بسم الله الرحمن الرحيم

  بعد أن تم استنباط الحروف “الم” و”الر” نستنبط بنفس الطريقة مدلول الحروف”كهيعص”. إن الأسماء التي مفتاحها الحروف (كهيعص) كالآتي: الكاف مفتاح الاسمين:الكريم والكبير.الهاء مفتاح الاسم:الهادي. العين مفتاح الأسماء التالية:العزيز،العليم،العظيم، العدل، العلي. الصاد مفتاح الاسمين: الصمد، الصبور.أما حرف الياء فهو الحرف الوحيد الذي لم يفتتح به اسم من أسماء الله الحسنى التي نعلمها. لذا فكرت في الاحتمال الآتي: وهو أن تكون الياء مفتاحاً لاسم المفاضلة الشفع “الحي القيوم” وذلك لاستخدام حرف ال”ح” في الحواميم واستخدام حرف ال”ق” في سورة الشورى والله أعلم. ومدلول هذه الحروف لا يمكن الوصول إليه إلا بعد تحليل سورة مريم التي افتتحت بها. لقد سردت سورة مريم قصتين بعد الحروف المقطعة مباشرة هما: قصة خلق سيدنا يحي وقصة خلق سيدنا عيسى. وبما أن القصص كانت الدلالة على مدلول السور في الحروف “الم” و”الر”، أحسب أن تحليل القصتين سيدلنا على الموضوع الذي ركزت عليه السورة وهو بدوره سيؤدي إلى معرفة الأسماء المكونة من الحروف “كهيعص” التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها. إن قصة سيدنا يحي توضحها الآيات التالية:{ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا}{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا}{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا}{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا}{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا}{قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا}(2-9) مريم هذه القصة تشير إلى أن سبب ذكرها بعد القسم بالحروف المقطعة مباشرة هو الرد على شك الكفار في وحدانية الله وفي مقدرته على إحياء الموتى يوم البعث. فكان التركيز فيها على إظهار مقدرة الله على خلق سيدنا يحي من أبوين كبيرين في السن والأم عاقراً وهو أمر يسير وسهل عند الله ولكنه أمر صعب عند البشر. ففي هذه القصة توكيد لحقيقة أن الذي له مقدرة الخلق من عدم فيأي وقت ومهما كانت الظروف وهو الذي لم يخلق ولم يلد ولم يولد يسهل عليه إحياء الموتى بناءً على مخاطبة الله لنبيه زكريا عليه السلام قائلاً له: “وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا“. إذاً يستنبط من هذه القصة اسم صفة (الرب الكريم) الذي يتكون من الأسماء( الله الخالق البارئ المصور) الذي يعني (خلق وتعديل وتركيب كل إنسان بصورة معينه) بناءً على آيات سورة الانفطار التالية:{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}{الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}{فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ}(6-8 ) الانفطار التي جاء معناها كالآتي:(يا أيها الإنسان المنكر للبعث, ما الذي جعلك تغتَرُّ بربك الجواد كثير الخير الحقيق بالشكر والطاعة, أليس هو الذي خلقك فسوَّى خلقك فعَدَلك, وركَّبك لأداء وظائفك, في أيِّ صورة شاءها خلقك؟) فالاسم “الكريم” هو اسم صفة لذات الإله لم يكافئه فيها أحد لأن الإنسان مهما بلغ من المقدرات العلمية سوف يظل قليل العلم لقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (85 ) الإسراء. من هذه الآية يتضح أن الكفار قد أنكروا مقدرة الله على إرجاع الروح للبشر بعد موتهم فسألوا عن الروح الأمر الذي أظهرالله به علمه المطلق وجهلهم فظهر لنا اسمه العليم. فالله يستنكر على الكفاراستنكارهم لعدم مقدرته على بث الروح من جديد في خلقهم بعد موتهم وهو الذي لم يلد ولم يولد وخلق الخلق أول شيءمن عدم ومن أبوين كبيرين في السن والأم عاقر ولهذا أقسم باسمه الكريم الهادي أي إنه الخلق ثم هدى وباسمه الصمد الصبورالذييصبرعلى إنكارخلقه على مقدرته. واصلت آيات سورة مريم الأخبار عن سيدنا يحي في الآية:{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}(12)مريم فأخبرت أن الله قد أعطى سيدنا يحي الحكم والعلم وهداه لأن يأخذ الكتاب بقوة والكتاب هو العلم لقوله تعالى: “خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا“. وبالتالي يستنبط الاسمالله الكريم الهادي العليم الصمد الصبور” والذي هو اسم صفة المفاضلة المكونة من الحروف “كهيعص”. وآيات قصة خلق سيدنا عيسى:{فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا}{قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا}{قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا}{قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا}{قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا}(17-22) مريم.توضح معجزة الله في الكون ومقدرته المطلقة على خلق البشر وتصويرهم بطرق مختلفة. ولما أنكر عليها قومها بيّن الله لهم معجزته ومقدرته ومشيئته في ذلك بأن جعل سيدنا عيسى يخاطبهم وهو في المهد لما ورد في الآيات:{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا}{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}{وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}{وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا}(29-33) مريم.  ونتيجة لذلك وصف الكفار سيدنا عيسى بأنه ابن الله لكفرهم وجهلهم وشكهم في وحدانيته.لهذا خاطب الله المشركين بقوله:{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ}{مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} (34-35) مريم، مؤكداً لهم أنه هو الواحد الأحد الذي لم يتخذ ولداً وإنما كان خلق عيسى ابن مريم بهذه الصورة أمراً مكتوباً ومقدراً من قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنه. من هذه الآيات يتضح أن تركيز السورة كان على وحدانية الله الذي لم يلد ولم يولد وهو الذي خلق البشر بصور مختلفة. ولهذا يمكن استنباط الاسمين الكريم والصمد. أي أنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد وهو الذي خلق البشر كلهم وجعلهم يلدون ويتوالدون. وأحسب أن معنى الآية:{لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}(4) الزمر يقود إلى السؤال الآتي: إن أراد الله أن يتخذ له ولداً، فلماذا يخلق أبناءه بشراً عاديين كسيدنا عيسى وله كل المقدرات على خلق البشر بكل الطرق؟ فالله إن أراد أن يكون له أولاداً لاصطفي له أولاداً لم يكن لهم مثيل في هذا الوجود. ثم جاءت الآية: {فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (37) مريم. هذه الآية تؤكد وتبرهن أن آيات السورة تدور حول توكيد وحدانية المولى بنفي إدعاء الكفار أنه اتخذ ولداً.  وأخيراً سردت آيات سورة مريم قصة سيدنا إبراهيم مع أبيه عندما دعاه للإسلام وهي:{يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً}{يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً }43- 44 مريم. ولما وجد سيدنا إبراهيم رفض دعوته من أبيه وإنذاره بالرجم كما في الآية: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً}46 مريم. اعتزل أهله ووالده وآثر عليهم دعاء ربه كما في الآية:{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً } 48 مريم ولما فارقهم وآلهتهم التي يعبدونها من دون الله رزقه الله من الولد: إسحاق, ويعقوب بن إسحاق, وجعلهما نبيَّين، كما أوضحته الآية: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً}49 مريم. هذه الآية توضح أيضاً أن الله يرزق الأبناء ويصورهم لرسله العابدين الذين هجروا أهلهم ووالديهم من أجل توحيد الله ودعائه. فلا يقف في طريقه ما يعوق تصوير الأبناء لهم مهما بلغت بهم الظروف التي في منظور البشر لا يمكن أن يكون لهم بها ولد. حيث أوضحت الآيات أن السيدة سارة زوجة سيدنا إبراهيم، امرأة عجوز لا تلد فبشرتها الملائكة بغلام فتعجبت ولا ينبغي لها أن تعجب من أمرالله والآيات هي:{قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ}(72) هود. ثم تحدثت آيات سورة مريم عن استنكار الكفار ليوم البعث بعد سرد القصص التي أوضحت مقدرة الله على تصوير البشر بطرق مختلفة وفي أي وقت شاء كما يلي:{وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} {وَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئاً} 66- 67 مريم. أما الآيتان:{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً}{أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}77-78مريم فتخبران عن أن الله وحده الذي يعلم الغيب ومعناهما2: (أعَلِمْت – أيها الرسول – وعجبت من هذا الكافر “العاص بن وائل” وأمثاله؟ إذ بآيات الله وكذَّب بها وقال: لأعطينَّ في الآخرة أموالا وأولادًا. أطَّلَع الغيب, فرأى أن له مالا وولدًا, أم له عند الله عهد بذلك؟)  وخلاصة هاتين الآيتين هي الاسم “الله عالم الغيب والشهادة العليم”. ومن الآية التي جاء فيها استنكار من الله وهي:{وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} (81) مريم  الذي يعني:  كيف يشرك بالله حين التمس الكفار العزة من آلهة من دونه والعزة لله جميعاً! وقد ورد في هذا المعنى أيضاً الآية: (ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً) 139 النساء.ففي حقيقة أن (العزة لله جميعاً) توضيح لصفة المفاضلة “أعز العزيزين” التي اسمها “الله العزيز الحكيم” كما جاء في صحيح بخاري. وأخيراً جاءت الآية: {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا}(84) مريم التي تحث الرسول صلى الله عليه وسلم على الصبر على الكفار مما يشير إلى اسم الصفة  الصبور”.لقد أظهرت آيات سورة مريم صفات الله المتفرد بها وهي: العزيز والعليم والعظيم والكريم والهادي والصمد والصبور… الخ فكان مدلول السورة هو نفس مدلول الأسماء التي مفتاحها الحروف “كهيعص“. لذا يمكن القول بأن أسماء صفات الله المتفرد بها والمكونة من الحروف المقطعة “كهيعص” على وزن {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، والتي يمكن أن يكون الله قد اقسم بها هي:( الله الكريم الهادي)، (الله الحي القيوم )،(الله عالم الغيب والشهادة العزيز العليم)،” و”الله الصمد الصبور”. أو أن يكون القسم باسم واحد هو: (الله “الكريم الهادي”، “الحي القيوم”،  “عالم الغيب والشهادة العزيز العليم” “الصمد الصبور”) وهنا تم استناط الحي القيوم ليكون المقصود به من الياء المتوسطة الحروفنسبة لأن الحاء لها مدلول آخرفي الحواميم وق لها مدلول آخر ولهذا كان الحرف الثاني هو الياء في الاسم الشفع الحي القيوم والله أعلم.بذا يكون الله قد أقسم باسماء مقدرته التي توضح أنه هو الذي خلق ثم هدى وهو القائم على شئون هذا الكون لا تأخذه سنة ولانوم وهو أعز العزيزن وأعلمهم لعلمه بالغيب وهو وحده الذي ليس له والد ولاولد ومع كل ذلك هو أصبر الصابرين على الذين ينكرون وحدانيته ومقدراته والله أعلم. وبعد أن استنبطنا معنى مدلول الحروف “كهيعص” . نبحث مدلول الحروف الفردية”ص”، “ق”و”ن”. إن الحرف(ص) هو مفتاح الاسمين الصمد والصبور اللذين لا تجمعهما صفة محددة حتى نتعرف على ملامحهما. وقد ابتدأت سورة واحدة بهذا الحرف وسميت به، أي أن اسم السورة هو “ص”. بذا أحسب أن تحليل السورة سيساعد على الوصول لمدلول الاسمين الصمد والصبور ومدلول السورة. إن آيات السورة الأولى:{ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ}{بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ}{كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ}{وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}{وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ}{مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ} (1-7) ص. لقد تحدثت هذه الآيات عن إنكار الكفار للقرآن لشكهم في أن تكون الرسالة قد أنزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم من بينهم فكذبوه ووصفوه بأنه ساحر مما جعلهم يعلنون صبرهم على آلهتهم المتعددة  منكرين بذلك وجود إله واحد كما أخبرت عنه الآية التالية:{ أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} (8) ص.فيستنبط من ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد أقسم باسم صفة وحدانيته التي لا يكافئه فيها أحد وهي”أصبر الصابرين”عليهم لتسلية رسوله وتثبيته وتثبيت المؤمنين معه. بذا يمكن أن يكون اسم الصفة الذي أقسم الله به هو: “الله الصمد الصبور”. ولهذا تطابق مدلول اسم المفاضلة (أصبر الصابرين ) المكون من الحرف “ص” مع اسم السورة التي افتتح بها. وتطابق معهما أيضاً مدلول السورة. حيث أن المحور التي تدور حوله آيات سورة ص هو مقارعة صبر الكفار على آلهتهم المتعددة بصبر الله الواحد الأحد على الذين كذبوا الرسالة المحمدية.  وقد كان تركيزها على صبر الأنبياء والرسل على الأذى وكيف نصرهم الله. وسرد قصص صبرهم على النبي ليوضح له أن حاله هو حال جميع الرسل من قبله فذكر الله له صبر سيدنا أيوب في الآيات:{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}{ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}{وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ}{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} (41-44) ص. ثم ختم الله سبحانه وتعالى السورة بالآيات التالية التي حثت الرسول صلى الله عليه وسلم على الصبر وهي: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ}{إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}{وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ}(86-88) ص. إذاً أقسم الله لرسوله بأسم المفاضلة “الله الصمد الصبور” الذي يوضح إنه الواحد الأحد أصبر الصابرين على الكفار تثبيتاً وتسليةً لرسوله صلى الله عليه وسلم. فمحتوى الصورة والحرف التيابتدئت به كانا دلالة على الاسم الذي أقسم الله به والله  أعلم. والحرف (ق) هو مفتاح لعدد من الأسماء هي: القدوس القادر القوي القيوم القهار القابض القدير. وكلها أسماء تدل على أسماء صفات كمال الله من كل نقص وقدرته على كل شيء  وقهره لعباده. وقد افتتحت سورة واحدة بهذا الحرف وسميت سورة “ق”. وبنفس طريقة سورة (ص) وردت سورة (ق) حيث جاءت آياتها الأول كما يلي:{ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}{بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ}{أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}{قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}{بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ}(1-5)ق. فيا سبحان الله! لقد أقسم الله بأسمائه التي تدل على أنه لا يكافئه مخلوق في القدرة فلا يستحيل عليه شيء. كما أقسم بالقرآن العظيم ليدحض به للرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه حجة الكفار الواهية، حيث كانت حجتهم عدم مقدرة الله على إرجاع الخلق بعد أن يكونوا عظاماً. وهذه الحجة كانت سبب تعجبهم وشكهم في القرآن ومن أرسلت إليه. والآية التالية هي تلخيص أيضاً لموضوع الرسالة الذي تحدثت عنه السور السابقة وهي:{أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ }(15) ق. عليه يستنبط أن الأسماء المكونة من الحرف “ق” على وزن البسملة وأن يكون الله قد أقسم بها هي: (الله القادر القدير) و (الله القدوس القهار) الخ ويمكن أن يكون اسم واحد هو (الله القدوس القيوم القوي القهار القادر القدير) والله أعلم. إن الحرف (ن) هو مفتاح الاسمين(النور) و(النافع). فملامحهما هو العلم والهدى وقد افتتحت سورة واحدة بهذا الحرف وسميت به كسورتي “ص” و “ق” يتضح من الآيات الأوائل التي جاءت بعد القسم بالحرف “ن” أن الكفار قد شكوا في سلامة عقل رسولنا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم فألحقوا به الجنون. فاقسم له ربه بأنه لم يكن بنعمة الله وهي الرسالة مجنوناً بل هو على خلق عظيم وأنه سينال الأجر الدائم الباقي الذي لا ينقص ولا ينقطع. والآيات هي:{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}{وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ}{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}1-4 القلم. ففي هذه السورة أقسم الله باسم صفته الذي مفتاحه الحرف “ن” وأكد القسم الأول  بقسم آخر وهو القسم بنعمة الله على رسوله وهي الهدى الذي أنزل عليه “مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ”. وبما أن القسم الثاني توكيد للقسم الأول فهذا يعني أن القسم الأول يشبه القسم الثاني في المعنى. ولهذا أحسب أن الله قد أقسم باسمه “الله النور النافع” الذي يعني أنه الأهدى الذي يهدي ولا يُهدى ليؤكد لرسوله الكريم عظمة الهدى والعلم اللذان أرسلهما لخلقه نوراً نافعاً وقد سطره بالقلم الذي أقسم به أيضاً في الكتاب الذي أنزل عليه. والآيتان التاليتان قد أخبرتا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سيأتي يوم يعلم فيه الكفار من هو المجنون وهي:{فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ}{بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ }(5-6) القلم. والآيات التالية تؤكد أيضاً أن محور السورة هو جهل الكفار بنفع النور الذي أنزل عليهم، الأمر الذي جعل الله يسأل الكفار والمنافقين سؤالاً استنكر فيه سبب رفضهم للكتاب بالآيتين:{أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا يَتَخَيَّرُونَ}(37-38)القلم. ثم جاءت الآية:{فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُون44

القلم، موضحة نفع القرآن حيث انه ينجي صاحبه من الانتقام ومن غضب الله وعذابه ويساعده على نيل النعيم في الآخرة.  والآيات التالية تتحدث أيضاً عن الكتاب وغفلة الكفار عنه واتهام الرسول الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام بأنه مجنون. وهي:{وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ}{وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}(51-52) القلم. فكل آيات سورة القلم تشير إلى أن الله قد أقسم باسم صفته التي لا يكافئه فيها أحد وهو”الله النور النافع“. ومن هنا يمكن القول بإن السور الثلاث: “ص”، “ق” و “ن” قد جئن مؤكدات لوحدانية الله وأن رسالاته لخلقه هي الحق وهي النعمة الكبرى. كما جئن مؤكدات لملك الله لكل شيء، ومقدرته على عذاب الكافرين. وهنالك وجه شبه بينهن وهو أن كل واحدة منهن قد افتتحت بحرف واحد وسميت به. وبالرغم من اختلاف الحروف والأسماء المكونة منها إلا أن موضوع كل السور ومدلولهن واحد. والله أعلم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s