مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (11)

درجات المحسنين ودركات المنافقين

 قلنا ببطلان مراتب الدين  وأن أسبقية الإسلام -العبادات العملية- على الإيمان – اليقين القلبي – يعد نفاقاً صرفاً ، وقلنا أن حقيقة الدين أنه أبواب أولها الإيمان ، فلا يقبل عمل أصلاً ما لم يسبقه إيمان لا يخالطه شك ، وأن الإحسان في حقيقته ليس مرتبة ولكنه حالة تتحقق من إتيان العمل بدافع استقرار الإيمان.

وهنا سننظر في درجات الأعمال وتفاضل المحسنين وكيف أن من أعمالنا الحسن ومنها الأحسن ولكن الضابط الثابت ألا عمل بلا إيمان ولكن تتفاوت الأعمال في درجة الإحسان في تلك الأعمال.

تمايز أهل الجنة وأهل النار:

إن الحياة الدنيا مزرعة الآخرة ، وأعمال الناس يوم القيامة إنما هي إنعكاس لأعمالهم في الدنيا وكلما زاد إحسان العبد ارتفعت درجته في الآخرة ، وكلما زاد إجرام العبد وكفره ازداد عذابه في الآخرة وهذا مؤدى عدل الله في خلقه فالناس في الدنيا متمايزين متفاضلين في أعمالهم ، يقول تعالى : { أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) آل عمران.

وقد اختلف أهل العلم في مسألة الخلود في النار وعذاب المؤمنين وخروجهم من النار وافترقت عند ذلك الفرق ، ولسنا هنا بصدد بحث هذا الأمر واستعراض الأقوال المتعددة فيه بل إننا نقول بأن هذا مما اختص الله به ونسبه لذاته فليس لنا أن نجادل في أمرٍ كهذا ولو صرفنا أوقاتنا حتى نتدبر كلام الله ونحقق مراده من شرائعه ونؤدي ما افترضه علينا لكان ذلك أولى وأجدى من الجدال فيما ليس لنا فيه أثر وليس لنا عليه سلطان.

إن التناسب بين الإثم والعقوبة وبين العمل والأجر هو من معالم العدل الإلهي وهو السنة الربانية الباقية لا تميل عن ميزانها إلا إذا تولى الله عبده العاصي برحمته ، ولو كان عدل ربنا في المكلفين كلهم ما دخل منا جنته ورضوانه أحد.

الدلائل القرآنية :

ونستعرض الدلائل القرآنية على درجات التفاضل بين الناس يوم القيامة :

يقول تعالى : { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } [الأنعام:132] (ولكل) للمؤمنين والكافرين والمنافقين ، جاء عند ابن جريررحمه الله : ” وقوله : ( ولكل درجات مما عملوا ) أي : ولكل عامل من طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب من عمله يبلغه الله إياها ، ويثيبه بها ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .” انتهى كلامه

يقول تعالى :

{ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19) الأحقاف

ولكل : للجن والإنس ، للمؤمنين والكافرين والمنافقين ، للمتقدمين والمتأخرين ، جاء عند ابن جرير “حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) قال: درج أهل النار يذهب سفالا ودرج أهل الجنة يذهب علوا( وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ) يقول جلّ ثناؤه: وليعطى جميعهم أجور أعمالهم التي عملوها في الدنيا, المحسن منهم بإحسانه ما وعد الله من الكرامة, والمسيء منهم بإساءته ما أعدّه من الجزاء ( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) يقول: وجميعهم لا يظلمون: لا يجازى المسيء منهم إلا عقوبة على ذنبه, لا على ما لم يعمل, ولا يحمل عليه ذنب غيره, ولا يبخس المحسن منهم ثوابَ إحسانه.” انتهى كلامه.

ويقول تعالى :

{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } [البقرة:253] وحتى الرسل يتفاضلون فيما بينهم وليسوا على درجة واحدة من الفضل ، فمنهم الأنبياء ومنهم الرسل ومنهم أولو العزم ومنهم من اختصه الله بمقام عالٍ وأفضلهم وأحبهم إلى الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ولكن ما هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر الذي تتفرق عنده الدرجات صعوداً للمؤمنين بمنازلهم ودرجاتهم في الجنة، ونزولا للكافرين والمنافقين بدركاتهم ومنازلهم في النار ، وما هي شروط استحقاق الرحمة والعذاب في شريعة الإسلام الربانية في الآخرة ؟ :

أولاً : العلــم وانتفـــــاء الجهــــــــل.

ثانياً : الإرادة الحرة وانتفاء الجبــر.

ثالثاً : عمل الجوارح بفعل استقرار الإيمان.

رابعاً : التوبة لله من الذنب والرجوع عنه.

إن الإيمان والنفاق من أعمال القلوب التي تنتج اعمال جوارح ، فهما متشابهان من حيث محلهما وهو القلب ، وأن الله هو وحده من يطلع على حقيقة ما يحويه هذا القلب من إيمان أو شرك ونفاق ، ويتميز الإيمان والنفاق بأنهما قد ينتجان نفس العبادات والأعمال ولكن الأولى مصروفة إلى الله بإخلاص والثانية مصروفة للمخلوقين يراد بها الرياء وإظهار ما لا يبطنه المنافق من تكذيب وكفر.

ولكن العمل (الإسلام ) المترافق مع النفاق يستحيل طريقاً إلى اسفل دركات جهنم ، والعمل المترافق مع الإيمان فإنه يستحيل درجات متفاوتة في جنات النعيم كلٌ بحسب درجة إخلاصه و ميزان حسناته وسيئاته وفي آخر الأمر لا يستحق العبد من كرامة الله شيئاً إلا برحمته تعالى.

الاسلام والكفر

 

يتبع

About عَدْنَاَنُ الْغَاَمِدِيّ

بَاَحِثٌ فِيْ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَتَفْسِيْرَاتِهِ، أنْشُرُ أبْحَاثِيْ رَغْبَةً فِيْ مُشَارَكَةِ المَعْرِفَةِ وَالبَحْثِ عَنِ الحَقِّ أيْنَمَا وُجِدْ ، ولَعَلِّيْ أُكتَبُ مِنَ المُتَدَبِّرِيْنَ الَّذِيْنَ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ بِمَا فِيْ صُدُوْرِهِمْ مِنْ كَلَاَمِ الله.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s