بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

الحمدالله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد

من المصطلحات المستجدة على القاموس الشرعي الإسلامي مصطلح العصمة، والتي وردت في كتاب الله بخلاف ما استعملت فيه لاحقاً، فقد تقرر في أذهان الناس بأن العصمة هي امتناع وقوع أفعال مخصوصة من النبي أو الرسول، وخصوصاً نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، واعتقدت بعض الطوائف الإسلامية بأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الخطأ والنسيان والسهو واللغو وغيره من الذنوب، وبرغم الاختلافات حول نطاق هذه العصمة، هل هي مطلقة أم جزئية؟ وهل تشمل الكبائر والصغائر أم تقتصر على الصغائر دون الكبائر وهل تتعلق بالتبليغ فقط دون سواه من أفعال الدنيا، أم كافة أعمال الدنيا والدين؟

وفي هذه الدراسة سنتطرق لتعريف العصمة لغوياً وشرعياً وفهم السلف الصالح لها، ثم نستعرض الأقوال التي وردت في مسائل العصمة وبعض أقوال الطوائف في مفهوم العصمة.

ثم ننتقل لبيان لإثبات انتفاء العصمة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن بقية الأنبياء، وكيف أن القول بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم ينافي كتاب الله ويقدح في الأنبياء الكرام ويحط من قدرهم وأن نفي العصمة عنهم واجب، ولن يتحقق إلا بفهم لوازم العصمة وحقيقتها وكيف تكون في نسبتها إساءة للأنبياء وتخذيل للناس عن الطاعات، وأن الأولى القول بعصمة الرسالة والبلاغ ذاته وليس الرسول والمبلغ بشخصه.

نرجو من الله أن يوفقنا جميعاً لفهم كتابه على الوجه الذي يرضيه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

العصمة لغة وشرعاً:

(والعِصْمَةُ: بالكَسْر: المَنْع) ، هَذَا أَصلُ مَعْنَى اللُّغَة، وَيُقَال: أصلُ العِصْمَةِ الرَّبْطُ، ثمَّ صَارَت بِمَعْنَى المَنْع. وعِصْمَةُ اللهِ عَبْدَه: أَن يَعْصِمَه مِمَّا يوبِقُه.

عَصَمه يَعْصِمه عَصْمًا: منَعَه ووَقَاه، وقَوْلُه تَعالَى: {يعصمني من المَاء} . أَي: يُمْنَعُنِي من تَغْرِيقِ الماءِ، و {لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله} ، أَي لَا مانعَ، وقِيلَ: هُوَ على النِّسْبَةِ، أَي ذَا عِصْمَةٍ، وقِيلَ: مَعْنَاه لَا مَعْصُومَ إلاّ المَرْحُومُ، وَفِيه كَلامٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَه.

وَقَالَ الزَّجّاجُ: أَصْلُ العِصْمَةِ الحبْلُ، وكُلُّ مَا أَمْسَكَ شَيْئًا فَقَدْ عَصَمه.

وقالَ محمدُ بنُ نَشْوانَ الحِمْيَرِيُّ فِي ضياءِ الحلُوم: أَصلُ العِصْمَةِ السَّبَبُ والحَبْلُ.

وَقَالَ الرَّاغِب: ” عِصْمَةُ اللهِ تَعالَى الأنبياءَ: حِفْظُه إيَّاهم أوّلاً بِمَا خَصَّهُم بِهِ من صَفاءِ الجَوَاهِر، ثُمَّ بِمَا أَولَاهُم من الفَضَائِلِ الجِسْمِية والنَّفْسِيَّةِ، ثمَّ بالنُّصْرَةِ وتَثْبِيتِ أقْدامِهم، ثمَّ بِإنْزالِ السَّكِينَة عَلَيْهِم وبِحِفْظِ قُلوبِهم، وبالتَّوفيقِ، قَالَ الله عَزَّ وجَلَّ: {وَالله يَعْصِمك من النَّاس}.

وَقَالَ شيخُنا: العِصْمَةُ عِنْدَ أَهْلِ الكَلَامِ: عَدَمُ قُدرةِ المَعْصِيَةِ، أَو خُلُقٌ مَانِعٌ غَيرُ مُلْجِئٍ، وَهُوَ الَّذِي اعتمدَه ابنُ الهُمام.[1]

قَالَ الزَّجَّاجُ: أصلُ العِصْمةِ الحبْلُ. وكلُّ مَا أَمْسَك شَيْئًا فَقَدْ عَصَمَه؛ تَقُولُ: إِذَا كفَرْتَ فَقَدْ زالتِ العِصْمةُ. وَيُقَالُ لِلرَّاكِبِ إِذَا تقَحَّمَ بِهِ بَعِيرٌ صعْبٌ أَوْ دابَّةٌ فامْتَسك بواسِط رَحْله أَوْ بقَرَبوسِ سَرْجِه لِئَلَّا يُصْرعَ: قَدْ أَعْصَمَ فَهُوَ مُعْصِمٌ. وَقَالَ ابْنُ المظفَّر: أَعْصَمَ إِذَا لجأَ إِلَى الشَّيْءِ وأَعْصَم بِهِ. وَقَوْلُهُ: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ ؛ أَيْ تمَسَّكوا بعهدِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ[2]

العِصمة: ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها.[3]

اختلاف أقوال العلماء في طبيعة العصمة:

جاء في نسيم الرياض للقاضي عياض معرفاً للعصمة بقوله: “لطف من الله تعالى يحمل النبي على فعل الخير ويزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقا للابتلاء[4]

وقال ابن حجر رحمه الله معرفاً للعصمة ” الحافظ ابن حجر بقوله: “وعصمة الأنبِياء – على نبيِّنا وعليْهِم الصَّلاة والسَّلام -: حِفْظُهم من النقائص، وتَخصيصهم بالكمالات النفيسة، والنصرة والثَّبات في الأمور، وإنْزال السَّكينة، والفرق بينهم وبين غيرهم أنَّ العِصْمة في حقِّهم بطريق الوجوب، وفي حقِّ غيرهم بطريق الجواز[5]

كما عرفها الرَّاغب الأصفهاني بقوله: “عصمة الله الأنبِياءَ: حِفْظُه إيَّاهم أوَّلاً بما خصَّهم من صفاء الجوهر، ثمَّ بما أوْلاهم من الفضائل الجسمية والنفسية، ثم بالنصرة وتثبيت أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم، وبحفظ قلوبهم وبالتَّوفيق“، وقال المناوي: “العصمة مَلَكة اجتناب المعاصي مع التمكُّن منها[6]

وقال ابن تيمية رحمه الله (والقول الذي عليه جمهور الناس هو الموافق للآثار المنقولة عن السلف إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقاً، والرد على من يقول أنه يجوز إقرارهم عليها، وحجج القائلين بالعصمة إذا حررت إنما تدل على هذا القول)[7]

وفي إقرار الأنبياء على الخطأ يقول رحمه الله (هم متفقون على أنهم لا يقرون على خطأ في الدين أصلاً ولا على فسوق ولا كذب، ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله فهم متفقون على تنزيههم عنه، وعامة الجمهور الذين يجوزون عليهم الصغائر يقولون إنهم معصومون عن الإقرار عليها فلا يصدر عنهم ما ضرهم) [8]

قال ابن بطال ( ت : 449هـ) :  (( ذكر الأنبياء صلى الله عليه وسلم فى حديث الشفاعة لخطاياهم ، فإن الناس اختلفوا هل يجوز وقوع الذنوب منهم ؟ فأجمعت الأمة على أنهم معصومون فى الرسالة، و أنه لا تقع منهم الكبائر ، و اختلفوا فى جواز الصغائر عليهم فأطبقت المعتزلة و الخوارج على أنه لا يجوز وقوعها منهم ، و زعموا أن الرسل لا يجوز أن تقع منهم ما ينفر الناس عنهم و أنهم معصومون من ذلك . و هذا باطل لقيام الدليل مع التنزيل و حديث الرسول: ( أنه ليس كل ذنب كفرًا ) . وقولهم : إن الباري تجب عليه عصمة الأنبياء ، عليهم السلام ، من الذنوب فلا ينفر الناس عنهم بمواقعهم لها هو فاسد بخلاف القرآن له ، و ذلك أن الله تعالى قد أنزل كتابه وفيه متشابه مع سابق علمه أنه سيكون ذلك سببًا لكفر قوم، فقال تعالى : ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾ [ آل عمران : 7] ، و قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ [ النحل: 101] فكان التبديل الذى هو النسخ سببًا لكفرهم كما كان إنزاله متشابهًا سببًا لكفرهم، وقال أهل السنة: جائز وقوع الصغائر من الأنبياء، واحتجوا بقوله تعالى مخاطبًا لرسوله: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [الفتح : 2] فأضاف إليه الذنب، وقد ذكر الله فى كتابه ذنوب الأنبياء فقال تعالى : ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [طه : 121] ، وقال نوح لربه : ﴿ إِنَّ ابُنِى مِنْ أَهْلِى ﴾ [ هود: 45] ، فسأله أن ينجيه، وقد كان تقدم إليه تعالى فقال: ﴿ وَلاَ تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ﴾ [هود: 37] ، وقال إبراهيم: ﴿ وَالَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِّينِ ﴾ [الشعراء: 82] ، وفى كتاب الله تعالى من ذكر خطايا الأنبياء ما لا خفاء به ).[9]

قال ابن عبد البر ( ت : 463هـ) : (معْلُومٌ أَنَّهُ (عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) لَمْ يُكَفِّرْ عَنْهُ إِلَّا الصَّغَائِرُ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي كَبِيرَةً أَبَدًا لَا هُوَ و َلَا أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الْكَبَائِرِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ )[10]

قال الآمدي (ت : 631 هـ ) في الإحكام 😦 اتفقت الأمة سوى الحشوية ومن جوز الكفر على الأنبياء على عصمتهم عن تعمده من غير نسيان ولا تأويل وإن اختلفوا في أن مدرك العصمة السمع كما ذهب إليه القاضي أبو بكر والمحققون من أصحابنا أو العقل كما ذهب إليه المعتزلة وأما إن كان فعل الكبيرة عن نسيان أو تأويل خطأ فقد اتفق الكل على جوازه سوى الرافضة أما ما ليس بكبيرة فإما أن يكون من قبيل ما يوجب الحكم على فاعله بالخسة ودناءة الهمة وسقوط المروءة كسرقة خبة أو كسرة فالحكم فيه كالحكم في الكبيرة وأما ما لا يكون من هذا القبيل كنظرة أو كلمة سفه نادرة في حالة غضب فقد اتفق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة على جوازه عمدا وسهوا خلافا للشيعة مطلقا وخلافا للجبائي والنظام وجعفر بن مبشر في العمد).[11]

وقال النووي (ت: 676هـ )  😦 واختلفوا في وقوع غيرها من الصغائر منهم فذهب معظم الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من السلف والخلف إلى جواز وقوعها منهم ).[12]

ظهور مصطلح العصمة:

إن العصمة بصورتها المبينة آنفاً والتي تنسب امتناع وقوع سائر الأفعال المنكرة أو بعضها من الأنبياء بفعل مزية أودعها الله فيهم هو قولٌ محدثٌ بالنسبة لعصر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، فلم يدَّعِ النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بأنه معصوم من الذنوب لا كبيرها ولا صغيرها، ولم يقرر الوحي في كتاب الله أن النبي منزه بقوة علوية عن الخطأ معصوم عن فعلها.

والعصمة قول متأخر محدث ظهر مع نابتة الفرق المنحرفة، يذكر المستشرق دوايت رونالدسن في كتابه (عقيدة الشيعة) أن فكرة عصمة الأنبياء في الإسلام مدينة في أصلها وأهميتها التي بلغتها بعدئذ، إلى تطور علم الكلام عند الشيعة وأنّهم أوّل من تطرق إلى بحث هذه العقيدة ووصف بها أئمتهم، ويحتمل أن تكون هذه الفكرة قد ظهرت في عصر الصادق، بينما لم يرد ذكر العصمة عند أهل السنة إلاّ في القرن الثالث للهجرة بعد أن كان الكليني قد صنّف كتابه «الكافي في أُصول الدين» وأسهب في موضوع العصمة [13]

 ويعلّل رونالدسن بأنّ الشيعة لكي يثبتوا دعوى الأئمّة تجاه الخلفاء السنيّين أظهروا عقيدة عصمة الرسل بوصفهم أئمّة أو هداة.

والمسألة برمتها توهم واشتباه، فيعتقد القائلون بالعصمة أن في القول بنفيها اتهامٌ ونسبةٌ لوقوع الكبائرٍ والكفر والذنوب للأنبياء بصورة قطعية وأنهم لا شك قد ارتكبوها وبالتالي فنفي العصمة يعد إثباتاً لوقوع الذنب وهذا من العجائب.

وما ندعو إليه هو نبذ العقيدة المحدثة في الأنبياء والرجوع لمقالة الله تعالى في كتابه ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم فننبذ ما خالف كتاب الله الذي حكى طبيعة الوحي والرسالة وماهية العصمة.

جواز وقوع الذنوب كبيرها وصغيرها من الأنبياء:

إننا إذ نجول في كتاب الله يظهر لنا في عشرات المواضع أحوالٌ وقع فيها الأنبياء الكرام في ذنوب وخطايا وتضرعوا لربهم بطلب المغفرة، وقد بين ربنا جل وعلا بشريتهم ومماثلتهم لأقوامهم في حالهم وخلقتهم، ونفى عنهم الملائكية والعصمة وإن كانوا أنقى الخلق وأطهرهم وأقربهم لله فإن ذلك لا يعني عصمتهم المطلقة ولا حتى النسبية.

وقد وجه ربنا جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم التنبيه والتحذير من القول عليه بغير ما أمر وأوحى فلو لم يكن ذلك جائز الوقوع منه -وحاشا أن يقع منه- لما حذره من القول بتلك الشدة.

فننفي أن ذوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد تميزت عن بقية الناس بعصمة ربانية وتقيهم من الوقوع في الكبائر والذنوب، ونقول بأن هذا الاعتقاد فيه حط من قدرهم ونسبة التكليف فوق المستطاع لله وحاشا له ذلك.

وفيما يلي سنستعرض مواضع أذنب فيها الرسل والأنبياء وأخطأوا وتجاوزوا وتابوا واستغفروا، ثم نستعرض -مستشهدين بكلام الله- مواضع النذارة الموجهة لنبيه صلى الله عليه وسلم ونستدل بها على جواز وقوع ذلك منه إجمالاً، ونفي حصوله قطعاً ليس لأنه معصوم بفعل خارجي يتميز به عن بقية الخلق، بل لأنه أتقى الخلق وأقدرهم على أطر نفسه إلى الحق وزجرها عن فعل الذنوب والكبائر وهو قادر على فعلها.

كيف يكون القول بالعصمة قدح يستوجب التنزيه.

إن العصمة بالصورة التي انطبعت في أذهان الناس بأنها لطف خفي أو طاقة حادثة تصطبغ بها أنفس الأنبياء دون سواهم من الخلق فتصرف عنهم فعل السوء والكبائر والكفر والفسوق أو شيء منها هو مجازفة وقول سوء في حق الأنبياء وذلك للَّوازم التالية:

أولاً: القول بأن ما يتمتع به النبي والرسول من تقوى وورع وزكاة نفس لا يعود لطبيعته النفسية وحالته الإيمانية، بل بفعل خارجي طارئ أضفاه الله عليه كلازم من لوازم النبوة دون بقية الناس، وفي هذا تعريض بالنبي وأنه لولا ما طرأ عليه من لطف لأتى ما يبغضه الله من الأفعال.

ثانياً: من لوازم القول بالعصمة الطارئة أن التكاليف الربانية التي فرضها على عباده تتجاوز وسع العباد وطاقتهم، فالأنبياء لم يستطيعوا إتيان أوامر الله بما جبلهم الله عليه من حال، بل تطلب الأمر أن يستجد عليهم قوة خارجية تمنعهم من المعصية وتأطرهم على الطاعة.

ثالثاً: أن التحذير من التقصير في بلاغ الرسالة إنما هو صوري لا حقيقة له -حاشاه- فعندما يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ 67 ) (المائدة) فكيف يصدر التحذير من أمر لا يمكن أن يقع لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم جبلياً من التقصير في البلاغ.

رابعاً: من لوازم القول بالعصمة أن قوله تعالى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ 88) (الحجر) نهيٌ لا معنى له فكيف ينهاه عما لا يمكن أن يقع منه أصلاً؟، فكان ذلك دليلاً قرآنياً على أن النبي حرٌّ مختارٌ في تأدية ما أئتمنه الله عليه من الرسالة والبلاغ ، وأن طاعته لربه حتى أتاه اليقين إنما كان بتقواه الذاتي وحالته الإيمانية التي يؤيده الله فيها بالآيات والتسديد كما يؤيد أصحابه وغيره من المؤمنين ولم يختصه بما يمنعه من التقصير في البلاغ أو يصده عن فعل السوء بل كان امتناعه ذاتياً بتوفيق الله الذي يوفق به سواه وهذا القول عين التكريم والتوقير للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم وأنه جاهد نفسه وبذل الوسع والطاقة في تأدية التكاليف والابتعاد عن المحاذير وحصل له ما يريد.

خامساً: أن قوله تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  73 وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا 74 إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا 75 الإسراء مخالف للحقيقة وحاشا لله ذلك ، فالمقاربة في قوله (كادوا) لم تكن ، بل نقول بأن نفس النبي الكريم كنفوس البشر يطرأ عليها الضعف والاجتهاد بغير مراد الله فيأتي الوحي فيصحح ويسدد ولكن سيطرة النبي صلى الله عليه وسلم ذاتية فلا يفتري على الله ولا يقول بغير علم ليس لأنه محجوز بحاجز العصمة بل لأنه متمكن من نفسه بتقواه وخشيته والتزامه بأوامر الله.

سادساً: (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ 213 وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ 214 وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 215 فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ 216 وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ 217 الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ 218 وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ 219 إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 220 ) (الشعراء)

والله جل وعلا لو كان قد أودع في نفسه كما في أنفس الملائكة من عصمة مفروضة تمنعه من الأفعال لكان العصيان ممتنع لم تكن هناك حاجة لنهيه أو إنذاره بالعذاب إن هو تجاوز أوامر الله، وفي ذلك دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قضى سنين رسالته طائعاً لربه مجاهداً لنفسه مبلغاً الرسالة متبعاً لأوامر الله ونواهيه وقدوة لأتباعه، ولو كان كالملائكة لا ينبغي له العصيان لما تمكن الصحابة من التأسي به واتباع هديه ومنهجه.

سابعاً: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا 1 وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا 2 وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا 3) الأحزاب

إن تقوى الله جل وعلا مسألة خاصة ببني آدم، ويستلزم تحقق التقوى وجود الاختيار بين المتناقضات وهذه هي الأمانة التي اختص الله بها آدم وذريته والتي تميزه عن الجمادات والحيوانات، وتمام تحقق هذا التقوى على مراد الله هو الحرية المطلقة والاختيار الذاتي مما ينتفي معه وجود أي عصمة خارجية عن الذات النبوية.

أما القول بانتفاء الاختيار والجبر على الطاعة فسيضع الأنبياء في فئة الملائكة وسائر الجمادات التي جبلت على الطاعة دون وجود محرك نفسي يتيح الاختيار بين الخير والشر، هذه الملكة التي اسجدت الملائكة لآدم وميزت ذريته على الخلق أجمعين وسخر ربنا ما في الأرض لهذا المخلوق لأجلها وبعث له الأنبياء والشرائع، فإن انتفت وسلبت منه فقد انتقص منه عامل التميز والتكريم بين الخلق.

ثامناً: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا37) الأحزاب.

العصمة بأي صورة تقررت وأظهرت فإنها -كما اسلفنا-  تحيل المعصوم إلى آلة مسيرة لا تملك الاختيار كالملائكة وسائر الجمادات ، ولذا أسجد الله أولئك الملائكة لآدم عليه السلام الذي يعد برغم معصيته أفضل من الملائكة واستحق لأجل أفضليته أن يُسْجِدَهُم الله له.

وهذه الآية الكريمة تحمل الدليل البيّن على بشرية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وانتماءه بالكامل لجنس بني آدم ومماثلته في خلقه لبقية الناس وتميزه بخلقه وتفاعل مكوناته النفسية كأي بشر، ونراه هنا يخشى مما سيلاحقه من انتقاص وإساءه جراء مخالفته للسائد المعهود، وكان صلى الله عليه وسلم لم يتردد في تنفيذ أمر الله برغم ما داخل نفسه من حزن لما سيسمعه من قول سوء في شأنه، فبين الله لكل من يقرأ كتاب الله موقف النبي المذعن الطائع لربه برغم إخفاءه خشيته من الناس ومما سيقولونه.

وقوله تعالى في ذات السورة: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا 48) الأحزاب

ونهي الله تعالى لنبيه عن طاعة الكافرين والمنافقين إنما كان لاحتمال نفسه ذلك الفعل كأبناء آدم وليس في ذلك انتقاص له أو اتهام له بأنها رغبته نهاه الله عنها أو أنه أفضى لطاعتهم أو حدث نفسه بها، ولكن الله يخاطب نبيه في مقام التشريع والرسالة شاملة لكل مؤمن متبع حق الاتباع، ولكن السؤال: هل كان النبي قادراً وحراً مختاراً لطاعتهم ام كانت العصمة حائلاً دون تمكنه من ذلك؟ فمن قال لا لزم من قوله أن النبي وحاشاه أدى رسالته بلا إرادة منه ولا قدرة وهذا طعن شنيع فيه صلى الله عليه وسلم، أما نحن فنقول نعم كان قادراً مختاراً ولم يكن هناك مؤثرٌ خارجيٌّ يمنعه من التقصير في اداء الأمانة سوى إرادته الحرة المختارة التي تدفعه لتقواه وطاعته لربه.

تاسعاً: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ 11 وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ 12 قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ 13 قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي 14فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ 15) الزمر

فالعصيان متاح للنبي صلى الله عليه وسلم لو شاءه – وحاشاه – ولكن خوفه من الله يمنعه من ذلك إشفاقاً واتباعاً وطاعة لله جل وعلا وليس لوجود قوة تعيق مخالفته وفعله لما نهي عنه، ولذا فالقول بالعصمة مجازفة خطيرة تصور أوامر الله ونواهيه لا يمكن اتباعها بلا عصمة خارجية تحول دون إرادة النبي بالمخالفة وهو فهم خطير نشأ من مفهوم العصمة المحدث.

عاشراً: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ 6) فصلت

ولذلك فإنه صلى الله عليه وسلم أُمرَ بأن يبين لمن أرسله الله إليهم بأنه بشر مثلهم، وهذا التماثل هو الرسالة في أصله، فلو كان مختلفاً عنهم لما تمكن المتبعين من الاقتداء به لأنه لا يماثلهم، لذا بين عليه أفضل الصلاة والسلام امتثالاً لأمر ربه بأنه مماثل لقومه من جهة التكوين النفسي والبدني وليس بملك أو مخلوق شاذ في تكوينه وبالتالي فطاعته لأمر ربه وقدرته على إتيان شريعة الله من وجهها والالتزام بحدودها إنما هو في نطاق قدرة كل أحد وليس مقصوراً على من اختصه الله بقوة عاصمة أو بهالة حافظة.

الحادي عشر: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا 1 لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا 2 وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا 3) الفتح

ويبين تعالى في غير موضع بأن النبي صلى الله عليه وسلم له ذنوب مغفورة، منها ما تقدم في أول بعثته ومنها ما سيحدث لاحقاً، ليكون قدوة لأتباعه فلا ييأسوا من روح الله لاقترافهم الذنوب لأن لهم في نبي الله أسوة فإن أذنبوا فقد أذنب نبيهم وغفر الله له ما كان من ذنوبه.

وهنا يجدر بنا أن نستحضر ما قررناه في مقالات سابقة عن الفرق بين السيئة والذنب، فقلنا أن الذنب ما بين العبد وربه وهي قائمة على المسامحة فيغفرها الله إن شاء، أما السيئة فهي ما بين العباد وهي قائمة على المشاحة والتخلص منها متوقف على التكفير وهو إبدال السيئة بحسنة تمحها تذهب لصاحب الحق حتى يستوفي حقه من المسيء.

وفي هذه الآية تنتفي العصمة لتتابع الذنب، وتنتفي العصمة لوجود الضلال الذي هو الجهل بمراد الله وبأحكامه فتتحصل الهداية بتبيان مراد الله وشريعته فينتفي الضلال، ثم يتوج ذلك كله بتحقق النصر.

مواضع أخطاء الأنبياء وتوبتهم:

تفاوتت أحوال الأنبياء مع الذنوب والخطايا، فمنهم من عصى الله في تحمل أول تكاليف الله للبشر وهو عدم الأكل من الشجرة، وتصل لمخالفة أمر الله في مسائل البلاغ كيونس عليه السلام، ومنهم من خالف أوامر الله بفعل النسيان أو الغضب كموسى عليه السلام، وبالتالي فبشرية الأنبياء وسيرتهم المذكورة في القرآن الكريم تنبئنا بوضوح عن أن الأنبياء يخطئون ويتوبون ولا يمتنع عليهم أمر مما لا يمتنع عن بقية البشر من الخطايا والذنوب، ولأنهم في مقام التشريع والقدوة فهم يتوبون ويستغفرون ليشرعوا لأتباعهم عبادة عظيمة وهي الاستغفار.

ونطالع نماذج من أفعال الأنبياء المثبتة في كتاب الله بأنها خطأ أو ذنب أو معصية أرتكبها النبي أو الرسول وعاد عما بدر منه وتاب لله واستغفر لذنبه فغفر الله له.

العصمة للرسالة والبلاغ وليست للمبلغ والرسول:

لو قلنا بإن هناك عصمة فهي ليست للمبلغ والرسول، بل للرسالة والبلاغ ذاتها، فلو تقوَّل الرسول مالم يأذن به الله ولم يقله فإن الله يعصم رسالته من الافتراء ويقصم المفتري ويقتص منه، ولم يسجل التاريخ واقعة افترى فيها نبي على الله إلا ما كان من بلعام بن باعوراء الذي ذكر في سورة الأعراف فقال تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ175 ﴾  [الأعراف].

فتمام الرسالة على الوجه الذي يريده الحق جل وعلا، وتسديد الرسول في رسالته وتوفيقه في نشر دعوته دليل على إكمال الدين.

إن من أهم لوازم القول بعصمة الأنبياء هو أفضلية الصالحين والأولياء عليهم، إذ أن تقواهم والتزامهم بأوامر الله إنما تحصل لهم بطاعتهم المطلقة لله بدافع ذاتي وبلا عصمة، في حين أن الأنبياء إنما تحصل لهم التزامهم وبأوامر الله بفعل العصمة التي حجبت عن أنفسهم الشهوات والاختيارات فلم يكن أمامهم إلا الطاعة الجبرية وهذا ما نسعى لنفيه عن الأنبياء وتنزيههم عنه.

يقول تعالى:

( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ 16 إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ 17 فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ 18 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ 19 )القيامة

وفي هذا دلالة على أن العصمة هي للنص والوحي والتنزيل وليست للمبلغ ومتلقي الوحي، ولولا أن الأمر كذلك لما خاطب الكافرين مثنياً على النبي صلى الله عليه وسلم ومتوعداً إن هو تقول على الله أن يوقع عليه عقوبة مشهودة فيقول جل وعلا:

(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ 40 وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ 41 وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ 42 تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ 43 وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ 44 لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ 45 ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ 46 فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ 47 وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ 48 ) الحاقة

{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} يقول سبحانه لو تقول علينا قولاً واحداً من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمنه ثم أهلكناه هذا أحد القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه قلت وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين

قال ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده وأكثر ما يقوله السلطان

والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن قال لو كذب علينا في شيء مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن

فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئاً من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذباً على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب عليه فضلاً عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه

وبقوله {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} والوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه، ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه[14]

فكان الاحتمال على بعده وضعف إمكانية حدوثه مذكور للدلالة على بشرية هذا النبي الكريم وإخوته من الأنبياء الذين أثنى عليهم في مواضع أخرى وبين أن من يحد عن امر ربه منهم أو يتقول على الله فإن مصيره العقاب والعذاب الأليم فيقول جل وعلا:

( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ 25 وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ 26 لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ 27 يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ 28 وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ 29 ) الأنبياء

فلولا أن لديهم الإرادة الحرة المختارة لطاعة الله ولعصيانه لما قرن الثناء عليهم بتوعد من يقل على الله الكذب، فدل على ذلك أن العصمة للرسالة وليست للرسول.

الخلاصة

أن عقيدة العصمة محدثة متأخرة مبتدعة دخلت تسللت بفعل مضاهاة الفرق المنحرفة وأن العصمة في أصلها المنع من المؤثر الخارجي بينما يقصد بها المنع من التصرف الداخلي وتقييد الاختيار عند النبي أو الرسول.

وأن العصمة هي للنص القرآني والوحي وليست للموحى إليه فالله تعهد بحفظه من العبث وأن انحراف النبي وتقوله على الله لو حدث فالله جل وعلا يثبت كلماته والحق بقوته ويعاقب من افترى بأشد العذاب.

وأن امتثال الأنبياء لأوامر الله وتقواهم وخشيتهم من الله إنما هي من أصل خلق أنفسهم وليست قوة طارئة حادثة عليهم من الله جل وعلا اختصهم بها لحماية وحيه من العبث، وأن هذا القول انتقاص من الأنبياء والرسل إذ يؤخذ منه أن عامة الناس أفضل من الأنبياء إن هم اتقوا وأصلحوا لأنهم امتثلوا لأوامر الله من ذواتهم بينما كان امتثال الأنبياء إنما هو بقوة خارجية حادثة.

 وفي القول بالعصمة نسبة التعسير والجور لله وحاشاه إذ لا يصح ان يختص النبي بقوة خارجية تعينه على الامتثال لأمر الله وشرعه ويترك أتباعه بلا قوة مشابهة تحفظهم من فعل السوء وترك الأمر.

بل إن الأنبياء وأولهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم امتثلوا تقوى لله بفعل صفاء أنفسهم وخشيتهم لربهم وحبهم في هداية الخلق طاعة محبة لما أنزله الله وفرضه، وهذا مثال لكل مؤمن بأن الله لم ينزل من التكاليف إلا ما يطيقه الناس وما هو في وسعهم، يقول جل وعلا:

(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ286 )  [البقرة]

والأنبياء أنفس من أنفس المكلفين يجري عليهم ما يجري على البشر، ويدعون بما أنزله الله في كتبه جل وعلا من الدعاء بالمغفرة والعفو والرحمة والنبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله برغم مغفرة الله لما تقدم من ذنبه وما تأخر، مما دل على وجود الذنب وبالتالي انتفاء العصمة.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً


[1] ج33 ص100 – كتاب تاج العروس – ع ص م

[2] ج12 ص405 – كتاب لسان العرب – فصل العين المهملة

[3] ص150 – كتاب التعريفات لأبي الحسن الجرجاني – باب العين

[4] نسيم الرياض في شرح الشفا للقاضي عياض (٤/ ٣٩)

[5] فتح الباري لابن حجر (ج18/ ص454).

[6] تاج العروس مادة عصم (ج1/ ص7819).

[7] مجموع الفتاوى (10/293)

[8] منهاج السنة (1/472) وانظر مجموع الفتاوى: (4/320) ، (35/100) ، ومنهاج السنة (3/373)، (6/473)

[9] شرح ابن بطال لصحيح البخاري 10/439 – 440

[10] الاستذكار لابن عبد البر 3/266

[11] الإحكام في أصول الأحكام 1/226

[12] شرح صحيح مسلم للنووي 3 / 54

[13] كتاب عقيدة الشيعة للمستشرق دوايت رونالدسن: ص328

[14] ص184 – كتاب التبيان في أيمان القرآن لابن القيم

About عَدْنَاَنُ الْغَاَمِدِيّ

بَاَحِثٌ فِيْ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَتَفْسِيْرَاتِهِ، أنْشُرُ أبْحَاثِيْ رَغْبَةً فِيْ مُشَارَكَةِ المَعْرِفَةِ وَالبَحْثِ عَنِ الحَقِّ أيْنَمَا وُجِدْ ، ولَعَلِّيْ أُكتَبُ مِنَ المُتَدَبِّرِيْنَ الَّذِيْنَ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ بِمَا فِيْ صُدُوْرِهِمْ مِنْ كَلَاَمِ الله.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.