وهن السبع الطوال والله أعلم مرة أخرى. بعد أن استنتجنا معنى الحرف بأنه قول ابتدائي يبدأ به المؤمن مسيرة الإسلام، وأن الحرف الأول الذي أقرأه سيدنا جبريل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليببدأ به رسالته هو قول(بسم الله الرحمن الرحيم) يمكن الإجابة على السؤال الثالث وهو ما هي الأحرف السبعة. حيث نستنبط أن الستة أحرف التي زادها سيدنا جبريل عليه السلام لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هن باقي آيات سورة الفاتحة لاسيما وأن لدي بحث في أم الكتاب قد نتج منه أن آياتها السبع آيات متشابهات ومتفقات في المعنى بالرغم من اختلاف ألفاظهن  وأن كل آية من آياتها:يتكَرر توكيداً وتثنية لكلمة التقوى والتوحيد (لا إله إلا الله) لأنهن من بنات جنسها ولهذا هن السبع المثاني. وقد آتاهن الله لرسوله لأنهن أصل الكتاب وأمه وبالتالي هن أصل المثاني وأصل التشابه الذي جا فيه:{الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه…} 23 الزمر كما أن كل آية منهن هي ذكر لله وحمد له وهدىً وعبادة وتقوى صراط مستقيم واستعانة. وبالتالي كل واحدة منهن تعضد وتماثل وتثني وتؤكد معنى الست آيات الأخريات والدليل هو حديث زيد بن أسلم الذي جاء فيه: أن موسى عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك؟ قال له ربه: «تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني» . أي أن كلاً من الذكر والحمد إيمان وتقوى وعبادة لأنهن ضد الكفر. فالمؤمن عندما يذكر الإله باسمه “الله الرحمن الرحيم” يكون قد وحد الله وبرأه من الشريك لأنه خصه بذكر أسمائه المتفرد بها والتي لم ولن يتسمَ بها غيره. وبذكر هذه الاسماء دون ذكر أسماء المعبودات الأخر كالأصنام يكون المؤمن قد أكد نبذ الشرك. وإذا حمد المؤمن الله وحده يكون قد ثنى وعضد وأكد توحيد الإله بتوجيه الحمد له وحده بأسمائه دون ذكر أسماء غيره إيمانا واعترافاً بأن كل النعم منه وحده. ولهذا نجد أن: آيات (الحمد لله رب العالمين) و(الرحمن الرحيم) و(مالك يوم الدين) متفقات في المعنى نسبة لأن الحمد يكون لله في الدنيا بأي اسم من أسمائه الوتر أو الشفع أو الثلاثية أو بأي من أسماء مكانته رب العالمين في الدنيا أو مالك يوم الدين في الآخرة. إذاً معنى الآية (مالك يوم الدين) هو نفس معنى الآيتين “الحمد لله رب العالمين” و “الرحمن الرحيم”. ونجد أن لكل آية من آيات الفاتحة ألفاظ أخرى مرادفة لها في المعنى داخل الكتاب. فالبسملة لها الألفاظ التالية: (لا إله إلا الله، الله أكبر، وربنا الله) مستنبط من آيات ذكر اسم الله على الذبيح. والحمد له لفظ واحد هو(الشكر). أي إن لفظ الشكر مترادف للفظ الحمد. فمتى ما ذكر أي من ألفاظ آيات الذكر أو الحمد استغني عن ذكر الالفاظ الأخرى والله أعلم. كما أن معنى الآية “إياك نعبد وإياك نستعين” هو الايمان بأن الاله الذي اسمه (الله الرحمن الرحيم) والذي هو رب العالمين ومالك يوم الدين هو الإله الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا والد ولا صاحبة له ولا ولد. وبالتالي هي ذكر لله وحمد لله وعبادة له.  ولهذه الآية ألفاظ أخرى هي “سبحان” و”تبارك” لأن تسبيح الإله بأي لفظ منهما هو تنزيه للإله من كل شرك ونقص وتبرئة له من الوالد والصاحبة والولد. وكذلك الاستعانة به وحده بطلب الهدى والثبات على الصراط المستقيم منه هو تنزيه لله من الشرك بالاعتراف بأنه الهادي وحده لا شريك له. إذاً هي ذكر لله وحمد له وإيمان بأنه الهادي وحده. هذا بالاضافة إلى أن الاستعانة به وحده تكون أيضاً بطلب صراط رسله وأنبيائه الذي يختلف عن صراط إبليس وأتباعه. وطلب هذا الطريق  هو الإيمان بعينه أي الايمان بأن الإله الذي اسمه “الله الرحمن الرحيم” الذي هو رب العالمين ومالك يوم الدين هو المستعان الواحد الأحد. وللاستعانة ألفاظ أخرى هي استغفر الله وحسبي الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا و…إلخ وتكرار أي من هذه الآيات السبع يثبيت المؤمن على الصراط المستقيم لقوله تعالى: (يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ ٱللَّه مَا يَشَآءُ)27 إبراهيم. ولهذا نجد أن كلاً منهن شاف كاف الأمر الذي أدى إلى رخصة القراءة بأي قول منهن. وبمعنى آخر يمكن لكل فرد أن يختيار أي قول منهن لتكراره ولابتداء أي قول وعمل به (فاقرأوا ما تيسر منها). فتكرار أي آية منهن يكفي المؤمن ويشفيه من الشرك والكفر والله أعلم.  بعدذلك يتم تحليل الحديث الثاني وهو:  عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فانتظرته حتى سلم، ثم لببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت : كذبت أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها ، فانطلقت أقوده إلى رسول الله ، فقلت: يا رسول الله . إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئينها ، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسله يا عمر، أقرا  يا هشام، فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقرأ يا عمر فقرأت ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منها). أحسب أن معنى هذا الحديث لن يتضح إلا إذا تم تحليله بناءً على ما تم استنتاجه من الحديث الأول وبناءً على تحليل سورة الفرقان. كما يتم تحليله بالأسئلة التالية:هل ابتدأت سورة الفرقان بأي من أقوال الفاتحة السبعة مما جعل قراءة هشام تختلف عن قراءة سيدنا عمر؟ وكيف نبرهن أن المعنى واحد للأحرف التي قرأ بها كل من الصحابيين؟ فإذا تدبرنا سورة الفرقان، نجدها قد احتوت على كثير من الأحرف السبعة التي توصلنا إليها  حيث ابتدئت بقول” تبارك” وهو لفظ العبادة الذي يتفق في المعنى مع قول “سبحان ” مما يشير إلى إمكانية  قراءة أحد الصحابة  بتبارك كما يلي:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}1الفرقان. ويكون الآخر قد قرأ بسبحان كالآتي(سبحان الذي نزل الفرقان على عبده…). وبما أن الحمد مترادف العبادة والذكر فيمكن أن يكون أحد الصحابة قد قرأ الآية : (الحمد للذي أنزل الفرقان على عبده…) .كما يمكن أن يكون أحدهما قد قرأها بالذكر أي البسملة كالآتي(بسم الله الذي نزل الفرقان على عبده…) والله اعلم  وذلك لأن كل هذه الأقوال معناها واحد. وهو توحيد الله وتقديسه لأنه هو الذي انزل القرآن أي الفرقان. أما برهان أن المعنى واحد للأحرف التي قرأ بها كل من الصحابيين فهو: إن قولي (سبحان والحمد) قد استخدما في آيات أخر ولنفس معنى الآية 1  الفرقان كما يلي:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا}{قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} {مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} 1-4 الكهف. وجاءت أيضاً الآيات:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِلِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}”1-2″ الفرقان. والآيات{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} “1-2” الجمعة كلها تعضد وتماثل نفس معنى آيات الفرقان ولكن بأقوال ابتدائية مختلفة الألفاظ ومتفقة في المعنى. فكان سبب الحمد والتسبيح والذكر لله هو أنه وحده الذي نزل القرآن وبعث الرسول ليهدي الناس ويبشر الموحدين وينذكر المشركين. ثانياً: لقد ورد في الآيات التالية تقديس للإله تارة باسمه الله وتارة باسم مكانته ” رب العالمين” وتارة أخرى باسمه الرحمن  حيث جاء في الآية التالية تقديس الإله وتنزيهه عن الشرك بلفظ تبارك وباسم مكانته الله رب العالمين:(إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ) “54” الأعراف. وجاء تقديس الإله وتنزيهه عن الشرك باللفظ  “سبحان وبالاسم “الرحمن” {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}26الأنبياء.تماماً كما جاء التنزيه بالاسم “الله” {وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ}”116″البقرة. هذا وقد برهن بحث الفاتحة أن الرحمن اسم جلالة غير مشتق كالاسم الله تماماً ولهذا جاء تقديس الإله به. عليه يمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد أقرأ أحد الصحابين بلفظ “سبحان الله” بدلاً عن “تبارك الرحمن” والعكس والله أعلم.  وأحسب أن هذه أسباب كافية لإثبات الترادف والتشابه في القرآن مما جعل إقامة اللفظ مقام مرادفه ضرورة يقتضيها تيسير الأمر على العباد مع تحقيق حلاوة القرآن ومعجزته اللغوية دون تغيير في معانيه. والحديث الثالث:عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم:” كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب، على سبعة أحرف: زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال”. قد تم تحليله بالأسئلة التالية  ما المقصود بالكتاب الأول؟ وما هو الحرف الأول الذي نزل عليه؟ وما الباب الذي نزل منه؟ وما هي السبعة أبواب التي نزل منها القرآن؟ وأخيراً  ما هي صلة الأحرف السبعة بالزجر والأمر والحلال والحرام والمحكم والمتشابه والأمثال؟ إن المقصود بالكتاب الأول هو الكتاب الذي أنزله الله على جميع الرسل المبعوثين قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. والحرف الأول الذي أنزل عليه الكتاب الأول هو قول (بسم الله الرحمن الرحيم) والدليل على ذلك أن ورقة بن نوفل عندما أخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بالخبر قال له هذا هو الناموس الذي أنزل على موسى وعيسى. أما الباب الأول الذي أنزل منه الكتاب الأول أخاله باب التوحيد وأن الكتاب الأول هو كتاب الهدى لقوله تعالى لأبينا آدم وأمنا حواء وإبليس عند هبوطهم للارض:{قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}”38″ البقرة  والأبواب السبعة التي نزل منها القرآن يمكن استناطها من الأحاديث التالية: لقد جاء في أحد الأحاديث: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أي أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة.  وفي حديث آخر عن أبي هريرة في حديث شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من باب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب . يشير هذان الحديثان إلى أن الأبواب التي أنزل منها القرآن هي أبواب الجنة وأن عدد أبواب الجنة ثمانية. وقد أخبرنا الحديث الأول بأن هنالك سبعة أبواب قد تمت تسميتهم بأسماء أركان الإسلام الخمس (التوحيد، الصلاة، الصوم، الزكاة ، الجهاد) ويمكن إضافة باب الصبر  وباب العفو إلى أبواب أركان الاسلام، وسمي الباب الثامن باسم خاص لفئة الذين سيدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب وهو اسم الأيمن. عليه يمكن استبعاد باب الأيمن،  فتكون السبعة أبواب التي نزل منها القرآن هي: باب التوحيد (وهو شهادة أن لا إله إلا الله) وباب الصلاة وباب الريان (الصوم) وباب الزكاة وباب الحج وباب الصبر وباب العفو والله أعلم. وكتب القرآن السبعة أخالها سبعة كتب متشابهة في المعنى ومختلفة في اللفظ فقط لقوله تعالى(الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) ( وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ)… 1-123هود. أي أن كل ما أحكم من آيات وما فصل من السور محتواه لا يخرج من محتوى سورة هود وهو عبادة الله وحده والاستعانة به استغفاراً و…وهكذا.  إذاً مسميات تلك الكتب معناها واحد لا اختلاف فيها.  فيتم توضيح مسميات الكتب السبعة أولاً ومن ثم يتم توضيحها. إن أحد الكتب السبعة هو كتاب الذكر لقوله تعالى:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) 9 الحجر. وسمي أحد الكتب بكتاب الهدى لقوله تعالى على لسان الجن: (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً) 13 الجن وكتاب آخر هو الفرقان لقوله تعالى: (تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) 1 الفرقان وكتاب رابع يدعى النور لقوله تعالى: (ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَه مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ  وٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ َٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ) 157 الأعراف. والكتاب الخامس سمي بالحق لقوله تعالى: (فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَاكَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) 5 الأنعام وقوله تعالى: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) 181 الأعراف. وأخيراً سمي الكتاب السابع بالآيات البينات لقوله تعالى:( وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ). ومن هذا المنطلق يمكن تحديد الكتب السبعة كالآتي: إن الكتب السبعة يمكن الوصول إليها عن طريق تفصيل وتجميع سور القرآن. فإذا تمعنا في كتاب الله  نجد أن كل مجموعة من السور قد ابتدأت ببداية واحدة أي بحرف واحد. إذاً كل كتاب هو عباره عن مجموعه من السور. وسور كل الكتب متفقة في معناها ومختلفة في اللفظ فقط. فإذا كانت بدايات سور كل كتاب هي قول من أقوال سورة الفاتحة يكون البحث قد توصل فعلاً إلى الأحرف السبعة. فهنالك كتاب مكون من أربع سور هي السور التي ابتدأت (بالحمد لله). أي التي فصلت الحرفين (أي الآيتين المحكمتين) ” الحمد لله رب العالمين” و”الرحمن الرحيم” وبما أنها ابتدئت بالحمد لله فهذا يعني أن هذا الكتاب قد أنزل مرتين لنزولهما على حرفين مختلفين. إذاً نزل هذا الكتاب على البداية أي الحرف (الحمد لله رب العالمين)  ونزل في المرة الثانية على البداية أي الحرف (الرحمن الرحيم) ولكن أنزل كل كتاب منهما باسم مختلف.  وأنزل كتاب آخر مكون من أربعة وعشرين سورة  هي السور التي ابتدئت بأحداث وأسماء مختلفة ليوم الدين. فهي إذاً السور التي تكون منها الكتاب الرابع من كتب القرآن السبعة وأنزل على الحرف أي البداية (مالك يوم الدين) كتاب لتفصيلها لأنها آية محكمة. كما ابتدئت ثمان سور بألفاظ العبادة (سبحان الله  ويسبح لله وسبح لله وتبارك الله وسبح باسم ربك الأعلى) وهي السور التي تكوَّن منها الكتاب الخامس وأنزل على الحرف أي البداية(إياك نعبد وإياك نستعين). وابتدئت أربعون سورة بيا أيها النبي، ويا أيها الناس، ويا أيها الذين آمنوا وسورة أنزلناها وفرضناها) لتنبه المخاطبين بما سينزل عليهم من الهدى أي الأحكام والقوانين (زجر وأمر وحلال و…) فتكوَّن منها الكتاب السادس وهو الذي أنزل على حرف (اهدنا الصراط المستقيم). وأنزل كتاب مكوَّن من ثماني سور مبتدئة بأسماء الذين أنعم الله عليهم كسورة (المؤمنون) وأسماء الضالين والمغضوب عليهم كسورة (المنافقون) أو بصراطهم كويل للمطففين وويل لكل همزة لمزة وهكذا. فأنزل الكتاب على حرف (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين). وتبقت تسع وعشرون سوره وهي السور المبتدئة بالحروف المقطعة التي تكوَّن منها الكتاب الذي أنزل لتفصيل البسمله ولهذا  أحسب أن بداياته أسماء مختلفة ثلاثية مكونه من الحروف المقطعة على وزن البسمله تماماً كما ابتدئت سور يوم الدين بأسماء أخرى ليوم الدين. ومعنى ذلك أن كل كتاب (أي كل مجموعة من السور) قد كانت بدايتها أو حرفها هو آية من آيات الفاتحة لتوضيح أن الكتاب قد أنزل لتفصيلها لقوله تعالى: (الر،كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) 1هود. وهذا توكيد إلى أن آيات الفاتحة هن أم الكتاب وأصله وأم التشابه وأصله وأم المثاني وأصلها. وعند نتطرق لصلة الأحرف السبعة بالزجر والأمر والحلال والحرام والمحكم والمتشابه وغير ذلك، نجد أن كل قول ابتدائي للدخول في مسيرة الاسلام يتبعه العمل بالأوامر والزواجر والحلال والحرام والمحكم والمتشابه مع الاستفادة من ضرب الأمثال والقصص. لهذا نجد أن الصراط المستقيم هو عباره عن أقوال وأعمال. فالحرف الذي يختاره المرء لبداية السير بالعمل بمنهج الله يمكن أن يستمر في تكراره هو أو أي حرف آخر يتيسر له من الأحرف السبعة الأخرى يومياً وبأي عدد ثم يعمل بالأوامر والزواجر و…فمثلاً إذا ابتدأ المؤمن صراطه بقول (بسم الله الرحمن الرحيم) أو (الحمد لله رب العالمين) أو…وبدأ العمل بالصلاة والصوم والزكاة وغيرهم من الأعمال يمكنه تكرار البسملة أو ما تيسر له من الأقوال الأخرى كالحمد لله أو سبحان الله أو استغفر الله. وهذه هي الرخصة التي توضح قول: (فاقرأوا ما تيسر منها) أي قولوا وكرروا ما تيسر من الأقوال السبعة. إذاً أي حرف من آيات الفاتحة يتبعه العمل بالزواجر والأوامر والحلال والحرام. وأكثر ما يوضح صلة الأحرف السبعة بأحكام الله ومنهجه هو الحديث الذي أوضح فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الصراط المستقيم وهو: عن النواس بن سمعان ، عنرسولاللهصلىاللهعليهوسلمقال: ضرباللهمثلاصراطامستقيما،وعلىجنبتيالصراطسورانفيهماأبوابمفتحة،وعلىالأبوابستورمرخاة،وعلىبابالصراطداعيقول: ياأيهاالناس،ادخلواالصراطجميعاولاتعوجوا،وداعيدعومنفوقالصراط،فإذاأرادالإنسانأنيفتحشيئامنتلكالأبواب،قال: ويحك لا تفتحه إن تفتحه تلجه. فالصراط الاسلام والسوران حدود الله.والأبواب المفتحة محارم الله. وذلك الداعي على رأس الصراط هو كتاب الله والداعي من فوق الصراط هو واعظ الله في قلب كل مسلم) هذا الحديث يوضح أن  الصراط هو عباره عن مجموعه من الأحكام كلها زجر وأوامر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال وقصص. وبداية الطريق هو رأسه أي أن بدايته هي أحد الأحرف وفيه توضيح لعلوم الوحدانية ولهذا يدعو الكتاب الناس للدخول فيه. فمن يؤمن بما في الكتاب الذي في بداية الطريق يبدأ بالقول الابتدائي ثم يواصل المسيرة التي هي اتباع المنهج. وبناءً على ذلك يكون كل كتاب من الكتب السبعة على رأس صراط مستقيم. فكل كتاب بداخله نفس معلومات الكتب الست الأخرى لأنها معلومات عن شيء واحد هو الوحدانية. والزواجر والأوامر والمحكم

والمتشابه من الأحكام واحده والحلال والحرام واحد والأمثال والقصص واحده. إذاً أي حرف اخترته لتكراره يكفي ويشفي من مرض الشركويكفي لتوحيد الإله. ودليل آخر هو الآيات: (قد أفلح من تزكى)و(ذكر اسم ربه فصلى) اللاتي معناهن أن الذي أفلح في حياته هو الذي آمن بوحدانية الله فزكى نفسه من الشرك ثم بدأ بذكر رب العزة بأي اسم من أسمائه (الله” أو “الرحمن” أو أي اسم مركب كالرحمن الرحيم) ثم التزم العمل وهو الصلاة.

لقد جاء الحديث الرابع برأي مختلف عن الأحاديث التي تقول أن القرآن نزل على سبعة أحرف حيث جاء فيه أن القرآن قد نزل على أربعة أحرف. وهو: عن ابن عباس مرفوعاً: ” أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء. ومتشابه لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب”. فهل هذا الحديث يتعارض مع الأحاديث الأولى أم يتفق معها؟ لم يكن هذا الحديث منافياً للحديث الأول بل كان مؤكداً له. فإذا تمعنا في آيات الفاتحة وهي الأحرف السبعة حسب نتائج البحث، نجد أن الحرف الأول (البسملة) هو ذكر. وأن الحرف الثاني والثالث والرابع هو حمد (الحمد لله رب العالمين) و(الحمد لله الرحمن الرحيم) و (الحمد لله مالك يوم الدين) ولهذا اعتبرهما ابن عباس حرفاً واحداً هو الحمد. والحرف الخامس هو عبادة واستعانة. والحرفان الأخيران السادس والسابع هما هدى واستقامة. فيستنبط أن الحروف المتشابهة (الثاني والثالث والرابع) قد تم جمعهم في حرف واحد هو الحمد. والحرفان الأخيران قد جمعا في حرف واحد هو الهدى والصراط المستقيم. لذا صارت هنالك أربعة أحرف فقط هي (الذكر والحمد والعبادة والهدى)  وكلهن مسميات لشيء واحد هو التوحيد. ولكن إذا أخذ نا كل حرف منفصلاً عن الأحرف الأخرى يكون عدد الأحرف سبعة مما يشير إلى أن ابن عباس كان يعلم بحقيقة الأحرف السبعة. والحديث الخامس: عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع”. وفي رواية أخرى: (ولكل آية حد، ولكل حد مطلع) قد تم تحليله بالأسئلة التالية: ما معنى أن لكل آية ظهر وبطن؟ وما معنى لكل حرف حد؟ وما معنى لكل حد مطلع؟  لقد وردت صفة أن للقرآن ظهر وبطن في الحديثين التاليين: أولهما:

 عن عبدالرحمن بن عوف مرفوعاً: (القرآن تحت العرش، له ظهر وبطن يحاج الله به العباد) وثانيهما:  عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل آية ظهر، ولكل حرف حد ولكل حد مطلع). أما الفريابي فقال: أن للقرآن وجوهاً بقوله:( لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوهاً). ولهذا كان التدبر في آيات كتاب الله ومعرفة بواطن معانيها فرض وواجب على كل مؤمن ومؤمنة لما ورد في الآية:{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}”29″ص. وفي

الآية: “وإن إلى ربك المنتهى” “42”النجم  توضيح بأن المنتهى للرب هو الرجوع لرب العزة. والرجوع إلى رب العزة يحتاج إلى سعي جاد. والسعي الجاد هو العمل بمقتضى منهجه:” أي العمل بمقتضى الأوامر والزواجر والعمل بالمحكمات وترك المتشابهات والهدي بالأمثال والقصص” وسنة رسول الله. فالمنهج الذي سيتبعه الداخلون من الأبواب السبعة المختلفة هو منهج واحد. ونضرب له مثلاً بالمسافات المتساوية من أبواب المسجد الحرام المختلفة وإلى الكعبة المنتهى الوحيد من كل الأبواب المختلفة. والدخول للكعبة أي البداية يبدأه المؤمن بقول بسم الله أو الحمد لله أو الله أكبر تماماً كالدخول في الصراط المستقيم. ومن يعمل بالمنهج يصلح حاله في الآخرة كما ورد في الآيات:{وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}{وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}{ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى}”39-41″النجم إذاً معنى لكل حرف حد هو: أن لكل بداية نهاية. فبالرغم من أن الأحرف هي سبعة بدايات مختلفات في اللفظ إلا أن نهايتهن جميعاً واحدة وهي الرجوع لله الحق للحساب. فمن يبدأ بأي من البدايات ويعمل بزواجرها وأوامرها ومحكمها ومتشابهها وأمثالها يكون حده مرضاة الله والفوز بالجنة. ومن لا يعمل بالأحكام فسوف تكون نهايته  غضب الله وعذابه. فمن الناس من يقول القول الابتدائي صادقاً فيه ولكنه وقف عند رأس الصراط ولم يعمل بأي عمل من الأحكام فتكون بدايته أي حرفه هو حده. ومن الناس من يصلي ويصوم فيكون حده صلاة وزكاة فقط

وهكذا. ولما كانت الأعمال لها درجات صار كل مطلع هو الدرجات التي يطلع بها المؤمن إلى مولاه ويصل بها إلى مرضاته وإلى الفردوس الأعلى. بذ يمكن أن نضرب مثلاً للمطلع بالسلم. فكلما اجتهد المؤمن في طلوع أكبر عدد من درج السلم كلما نجح في الطلوع للقمة. وخير ما نختم به ما توصل إليه البحث في معنى الحرف والحد والمطلع هو الآية التالية التي أحسبها تعكس معنى الحرف والحد والمطلع بصورة واضحة وهي:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}”30″ فصلت فالذين قالوا “ربنا الله” هم الذين بدءوا مسيرة إسلامهم بقول “ربنا الله” أي ذكروا ربهم باسمه. وقول “ربنا الله” من جنس الأقوال السبعة الأم “آيات الفاتحة”. وبعد أن ذكروا الرب باسمه “الله”، ساروا في استقامة مع ربهم وقد كانت استقامتهم هذه هي الالتزام بالعمل بكل الأحكام فصارت هي مطلعهم الذي يوصلهم إلى الحد أي المنتهى وهو قمة الهرم التي هي بشرى الله لهم بالأمن والجنة والسرور والله أعلم. ولكن هنالك من كان حده أدنى الجنات لتقصيره في عمله. ومنهم من يكون حده أو نهايته أقل من القمة بقليل وهكذا. وبما أنه قد تم برهان أن آيات الفاتحة هن الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن فهذا يعني أن كل آية منهن حرف وكل حرف هو آية. وبالتالي نجد أن الروايتين(لكل حرف حد أو لكل آية حد) لا فرق بينهما.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s