بسم الله الرحمن الرحيم

وعندما نتبع نفس المنهج المتبع في البحث عن الحروف “ألم” نجد أن الحروف ( الر) مفتاحاً لسبعة أسماء من أسماء الله الحسنى هي: الرحمن، الرحيم، الرشيد، الرافع، الرءوف، الرقيب والرازق. وإذا تأملنا في هذه الأسماء نجد أن مدلولها هو “الرحمة والفضل”.وقد ابتدأت خمس سور بالحروف “الر” وهي: يونس، هود، يوسف، إبراهيم، والحجر. أربعة منها سميت بأسماء بعض الرسل الأبرار عليهم السلام. أما الخامسة فقد سميت بالحجر وأصحاب الحجر هم ثمود الذين كذبوا صالحاً نبيهم عليه السلام. فما هي الصلة التي تربط بين هذه السور وبين الحروف المقطعة “الر”؟ وما هي الأسماء التي على نهج {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وافتتحت بها السور الخمس؟ لقد علمنا من نتائج تحليل السور التي افتتحت بها الحروف “الم”، أن الآيات التي تلي الحروف تشير إلى إنكار الكفار والمنافقين للرسالة أولاً، وتشير هي وأسماء السور إلى الموضوع الذي ركزت عليه السورة ثانياً والذي بدوره يشير إلى أسماء صفات الله التي أقسم بها. وهذا الامر لم يختلف في السورالمبتدئة بالحروف “الر” حيث جاءت آية سورة يونس التالية مباشرة بعد الحروف “الر” وهي: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ}(2) يونس. فيستنتج منها أن الكفار قد شكوا في أن يكون سيدنا محمداً رسول من عند الله ولهذا وصفوه بأنه ساحر. كما تشير الآية “2” إلى تنكر الكفار لرحمة الله ونعمة. لذا ركزت معظم آيات سورة يونس على رحمة الله الواسعة ورزقه حيث حاج الله بها عباده بذكر نعمه التي يشهدون له بها لما ورد في الآية:{قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْر فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون} (31) يونس ولهذا يتعجب المولى لتنكرهم لنعمة إنزال الهدى إليهم عن طريق رجل من بينهم. فمن هذه الآية ومعناها يستنبط الاسم “الله الرحيم الرازق”. والآية التالية توضح تفرده بإنزال نعمة الهدى:{قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}(35) يونس. وجاءت الآية:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}(45) يونس موضحة أن تنكر الكفار لرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم سببه شكهم في أن تكون رحمة للعباد وأنهم سيلاقون ربهم ويحاسبهم على أعمالهم. ومن هذه الآيات يستنتج الاسمان “الله الرحيم الرشيد” و”الله الرشيد الرقيب”. والآيات الآتية توضح أن هداية الله هي الرحمة كل الرحمة وكل الفضل وهي: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }{قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}{قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ}{وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ}(57-60) يونس. نلاحظ أن الأربع آيات قد ركزت على توضيح رحمة الله وفضله على عباده بتنزيل الهدى والرشد والرزق. فمنهن يستنبط الاسمان:” الله الرحيم الرازقو”الله الرشيد الرقيب” أما الآية التالية فقد أخبرت أن الأقدار خيرها وشرها من عند الله. وأن من يعطه الله من فضله فلا أحد يستطيع أن يرده منه. وأن من يصيبه بضر فلا أحد كاشف له إلا هو، والآية هي: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(107) يونس التي أكدت نهايتها عفو الله وغفرانه ورحمته بقوله تعالى: “وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” هذه الآية تشير إلى الاسم “الله الرءوف الرحيم” أي أنه وحده الرءوف على عباده الرحيم عليهم فيكشف ضرهم وهو وحده الذي يديم عليهم نعمه، ولا يستطيع غيره فعل ذلك.  فمن كل الآيات المذكورة يمكن استنباط أسماء الله الحسنى المكونة من الحروف ” الر” على وزن {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها وهي: ( الله الرحيم الرازق )، ( الله الرشيد الرقيب) و(الله الرءوف الرحيم). وربما أقسم الله بواحد أو اثنين من الأسماء التي مفتاحها الحروف “الر” وربما أقسم بهن جميعاً في اسم واحد كالآتي: الله الرحيم الرازق الرشيد الرقيب الرءوف الرحيم “. واسم السورة “يونس”هو اسم أحد الرسل الذين تغمدهم الله بواسع رحمته وتولى أمرهم عندما كان ببطن الحوت. فاسم السورة وأسماء الصفات التي مفتاحها الحروف (الر) ومحتوى السورة كان مدلولهم رحمة الله الواسعة ونعمه على عبادة التي أولها تنزيل الهدى والله أعلم. وفي سورة هود نجد أن الآيات التي وردت بعد الحروف المقطعة “الر” .  توضح أن الله سيعطي المؤمنين من فضله وسيعذب الكافرين. وبالرغم من أن الهدى قد أنزل ليبشرهم بالخيرات، إلا أنهم استغشوا ثيابهم وصدوا عنه. وهي:{ الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}{ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ }{ وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}{ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}1-4 هود. إن الاسم “هود” الذي سميت به السورة هو اسم رسول من الذين أرسلوا بالهدى رحمة لأممهم. فالرسول وما أنزل عليه من الهدى، هما أكبر رحمة وفضل من الله على خلقه، كما أوضح لهم نعمه عليهم  في الآية:( وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) (6) هود. ثم أخبرنا الله سبحانه وتعالى أن الاستغفار الذي يصد عنه المجرمون هو سبب الرحمة والرزق وكل النعم لما في الآية: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} (52) هود.  والآية التالية تؤكد عظمة الاستغفار:{وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} (90) هود.  ففي الآية إثبات صفة الرحمة والمودة والمغفرة لله تعالى كما يليق به سبحانه. لهذا أوضح الله في هذه السورة قصص رسله وما وجدوه من عذاب من الكفار هم والذين آمنوا معهم. ثم أوضح كيف كانت رحمة الله عليهم بأن أنجاهم وأهلك أعداءهم. وبالتالي جاءت ملامح سورة هود مطابقة لملامح سورة يونس. حيث استنبط منها نفس أسماء صفات رحمة الله المطلقة التي مفتاحها “الر” وهي (الله الرحيم الرازق) و(الله الرءوف الرحيم) و(الله الرشيد الرقيب) أو أن يكون القسم باسم يجمع هذه الأسماء هو(الله الرحمن الرازق الرءوف الرحيم الرشيد الرقيب).فسرد قصص الرسل وتوضيح رحمة الله وفضله سببه تثبيت الرسول والذين آمنوا معه لقوله تعالى:{ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ }120 هود. وبالتمعن في أول الآيات التي وردت في سورة يوسف:{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}(1-3) يوسف نجدها تحتوي على نفس معاني كل السور التي افتتحت بالحروف المقطعة “الر”. حيث إنكار الكفار للكتاب وضيق صدر الرسول  مما جعل الله يقسم له بأسمائه التي لا يكافئه فيها أحد أن الآيات هي آيات الكتاب الحق والتي هي رحمة ونعمة ورشد لهم. وأوضح له أن رسالاته هي نعمة على الرسل أيضاً بالرغم مما لاقوه من عناء لما ورد في الآية من نعمة على سيدنا يوسف: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(6) يوسف. فنعمة الله ورحمته وفضله على رسله هي النبوة والرسالة كما أوضحت القصة أن إخوة يوسف قد كادوا له وقرروا أن يقتلوه حتى يخلو لهم وجه أبيهم. وقد جاء في الآيتين:{وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (21-22) يوسف ما يشير إلى الاسمين “الله الرشيد الرقيب ” و”الله الرءوف الرحيم. أما الآية التالية فهي توكيد لرحمة الله على صفيه يوسف:{وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (56) يوسف. وفي الآية التالية: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}(76) يوسف، جاء معنى قوله” نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء” بالآتي: أي بالعلم والإيمان. وقرئ “نرفع درجات من نشاء” بمعنى: نرفع من نشاء درجات. عليه يمكن أن يكون الاسم “الله الرحيم الرافع” من الأسماء التي أقسم الله بها. وأي رحمة ونعمة أكبر من رفع الدرجات عند الله!.وأحسب أن الآية التالية هي أعظم الآيات توضيحاً لرحمة الله. كما أن لها أبلغ الأثر والوقع في نفوس المؤمنين،. وهي:{يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ }(87) يوسف  هذه الآية تؤكد أن قطع الرجاء من رحمة الله هو جحود وتنكر لنعمه وهي صفات الكافرين.  تواصل الآيات توضيح رحمة الله المطلقة لما ورد فيها على لسان سيدنا يوسف وهو يخاطب إخوته:{قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}(92) يوسف  وكذلك كان رد سيدنا يعقوب لأبنائه حين طلبوا منه أن يغفر لهم: {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (98) يوسف. ثم أختمت السورة بالآيات التالية:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (110-111) يوسف التي لخصت كل ما ذكر في السورة من رحمة الله على رسله بعد يأسهم من أقوامهم ونصرتهم. عليه يمكن استنباط أسماء صفة الرحمة(الله الرحيم الرافع) الذي عكسته الآية (67) بالإضافة إلى الأسماء:(الله الرءوف الرحيم) و(الله الرقيب الرشيد)…الخ. وربما كان القسم باسم واحد هو: (الله الرحيم الرزّاق الرءوف الرحيم الرشيد الرقيب).وفي سورة إبراهيم جاءت أول آية في سورة إبراهيم تخبر عن أعظم رحمة وهي الهدى:{الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}(1) إبراهيم. بعد ذلك أخبر الله تعالى عن نعمه على عباده وكيف أنه يزيدهم إن شكروه:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}(6-7) إبراهيمهاتان الآيتان تؤكدان أن الله هو “الرحيم الرازق” الذي يغدق نعمه على عباده ويزيد من يشكره من فضله. وأهم نعمة هي هدايته لخلقه وإرشاده واخراجهم من الغي والضلال إلى الهدى والعلم. وكذلك الآية التالية توضح رحمة الله التي لا حصر لها على عباده:{وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (34) إبراهيم.  أما قصة سيدنا إبراهيم وترك زوجه هاجر وطفله إسماعيل في واد غير ذي ذرع هي أكبر دليل على ثقة سيدنا إبراهيم عليه السلام في ربه بأنه هو خير الرازقين. وأن الله هو الرازق للثمرات التي تستوجب شكره عليها وتوحيده لا جحودها والكفر به.  والقصة توضحها الآيات: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (37) إبراهيم. فرحمة الله على رسله في هذه القصة توضحها استجابة الله لدعوة  رسوله سيدنا إبراهيم. عليه تستنبط أسماء الصفات الله خير الرازقين وأرحم الراحمين وخير الهادين “أي الراشدين” وهي(الله الرحيم الرازق) و(الله الرءوف الرحيم) و(الله الرقيب الرشيد) وهي الأسماء التي أحسب أن القسم كان بها في بداية سورة إبراهيم. وربما كان باسم واحد يجمع كل هذه الأسماء وهو: (الله الرحيم الرازق الرءوف الرحيم الرقيب الرشيد).  إن الآية الأولى في سورة الحجر: {الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} (1) الحجر  قد أشارت إلى أن الآيات التي أنزلت هي آيات الكتاب وهي قرآن مبين. وفي ذلك إشارة إلى أن أصحاب الحجر الذين جاءتهم الآيات قد أعرضوا عنها وكذبوها. وبداية السورة واسمها كانا دلالة واضحة على رحمة الله لخلقه التي تنكر لها خلقه. فأوضحت الآيات التالية ملك الله ومقدرته المطلقة على خلق كل شيء. وكل ما خلقه في الكون هو رحمةً وفضلاً ورزقاً ونعماً على عباده. والآيات هي:{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}{وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ}{إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ}{وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ}{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}(16-22) الحجر. أما الآية التالية فهي توكيد لرحمة الله على عباده بصريح العبارة وهي:{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (49) الحجر وواصلت السورة سرد القصص بقصة سيدنا إبراهيم عندما دخلت عليه الملائكة وبشرته بغلام عليم. فاستنكر سيدنا إبراهيم أن يكون عنده غلام وقد مسه الكبر. وقد دار بينه وبين الملائكة الحوار التالي الذي أوضحه الله على لسانهم في الآيات التالية:{قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ}{قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ}{قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ}{قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ} (53-56) الحجر. هذه الآيات تكفي لاستنباط أسماء صفات الرحمة التي لا يكافئ الله فيها أحد وهي “خير الرازقين” و”أرحم الراحمين” و”خير الراشدين أي “الهادين”. وأسماء هذه الصفات هي”الله الرحيم الرازق” و”الله الرءوف الرحيم” و”الله الرشيد الرقيب” التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها أو باسم واحد يجمعها وهو(الله الرحيم الرازق الرءوف الرحيم الرقيب الرشيد). من الملاحظ أن السور التي ابتدئت ب(الم) قد احتوت على نعم الله على عباده ابتداءً بتنزيل الهدى عليهم، إلا أن التركيز كان على توكيد ملكه وحده لكل شيء و”مقدرته المطلقة” على إحياء الموتى وبداية الخلق وإعادته وتصوير البشر بشتى الطرق وإعادة الكون إليه.  أما السور التي ابتدئت بالحروف (الر)، فقد احتوت على مقدرة الله على تصوير البشر وعلى الخلق والملك ولكن كان تركيزها على توكيد رحمة الله وفضله ورزقه لعباده عامة ولرسله خاصة بنعمته عليهم ورشدهم إلى ما فيه الخير لهم. فالرسالات تعتبر أعظم نعمة إلهية ورحمة وفضل على الرسل وعلى المؤمنين. كما نلاحظ أن طابع السور المبتدئة بالحروف (الم) هو الملك والمقدرة والهيمنة. أما طابع السور المبتدئة بالحروف (الر) هو الرحمة والفضل والنعم.  وأن الأسماء التي استنتجناها لأن تكون هي القسم واحدة في كل السور التي ابتدئت بالحروف (الم)  وواحدة في كل السور المبتدئة ب(الر) والله أعلم. وبعد ذلك نبدأ بالبحث في مدلول الحروف (حم). إن الحروف “حم” هي مفتاح لاسم واحد هو “الحميد”.  ولكن عدم الرمز إلي هذا الاسم ب”الح” كالحروف “الم” و”الر” يجعلنا نفكر في احتمال آخر وهو: أن يكون كل حرف من الحرفين مفتاح لأسماء. أي أن هذين الحرفين تتكون منهما الأسماء التي تجمع بين التي مفتاحها الحرف (ح) وتلك التي مفتاحها الحرف (م). والتأكد مما ترمز إليه هذه الحروف يستدعي حصر الأسماء التي مفتاحها الحرف “ح” وتلك التي مفتاحها الحرف “م ” ومعرفة مدلول كل منها، ثم تحليل السور التي افتتحت بالحروف”حم”. فإذا تطابق مدلول السور مع الاسم الحميد وحده تكون الحروف هي مفتاح الاسم الحميد ويكون القسم به وحده. أما إذا كان مدلول السور مطابقاً لمدلول الأسماء التي مفتاحها الحرفين”ح” و”م”، سيكون القسم بتلك الأسماء. إن الأسماء التي مفتاحها الحرف (ح) هي الأسماء التي مفتاحها “الح” وهي: الحي، الحكيم، الحسيب، الحفيظ، الحليم، الحميد والحكيم. وهي أسماء تدل على صفتي الحلم والحكمة. حيث أن الحفظ والحمد مع الحساب والحكم يدلون على الحلم والحكمة. أما الأسماء التي مفتاحها الحرف “م” فهي الأسماء التي مفتاحها الحروف “الم” والتي مدلولها  الملك والمقدرة المطلقة . وقد سبق ذكرها وعددها خمسة وعشرون اسماً. فإذا جمعت الأسماء التي مفتاحها “الح” وتلك التي مفتاحها “الم” نجد مدلولها  صفتي الحلم والحكمة المطلقتين عند الملك والمقدرة المطلقة. وهي صفة وحدانية لله لا يكافئه فيها مخلوق. وقد أنزلت سبع سور مفتتحة بهذه الحروف هي: غافر، فصلت، الشورى، الزخرف، الدخان،  الجاثية  والأحقاف. واتباعاً للمنهج يتم تحليل تلك السور. إن أول ما أخبرتنا به سورة غافر بعد الحروف “حم” هو أن الكتاب منزل من “الله العزيز العليم” الذي هو غافر الذنب وقابل التوب وهو شديد العقاب وذي الطول لقوله تعالى:{حم}{تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}{غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (1-3) غافر. تتحدث الآية عن عفو الله وقبوله للتوبة وفي نفس الوقت تتحدث عن شدة عقابه مما يدل على أن الآيات تشير لحلم الله وعفوه عند المقدرة المطلقة على الانتقام والعقاب. كما ذكرت الآية الاسم “الله العزيز العليم”. وهو اسم صفة المفاضلة أعز العزيزين وجاء على وزن البسملة ومفتاحه “الع” مما يسند الاتجاه الذي سار فيه البحث.  عليه يستنتج أن اسم صفة الحلم عند الملك والمقدرة، المكون من “حم” هو (الله الحليم المنتقم). إذاً جاء الاسم مكون من أحد أسماء الحروف التي مفتاحها الحرف “ح”(الحلم والحكمة) وأحد الأسماء التي مفتاحها الحرف “م”(الملك والمقدرة).  وبذلك تكون كل الأسماء التي تتكون من الحروف (حم) هي أسماء الحلم والحكمة عند الملك والمقدرة المطلقة على الانتقام. خاصة وأن الآيات تتحدث عن أن الله بالرغم من أنه هو الحق وأن آياته قد أنزلها بالحق، إلا أن الظالمين لأنفسهم، قد كذبوه.  فأساس القسم بالأسماء المكونة من الحروف “حم” هو: مواساة الله لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وتثبيته والذين آمنوا معه بأن الكتاب منزّل من رب العزة جميعها فهو لا شك فيه. ولهذا أوضح الله لرسوله وللذين اتبعوه وصدقوه أنه حليم على الذين يجادلون في آياته وسيكون مصيرهم إلى النار لا محالة. وأن كل الأمم السابقة قد كذبت رسلها وهمت بهم. وذلك في الآيتين:{مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ}(4-6) غافر. واصلت سورة غافر في آياتها التالية الأخبار عن مدى حلم الله على الكافرين بالرغم من مقدرته على تعذيبهم. والآيات هي:{ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ}{هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ}{فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}{يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}(12-14) غافر. فمن هذه الآيات الثلاث تستنبط الأسماء: “الله الحليم المنتقم” و”الله الحكيم المقتدر” و”الله الحسيب المنتقم” و”الله الحميد المجيد”. ومعنى الآيتين:{الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}{وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}{وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 16-17 غافر. هو: إن يوم القيامة هو الميقات المحدد لحساب الناس على أعمالهم. فالله بالرغم من مقدرته على الانتقام من الكفار إلا أنه أرجأه لميقات محدد. فهو إذاً الحليم عليهم المنتقم منهم في ميقات محدد. إذاً تظهر الاسماء التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها وهي:الله الحليم المنتقم” و”الله الحسيب المقيت” والله الحكم المقسط”. وربما أقسم الله بالاسم الجامع:( الله الحكيم المقتدر، الحكم المقسط، الحليم المنتقم، الحسيب المقيت الحميد المجيد). وآيات سورة فصلت الأولى قد أخبرت أن الكتاب آياته بلغة عربية لتخبر الناس أن الله هو الإله الواحد الأحد الذي تجب عبادته وطاعته وحده. لتبشر من يؤمن به ولتنذر من لم يستجب لذلك بعذابه الشديد. والآيات هي:{حم}{تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}{بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}{وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ} (1-6) فصلت. لقد أنزل الكتاب بالاسم الشفع “الرحمن الرحيم” وإذا أضيف له الاسم الوتر “الله” في بدايته يظهر لنا اسم البسملة ” الله الرحمن الرحيم “. فأوضح الكتاب المنزل أن الله قد أنذر الكافرين بالعذاب. فهو إذاً أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين” الرحمن الرحيم ” وفي نفس الوقت هو أقدر القادرين والمقتدرين على عذاب الكفار. عليه تظهر اسماء صفة حلمه عند المقدرة “الله الحليم المنتقم” و”الله الحكم المقسط” و”الله الحسيب المقيت” المكونين من الحروف “حم”. حيث لخصت الآيات التالية:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ}{لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}{مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ}(43) فصلت محور السورة الذي يوضحه المعنى الآتي: ما يقول لك هؤلاء المشركون -أيها الرسول-إلا ما قد قاله مَن قبلهم مِنَ الأمم لرسلهم, فاصبر على ما ينالك في سبيل الدعوة إلى الله. إن ربك لذو مغفرة لذنوب التائبين, وذو عقاب لمن أصرَّ على كفره وتكذيبه. عليه أحسب أن الله قد أقسم بأسمائه الحسنى ليدحض حجة الكافرين الواهية عندما كفروا بالكتاب العزيز الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. وبإنكار الكتاب يكونوا قد أنكروا وحدانية الله وأنكروا اليوم الآخر وأنكروا رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم. فخفف الله على رسوله عليه السلام بقوله له: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ}. والآية الآتية تعضد هذا المعنى: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (147) الأنعام.  فاسم السورة ” فصلت” توضح أن آيات الكتاب قد فصلت وفسرت لتوضيح هدى الله ورحمته ومغفرته للعباده وفي نفس الوقت عذابه الشديد لمن يكفر به فلا عذر للكفار على تكذيبه. وبالتالي يكون لاسم السورة صلة واضحة بالحروف ” حم ” ومدلولها. بذا نصل إلى أسماء صفة مقدرته المطلقة على الانتقام مع حلمه (الله “الحليم المنتقم”)، (الله “الحكم المقسط”)، ( الله الحسيب المقيت) التي أحسب أن الله قد أقسم بها. وربما يكون القسم باسم واحد (الله الحكم المقسط، الحليم المنتقم، الحسيب المقيت) والله أعلم. وإذا تمعنا في معنى الآيات الأُوائل “1-4” في سورة الزخرف نجده مطابقاً لمعنى الآيات الأوائل في سورة فصلت. ومعنى آيات الزخرف:{حم} {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} 1-4 الزخرف. فالآية الأولى بها قَسَمَان: أحدهما بأسماء المفاضلة المكونة من الحروف “حم” وثانيهما بالكتاب المبين. ثم خاطب المولى عز وجل الكفار بقوله:{أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ} 5 الزخرف. والآيتان:{وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ}{وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} 7 الزخرف فيهما تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم كي لا يضيق صدره من استهزاء الكفار والمنافقين.  ولما استنكر الكفار نزول القرآن على رجل لا يعتقدون أنه من عظمائهم لما جاء في قوله تعالى:{وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ}{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}(30-31) الزخرف أخبر الله رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام بأن الكفار لن يستمعون له لأنهم كالصم والعمي الذين لا يسمعون ولا يرون. ولهذا سينتقم الله منهم وهو المقتدر على ذلك ولكنه حليم عليهم وذلك في قوله تعالى:{أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ}{أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ}(40-42) الزخرف. فيستنبط من الآيات الأسماء المكونة من الحروف “حم” وعلى وزن البسملة وهي: (الله الحسيب المقيت) و(الله الحليم المنتقم) و(الله الحكم المقسط) و(الله الحكيم المقتدر). وربما كان اسماً واحد أحسبه (الله الحكم المقسط، ، الحليم المنتقم والحسيب المقيت) والله أعلم. هذا وقد جاءت خاتمة السورة مجسدة لحقيقة عفو الله عند المقدرة كما يلي: {وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاء قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ}{فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} 88-89) الزخرف. كما إن اسم السورة الزخرف يدل على مقدرة الله على أن يجعل للكفار بيوتاً سقوفها من فضة ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون وزخرفاً ولكنه أراد للناس أن يكونوا أمة واحدة. لقوله تعالى:{وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ}{ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ}{وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}(33-35) الزخرف. إن آيات سورة الدخان الأولى جاءت على نهج سورة الزخرف حيث أقسم الله فيها بأسمائه التي لا يكافئه فيها أحد وأقسم أيضاً بالكتاب المبين بأن الكتاب رحمة وأنه المحي المميت للخلق وذلك في الآيات:{حم}{وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ}{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}{أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}{رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}{رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ}{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ}1-8 الدخان توكيداً لنزول الكتاب وعظمته. وبالرغم من توضيح وحدانية الله بملكه ومقدرته على كل شيء وهيمنته على الكون وتدبيره لأموره وتنزيل الكتاب رحمة إلا أن الكفار في شك من ذلك لقوله تعالى:{بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ }{فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ}{يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}{رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ}{أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ} {ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ}{إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ}{يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ} (9-16) الدخان. فأكد الله لرسوله الكريم أنه سينتقم منهم حين تأتي السماء بدخان واضح، أي في وقت محدد وقد كشفه عنهم في هذه الدنيا التي زمنها قليل مما يدل على حلمه. ومن هذه الآيات نستنتج الأسماء المكونة من الحروف “حم” الآتية: “الله الحكيم المقتدر” و”الله الحليم المنتقم” و”الله الحسيب المقيت” والتي يمكن أن يكون الله قد أقسم بكل اسم أو باسم واحد مكون منها هو: (الله الحكيم المقتدر، الله الحكم المقسط، الحسيب المقيت، الحليم المنتقم) ثم اختتمت السورة بآيتين مغزاهما هو: حلم الله على الكفار وتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم مما يدل على أنه قد ضاق صدره بتكذيب الكفار لرسالته. فخفف عليه ربه تعالى بأن أكد له أن القرآن قد يسر له بلغته من أجل أن يتذكر الناس به. ثم ثبته بأن طلب منه أن يترقب مجيء ذلك اليوم الذي سيعلم فيه كم كانوا مرتقبين. والآيتان هما: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} {فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ} (58-59) الدخان. لقد كان اسم السورة دلالة على أولاً: الموضوع الذي ركزت عليه وهو يوم الدين أي الميقات الذي حدده الله للإنتقام من المجرمين. وثانياً  كان دلالة على أسماء القسم من “حم”. إن آيات الجاثية:{حم}{تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}{إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ}{وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}{وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}{يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } (1-8) الجاثية يستنبط منها ما استنبط من جميع السور وهو: توكيد أن الكتاب قد أنزل من الله على رسوله الكريم. مما يدل على أن الرسول قد حزن لعدم تصديق رسالته. فأكد الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين قدرته ووحدانيته بخلقه للسماوات والأرض وكل ما فيهن وما بينهما وما تحت الثرى. ثم توعد الله الذين استكبروا وكذبوا الرسول بالعذاب الشديد.  والآية التالية توضح مدى رحمة الله لعبيده وهو أقد القادرين على حسابهم:{قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ}(14) الجاثية. لقد كان تركيز آيات سورة الجاثية على إنكار الكفار للساعة بسؤالهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم بآبائهم إن كان من الممكن إحياء الموتى عند الساعة، وقد ورد ذلك في الآيتين: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}24-25 الجاثية. أما الآية التالية:{وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}(32) الجاثية، فقد كانت توكيداً للموضوع الذي ركزت عليه السورة وهو شك الكفار في قيام الساعة وعدم تيقنهم منها. فهو إذاً شك في مقدرة الله على إحياء الموتى ووحدانيته وتنزيل الكتاب على رسوله صلى الله عليه وسلم. عليه تكون الاسماء التي أحسب ان الله قد أقسم بها هي نفس أسماء السور السابقة وهي: (الله “الحكم المقسط”)، (الله “الحسيب المقيت”) و(الله “الحليم المنتقم“). أو بالاسم الواحد:(الله الحكم المقسط الحسيب المقيت الحليم المنتقم) والله أعلم.إن خضوع كل أمة لله سبحانه وتعالى يوم القيامة، حين تدعى كل أمة جاثية بكتابها الذي أعرض عنه الكثيرون يشير إلى مقدرة الله على الانتقام منهم وفي نفس الوقت يشير إلى حلمه المطلق على الكفرة الفجرة وإبقاءهم إلى الميقات المحدد.  إذاً اسم السورة “الجاثية له صلة أولاً بالموضوع الذي ركزت عليه السورة وثانياً بالأسماء التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها. وسورة الأحقاف هي الأخرى قد ابتدأت بالآية “حم وجاءت الآيات التي تليها “حم” توكيداً لنزول الكتاب من عند الله. وأن الله قد أنزله لينذر الناس بأن خلقه للسماوات والأرض قد كان بالحق وبأجل مسمىً. ولكن كفر البعض بما أنذروا به. والآيات هي: {حم} {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ} (1-3) الأحقاف. ونهاية السورة جاءت تلخيصاً لما ركزت عليه السورة وهو حلم الله على الكفار وصبره عليهم إلى أن تقوم الساعة تثبيتاً لرسوله صلى الله عليه وسلم . حيث طلب الله سبحانه وتعالى من رسوله الكريم أن يصبر كما صبر الرسل من قبله، وأن يكون حليماً، كما ورد في الآيات التالية: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} (33-35) الأحقاف. فطلب الله من رسوله الكريم أن يصبر على الذين كفروا برسالته هو أكبر دليل على حلم الله مع مقدرته على الانتقام. وبالتالي أحسب أن القسم في جميع السور التي ابتدأت بالحروف “حم” من أسماء الصفات: (الله الحليم المنتقم)،(الله الحسيب المقيت)و(الله الحكم المقسط) و…الخ. فكل السور متشابهة في المعنى ولهذا اشتركت في الأسماء التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها، بالرغم من اختلاف أسباب إنكار الكفار للكتاب ولرسالة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. أما سورة الشورى فقد اختلفت عن السور التي ابتدأت بالحروف (حم) بأن أضيفت إليها حروف أخرى وهي الحروف (عسق). فأحسب أن هذه الحروف تجمع بين أسماء صفات كثيرة وهي التي مفتاحها الحرف(ع) وتلك التي مفتاحها الحرف (س) وأخرى مفتاحها الحرف (ق)بالاضافة غلى حروف “حم”. وذلك لعدم وجود أسماء مفتاحها كل هذه الحروف حسب علمنا المحدود من كتاب الله العزيز.  عليه سوف يتم حصر كل أسماء الصفات التي مفتاحها الحرف “ع”، وتلك التي مفتاحها الحرف س، والتي مفتاحها الحرف ق” لنتفكر في مدلولاتها بعد إضافتها لأسماء صفات الحروف “حم”. ومن ثم يتم تحليل السورة لمعرفة الصلة التي تربط هذه الحروف بموضوعها واسمها. تدل الأسماء التي مفتاحها الحروف “ع”، “س”، “ق على صفات العزة والعلم والعدل والعلا والعظمة والسلم والسمع والقدرة والقوة والقهر. وقد أضيفت للأسماء التي تدل على صفات الحلم والحكمة والحكم والملك والمقدرة. وعند تحليل السورة نجد أن الآيات:{ حـمۤ }{ عۤسۤقۤ }{كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}{ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} (1-4) الشورى  تشير إلى أن الكفار قد شكوا فيما أوحي إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو أن الله هو العزيز الحكيم. ولهذا أقسم الله تعالى لرسوله الكريم بأن اسم صفته “الله العزيز الحكيم” قد أوحي به إليه  وإلى كل الرسل من قبله وأن ملك السماوات والأرض لله وحده الذي اسمه “العلي العظيم”. فلا يلتفت إلى الذين كفروا ولا يهتم لما يقولون. وقد كان معنى هذه الآيات كالآتي:(كما أنزل الله إليك -أيها النبي- هذا القرآن أنزل الكتب والصحف على الأنبياء من قبلك، وهو العزيز في انتقامه، الحكيم في أقواله وأفعاله. لله وحده ما في السموات وما في الأرض، وهو العليُّ بذاته وقدره وقهره، العظيم الذي له العظمة والكبرياء) فمن هذا المعنى ظهرت الأسماء “العزيز، العليّ، العظيم، القدير والقهارالتي مفتاحها الحرفينع” و”ق”. أما الآية: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاء اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} (6) الشورى،  فقد أظهرت اسم صفة المفاضلة التي لا يكافئ فيها الله أحد ” الله الحفيظ المقيت“. حيث أنه يحفظ أعمال الذين اتخذوا من دونه أولياء ويؤجل عذابهم حلماً وصبراً لميقات يوم معلوم. ومن الآيتين:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي علَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}{فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(10-11) الشورى خطر إلى ذهني السؤال التالي: لماذا يرد حكم ما اختلف فيه إلى الله؟ فأوحت إلىَّ خواطري من الاسم “الشورى” ومن أسماء الحروف “حم” و”عسق” ، أن الأمر يخص إتخاذ القرارات التي تخص المصلحة العامة. حيث أن قرار كل فرد يخصه وحده. ولكن إتخاذ القرارات العامة يحتاج إلى أن تتوفر في متخذها صفات الحلم والحكمة والقوة والمقدرة والعدل والعلم والسمع والسلم و… حتى تكون قرارات محكمة صائبة. وبما أن هذه الصفات لا يمكن أن تجتمع في شخص واحد لما في الخلق من نقص، كان الأمر شورى بين الناس لضمان توفرها في عدد كبير منهم. فما ينقص أحدهم من هذه الصفات لابد أن يتوفر في غيره. ولكن كل هذه الصفات تجتمع في الخالق عز وجل وحده الذي يوصف بالكمال وحده ولا كمال إلا له. ولهذا كان مرد الحكم المختلف فيه لله. ومن كل هذه المعاني تظهر أسماء صفاته التي لا يكافئه فيها أحد المكونة من الحروف “حم وعسق” والتي على وزن البسملة. وهي “الله الحكم المقسط” الذي هو اسم صفة المفاضلة “أحكم الحاكمين“. و” الله السميع العليم ” الذي هو اسم صفة المفاضلة “أعلم العالمين“. ومعنى الآيتين:{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ}{ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} (49-50) الشورى  يشير إلى اسم الوحدانية المكون من الحروف عسق  وهو “الله العليم القدير).  وفي نهاية الآية: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ } (51) الشورى  ورد الاسم “العلي الحكيم” وهو اسم صفة المفاضلة “أعلى العالين“.  لقد أوضح الله لعباده في سورة الشورى أنهم إذا اختلفوا في شيء وهم عصبة فالحكم إليه وحدهّ! أي أن الخالق الذي خلقهم يعلم ما فيهم من نقص. ولهذا لابد أن يكون أمرهم شورى بينهم. وما اختلفوا فيه لابد ان يرد إلى قرار الكامل المكمل الله سبحانه وتعالى الذي يُرجع إليه الأمر كله كما في الآية: (وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) 10 الشورى. وأسماء صفات الله التي يمكن أن يكون قد اقسم الله بها هي:(الله الحميد المجيد)، (الله الحكم العدل)، (الله الحفيظ المقيت)،(الله السميع القدير)،(الله العلي القدير)، (الله العزيز القوي)، (الله العزيز القهار)، (الله السميع العليم)، (الله الحليم المنتقم)، (الله الملك السلام)…الخ. فاسم السورة (الشورى) كان مدلوله هو مدلول الحروف المقطعة التي تتكون منها أسماء الله الحسنى. أي أنها دلالة على أن الشورى تعتبر من أهم مقومات المؤمنين التي تجعلهم يطبقون قوانين الله وسنة رسوله فيهزمون الكفار وتقوى شوكة الاسلام .فإذا تمعنا في السبع سور التي افتتحت بالحروف “حم”،  نجد أن الكتاب قد أنزل من المولى عزّ وجل بأسماء مختلفة، وكلها مركبة. فمنها الشفع أي المكون من اسمين كتنزيل من “الرحمن الرحيم” سورة فصلت،  ومنها الثلاثية كتنزيل الكتاب من “الله العزيز العليم” سورة غافر، وتنزيل الكتاب من “الله العزيز الحكيم” سورة الجاثية. إذاً توجد أسماء صفات مفاضلة شفع مكونة من حرف محدد “كالرحمن الرحيم” و”العزيز العليم” وتوجد أسماء مفاضلة شفع مكونة من مزيج من الحروف “كالعزيز الحكيم”. وكل هذه الأسماء هي أسماء صفات مفاضلة قد سمي الله بها نفسه ولم يتسم بها مخلوق غيره. ولهذا جاء مدلولها واحد لا اختلاف فيه بالرغم من اختلاف الأسماء والألفاظ، الأمر الذي يعضد ما توصل إليه البحث والله أعلم.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s