في قوله تعالى:

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا 24 [النساء]

القائلون بوقوع النسخ في الآية:

قال فيها مكي ابن أبي طالب: “وقال ابن المسيب: نسخت المتعة بآية الميراث يعني: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم) [النساء: 12] لأن المتعة كانت لا ميراث بها. وروي عن عائشة i ها قالت حرم الله المتعة بقوله (والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) [المؤمنون: 5 والمعارج: 29]. وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل معلوم، وشرط (ألا) طلاق بينهما، ولا ميراث ولا عدة. وقال أبو عبيدة: نسخت المتعة بالقرآن والسنة لأن النبي m حرم المتعة يوم الفتح وغيره. [1] انتهى كلامه.

قال ابن حجر رحمه الله: قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) [الآية: 24]، قال مقاتل نزلت في المتعة (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) ثم قال (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) أي: إذا زدتم في الأجر وازددتم في الأجل ثم نسخ ذلك. ويؤيده ما أخرجه الشيخان في “الصحيحين” عن ابن مسعود كنا نغزو وليس لنا نساء فرخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل. الحديث. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج نا إسحاق بن سليمان عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس قال: كانت متعة النساء في أول الإسلام كان الرجل إذا قدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته ولا يحفظ له متاعه فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته لذلك وكان يقرأ {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ} الآية. ; وأخرج أبو عبيد في كتاب “النكاح” وابن المنذر من طريقه عن حجاج بن محمد عن ابن جريج أخبرني عطاء سمعت ابن عباس يقول: يرحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنى إلا شقي قال: وقال: كأني أسمع قوله الآن إلا شقي. عطاء القائل.[2]

القائلون بالإحكام ودرء النسخ:

عن ابن عباس أنه قال: هي محكمة أي: تنسخ وكان يقرأ: فما استمتعتم به إلى أجل مسمى، ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللهمّ إني أتوب إليك من قولي بالمتعة، وقيل: إنها أبيحت مرّتين وحرمت مرّتين {إنّ الله كان عليماً} بخلقه {حكيماً} فيما دبره لهم[3]

معضلة الفهم مرة أخرى:

ادّعوا بأن المتعة في هذه الآية هي النكاح، فلا أدري هل قرئ السياق حين تقرر هذا الفهم؟ فالله تعالى يقول (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) فمن زعم أن الاستمتاع هنا يعني النكاح فقد جاء زوراً عظيماً فالله تعالى قرر أن إيتاء الأجور يتلو الاستمتاع ويأتي بعده، فيقول تعالى إذا استمتعتم بشيء منهن فآتوهن أجورهن، فكان الأجر مقابلاً وتالياً للاستمتاع فلو كان هذا الاستمتاع جماعاً واستحلالا لفروجهن فيكون سفاحاً وزنى لأنه حصل قبل العقد الذي يستلزم دفع الصداق، ذلك أن التراتبية بدأت بالاستمتاع وتلاها الأجر.

والحقيقة أن الاستمتاع والمتعة والمتاع من المشترك اللفظي الذي يستظهره القارئ من السياق، فلو قرأت السياق وان مستحضراً للنكاح مشيراً للمتعة فلن يقبل السياق هذا الفهم لأنه سيكون سفاحاً كما أسلفنا، فالمتعة هي النكاح، والإنفاق، وكل ما يسر النفس والعين متاع، والمال متاع، وكل ما ينتفع به الإنسان متاع.

فالله تعالى يقرر حق من يبتغي النكاح أن يشاهد المرأة قبل النكاح وتشاهده فإن كان استمتاعه بجمالها، أو دينها أو علمها أو بأي أمر يسره منها ومضى في نيته بنكاحها بناء على رآه منها فليؤتيها أجرها وهو الصداق وهو فريضة لا يصح العقد إلا به، أما إن سالت الخاطب أمراً غير الصداق كعطاءٍ لأمها أو مؤخراً للصداق أو شيء من الزينة ونحوه فلا جناح عليكم فيما تراضيتم به بعد تسليم الصداق.

وبذلك ينتفي القول بأن المتعة في هذه الآية النكاح لأنه لا ينبغي أن يسبق الصداق، فإن كان المقصود بالنكاح هو العقد فلا يستقيم ذلك وإن كان الدخول بها فهو أبطل من سابقه وإنما يصرف مفهوم الاستمتاع في هذا الموضع إلى ما يعجب الرجل من المرأة فيدفعه إلى نكاحها.

ومن ذلك نستظهر بطلان القول بأن نكاح المتعة مما شرع في الإسلام ولو سلمنا بوجوده فلا يعدو كونه من أفعال الجاهلية رغم أنه لا يستقيم أن يبدر منهم فعل قبيح كهذا لأنه زنا واضح لا لبس فيه وإن فعلته امرأة فلا شك في أنها من أراذل النساء.


[1] ص1284 – الهداية الى بلوغ النهاية

[2] ص859 – كتاب العجاب في بيان الأسباب – سورة النساء

[3] ج1 ص295 – السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير – سورة النساء

About عَدْنَاَنُ الْغَاَمِدِيّ

بَاَحِثٌ فِيْ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَتَفْسِيْرَاتِهِ، أنْشُرُ أبْحَاثِيْ رَغْبَةً فِيْ مُشَارَكَةِ المَعْرِفَةِ وَالبَحْثِ عَنِ الحَقِّ أيْنَمَا وُجِدْ ، ولَعَلِّيْ أُكتَبُ مِنَ المُتَدَبِّرِيْنَ الَّذِيْنَ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ بِمَا فِيْ صُدُوْرِهِمْ مِنْ كَلَاَمِ الله.

8 responses »

  1. الذي اعرفه ان زواج المتعة احله الله عز وجل وحرمه مرتين في عهد الرسول ﷺ ، كما في صحيح مسلم

    • وهذا ما نعتقد ببطلانه وأنه لا ينبغي ان يكون الله شرع أمراً كهذا وربما كان من عادات الجاهلية فحرمته الشريعة ، أما أن يكون حلالا فحاشا لله ان يكون ذلك.
      وقد سقت الحجج في مقالي وأهمها ان الصداق لا يؤدى بعد الاستمتاع (ان عني بذلك النكاح والدخول) والا كان كفعل المومسات اجلكم الله يدفع لها الاثيم بعد قضاء حاجته فدل ذلك على ان الاستمتاع هو رؤية ما يمتع الزوج فيدفعه للزواج منها

  2. بالنسبة لي امور الدين لا ادخل عقلي فيها ، انما اخذ الامر من الله ورسوله وبما ان هناك روايات في صحيح مسلم تقول ذلك فأنا لا اخالفها

  3. بالرواية ، كما جزمت بالقران الذي حفظ صدرا وسطرا ، اظن انك ستجزم بالاحاديث التي حفظت صدرا وسطرا

  4. مما يؤكد ان لاعلاقة للآية بتحليل المتعة ولاجود له اصلاً في الاسلام لا قبل ولا بعد، هو قوله تعالى {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} بعد قوله تعالى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}، بمعنى متزوجين منهن غير (مسافحين)

    الإحصان : الزواج

  5. لمزيد من التوضيح على ردي السابق:

    مايسمى (المتعه) بمفهومه عند القائلين به، لا وجود له بالاسلام

    لايوجد بالاسلام الا زواج واحد احله الله وهو الزواج الشرعي.

    ومن استشهد على وجود (المتعة) بقوله تعالى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُن} .. فقد اخطأ فهم المراد الحقيقي من الآية وسبب نشوء هذا الفهم الخاطئ لديه :

    هو اجتزاء الآية من سياقها الصحيح وتفسيرها بشكل منفصل كما لو أن الايات التي قبلها تتحدث عن انواع الزواج الحلال! وهذا الفهم الخاطئ دل عليه تفسيرهم لكلمة (الاستمتاع) بانه احد انواع النكاح الحلال!!

    * والتفسير الصواب ان نأخذ بتفسير الاية ضمن سياقها الكامل (مع الايات السابقة لها : من الاية 22 حتى هذه الاية 24) دون اجتزاء، وهنا يتبين لنا الفهم الصحيح للمراد من الآية .. فيكون التفسير السليم :

    ان الآية هي الخاتمة للايات السابقة (من الاية 22 الى الاية 24)، فبعد ان بين الله للمسلمين ما حرم عيهم من النكاح، ختمها بهذه الاية التي تبين ما احل الله لهم من النكاح {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً}

    فالآية تبيان للمسلمين ان الله احل لهم (باستثناء ماحرم عليهم في الايات من 22 الى 24) ان يبتغوا باموالهم الزواج المشروع (محصنين غير مسافحين)،

    واما معنى قوله تعالى {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَة} .. الاستمتاع اعم من النكاح بالمعنى، فالاستمتاع يقع معناه من لحظة ان يعقد الرجل على زوجة له ووجب عليه دفع الفريضة (الصداق) قبل الدخول عليها.

    هذا والله تعالى أعلم

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.