مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (12)

شجرة الإيمان وشعبها ، وشجرة النفاق وشعبها

سبق القول بأن الإيمان بذرة خفية تنمو وتثمر فتكون شجرة شعبها هي أعمال الإسلام (افعال الجوارح) وعلى ضوء ذلك جهدت في البحث عن تلك الشعب التي تفوق السبعين شعبة ولا يعلم عوام المسلمين منها سوى ثلاث شعب ، وقد اجتهد بعض العلماء في استظهار عدد من الشعب ، نسبها لشعب الإيمان.

ولابد ان يستقر لدينا أن هذه الشعب كلما انتفى منها شيء عند المرء نسب إلى أهل النفاق ، يقول صلى الله عليه وسلم في (حديث مرفوع) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السُّلَيْطِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : “ لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ ” إذاً فالطعن واللعن والفحش البذاءة إنما هي شعب من شعب النفاق استدلالا بقول النبي صلى الله عليه وسلم حيث نفى الإيمان عنهم فلزم أن يكونون من أهل النفاق.

لقد استحضرت في هذا البحث استنطاق النص القرآني والحديث الشريف ، ففي كل حديث يصف المؤمنين بصفة أو يحذرهم من عمل تقرر ذلك الأمر بأنه شعبة من شعب الإيمان وما انتفت ونقضت إلا كانت شعبة من شعب النفاق ، وفيما يلي سنستظهر شعب الإيمان وما يناقضها من شعب النفاق فنقول بعون الله :

 الشعبة الأولى

شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

 دلائلها :

قوله تعالى : { ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [الأنعام:102] ، فأمر بعبادته لمن آمن به واحداً أحداً.

وقوله تعالى : { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [طه:14]

فأمر بالعبادة التي تلي الإيمان بالله واليقين بوحدانيته فبدون توحيد لا تقبل عبادة وبدون إيمان سابق بمنطوق الشهادتين فإنها لا تقبل.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ – شُعْبَةً، أَعْلَاهَا: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمان» . متفق عليه.

ناقضها :

وينقض هذه الشعبة ويحيلها من شعبة إيمان إلى شعبة من شعب النفاق نطق الشهادة باللسان فحسب دون الاعتقاد بالقلب فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فتكون حينئذٍ شعبة من شعب النفاق ، يقول الحق تبارك وتعالى :

{ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } [المنافقون:1]  فهم اقروا بالشهادة بألسنتهم ، أما قلوبهم فتخلوا من حقيقة هذه الشهادة وهم فيما شهدوا به كاذبين.

 

الشعبة الثانية

إقامة الصلاة بخشوع والمحافظة عليها.

دلائلها :

يقول تعالى : (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  (3) [البقرة] ، فعرف تعالى المتقين بمن اجتمع في قلوبهم الإيمان أولاً ثم العمل ثانياً ورأسه الصلاة والإنفاق بدفع الزكاة والصدقات.

وقوله تعالى : ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)   [البقرة:110] ، ويقول تعالى يصف المؤمنين :  (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)   [المؤمنون:2]

 ناقضها :

وينقض هذه الشعبة ويحيلها لشعبة من شعب النفاق إتيان الصلاة رياءً حتى يقال أنهم (يصلون) ، وهم في حقيقة أمرهم لم يأتوا الصلاة رغبة في رضا الله وإيماناً به يقود لإتيان الصلوات ، لذلك يقول تعالى : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء:142]

الشعبة الثالثة

الإنفاق وإيتاء الزكاة

دلائلها:

إن معظم الآيات التي تقرر إقامة الصلاة يتبعها الأمر بإيتاء الزكاة ومنها:

يقول تعالى :  (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النور:56]

ويقول تعالى مبيناً صفات المؤمنين في سورة المعارج 😦وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ  (24)  لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) (المعارج) ، قال بعض أهل التفسيرومنهم قتادة أن المراد بالحق المعلوم هو الزكاة ، وقال بعضهم أنها سوى الزكاة من الصدقات والنفقات ، وقال تعالى : { آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ } [الحديد:7] فابتدر المخاطبين بالأمر بالإيمان أولا ثم الإنفاق مما جعلهم مستخلفين فيه ، فدل ذلك على وجود الإنفاق من منطلق الإيمان فكان تحقق ذلك هو عين الإحسان كما سبق وأن أوضحنا.

ناقضها :

الشح والإمساك عن الإنفاق في سبيل الله يقول تعالى : { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } [الأحزاب:19] فنفى عنهم الإيمان ، فهم مسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأتون العبادات رياءً واتقاء فكانت تلك الأعمال باطلة محبطة لا يجزون عليها بخير ، والشح والبخل وقبض اليد عن النفقة هو إحدى علامات النفاق ، فالمؤمن يعلم أن المال مال الله وأن الذي رزق العبد قادر على أن يخلف ما أنفق ويضاعفه مالا وأجراً ولكن المنافقين لا يدركون ذلك ولا يعترفون به لأنه من لوازم الإيمان وقلوبهم لم تعرف الإيمان ، وهم بالإضافة لإمساكهم عن النفقة والزكاة فهم يحرضون على البخل ومنع الخير ، فيقول تعالى : { هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ } [المنافقون:7].

 

الشعبة الرابعة

صوم رمضان

وهنا أيضاً يتجه النداء للذين آمنوا بالأمر بالصيام ، والصيام عبادة مخصوصة فلا يعلم مدى التزام العبد بها على وجه الصدق والحقيقة سوى الله فكانت فريضة الصوم ذات جزاء غير معلوم فيقول تعالى (الصوم لي وأنا أجزي به) ذلك أنه معتمد على توافر الرقابة الذاتية في قلب العبد بالكلية :

دلائلها :

 يقول الحق تبارك وتعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)  [البقرة:183] 

والله جل وعلا يثني على المؤمنين الذين يأتون فرائض الإسلام لله وتتوافر فيهم عدد من الصفات مجتمعة ومن ضمنها الصيام ، فيقول تعالى { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الأحزاب:35] .

ناقضها :

إن الصوم عبادة خفية في أصلها ، فهي ليست كالصلاة التي يأتيها المنافق رياءً ، فإن وجد امرؤ نفسه يفسد صومه بأحد نواقضه عامداً أو أنه صام عن الأكل والشرب ولم يصم عن الفحش والبذاءة من القول فلا فائدة في عمله وليتهم نفسه فإنه على شعبة من شعب النفاق ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن لم يَدَعْ قول الزُّور والعملَ به والجهلَ، فليس للهِ حاجةٌ أن يَدَعَ طعامه وشرابه))؛ رواه البخاري ، فقول الزور وشهادة الزور من جهة تعد من علامات النفاق (إذا حدث كذب) ومن جهة أخرى فهي ناقض من نواقض الصوم ، فكان صوم المنافق لا يخلو من ناقض من نواقضه ظهر به إلى الناس أو استخفى عنهم.

الشعبة الخامسة

حج بيت الله الحرام (لمن استطاع إليه سبيلا)

دلائلها:

(فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ )  [آل عمران:97]

إن شرط الاستطاعة يميز المؤمن من المنافق ، فأهل النفاق إن أرادوا الإعتذار ادعوا عدم الاستطاعة ، وإن حجوا كانت غايتهم إما تجارة أو رياءً ، فالحج مشقة وإتيانها بإيمان جزاءه مغفرة الذنب كله ، قال تعالى إجمالا : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة:197] وتفصيلا فقد روى البخاري في “صحيحه” عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه) وفي رواية له أيضًا: (من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه) وعند مسلم نحوه.

فكان شرط قبول العمل تجنب الرفث والفسوق والجدال.

ناقضها:

إن ما ينقض هذه الشعبة حتى إن أتاها المنافق هو الفسوق ، وقد اخبرنا جل وعلا بأن المنافقين هم الفاسقون ، يقول جل وعلا : { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ } [السجدة:18] فمن هو نقيض المؤمن سوى الكافر و المنافق ؟ وقد قال تعالى في سورة اسماها (المنافقون) { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [المنافقون:6] فكان الفسوق ناقض لهذه الشعبة فيكون إعراضهم عنها شعبة من النفاق.

الشعبة السادسة

التوحيد وصرف العبادة لله وحده لا شريك له.

دلائلها :

{وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:88] ، ويقول تعالى

فتوحيد الله والإيمان به وحده لا شريك له هو مقتضى الشهادتين التي تبتدئ بنفي الألوهية عن كل شيء وكل أحد باستثناء الله جل وعلا ، فلما كان الشرك من أخطر الذنوب وأسرعها بصاحبها لجهنم فقد ابتدأت الشهادتين بالنفي ، ويخبرنا الله بأن كل ذنب قابل أن يغفره الله ماعدا الشرك ، يقول تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا } [النساء:48]

ناقضها :

صرف شيء من العبادة لغير الله ذنب عظيم يشترك فيه المشركين والمنافقين ، فكلا الفريقين يصرفون العبادة لغير الله ، فالمشرك يتقرب الى وثن أو إله آخر كرجل صالح أو نبي كعيسى عليه السلام ويضعه مساويا لله جل وعلا أو يصرف له شيئاً من العبادة فيؤلهه ، وكذلك المنافق فإنه يؤدي العبادات لا يقصد بها وجه الله تعالى بل يتقي بها من المؤمنين ويريد بعباداته الصورية إيهام المؤمنين بأنه منهم فكان شرك من كلا الفئتين يقول تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [الكهف:110].

وعندما توعد المشركين فقد قرن المنافقين معهم واستثنى المؤمنين مما اعده لؤلئك المجرمين يقول تعالى : { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [الأحزاب:73] فالطاعة مع النفاق شرك لا يغفر لصاحبه، والذنب مع الإيمان قابل للمغفرة طالما تمكن الإيمان من النفس.

 

الشعبة السابعة

الطهارة

دلائلها :

إن الطهارة صنو الإيمان والنجاسة صنو النفاق ، ذلك أن الإيمان هو نقاء الباطن ونقاء الظاهر ، بينما النفاق هو إبطان الكفر والشرك وإظهار الإيمان فكان الباطن مجاف للظاهر ، وقد خص الله المؤمنين بالطهور لذا فإن المنافق يجوز عليه أداء الصلاة بلا طهور ، فلا يتأتى لأحد معرفة حقيقة الطهارة من عدمها ، فلو شاء أن يرائي فسوف يرائي في العبادات المرئية كالصلوات ونحو ذلك يقول تعالى:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [المائدة:6]

 وعندما يتطهر المؤمنون طاعة لله بدافع الإيمان على الوجه الذي أمر به الله فلا شك أن مرد ذلك يعود لاستقرار الإيمان في قلبه فكان الطهور شطر الإيمان لأنه عمل مستمر في اليوم والليلة ويعتمد على جانب الإخلاص في العمل فكأن من أتى به على وجهه الصحيح كمن استكمل شطر الإيمان ، يقول صلى الله عليه وسلم:

عنْ أَبِي مَالِكٍ الْحَارِثِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ” الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ -أَوْ: تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَك أَوْ عَلَيْك، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا“. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فإن أتى المؤمن بالوضوء والطهارة كما أُمر بقي عليه إتيان العبادة على وجهها الصحيح ليستكمل الشطر الآخر من الإيمان ، يقول صلى الله عليه وسلم: قال صلى الله عليه وسلم (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) صحيح البخاري 6954

ناقضها:

النجاسة وإهمال الإتيان بالوضوء والغسل والطهارة كما أمر الله وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم ، والمنافق يترك الغسل ويترك الوضوء ، فطالما كان الناس لا يميزون ولا يعلمون حقيقة الطهارة لأنها مسألة خفية عن الناس والمنافق كما أخفى نفاقه وأظهر عبادات البدن فإنه يخفي نجاسته واهماله للوضوء والطهارة فكان النفاق محققاً لانتفاء الطهارة لأن النفاق في أصله اختلال الظاهر والباطن مخادعة وكذباً على المؤمنين.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص و أبي هريرة و عائشة  قالوا: قال رسول الله : ( ويل للأعقاب من النار ) ، وقوله : ( ويل للأعقاب من النار )، والأعقاب: هي مؤخر الأقدام.

فما كان ذلك الإنذار المخيف إلا لتبيان أن إهمال الوضوء للأماكن الخفية عن أعين الناس كالأعقاب وإسباغه وإظهاره في سواها كالوجه واليدين ونحوه إنما هو عين النفاق فأرسل هذه الرسالة للمنافقين بالدرجة الأولى تأسيسا على الأسلوب النبوي (ما بال أقوام ) فكان دليلا بأن استكمال الوضوء على وجهه فيما خفي عن الناس وظهر فهذا هو شطر الإيمان وما عداه نفاق لم يستحضر فاعله مشاهدة الله له وعلمه بما يبطن.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أُمِرَ بعبد من عباد الله أن يُضرَب في قبره مائة جلدة ، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدةً واحدةً ، فجُلد جلدةً واحدةً ، فامتلأ قبره عليه نارًا ، فلما ارتفع عنه أفاق ، قال : علام جلدتموني ؟ فقيل له : إنك صليت صلاةً واحدةً بغير طهور ، ومررت على مظلوم فلم تنصره ) أخرجه الطحاوي في “مشكل الآثار” (4/231) وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2774) .

 

About عَدْنَاَنُ الْغَاَمِدِيّ

بَاَحِثٌ فِيْ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَتَفْسِيْرَاتِهِ، أنْشُرُ أبْحَاثِيْ رَغْبَةً فِيْ مُشَارَكَةِ المَعْرِفَةِ وَالبَحْثِ عَنِ الحَقِّ أيْنَمَا وُجِدْ ، ولَعَلِّيْ أُكتَبُ مِنَ المُتَدَبِّرِيْنَ الَّذِيْنَ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ بِمَا فِيْ صُدُوْرِهِمْ مِنْ كَلَاَمِ الله.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.