مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (9)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (9)

درجات الإيمان

لا شك أن الإيمان عند العبد يزيد وينقص ، ومن الخطأ أن يقال أن الإيمان يزداد بالطاعات ويتناقص بالمعاصي، فالطاعات والعبادات إنما هي من نواتج الإيمان وليست من مكوناته ، أي أن العمل يتأثر بمقدار الإيمان ، فإن خبا الإيمان واختفى ظهرت أعمال السوء والمعاصي كالزنا والسرقة ونحو ذلك واختفت الطاعات والصلوات والصدقات وأعمال الجوارح  ،  وإن ارتفع الايمان ازداد التقوى بإتيان الطاعات وترك المنهيات ، فالحقيقة أن زيادة الإيمان هو سبب لزيادة الطاعات و ونقص المعاصي ، والعكس صحيح ، فاضمحلال الإيمان هو نقص الطاعات وزيادة المعاصي والسيئات ، بل إن الإيمان حالات يختفي فيها ويغيب تماما ، فالعبد حال المعصية ينتفي عنه الإيمان فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن) وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله إلا النهبة.

فلا أدل من هذا الحديث على أن الإنسان حال ارتكابه المعصية يخرج من الإيمان وبالتالي فهو يخرج من الإسلام الذي تقرر لدينا أنه من نواتج الإيمان فانتفاء الإيمان هنا يعني انتفاء الإسلام لله بالكلية ولكن لا ينسب إليه الكفر ، لأن الكفر عمل قلبي ينعقد على تقرير رفض الإيمان بالله والإسلام له تعالى ونبذ أوامر الله وتركها جحوداً وتكذيباً أو عداوة لله ولشرعه ، وهنا لا بد من إثبات أربع حقائق عند تقرير هذا الأمر.

الحقيقة الأولى : أن ما يتعلق بانتفاء الإسلام والإيمان عن العبد حال ارتكابه لنواقض الإيمان هو أمر متعلق بالعبد نفسه وليس لسواه الحق في تقريره أو التعامل مع مرتكب المعصية على ذلك الأساس ولكن المعلوم من ذلك يجب أن يستقر لدى صاحب المعصية وليس لدى سواه وقد سبق لنا قول ذلك ، فمدار الأمر إرشاد العبد وتعريفه بحاله هو وإنزال نفسه في المنزلة الحقيقية التي توافق فعله فيعلم أين حدود الإيمان وانتفاءه ويطبق الثوابت على نفسه فيعلم بذلك مع أي صنف يكون.

الحقيقة الثانية : أن غياب الإيمان وانتفاءه مقصور على حال الوقوع في الجرم وقد يعود الإيمان ويحصل الندم والاستغفار بفعل اعتلاء العقل على الفؤاد وصلاح القلب بعد فساده ووقوع الندم ، وقد يتكرر منه الجرم وتتكرر التوبة ، وهنا يجدر بنا فهم مسألة تكرر الذنوب والكبائر تضعف العقل وتعلي الفؤاد وتغلف القلب وتقسِّيه.

وطالما تراوح حال العبد بين المعصية والتوبة فهو قريب من النجاة وأمره مغاير لمن كفر فرفض الدين وارتد عن الإيمان والإسلام بالكلية و انعقد قلبه على رفض حقيقة وجود الله أو عبد سواه أو أشرك معه في ملكه سواه وقبضت روحه وزهقت نفسه بغير توبة ورجوع للحق.

ولذلك اكرم الله هذه الأمة بمضاعفة الحسنات عشرة أضعاف وتدوين السيئات سيئة واحدة ، والتراجع عن المعصية بحسنة ونية فعل الحسنة بحسنة فلا يمكن أن ترجح بعبد سيئاته إلا من ترك الحسنات والطاعات بالكلية وقضى حياته في اجتراح السيئات ، وبرغم ذلك قد تغشاه رحمات الله بعمل واحد أو بشفاعة شافع أو بمطلق رحمة الله ومغفرته.

الحقيقة الثالثة : أن العمل الصالح سبب له طرفين ، أحدهما التقوى ، وهو إتيان العمل اتقاء لغضب الله وخشية له ورهبة منه تعالى ، والطرف الثاني هو الإحسان وهو إتيان العمل محبة لله ورغبة  فيما عنده جل جلاله.

الحقيقة الرابعة : أن شُعَب الإيمان إنما هي جملة أعمال الجوارح الناتجة عن استقرار الإيمان في قلب المرء ، فكل ما تكاملت تكامل معها الإيمان ، وكلما نقص منها شعبة ضعف الإيمان ونقص ، ذلك أنَّ تلك الشعب هي المؤشر عند المؤمن على قوة إيمانه وضعفه وليس المراد من معرفة العبد بها ليتأتى حكم الآخرين عليه.

الدخول في الإسلام بين المفهومين

هنا سنعمل على استيضاح الفرق في مسألة الدخول في الإسلام  بين  القائلين بالتراتب والتفاضل (مراتب  الدين) وبين ما نقول به من مفهوم أبواب الدين.

إن القائلين بالتراتب والتفاضل يقولون بأن من يدخل في الإسلام فإنه يبدأ بالدرجة الأولى والمرتبة الأدنى من مراتب الدين فيدخل الإسلام بأعماله الظاهرة فينطق الشهادتين ويبدأ في أداء الصلاة وغيرها من أركان الإسلام فيكون بذلك مسلماً ولكن لا يُعلم كم يفصل بينه وبين الارتقاء لمرتبة الإيمان ، لأن الإيمان مرتبة أعلى من الإسلام تلي في علوها الإسلام ، فيدخل الانسان في دائرة الإسلام أولاً ، ثم يدخل لدائرة الإيمان وهذه دعوة لبدء حياتك في دين الله بالنفاق الذي قد يستغرق ثوانٍ معدودة أو قد يستغرق اياما أو أشهراً أو حتى سنوات .

بينما في مفهوم أبواب الدين فإن الدخول للدين من باب الإيمان بأركانه الستة أولاً ، فإذا استقر هذا الإيمان خالياً من أي إشكالات أو اعتراضات في نفس المكلف و بإقرار ويقين ثابت راسخ فإن نتيجته ينبغي أن تكون انعكاساً على جوارحه بإتيان أركان الإسلام العملية فيكون لدينا تلازم بين الحالتين (الإيمان والإسلام) بعكس مفهوم مراتب الدين الذي يتعامل مع المسألة كحالات ارتقاء وتطور في حالة الفرد الدينية حتى يصل إلى الإحسان وهو رتبة عالية خاصة.

ومن خلال المقارنة بين الحالتين نفهم بدقة ما يقصد بنبذ مفهوم مراتب الدين وخطورته خاصة على المسلمين بالمولد الذين لا يقيمون لحقيقة الإيمان وزنه الحقيقي لأنه في ظنهم مرتبة اعلى والمهم في نظرهم هو أداء الشرائع والفرائض والعبادات (الإسلام) ، ولذلك تعاني المجتمعات الإسلامية من فقدان الشعور بروحانية الدين وتأثير العبادات على الفرد المسلم حيث يقول تعالى :

(اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)   [العنكبوت:45]

فلم تعد الصلاة تحقق النهي عن الفحشاء والمنكر لأنها لا تستحضر الإيمان بالله قبل أداء العبادة بل يعتقد المصلين بأن الصلاة تسبق الإيمان وأنها هي التي تزيد الإيمان و ترفعه وهذا خطأ فادح فإتيان الصلاة يجب أن يكون نتيجة وعلامة على استقرار الإيمان وليست وسيلة لرفع درجة الإيمان في القلب.

 الطبقية والاستعلاء بين المفهومين

ونقول بأن الناس في كلا المفهومين متمايزين ومتفاضلين فلننظر كيف يكون التمايز بين الناس في الحالين فنقول وبالله التوفيق:

إن مفهوم التراتب بين درجات الدين فيزعم بأن العلم أو النسب -عند الصوفية- هو الذي يرفع الفرد لمرتبة الإحسان وبالتالي فالعلماء يرتقون لدرجات الإحسان بينما العوام من الناس يبقون في مرتبة الإسلام ، وهذا المفهوم الصوفي مفهوم باطل يتعارض مع حديث أبي هريرة رضي الله عنه “رُبَّ أَشْعثَ أغبرَ مدْفُوعٍ بالأَبْوَابِ” وحديث أُسامَة رضي اللَّه عنه “قُمْتُ عَلَى بابِ الْجنَّةِ فَإِذَا عامَّةُ مَنْ دخَلَهَا الْمَسَاكِينُ” فهؤلاء قد يحملون من الإيمان ويتحقق منهم من الإحسان ما لا يتحقق من العالِم ، فمسالة الرتبة عند الله لا تحددها درجة علمية ولا قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بل بمقدار استقرار الإيمان في القلب و بمقدار تأثير ذلك الإيمان بما يدفع لإتيان العبادات وهجر المحرمات فهذا هو عين الإحسان الذي لا يحتاج لخصوصية خارقة للوصول إليها بل تراها متحققة بمجرد تحقق عبادات الجوارح بناء على استقرار الإيمان واليقين فيصبح الرجل تلقائيا من المحسنين فيتحقق مبدأ المساواة بين المؤمنين جميعا بلا تمييز ولا خصوصية لمؤمن حاز علما أو قوة على فعل وآخر ضعُف عن ذلك.

وهو مفهوم بدهي بسيط لا يلقى تعارضاً في نفس الإنسان ، ولم يسود الإسلام في أول عصره إلا بهذا المفهوم ، فلما قعَّدَ المقعِّدون وأصِّل المؤصِّلون واخترعوا مراتب الدين ووضعوا الإسلام مرتبة دنيا والإيمان درجة أعلى والإحسان حالة اسطورية لا يصلها إلا ثلة قليلة من الناس صار حال الناس على ما نراه اليوم من تشرذم وضياع عقدي واخلاقي لم ينجح العلماء والمصلحون في احتواءه ومعالجته.

 يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (8)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (8)

المطلب الثالث : حقيقة الدين وأصوله

 

وفي هذا المطلب سأعرض ما أراه توجيها صحيحا دقيقا متسقاً مع الآيات الكريمة كلها ويفصل فيما كان يظهر في المنظومة العقدية من خلل وتناقض بما تطمئن له النفس وتستقيم بتطبيقه المجتمعات الإسلامية ويصلح بإذن الله أمرها.

أولا : مفهوم الإسلام :

من أهم المهمات أن ندرك بأن معنى الإسلام (المجرد) في القرآن الكريم لا يعني الإخلاص لله والإنقياد له سبحانه بالطاعة على الإطلاق ، بل تحمل مفردة الإسلام المعنى التالي:

(الخضوع والطاعة والانقياد )

أيا كان المُسْلِمُ له ، فهناك من أسلم نفسه لله وهو مسلم لله ، وهناك من أسلم نفسه لهواه وشهوته ، وهناك من أسلم نفسه لحاكم أو لطاغوت أو للشيطان ذاته فهؤلاء جميعا مسلمون ذواتهم إلى شتى الآلهة والمتبوعين ، لذلك فإن المتتبع لمواضع استعمال فعل (أسلم) تجده دوما يكون متعدٍ بحرف جر ليوضح لمن يكون هذا الإسلام :

{ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ  عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ }[البقرة:1122]

فنجد تلازم بين الفعل ومستحق الفعل ونجد ارتباط الإحسان بالإسلام ولم يأت على ذكر الإيمان نصا لأنه تعدى بفعل الإسلام لله فتحقق الإيمان اصلا.

 

{ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [البقرة:131]

 

فأتبع تلبية الأمر بالإسلام بمستحق الفعل وهو الله ليبين أنه أسلم لربه وليس لإله أو طاغوت.

 

{ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ } [الزمر:54]

 

وهكذا فالرب سبحانه وتعالى لو سبق ذكره الإسلام فإنه يتبع أيضا بما يرده لمستحق الفعل.

وإذا لم تجد الارتباط بين الفعل ومستحقه بحرف جر فستجد ارتباط السياق والضمائر كلها تقود وتشير لمستحق الإسلام الذي يكون ذكره تعالى لازما في نص الآية ذاتها.

لذلك فلا يشترط أن يكون المسلم مسلما لله لأن الإسلام لله من نواتج الإيمان به تعالى فإن لم يتحقق الإيمان أولا فكيف يقبل الإسلام ؟ بدون إيمان ؟.

بينما نجد أن هناك دلالات أخرى لمفردة الإسلام عندما تكون لغير الله ، فتحمل صورة من صور الاستسلام للسلطة كما هو حال الأعراب

وهذا ما سأفصله فيما يلي من الصفحات بمشيئة الله.

 

حقيقة الإيمان والإسلام والإحسان

إن هذه المصطلحات الثلاث مرتبطة ببعضها ارتباطا أفقيا وثيقا لا يمكن فصل أحدها عن البقية لأنها تشكل مركَّباً شرعياً لازماً لا يصلح بنقص أحدها أو غيابه أبدا ، ولو بدأنا في تصويب مصطلح مراتب الدين لأسميناه “أبواب الدين” فالباب الأول هو الإيمان.

أولاً : الإيمان : استقرار اليقين والاعتقاد بوجود الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

والإيمان عمل قلبي لازم ، لا يقبل عمل جارحة بدونه أبداً ، فكيف تُقبل صلاة أو صيام امرئٍ ينكر وجود الله أو يتشكك في كتبه وشريعته، أو لا يزال في تأرجح بين الإيمان ونقيضه ؟ وعليه فإن الإيمان باب يفضي لمنطقة الأعمال بل إن الأعمال يجب أن تؤدى بدافع الإيمان والخشية من غضب الله أو الطمع فيما عنده تعالى ونحن نعلم تمام العلم أن كل عمل بلا نية لا يقبله الله فالعمل القلبي مفتاح الدين كله وما قبل دخول هذا الباب باطل لا يعتد به.

ثانيا : الإسلام : تسليم النفس لله وحده بإتيان أوامره بفعل الطاعات وترك المحرمات ، وأوجه الطاعات وأولها أركان الدين الخمسة (الشهادتين ، الصلاة، الزكاة ،الصوم ، الزكاة، الحج لبيت الله لمن استطاع إليه سبيلا).

وهو : أداء العبادات المفروضة بفعل تحقق توحيد الله و الإيمان به والإقرار بأركانه.

وكل تلك الأعمال من اعمال الجوارح كما أسلفنا ولكنها لا تتقدم على أعمال القلب أبداً ، بل يجب أن تكون أعمال الإسلام ناتج من نواتج الإيمان فيكون إتيان الصلاة مرده الرغبة فيما عند الله والخشية من غضب الرحمن الذي سبق إيماننا به وبقدرته و باستحقاقه لتلك العبادة ، وطمعا في رضاه وجنته ومحبته ، وسوى ذلك هو عمل باطل لا وزن له ولا قيمة عند الله لأن العابد أتى العبادة بلا إيمان يدفعه لإتيانه فلم تصرف العبادة لله اصلا .

يقول تعالى :

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ  ( 1 ) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ( 2 ) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ( 3 )  فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ( 5 ) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ( 6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ( 7 ) الماعون

فترك أعمال الجوارح من الطاعات والامتناع عنها هو تكذيب بالدين لأنه يناقض الإسلام ، أما إن أتاها بقلب خالٍ من الإيمان فهو عين النفاق والرياء فتوعدهم الله جل وعلا فقال : فويل للمصلين  (أي أولئك الذين يؤدون الصلاة بلا إيمان فقط ليراها المؤمنون فيعدونهم منهم كأعراب المدينة ومنافقيها).

ثالثاً : الإحسان : هو الحالة التي يتحقق فيها الإيمان فيستنهض الجوارح للقيام بالطاعات وترك المحرمات.

فيكون هذا التعريف متسقا مع تعريف النبي صلى الله عليه وسلم له بقوله (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

وبمعنى آخر فإن الإحسان هو تحقق الإسلام الناتج عن استقرار الإيمان فالنبي صلى الله عليه وسلم بين هذه العلاقة بدقة حين قال :

(أن تعبد الله) أي يتحصل العمل (العبادة لله) وهو الإسلام (كأنك تراه) بوجود الإيمان وتحققه في قلبك (فإن لم تكن تراه) أي إن كانت الرؤية على وجه الحقيقة غير متأتية وهي كذلك (فإنه يراك) فرؤية الله لك أيها العبد على وجه الحقيقة متأتية لله ومراقبته لك دائمة.

إن عبادة الله كأنك تراه هو إتيان العبادات بقلب موقن بوجود الله مؤمن به ايمانا عميقا صادقا وكأنه من شدة إيمانه يرى الله رأي العين وإلا فإن الرؤية مستحيلة ولكن لتقريب المفهوم ، فأتى من يقسمها لمقامين ودرجتين ونوعين لأنه لم يدرك ولم يفهم ماهية الإحسان وكيفيته.

والإحسان ليس بمرتبة تختار الارتقاء إليها أو البقاء في مرتبة الإيمان كما يقال بل هو حالة لابد أن تتحقق في حياة المسلم طالما ادعى الإيمان بالله ، فالإيمان علامته تظهر على الجوارح بالعبادات ( الإسلام) وعندها يتحقق الإسلام لله وأما ما عدا ذلك فهو إسلام لغير الله فإما إسلام لحاكم أو سلطة ، أو إسلام لهوى أو شهوة ، أو إسلام لإله باطل ، أو رياء للتماهي مع المجتمع وإظهار الانتماء له ، وهذا في دين الله كفر ومروق من الدين.

وعليه فإن قوله تعالى :

{ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [الحجرات:14]

لا يقصد به الإسلام لله الذي ينتج من تحقق الإيمان واستقراره بل استسلام لسلطة النبي صلى الله عليه وسلم خشية منه او طمعا في دنيا فكان نفاقٌ صِرْف لا يمكن أن يسمى اسلاما لله، ودليل ذلك في شطر الآية الثاني حيث يقول تعالى (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فلم تتحقق الطاعة منهم ولو تحققت فينبغي أن تشمل الإيمان أولاً كباب يُدْخِلُ المرء للاسلام وهو إتيان العبادات.

فاستعمال هذه الآية للدلالة على أن الإسلام المجرد من الإيمان هو المرتبة الأولى من مراتب الدين هو استعمال باطل وسوء فهم لحقيقة الإسلام.

إن المسلم لله هو المؤمن المحسن ، وفقدان هاتين الخصلتين لا يُبْقِيْ العبد في دائرة الإسلام عند الله أما عند الخلق فلا سبيل لهم على الناس فالله يتولى السرائر والنيات ويعلم فساد القلوب وصلاحها، وهو تعالى يقبل العمل أو يرده على صاحبه أما الناس فلهم ما ظهر دون البحث عما تخفي الصدور ، ولذلك كان المنافقون يعيشون بين المسلمين في المجتمع النبوي في المدينة مستسلمين لسلطة النبي صلى الله عليه وسلم بينما لم يسلمون لله تعالى وبرغم ذلك بقي أمر إسلامهم لله بينهم وبين ربهم وبقي حقهم وفق ما يظهرون للمسلمين من أعمال جوارح توهمهم بأنهم منهم.

أما الأعراب فأسلموا بأن أتوا من ظاهر العبادات ما يعصمون به دمائهم وأموالهم وتتحقق لهم المواطنة في دولة النبي صلى الله عليه وسلم فكان لهم ذلك :

في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل” أي فحسابه على صدق قوله بلسانه على الله فإن كان منافقاً يظهر الشعائر ويؤمن بلسانه بمالا يواطئ قلبه أو كان صادقاً يوافق إيمانه حقيقة مافي نفسه فهو سبحانه عليم خبير بعباده يحاسبهم بما لا يعلمه سواه ، فهو سبحانه أعلم بنفاقهم وأن إتيانهم للأركان الخمسة (أركان الإسلام) جعلهم مسلمين مستسلمين لسلطة الدولة ولكن غير مسلمين لله تعالى لأن الاستسلام لله يجب أن يكون بدافع الإيمان وليس بمعزل عنه.

إن ما نبينه من مفاهيم في هذا المطلب وما يتقرر من وصف بالإيمان أو الكفر يعني الفرد لا الجماعة فيجب أن يستقر لدى الفرد المسلم حقيقة الدين وأصوله فالعمدة على معرفة الفرد لنفسه وتقريره لتحقق الإيمان لديه من عدمه ، فإن وجد نفسه متهاونا في شأن العبادات والمنهيات فليستقر لديه أنه مفارق للإيمان لأنه لم يظهر على جوارحه إسلاما متحققا ، ولكن ذلك لا يتعلق بسواه فيسيغ لنفسه الحكم على الآخرين وتقرير ايمانهم من عدمه لأن ذلك محله القلب ولا يعلم غيب القلوب سوى الله تعالى.

إن ملة محمد صلى الله عليه وسلم ملة تعتمد في أصلها على النية فهي مدار صلاح العمل وفساده ، وبالتالي فالإسلام دين فردي في باب العقائد ولو كان جماعيا في باب العبادات ، فالمصلين بشتى أحوالهم يؤدون صلاة الجماعة لكن حقيقة الإيمان و النفاق عند كل فرد منهم متعلق بما يحويه قلب هذا الفرد لا ما يظهر من جوارحه وأصل ذلك ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)).

إلا أن هذه النية محلها القلب ولا يعنيك من أمرها سوى نيتك أنت أيها المسلم أما بقية الناس فلست في محل الحكم عليهم او تقرير أعمالهم وصحتها.

ودين الله متحقق بتوافر هذه الأركان الثلاثة في وقت واحد وما عدا ذلك فلا يتحقق الدخول في الدين ، فالإسلام (إتيان عبادات بدون إيمان) نفاق واستسلام لغير الله ، والإيمان (الإقرار بوجود الله تعالى) بدون إسلام له بإتيان العبادات العملية هو كفر بلا شك وهناك أمثلة كثيرة من كتاب الله على استقرار الإيمان في النفس واجتماعه مع الجحود في نفس الوقت يقول تعالى:

(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)  [النمل:14]

فتحقق الإيمان عندهم ولكن لم يتحقق الإسلام ، وهنا وجب التفريق بين هؤلاء وبين الذين يتناقص الإيمان عندهم فيحصل التقصير في الإسلام (العبادات) ويتراوح حالهم بين اعتلاء الإيمان في القلب وذبوله.

ويقرر اللهُ لعبادهِ قاعدةً هامة وهي أن من أتى شيئا من أركان الإسلام فلا يجوز الحكم عليه بعدم الإيمان لأنه مسألة قلبية ، وأن هذه الأركان التي تؤتى بالجوارح تعصم دم المستسلم ، فيقول تعالى :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)   [النساء:94]

فقد ألقى إليكم السلام فكان مستسلما لسلطتكم ودخل في عداد من عصم دمه وماله وعرضه منكم برغم الشك الريبة في حاله وأنه لم ينطق الشهادة أو يأتي أعمال الجوارح الظاهرة إلا خشية القتل أو رغبة في منفعة ، وهنا قد يدخل في زمرة المؤلفة قلوبهم والذين يرجى أن يهديهم الله للإيمان به وبالتالي الاستسلام والإسلام لله تعالى بدافع اليقين والإيمان وليس استسلاماً لسلطة أو دولة.

وهذا سليمان عليه السلام يدعو بلقيس وقومها للاستسلام لسلطانه وملكه فيقول تعالى:

( أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)   [النمل:31]

وهنا فلدينا بعدين هامين مررنا عليهما مراراً ، البعد الأول هو تعريف المسلم بالنسبة للمجتمع المسلم وهنا نقول أن كل من أتى العبادات البدنية وادعى الإسلام فهو معصوم الدم لا يشق عن قلبه شاق ، والبعد الثاني هو المسلم بالنسبة لله (من أسلم لله) فهذا قد بلغ علو الدرجات لأنه أتى العبادة مدفوعا باستقرار الإيمان ، وجملة هذا الفعل هو الإحسان ، فإن أردنا أن ننشئ أبنائنا ونعلم من استرعانا الله عليهم وجب أن نعلمهم كيف يسلمون لله تعالى ونقرر لهم بأن هذا هو الإسلام الحقيقي وليس قيادتهم للاستسلام لسلطة المجتمع الإسلامي وإتيان العبادة فقط وان هذا هو الإسلام.

قد يقول قائل : ولكن الله فرق بين المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات مما يدل على صحة مفهوم التراتب فقال تعالى :

{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الأحزاب:35]

نقول هذا قول غير سديد ، فالإتيان بتلك الصفات كان على سبيل الجمع وليس الإفراد ، فالثناء هنا على جملة من توافرت فيهم تلك الصفات وليس على من توفر فيه جزء منها ، فمن لم يحفظ أو من لم تحفظ فرجها فلا تدخل في الآية لأن تفريطها يحمل دلالة انتفاء الإيمان أصلاً فلا وجه للقول أن هناك تفريق في هذه الآية وإلا فما فائدة جمعها في آية واحدة ؟ لننتقي منها ما نشاء فندخل في أهل الثناء ؟ لا شك بأن ذلك غير متحقق فالسياق يحمل الامر على إجماله ، بل إن هذه الآية تؤيد ما نذهب إليه ، فجمع الله الإيمان والإسلام مع عدد من الصفات الأخرى كشروط مجتمعة تحقق شرط الآية بحصول المغفرة والأجر العظيم.

 

شعب الإيمان

يتردد على مسامع المسلمين حديث شعب الإيمان الذي لم أقع على من فصل مفهومه تفصيلاً عملياً يحقق مفهوم الارتباط بين الإيمان  والعمل على ماله من أهمية بالغة في توضيح وبيان أصل هام من أصول الدين وهو الإيمان وماعلاقة هذه الشعب بالإسلام وماعلاقتهما بالإحسان وأين بقية الشعب السبعون التي لا يفقه الناس منها الا لا اله الله أعلى شعبة وإماطة الأذى عن الطريق أدنى شعبة والحياء شعبة من الإيمان  ، وما هو الأساس والمرجع لمن استنتج تلك الشعب وقرر أنها هي ما يقصده الشارع الحكيم ؟.

وفيما يلي سيثبت لنا بأن هذا الحديث يعزز مفهوم أبواب الدين بالصورة التي ذكرناها ويتفق مع حديث جبريل و يتلازم معه دلاليا بوضوح تام.

لماذا سميت شعباً ؟؟ وكيف تكون كذلك والإيمان عمل قلبي وشعبه أعمال جوارح ؟؟ لماذا لم يتحقق الفهم السليم المتفق المتسق مع حقيقة الحديث وارتباطه بأصول الدين وقواعده الكلية ؟؟ ، ولنبدأ باستعراض الحديث الشريف الذي يدور عليه هذه المفهوم:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً, فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ, وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ))

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ – شُعْبَةً، أَعْلَاهَا: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمان» . متفق عليه.

والحقيقة أن هذا الحديث -كما اسلفنا- هو أقوى دليل على صحة ما ذهبنا له وبطلان القول بمراتب الدين ، فالرسول صلى الله عليه وسلم عدد أعمال جوارح كنطق الشهادتين ، وإماطة الأذى عن الطريق ، والحياء ونحو ذلك من بقية الشعب عددها كشعب إيمان وهنا يستقر لدينا مفهوم الإيمان والعلاقة بينه وبين الإسلام والإحسان .

فالتمثيل والتشبيه هنا شديد البلاغة ، فبذرة الشجرة التي لا يراها الناس وتكون مختفية تحت التراب توازي الإيمان المختفي في قلوب المؤمنين ، ونتاجها هو أعمال الجوارح من العبادات والأعمال المختلفة ومنها اركان الإسلام توازي شعب الشجرة النابتة من تلك البذرة ، فكانت صورة عظيمة توضح كيف أن أعمال الجوارح (الإسلام) إنما هو نابتة من بذرة الإيمان فكان الإسلام شجرة مثمرة كلما زادت شعبها كانت أقوى وأنضر.

وقد تتبعت شعب الإيمان المختلفة من خلال كل آيات كتاب الله التي تأمر المؤمنين بفعل أو تنهاهم عن فعل ، وكذلك كل الأعمال التي يحث عليها النبي صلى الله عليه وسلم ويأمر المؤمنين باتباعها و سأعدُّها مع أدلتها في ذيل هذا البحث بإذن الله.

يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (7)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (7)

التصنيف الصوفي للعوام والخواص

إن أهل التصوف هم أكثر الطوائف استفادة من هذا المفهوم التصنيفي ، فحجتهم حاضرة عندما تستنكر عليهم رفع الأولياء لمقامات عالية وما يحيط بذلك التنزيه من صرف لصور من الدعاء والعبادات لغير الله ، فيحتجون بأن الدين درجات أدناها الإسلام وهو للعوام ، فالإيمان وهو أخص وأرقى ، أما الإحسان فهو مرتبة عظيمة لا يصلها إلا الأولياء والخلص من الخلق ، فيضعون مشايخهم وأقطابهم في تلك الدرجة ، فكيف لك وقتئذٍ أن تتقبل فكرة نقض ما أقررت به بقلبك وتعلمته منذ طفولتك ؟.

ففي كتاب “التراث والتغير الاجتماعي  (أطلس دراسات التراث الشعبي) لمصطفى جاد ، وهو بحث خاص لدراسة أولياء الصحراء الغربية في الساحل الشمالي لأفريقيا وكيفية صناعة الولي والمرتكزات الاساسية التي استعملت في ترسيخ اعتقادات الصوفية في تلك المجتمعات ومن خلال عرض الطريقة البرهانية وهي احدى الطرق الصوفية يبين البحث في الصفحة 111 دور مراتب الدين في ترسيخ مفهوم الارتقاء والعلو الصوفي للأولياء من خلال الوصول لمرتبة الإحسان العالية فيتمتع حينئذٍ الولي بطاقات خارقة ومقامات فارقة لا ينالها أي أحد.

وجاء في الجزء الثاني من كتاب النصائح  للامام الصوفي أبي العباس أحمد زروق الفاسي البرنسي الصادر من دار الكتب العلمية في الصفحة 287 ما نصه :

ثم اعلم أن مراتب السلوك إلى منازل الملوك ثلاثة : الإسلام والإيمان والإحسان فالإسلام أول مراتب الدين لعامة المؤمنين ثم الإيمان أول مدارج القلب لخاصة المؤمنين ثم الإحسان اول معارج الروح لخاص المقربين. اهـ

أقول : يتبين لنا كيف تم توظيف هذه الفكرة لدعم مبدا التفاضل والتمايز بين العوام والخواص وأن هذا الأصل إنما فهم بهذه الصورة لتبرير مسائل الولاية التي تقوم عليها الصوفية بطرقها المتعددة فإن نقضت انهدمت الفكرة الصوفية من أحد أركانها.

وفي كتاب الكواكب الزاهرة في اجتماع الأولياء يقظة بسيد الدنيا والآخرة (صلى الله عليه وسلم) لمؤلفه عبدالقادر بن الحسين بن مغيزل الشاذلي الصوفي يقول تحت عنوان “تأويل المقدسي لمراتب السلوك” : قال الشيخ عبدالسلام المقدسي في مفاتيح الكنوز ما نصه:  اعلم مراتب السلوك إلى منازل الملوك ثلاثة : الإسلام والإيمان والإحسان فالإسلام أول مراتب الدين لعامة المؤمنين ثم الإيمان أول مدارج القلب لخاصة المؤمنين ثم الإحسان اول معارج الروح لخاص المقربين ، اهـ ، ويقول في الصفحة (294)قال شيخنا العارف بالله سيدي محمد المغربي : هذا جامع بين الحقيقة والشريعة لأن قوله صلى الله عليه وسلم (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ) فهذا من علوم المكاشفة المحضة عند أرباب الحقائق بخلاف قوله (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فهذا مجرد علوم المعاملة التي لا تتم إلا بعلوم المكاشفة كما صرح به الغزالي رحمه الله في باب التوحيد لأن المكاشفة من علوم الباطن التي لابد للسالكين منها ولا غنى للسائرين عنها.. الى آخر كلامه.

وقد جاء في سلسلة الأنوار الإلهية : رياض الرقائق وحياض الحقائق على صلاة القطب الفائق عبد السلام بن مشيش للدكتور محمد بن محمد المهدي التمسماني  في الصفحة 69 :

(الأسرار) أي المعارف الإلهية . والناس أهل إسلام وإيمان وإحسان واهل الإحسان أهل المراقبة والمشاهدة ، وأصل جميعها العلم المشرف في القلب ، المظهر لجميع الحقائق ، ما اكتسب الناس ذلك إلا منه عليه الصلاة والسلام ، فمراتب السلوك ثلاثة : الإسلام والإيمان والإحسان ، فالأول مراتب الدين لعامة المؤمنين والثاني مدارج القلب لخاصة المؤمنين والثالث مدارج الروح لخاصة المقربين . وقد كانت هذه الأسرار التوحيدية قبل بعثته صلى الله عليه وسلم بحرا طامسا وسماء عابسا فبنوره ظهرت وكانت الانوار الإيمانية محجوبة بظلام الكفر فبسره صلى الله عليه وسلم أشرقت بعدما كانت القلوب غافلة والارواح جاهلة فنبه صلى الله عليه وسلم لما كانت القلوب غافلة ، وعلم الأرواح لماكانت له جاهلة. انتهى.

في كتاب الإحسان لأحمد شوقي والصادر عن دار أدباء 2000 للنشر والتوزيع في الصفحة (24) مرتبة الإحسان تلك هي ثالث مستويات الوعي الانساني واكثرها صلة بالله ، الوعي الروحاني المتزن

ويقول تحت ذلك البيان : الإحسان هو أن تصبح روحك وروح الله متحدتين اتحادا تماما فتصير تتعبد الى الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك هو سبحانه والإحسان هو أساس تقوى الله وبوصولك له يعني أنك ارتقيت لقمة النجاح والفلاح فكونك في هذه المرتبة فلا يضيرك شيء من خلق الله  الخ.

وفي كتاب “مقامات الولاية و أحوال الأولياء” لقاسم أحمد عقلان في الصفحة 150 يقرر بأن مرتبة الإحسان فهي آداب خاصة بالعارفين ، بينما أدب مرتبة الإيمان فهي آداب خاصة بعامة المؤمنين ثم فصل بين المرتبتين بجدول متواز من الصفات في كل مرتبة .

وفي كتاب : الفيوضات المحمدية على الطريقة الرفاعية لفواز بن بشار بن سعيد محيي الدين يقول في الصفحة 11:

إذن مرتبة الإحسان غاية كل صادق في طاعة الله عز وجل ومبتغاه ومناه ومن نعمة الله عز وجل علينا أنه تحقق في هذه المرتبة الكثير من الرجال والنساء من هذه الأمة المباركة المرحومة فكانوا أسوة لمن بعدهم قدوة حسنة لمن أراد أن يقتفي أثرهم ومن ابرز وأشهر هؤلاء الرجال هو الإمام الشيخ الكبير إمامنا وقدوتنا السيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه . ا. هـ.

وأختم هنا بما يقول الشيخ عبدالله بن جبرين في شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري :

هكذا فسر هذه الخصال الثلاث الإسلام ،والإيمان ، والإحسان.

ذكر العلماء أن أوسعها هي مرتبة الإسلام ، وأهل الإيمان خلاصة أهل الإسلام أما أهل الإحسان فهم خلاصة الخلاصة ، يعني صفوتهم ، فالصفوة والخلاصة هم أهل الإحسان فكل من كان محسنا فإنه مسلم ومؤمن ، وكل من كان مؤمناً فإنه مسلم ، وليس كل مسلم مؤمناً وليس كل مؤمن محسناً ، ومن فاتته مرتبة الإحسان قيل : هذا مسلم مؤمن ، ومن فاتته مرتبة الإيمان قيل هذا مسلم ، فمن حصل على الإسلام فاته أن يكون من أهل الإيمان ومن أهل الإحسان ، وأما إذا حصل على الإحسان فإنه قد حاز جميع المراتب ، هذا هو الجمع بينها إذا جمع بينها.

انتهى كلامه.

فما وجه الاختلاف بين غلاة المتصوفة وأهل السلف في هذا المفهوم الطبقي ؟؟ ، فالمفهوم ذات المفهوم ، والخيارات للمرء مفتوحة ، فبإمكانه أن يكون مسلماً فقط وممكن أن يتطور فيصير مؤمناً مسلماً ، ومن الممكن أن يصل إلى الطبقة الخارقة فيصبح محسناً ، فتأمل رعاك الله في هذا القول العجيب والتمس لي العذر إن شعرت بالأسى والحزن لما نحن فيه من تمييع وفهم مقلوب لدين الله.

يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (6)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (6)

 

المطلب الثاني

أوجه الخلل في المفاهيم التقليدية للإيمان والإسلام والإحسان

إن تأصيل الدين وترتيبه بهذه الصورة تحديداً هو عمل بشري استنبطه واستنتجه علمائنا الأجلاء رحمهم الله من خلال النص القرآني والحديث الشريف وفق ما فهموه وأصبح قاعدة بعدهم ، ولم يكن هناك نص شرعي يقنن ترتيب الدين لمراتب متفاوتة علوا ونزولاً بهذه الصورة ، ولم يرد نص شرعي يحدد مقامات الإحسان ويقسم اقسامه ويفرق بين أنواعه ، ولم يرد ما يحدد أن للإسلام في جانبه الشرعي معنى عام وخاص ، ولم يرد نص شرعي قرآني أو نبوي يقول أن الإحسان مرتبة لا يصلها إلا أولياء الله الصالحين وفي بعض آراء العلماء (الأنبياء هم من يصلها فقط) ، وبذلك نستطيع القول أن مسألة تقسيم الدين ومراتبه بهذه الصورة مسألة اجتهادية يمكن لأي مجتهد أن يرى صورة أخرى من التراتبية والعلاقة بين كل أصل من هذه الأصول ، فما هو الضابط في قبول التقعيد في هذه المسالة ؟ ، لا شك أن فهم النص القرآني على وجهه من أهم الأدوات التي تساعد المجتهد على هذا التأصيل .

إن المفهوم بهذه الصورة إنما هو مفهوم صوفي صرف يقوم على دعوى تفاضل الناس ووصول القليل منهم لمرتقيات لا يبلغها سواهم من خلال مفهوم التراتبية المحدث المتبدع الذي يصنف الناس ويقسمهم لطبقات واحدة تفوق الأخرى ،هذا المفهوم الذي لم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته ، فيأتي من يدعي أتباعه وصوله لمرتبة الإحسان والمشاهدة والمقامات العالية التي لا يبلغها من هم دونه من المريدين.

وبالإضافة للأصل الصوفي البيّن والدخيل على الفكر الإسلامي بفعل تنوع الداخلين في الإسلام من الأعاجم وخلفياتهم الاعتقادية السابقة ، فإن هذه المفاهيم في نظري جنت على الأمة وتسببت في مأساة فكرية وأخلاقية عظيمة كانت خلف ما نحن فيه من تخلف ونفاق وتشرذم وسوء ، وعلى رسلك أيها القارئ الكريم فلا يأخذنك الإنفعال تجاه ما أقول إلا بعد أن تقرأ ما سأورده من حجج وحقائق بهدوء وتعقل وتفهم ما اقصده وتطبقه على واقع الأمة،  ولك كل الحق في رد ما تجد فيه مجافاة للحقيقة وستجدني عواداً إلى الحق أينما كان.

نافق أولاً

إن أول كارثة يجرها هذا المفهوم ويزرع في عقول وأنفس النشء عند تأسيسهم على هذا التقعيد هو زرع مفهوم النفاق أولاً ولكن بصورة غير مباشرة ، فالإيمان عندهم ليس القاعدة التي يرتكز عليها الدين ، بل الإسلام فهو الدائرة الأكبر التي يجب عليك الدخول إليها ، والإسلام هو أعمال الجوارح : (شهادتين ، وصلاة ، صوم ، وزكاة ،وحج) ، وعندما تأتي بهذه الأعمال فأنت مسلم ، ولكنك عندما تؤمن بالأركان الستة (الإيمان بالله ، وملائكته ، كتبه ، رسله ، اليوم الآخر ، القدر) فقد انتقلت للدائرة الأضيق أو لنقل لمرتبة أعلى.

وبالتالي فإن المسلم يتصور بأن العالم الإسلامي هو الدائرة الكبيرة التي تشمل مئات الملايين من المنافقين الذين يؤدون العبادات بلا إيمان وهناك عدد أقل يحملون إيماناً في قلوبهم وكلا الفريقين يدخلون في دائرة الدين الإسلامي ثم قلة قليلة هم المحسنون والله أعلم بهم وهذه كارثة كما اسلفنا بمعنى الكلمة تشرعن النفاق وتطبِّعه في قلوب الناس.

والمزيد من النفاق

الثمرة السيئة والخبيثة لهذا التصنيف والتأصيل هو مفهوم الإحسان وهو أحد أسباب انحدار الأمة وفساد عقيدتها ، فالإحسان هو الرقابة الذاتية التي بدلاً من تعزيزها في نفوس الناس وجعلها لازما من لوازم الدين لا يمكن أن ينفك عن الإيمان جعله أصحاب هذا التصنيف مرتبة عالية وجعلوا لها مقامات صوفية لم ينزل الله بها من سلطان فحملت شروحاتهم ما يجعل هذه المرتبة مستحيلة وتقتصر على الخلص والنخبة من المسلمين بل أن البعض حصرها في الأنبياء ، فنتجت أجيال من المنافقين الذي يحملون شخصية مزدوجة فهو في العلن يؤدي أعمال البدن كعبادات الجوارح ويتظاهر أمام الناس بخلق وشخصية فإذا خلا بمحارم الله انتهكها ولكنه لا يرى في ذلك بأساً لأن ذلك ضمن مرتبة الإحسان ومقام المشاهدة وهذا لا يتحقق إلا لأولياء الله الصالحين وبالتالي فالمطلوب في الدرجة الأولى منك هو الإسلام  ، ثم الإيمان أما الإحسان فيشق على المسلمين فهو من الكمالات التي تحقق السمو لنخبة من الناس.

ولننظر كيف أن هذا التأسيس العقدي لم يسلم منه طفل حتى استقر في عقولهم الباطنة وأخلاقهم وإيمانهم الداخلي ثوابت باطلة وقواعد خاطئة أثمرت عن أجيال من المنافقين نفاقاً مشرعناً ومقنناً ، وهذه أم المصائب التي لن تنهض الأمة من كبوتها إلا بمعالجتها والعمل على مكافحتها وتوعية الناس تجاهها.

إن الناظر لحال الأمة وعصر صدر الإسلام عندما كان الفهم الإسلامي الصافي يخلوا من هذه المحدثات من القواعد والتصنيفات يجد أن ظواهرهم وسرائرهم متطابقة لأن الطاعة بالبدن كانت تؤتى بدافع اليقين في القلب ، والدخول في الدين كان قناعة وإيمان بالأركان الستة أولا ينتج إتيان بالأركان الخمسة تاليا وليس العكس فسادوا العالم وهزم العشرة منهم مائة حتى دخل خلال بعضهم النفاق كما حدث من الأعراب فأوضعوا خلالهم وزادوهم خبالا ، ثم تطور الأمر حتى وصلنا الى تقعيد لذلك النفاق فأصبح أصلا من أصول الدين يرضعه الطفل مع أول حروف يتعلمها.

المزيد من الدعوة ،، المزيد من الفساد

من أهم وأبشع نواتج هذه المراتب المبتدعة هو تفاقم الفساد الأخلاقي والمالي والاجتماعي والديني في أوساط المجتمعات الإسلامية جمعاء ، في الوقت أن بقية المجتمعات البشرية لا تعاني من هذا الداء والانفصام الشخصي لأنها تربي أجيالاً على قدسية الصدق واستواء الظاهر والباطن ومراقبة الذات كقيمة أساسية لا يمكن أن يكون المرء بدونها إلا إنساناً بهيمياً فاسداً منافقاً.

والعجيب والغريب أننا نراقب انتشار الدعاة والمصلحين الاجتماعيين في أوساط المجتمعات الإسلامية ، وإفراد مساحات إعلامية واسعة وهامة ، فضلا عن القنوات الأخرى المكتوبة والمرئية وخطب الجمع ودروس المساجد ولكن بدلاً من القضاء على فساد المجتمعات نجد أن الفتن تتزايد ويرقق بعضها بعضها فما هي ثمرة هذه الدعوة ؟؟ المزيد من الفساد الأخلاقي والديني والسبب يعود لأن كل أولئك الفضلاء يعالجون العرض وغاب عنهم علاج المرض وهو بذرة الفساد وسببه المباشر وهو غياب الرقابة الذاتية وشرعنة النفاق في نفس كل مسلم من خلال مراتب الدين المبتدعة.

وسيأتي معنا فيما يلي تجسيد لصور من التناقض بين مفاهيم مراتب الدين القائمة على التفاضل والتمايز وبين النص القرآني الجلي والواضح

التناقض أول دلائل الخلل

إن الشواهد القرآنية التي يستعملها المؤصلون لهذه المراتب تتناقض ذاتها مع هذه المراتب ففي حين يقول تعالى :

{ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [الحجرات:14]

فأرباب مفهوم مراتب الدين يستعملون هذه الآية للاستدلال على شرعية إسلام الأعراب ذلك الإسلام المجرد وهو غير الإسلام مع الإيمان فالأعراب – في نظرهم – كانوا في مرتبة الإسلام فقط ولم يترقوا لمرتبة الإيمان ، ولسنا هنا لنبين فساد هذا الفهم فسيأتي ذلك في القادم من الفصول ولكن نريد أن نبين بأنه تأسيساً على هذا الفهم فإن الخلل الشنيع هو ان هذه الآية تتناقض مع آيات أخرى تدل على أن الإسلام غاية سامية عظيمة ومقام يفوق الإيمان سمواً وعظمة فكيف يكون قولهم صحيحاً ؟ ، ولنقرأ فيما يلي صور من التناقض في فهم اصول ديننا .

قال ابن جرير رحمه الله في تفسيرها :

“واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل للنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل لهؤلاء الأعراب: قولوا أسلمنا, ولا تقولوا آمنا, فقال بعضهم: إنما أمر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بذلك, لأن القوم كانوا صدّقوا بألسنتهم, ولم يصدّقوا قولهم بفعلهم, فقيل لهم: قولوا أسلمنا, لأن الإسلام قول, والإيمان قول وعمل.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن الزهري ( قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) قال: إن الإسلام: الكلمة, والإيمان: العمل.” ا.هـ

أقول  : كيف يكون ذلك والإسلام عمل جوارح ، والإيمان عمل قلبي ؟؟ وذلك من واقع حديث جبريل الذي فصل في الفرق بين الإسلام والإيمان فكان الإسلام يشمل أعمال الجوارح كالعبادات من صيام وصلاة وزكاة وحج ، والإيمان أعمال قلب متعلقة بالغيبيات كالإيمان بالله والملائكة الكتب والرسل واليوم الآخر ، بينما كانت الآية تدل دلالة واضحة على أنهم كانوا يأتون أعمال الإسلام حتى يترائى للمسلمين أنهم منهم ففضح الله قلوبهم وأنها خالية من الإيمان وأن أعمال الإسلام التي يؤدونها إنما هي نفاق ورياء لا قيمة لها.

أما ابن كثير رحمه الله فقد كان واضحاً تماماً في نسبة التراتبية للإسلام الإيمان والإحسان فقال في تفسير آية إسلام الأعراب :

“يقول تعالى منكرا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان ، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) . وقد استفيد من هذه الآية الكريمة : أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ، ويدل عليه حديث جبريل ، عليه السلام ، حين سأل عن الإسلام ، ثم عن الإيمان ، ثم عن الإحسان ، فترقى من الأعم إلى الأخص ، ثم للأخص منه .”

وقد فصل صاحب التحرير والتنوير بما يؤيد ذلك فقال رحمه الله:

“وهم قالوا آمنا حين كانوا في شك لم يتمكن الإيمان منهم فأنبأهم الله بما في قلوبهم وأعلمهم أن الإيمان هو التصديق بالقلب لا بمجرد اللسان لقصد أن يخلصوا إيمانهم ويتمكنوا منه كما بينه عقب هذه الآية بقوله : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله } الآية .

والاستدراك بحرف ( لكن ( لرفع ما يتوهم من قوله : { لم تؤمنوا } أنهم جاؤوا مضمرين الغدْر بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنما قال : { ولكن قولوا أسلمنا } تعليماً لهم بالفرق بين الإيمان والإسلام فإن الإسلام مَقرُّه اللسان والأعمالُ البدنية ، وهي قواعد الإسلام الأربعة : الصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج الكعبة الوارد في حديث عمر عن سُؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتأتي الزكاة وتصوم رمضان وتحُجّ البيت إن استطعتَ إليه سبيلا» فهؤلاء الأعراب لما جاءوا مظهرين الإسلام وكانت قلوبهم غير مطمئنة لعقائد الإيمان لأنهم حديثو عهد به كذبهم الله في قولهم { آمنَّا } ليعلموا أنهم لم يخف باطنهم على الله ، وأنه لا يتعدّ بالإسلام إلا إذا قارنه الإيمان ، فلا يغني أحدهما بدون الآخر ، فالإيمان بدون إسلام عناد ، والإسلام بدون إيمان نفاق ، ويجمعهما طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

وكان مقتضى ظاهر نظم الكلام أن يقال : قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم ، أو أن يقال : قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا ، ليتوافق المستدرك عنه والاستدراك بحسب النظم المتعارف في المجادلات ، فعدل عن الظاهر إلى هذا النظم لأن فيه صراحة بنفي الإيمان عنهم فلا يحسبوا أنهم غالطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم

واستغني بقوله : { لم تؤمنوا } عن أن يقال : لا تقولوا آمنا ، لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مُؤدّاه النهي عن الإعلان بالإيمان لأنهم مطالبون بأن يؤمنوا ويقولوا آمنا قولا صادقاً لا كاذباً فقيل لهم { لم تؤمنوا } تكذيباً لهم مع عدم التصريح بلفظ التكذيب ولكن وقع التعريض لهم بذلك بعد في قوله : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا } إلى قوله : { أولئك هم الصادقون } أي لا أنتم ولذلك جيء بالاستدراك محمولاً على المعنى .

وعدل عن أن يقال : ولكن أسلمتم إلى { قولوا أسلمنا } تعريضاً بوجوب الصدق في القول ليطابق الواقع ، فهم يشعرون بأن كذبهم قد ظهر ، وذلك مما يُتعير به ، أي الشأن أن تقولوا قولاً صادقاً .

وقوله : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } واقع موقع الحال من ضمير { لم تؤمنوا } وهو مبيّنٌ لمعنى نفي الإيمان عنهم في قوله : { لم تؤمنوا } بأنه ليس انتفاء وجود تصديق باللسان ولكن انتفاء رسوخه وعقد القلب عليه إذ كان فيهم بقية من ارتياب كما أشعر به مقابلته بقوله : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا } .

واستعير الدخول في قوله : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } للتمكن وعدم التزلزل لأن الداخل إلى المكان يتمكن ويَسْتقر والخارج عنه يكون سريع المفارقة له مستوفزاً للانصراف عنه .

و ( لمّا ( هذه أخت ( لم ( وتدل على أن النفي بها متصل بزمان التكلم وذلك الفارق بينها وبين ( لم ( أختها . وهذه الدلالة على استمرار النفي إلى زمن التكلم تؤذن غالباً ، بأن النمفي بها متوقع الوقوع . قال في «الكشاف» «وما في ( لمّا ( من معنى التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد» .

وهي دلالة من مستتبعات التراكيب . وهذا من دقائق العربية . وخالف فيه أبو حيان والزمخشري حجة في الذوق لا يدانيه أبو حيان ، ولهذا لم يكن قوله : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } تكريراً مع قوله : { لم يؤمنوا } .

وقوله : { وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً } إرشاد إلى دواء مرض الحال في قلوبهم من ضعف الإيمان بأنه إن يطيعوا الله ورسوله حَصل إيمانهم فإن مما أمر الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بيان عقائد الإيمان بأن يقبلوا على التعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة إقامتهم بالمدينة عوضاً عن الاشتغال بالمَنّ والتعريض بطلب الصدقات .” ا. هـ

ولكن الله تعالى يقول :

{ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا } [الجن:14]

وكان الأولى تأسيساً على مفهوم المراتب أن الإسلام أدنى المراتب وأقلها وكان الأحرى أن يكون الرشد في الإيمان أو قل في الأحسان ، أما الإسلام المجرد هكذا فهناك درجتان تعلوه وتتفوق عليه.

ويقول جل شأنه :

{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت:33]

وتأسيساً على القول بترتيب الدين لثلاث مراتب فإن الأولى أن يقول إنني (من المؤمنين) أو (المحسنين) لأنهما أعلى من الإسلام مرتبة.

ويقول تعالى :

{ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [النمل:91]

فإن علمنا من التأصيل أن الإيمان أعلى مرتبة من الإسلام فيتراءى للقارئ أن الأمر بالانتماء للمؤمنين أولى من الانتماء للمسلمين ، فهل يحق لنا أن نقول أن الأمر هو بالانتماء لإسلام الأعراب الخالي من الإيمان بوصفه أدنى مراتب الدين ؟

وهذا إبراهيم يدعو الله أن يجعله وابنه اسماعيل عليهما السلام من المسلمين:

(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )  [البقرة:128]

فكيف يرتضي ابراهيم عليه السلام أن ينزل لمرتبة أدنى من الإيمان ، أليس من الأولى أن يدعو بأن يكون من المحسنين ؟؟ .

( وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)   [الأعراف:126]

فبناء على تأسيس مراتب الدين فهم يدعون بأدنى درجات الدين وأقلها أهمية ، فلنترك ومن يفلسف المسألة فيقول ان الإيمان والإسلام اذا اجتمعا افترقا واذا افترقا اجتمعا ولكن ما حال اهل الملة من عوام المسلمين الذين تعلموا واستقر لديهم بأن الإسلام ما هو إلا درجة دنيا يعلوها ماهو أرقى منها ، وكيف يجمعون هذا المفهوم مع الدعوة بالوفاة على الإسلام ؟؟ ، لا شك أنهم سيكتفون بالإسلام فالقرآن كله يشير إلى أن الإسلام غاية المتمنين وأولهم أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام.

والعديد من الآيات المشابهة التي تكرس الدلالة على أن الإسلام هو ارقى ما يصل إليه المرء ويتمناه كل تقي مؤمن :

(وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ )  [يونس:84]

(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ)   [النحل:102]

(وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ)   [الحج:78]

 

ولكن !

ولكن بالمقابل نجد بأن الأعراب الذين أسلموا ولم يؤمنوا فإنهم بفعلهم هذا قد نافقوا بإسلامهم الذي لم يؤسس على إيمان وأقر الله نفاقهم في أكثر من موضع تترابط معنوياً ودلالياً مع آية (قالت الأعراب آمنا) فيقول تعالى مثبتاً أن الإسلام بلا إيمان هو النفاق المحض:

{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ } [التوبة:101]

{ وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [التوبة:90]

{ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [التوبة:97]

وانظر في النفاق المتصل بأولئك الأعراب الذين يدعون الإيمان وهم خارج دائرته:

{ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [الفتح:11]

والحقيقة أنك لو أبحرت في كتب العقيدة والأصول عامة لوجدت تناقضات عديدة ، ففي مواضع تجدهم يقررون بأن الإيمان عمل قلبي فقط ، ثم يتحول في موضع آخر لعمل القلب وأعمال العبادة في ذات الوقت ، وعندما تعود لحديث جبريل تجد الإيمان عمل قلب والإسلام عمل جوارح وعبادات ، وإذا تحدث عن التراتبية في الدين استعمل آية الاعراب للدلالة على دونية الإسلام واتساع دائرته وعلو الإيمان وضيق دائرته وخصوصية الإحسان ورقي موضع المحسنين ، وإذا فوجئ بالإسلام في موضع الرفعة والتقدير نسب لذلك اقترانه بالإيمان ولكن دون قرينة ولا دليل .

وهكذا فإن تلك التناقضات والمفاهيم الخاطئة كانت تحمل في سطورها دلائل الخلل والتناقض ، وتحمل في نتائجها على أرض الواقع الدليل العملي الواضح على ذلك الخلل بنتائجه وثماره الضارة.

يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (5)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (5)

 

ملخص مفهوم مراتب الدين وفق منهج السلف رحمهم الله

تتلخص هذه المراتب الثلاث في مفاهيم محددة وفق فهم السلف ، نستطيع اختصارها في نقاط مقتضبة وفق ما سبق من تفصيل وهي على النحو التالي:

أولاً: أن الدين يتكون من ثلاث مراتب دنيا ووسطى وعليا ، فأدنى مرتبة هي الإسلام وهو الإتيان بالشهادتين مع أركان الإسلام الخمسة.

ثانياً: أن المرتبة التي تلي الإسلام هي مرتبة الإيمان وهي مرتبة أرقى وأعلى من سابقتها وهي الإتيان بأركان الإيمان الستة (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره)

ثالثاً : الإحسان هو مرتبة عالية لها مفهوم فريد وهو (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، وهذه المرتبة يصلها الخلَّص من الخلق وأولياء الله الصالحين.

رابعاً : اعتبر البعض أن العلاقة بين الإسلام والإيمان والإحسان أن الأول وهو الإسلام دائرة واسعة تستوعب داخلها دائرة أصغر وهي الإيمان والإيمان يستوعب داخله دائرة أصغر وهي الإحسان ، وليس كل مسلم مؤمن ، وليس كل مؤمن محسن وقد وقعت على رسمه تشرح هذا المفهوم:

مراتب (1)

خامساً : ومن جهة أخرى اعتبرت العلاقة بين تلك المراتب تتفاوت بين الأدنى وهو الإسلام ، ثم الاعلى وهو الإيمان ثم الإحسان ، وقد مرَّ بنا مفهوم مهم للغاية في سياق بحثنا هذا وهو أن الإحسان مرتبة عالية لا يبلغها أي أحد ، ففي موسوعة الدرر السنية التي أنِف عرضها :

“وأهل الإحسان هم الصفوة الخلص من عباد الله المؤمنين، ولهذا ورد في الثناء عليهم في القرآن الكريم ما لم يرد في غيرهم. وهم درجات متفاوتة بحسب قوة استحضار قرب الله ومراقبته ومحبته وخشيته في قلوبهم”.ا.هـ

ويقول الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله عن الإحسان في كتابه معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول :هذه المرتبة هي الثالثة من مراتب الدين المفصلة في حديث جبريل المتقدم، وهي أعلى مراتب الدين وأعظمها خطرا، وأهلها هم المستكملون لها السابقون بالخيرات المقربون في علو الدرجات‏.‏ا.هـ

ومن أحد دروس الدكتور / عمر عبدالكافي : “إن الله سبحانه وتعالى قد أثنى على أهل الإحسان في العمل، وجعلهم من أعلى المراتب، فهي منزلة لا يبلغها إلا المقربون؛ ولذا كان لمن أراد أن يبلغ هذه المرتبة شروط لابد من معرفتها وتطبيقها؛ حتى يبلغ العبد مرتبة الإحسان في الأعمال والأحوال والأوقات”.

 

يتبع

 

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (4)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (4)

مرتبة الإحسان

أ- الإحسان لغة: مصدر أحسن يحسن إحسانا، وهو ضد الإساءة، وهو إجادة العمل وإتقانه وإخلاصه.

ويطلق على معنيين:

الأول: متعد بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، و في كذا، إذا حسنته وكملته.

الثاني: متعد بحرف جر، كقولك: أحسنت إلى كذا، أي: أوصلت إليه ما ينتفع به  .

ب- الإحسان شرعا: يطلق على نوعين:

النوع الأول: إحسان إلى عباد الله.وهو على قسمين  :

القسم الأول: واجب، وهو أن تقوم بحقوقهم الواجبة على أكمل وجه. مثل بر الوالدين، وصلة الأرحام، والإنصاف في جميع المعاملات.ويدخل في هذا القسم: الإحسان للبهائم، والإحسان في القتل، لما في صحيح مسلم من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته))  .

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: (وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه، فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب.

والإحسان في ترك المحرمات: الانتهاء عنها، وترك ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ [ الأنعام: 120].فهذا القدر من الإحسان فيها واجب.

وأما الإحسان في الصبر على المقدورات، فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تسخط ولا جزع.

والإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيام بما أوجب الله من حقوق ذلك كله، والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كلها، والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ليس بواجب.

والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب: إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه. وهذا النوع هو الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، ولعله ذكره على سبيل المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال).

القسم الثاني: الإحسان المستحب: وهو ما زاد على الواجب من بذل نفع بدني، أو مالي، أو علمي، فيساعد من احتاج إلى مساعدته ببدنه، أو بماله، أو بعلمه، فهذا كله داخل في باب الإحسان، وأجل أنواع الإحسان: الإحسان إلى من أساء إليك، كما قال تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [ فصلت: 34- 35].

النوع الثاني: الإحسان في عبادة الله عز وجل.وهو المراد هنا.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في شرح حديث جبريل: قوله (الإحسان): (هو مصدر، تقول أحسن يحسن إحسانا.ويتعدى بنفسه وبغيره تقول أحسنت كذا إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو المراد لأن المقصود إتقان العبادة.وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلا محسن بإخلاصه إلى نفسه، وإحسان العبادة: الإخلاص فيها والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود)  .

وقد عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك))  .

والإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها. وأهله هم المستكملون لها السابقون للخيرات، المقربون في علو الدرجات.

وإذا كان الإسلام هو الأركان الظاهرة عند التفصيل واقترانه بالإيمان. والإيمان إذ ذاك هو الأركان الباطنة، فإن الإحسان هو تحسين الظاهر والباطن. وأما عند الإطلاق فإنه يشمل الدين كله.

وقد جاء الإحسان في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، تارة مقرونا بالإسلام، وتارة مقرونا بالإيمان، وتارة مقرونا بالتقوى، أو بهما جميعا، وتارة بالجهاد، وتارة بالعمل الصالح مطلقا، وتارة بالإنفاق في سبيل الله وهو الجهاد  .

قال الله تعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة: 112]. وقال تعالى: وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [لقمان: 22]. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا [الكهف: 30]. وقال تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ المائدة: 93]. وقال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت: 69]. وقال تعالى: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 195].

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله بعد ذكره لهذه الآيات: (وقد يذكر مفردا كقوله تعالى: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس: 26]. وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله عز وجل في الجنة  ، وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان، لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك النظر إلى الله عيانا في الآخرة.

وعكس هذا ما أخبر الله به عن جزاء الكفار في الآخرة: كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين: 15]. وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا، وهو تراكم الران على قلوبهم، حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة  .

وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله: (ولما تكرر الإحسان في القرآن، وترتب عليه هذا الثواب العظيم، سأل عنه جبريل النبي صلى الله عليه وسلم. فأجابه ببيانه، ليعمل الناس عليه، فيحصل لهم هذا الحظ العظيم)  .

ج- للإحسان ركن واحد  بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله. ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك))  . فأخبر صلى الله عليه وسلم أن مرتبة الإحسان على درجتين، وأن المحسنين في الإحسان على درجتين متفاوتتين:

الدرجة الأولى: وهي أعلاهما. وهي (أن تعبد الله كأنك تراه). يشير إلى أن العبد يعبد الله على هذه الصفة، وهي استحضار قربه، وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية، والخوف، والهيبة، والتعظيم، ولذا جاء في رواية أبي هريرة عند مسلم بلفظ: ((أن تخشى الله كأنك تراه))  .

ويوجب أيضاً: النصح في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها. وهذه العبادة – أي عبادة الإنسان ربه كأنه يراه – عبادة طلب وشوق؛ وعبادة الطلب والشوق يجد الإنسان من نفسه حاثا عليها، لأن هذا هو الذي يحبه، فهو يعبده كأنه يراه، فيقصده وينيب إليه ويتقرب إليه سبحانه وتعالى.

الدرجة الثانية: أن تعبد الله لأنه يراك، والمعنى إذا لم تستطع أن تعبد الله كأنك تراه وتشاهده رأي العين، فانزل إلى المرتبة الثانية، وهي أن تعبد الله لأنه يراك.

فالأولى: عبادة رغبة وطمع، والثانية: عبادة خوف ورهب.

وكلاهما. مرتبتان عظيمتان. لكن الأولى أكمل وأفضل، فعبادة الله على وجه المراقبة والطلب أكمل من عبادته على وجه الخوف والرهب  .

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: (قوله صلى الله عليه وسلم: ((فإن لم تكن تراه فإنه يراك))  .

قيل: إنه تعليل للأول، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله في العبادة، واستحضار قربه من عبده، حتى كأن العبد يراه، فإنه قد يشق ذلك عليه، فيستعين على ذلك بإيمانه بان الله يراه، ويطلع على سره وعلانيته وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره، فإذا حقق هذا المقام، سهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني، وهو دوام التحديق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيته، حتى كأنه يراه.

وقيل: بل هو إشارة إلى أن من شق عليه أن يعبد الله كأنه يراه، فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه، فليستحي من نظره إليه).

إلى أن قال رحمه الله: (وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام، ويتفاوت أهل هذا المقام بحسب قوة نفوذ البصائر)  .

وقال النووي رحمه الله: (قوله صلى الله عليه وسلم: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))  هذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم، لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة الله وهو يعاين ربه – سبحانه وتعالى – لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به. فقال صلى الله عليه وسلم اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان، فإن التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد بإطلاع الله سبحانه وتعالى عليه، فلا يقدم العبد على تقصير في هذه الحال؛ للاطلاع عليه. وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه.

فمقصود الكلام: الحث على الإخلاص في العبادة، ومراقبة العبد ربه – تبارك وتعالى – في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك)  .

فالحاصل: أن الإحسان أعلى مراتب الدين، وهو يشمل تحسين الظاهر والباطن، ويوجب الخشية والهيبة والتعظيم لله سبحانه، والنصح في العبادة، والإخلاص فيها، ومحبة الله، والإنابة إليه، والخشوع والخضوع له.

وأهل الإحسان هم الصفوة الخلص من عباد الله المؤمنين، ولهذا ورد في الثناء عليهم في القرآن الكريم ما لم يرد في غيرهم. وهم درجات متفاوتة بحسب قوة استحضار قرب الله ومراقبته ومحبته وخشيته في قلوبهم.  انتهى .

وأقول تعليقاً على ما تقدم :

يتضح جلياً بأنهم رحمهم الله عرَّفوا الإحسان بأنه نافلة زائدة يختص به ثلة قليلة من المقربين ، وقد عدها البعض عبادة وكأنها عبادة مستقلة عن الفرائض تؤتى بزيادة عن الفرائض تجويداً وتحسيناً للعبادة ، وأنها مرتبة أعلى من الإيمان والإيمان مرتبة أعلى من الإسلام ، وهذا هو مفهوم المتصوفة في رفع درجات الناس عن بعضهم البعض ويستأثرون بالإحسان كمقام عليِّ لأوليائهم وأقطابهم.

،هنا عين الاعتراض فما نقوله بأن الإسلام والإيمان والإحسان ثلاث قواعد متلازمة لا يصح إسلام المرء لله بدونها كما سيأتي معنا ، وأن تصنيف الإحسان كمرتبة عالية تأتي بالمتابعة والتحسين يعني أنها غير متحققة في معظم المسلمين وليسوا مطالبين بها فإن أتوا بها على وجهها كان ذلك أحسن وهذا ما لا نعتقد بصحته ، وأن الإحسان إنما هو تحقق الإسلام لله (عبادة الجوارح) بفعل تحقق الإيمان (ما ينعقد في القلب) وأن هذا التقسيم والتفصيل ليس على الوجه الذي يريده الله لعباده ، إنما هو اجتهاد في فهم الحديث النبوي ودلائله المختلفة، وأن تصنيف الإحسان كمرتبة عالية تأتي بالمتابعة والتحسين يعني أنها غير متحققة في معظم المسلمين وليسوا مطالبين بها فإن أتوا بها على وجهها كان ذلك أحسن وإن لم يتمكنوا من ذلك فلا بأس وهذا ما لا نعتقد بصحته ، بل هذا هو أس النفاق فأي عبادة لا تستحضر وجود الله وإطلاعه والحياء منه فإنما هي نفاق صرف ، وأي عمل يخلو من الإحسان فلا شك أنه خال من الإيمان ، ولكن هذا التقعيد تسبب في بناء اجيال تهون من الإحسان وتستصعب الاخلاص ومراقبة الله وتعتبره – كما تعلموه – نافلة غير مطلوبة فأصبح لدينا أجيال من الخونة الذين إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها والمرجع هو هذه التفسيرات الباطلة والله المستعان.

يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (3)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (3)

مرتبة الإيمان

 

(والإيمان) هي المرتبة الثانية في الحديث المذكور والإيمان لغة التصديق قال إخوة يوسف لأبيهم وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: 17] يقول بمصدق وأما في الشريعة فلإطلاقه حالتان(1) :

(الحالة الأولى) أن يطلق على الأفراد غير مقترن بذكر الإسلام فحينئذ يراد به الدين كله كقوله عز وجل: اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ [البقرة: 257] وقوله: وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 68] وقوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ َ [الحديد: 16] وقوله: وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: 11] وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [المائدة: 23] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة))  (1) . ولهذا حصر الله الإيمان فيمن التزم الدين كله باطنا وظاهر في قوله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: 2-4] وقوله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: 15] وقوله تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 15-17] وفسرهم بمن اتصف بذلك كله في قوله عز وجل: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: 1-5] وقال الله تعالى: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران: 133-136] وفي قوله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 156-157]، وقال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: 1-11] وقال الله تعالى: طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [النمل: 1-3] وغيرها من الآيات وقد فسر الله تعالى الإيمان بذلك كله في قوله تعالى لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177].

وفسره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كله في حديث وفد عبد القيس في الصحيحين وغيرهما فقال: ((آمركم بالإيمان بالله وحده قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده قالوا: الله ورسوله أعلم قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تؤدوا من المغنم الخمس)).

وقد جعل صلى الله عليه وسلم صيام رمضان إيمانا واحتسابا من الإيمان وكذا قيام ليلة القدر وكذا أداء الأمانة وكذا الجهاد والحج واتباع الجنائز وغير ذلك وفي الصحيحين: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) . وهذه الشعب المذكورة قد جاءت في القرآن والسنة في مواضع متفرقة منها ما هو من قول القلب وعمله ومنها ما هو من قول اللسان ومنها ما هو من عمل الجوارح.

ولما كانت الصلاة جامعة لقول القلب وعمله وقول اللسان وعمله وعمل الجوارح سماها الله تعالى إيمانا في قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [البقرة: 143] يعني صلاتكم كما يعلم من سبب نزول هذه الآية… والآيات والأحاديث في هذا الباب يطول ذكرها وإنما أشرنا إلى طرف منها يدل على ما وراءه وبالله التوفيق.

وهذا المعنى هو الذي قصده السلف الصالح بقولهم رحمهم الله: إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل وإن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم.

وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارا شديدا وممن أنكر ذلك على قائله وجعله محدثا ممن سمى لنا سعيد بن جرير وميمون بن مهران وقتادة وأيوب السختياني والنخعي والزهري وإبراهيم ويحيى بن أبي كثير والثوري والأوزاعي وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. قال الثوري: هو رأي محدث أدركنا الناس على غيره وقال الأوزاعي: كان من مضى من السلف لا يفرقون بين العمل والإيمان. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار أما بعد: فإن الإيمان فرائض وشرائع فمن استكملها استكمل الإيمان.  ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان وهذا المعنى هو الذي أراد البخاري إثباته في كتاب الإيمان وعليه بوب أبوابه كلها فقال: (باب أمور الإيمان) و(باب الصلاة من الإيمان)، و(باب الزكاة من الإيمان) و(باب الجهاد من الإيمان) و(باب حب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان) و(باب الحياء من الإيمان) و(باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان) و(باب اتباع الجنائز من الإيمان) (وباب أداء الصلوات الخمس من الإيمان) وسائر أبوابه. وكذلك صنع النسائي في (المجتبى) وبوب الترمذي على حديث: وفد عبد القيس (باب ما جاء في إضافة الفرائض إلى الإيمان) وكلام أئمة الحديث وتراجمهم في كتبهم يطول ذكره وهو معلوم مشهور ومما قصدوه بذلك الرد على أهل البدع ممن قال هو مجرد التصديق فقط كابن الراوندي ومن وافقه من المعتزلة وغيرهم إذ على هذا القول يكون اليهود أقروا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستيقنوها ولم يتبعوه مؤمنين بذلك وقد نفى الله الإيمان عنهم

وقال جهم بن صفوان وأتباعه: هو المعرفة بالله فقط وعلى هذا القول ليس على وجه الأرض كافر بالكلية إذ لا يجعل الخالق سبحانه أحد وما أحسن ما قاله العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته الكافية الشافية

قالـوا وإقرار العباد بأنـه              خالقهم هو منتهـى الإيمان

والناس في الإيمان شيء واحد    كالمشط عند تماثل الأسنان

فاسأل أبا جهل وشيعته ومن       والاهمو من عابدي الأوثان

وسل اليهود وكل أقلف مشرك      عبـد المسيح مقبل الصلبان

واسأل ثمود وعاد بل سل قبلهم          أعداء نوح أمـة الطوفان

و اسأل أبا الجن اللعين أتعرف        الخلاق أم أصبحت ذا نكران

واسأل شرار الخلق أقبح أمة         لوطية هم ناكحوا الذكران

واسأل كذاك إمام كل معطل           فرعون مع قارون مع هامان

هل كان فيهم منكر للخالق              الرب العظيم مكون الأكوان

فليبشروا ما فيهموا من كافر           هم عند جهم كاملو الإيمان

 

وقالت المرجئة والكرامية الإيمان هو الإقرار باللسان دون عقد القلب فيكون المنافقون على هذا مؤمنين وقد قال الله تعالى: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 84-85] وغير ذلك من الآيات وهم قد نطقوا بالشهادتين بألسنتهم فقط وكذبهم الله عز وجل في دعواهم في غير موضع من القرآن.

وقال آخرون التصديق بالجنان والإقرار باللسان وهذا قول مخرج لأركان الإسلام الظاهرة المذكورة في حديث جبريل وهو ظاهر البطلان.

وذهب الخوارج والعلاف ومن وافقهم إلى أنه الطاعة بأسرها فرضا كانت أو نفلا وهذا القول مصادم لتعليم النبي صلى الله عليه وسلم لوفود العرب السائلين عن الإسلام والإيمان وكل ما يقول له السائل في فريضة هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع شيئا. وذهب الجبائي وأكثر المعتزلة البصرية إلى أنه الطاعات المفروضة من الأفعال والتروك دون النوافل وهذا أيضا يدخل المنافقين في الإيمان وقد نفاه الله تعالى عنهم وقال الباقون منهم العمل والنطق والاعتقاد والفرق بين هذا وبين قول السلف الصالح أن السلف لم يجعلوا كل الأعمال شرطا في الصحة بل جعلوا كثيرا منها شرطا في الكمال كما قال عمر بن عبد العزيز فيها من استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان والمعتزلة جعلوها كلها شرطا في الصحة والله أعلم.

(الحالة الثانية) أن يطلق الإيمان مقرونا بالإسلام وحينئذ يفسر بالاعتقادات الباطنة كما في حديث جبريل هذا وما في معناه وكما في قوله تعالى وَالذِّينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات [النساء: 57] في غير موضع من كتابه وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الجنازة: ((اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان)) وذلك أن الأعمال بالجوارح وإنما يتمكن منها في الحياة فأما عند الموت فلا يبقى غير قول القلب وعمله… والحاصل أنه إذا أفرد الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ بل كل منهما على انفراده يشمل الدين كله وإن فرق بين الاسمين كان الفرق بينهما بما في هذا الحديث الجليل والمجموع مع الإحسان هو الدين كما سمى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كله دينا وبهذا يحصل الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث التي فيها تفسير الإيمان بالإسلام والإسلام بالإيمان وبذلك جمع بينه وبينها أهل العلم.  

 

(1) أقول تعليقاً على ماتقدم :

إنَّ الحالات المنصوص عليها لذكر الإيمان وهما (إذا ذكر الإيمان منفرداً أريد به الإسلام والإيمان ، وإذا ذكر مترافقاً مع الإسلام عني به الأعمال القلبية) فأقول بأن هذا التقرير غير دقيق، فكل الأدلة التي تقدم ذكرها كانت تشير للعمل القلبي فقط ، وترافق ذكر أعمال الجوارح (الإسلام) في الآيات التي أنِفَ عرضها فكانت دلالة الإيمان هي على استقرار اليقين في القلب وظهور اثره على صورة عمل ولو استعرضنا ما عرض من آيات لما وجدناها تخلو من الإشارة لعمل الجوارح بجانب عمل القلب الذي هو الإيمان ، كما أن القرآن غالباً ما يذكر الإيمان مترافقاً مع العمل ، ولكنه إذا ذكر الإيمان فهو يعني الإيمان وحقيقته وثمرته هي التطبيق لأركان الإسلام وإلا فلا يكون إيماناً ، كما أن الإسلام بدون إيمان هو نفاق صرف كما في حالة الأعراب الذين قالوا بألسنتهم (أسلمنا) ولكن لم يكن إسلامهم ثمرة لإيمان وقر في قلوبهم فكانوا بنص القرآن الكريم (منافقون) بنص القرآن فيقول تعالى:

(الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) [التوبة:97]

(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ) [التوبة:101]

وهذا مثار الاعتراض على هذا التصنيف والتراتب للإسلام والإيمان والإحسان فأصبح الإسلام مرتبة يبدأ بها الداخلون في الدين  والحقيقة أن البدء لا يكون إلا بالإيمان وأركانه وليس بالإسلام.

 

يتبع

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (2)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (2)

المطلب الأول

معالم مراتب الدين وأصوله

في هذا المطلب سأعرض أصول الدين ومراتبه حسب ما أقرته طوائف المسلمين من أهل السنة والجماعة و تعارفت عليه من قواعد ، والتي ارتكزت في أصلها على عدد من الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة ، وفيما يلي ذلك سأبدأ في طرح آيات أخرى تعارض وتناقض هذا المفهوم ، وسنتطرق إلى توجيه العلماء لمعناها ومحاولاتهم للجمع بينها ودرء التعارض آخذين في الاعتبار لفظ (التراتب والمرتبة) التي تحمل مجمل الدلالة على تمايز وتفاضل تلك المصطلحات الثلاثة وأن بعضها فوق بعض كما سيأتي معنا من استدلالات من واقع أقوال العلماء.

الفرع الأول  : مراتب الدين الثلاث:

وقد قرر علماء العقيدة أن الدين له مراتب ثلاث وهي : الإسلام والإيمان والإحسان وتأسيس ذلك الفهم كان من خلال عدة نصوص شرعية أبرزها حديث جبريل عليه السلام :

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بَيْنَما نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَومٍ، إذْ طَلَعَ عَلَينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بِيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لا يُرَى عَلَيهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إلَى النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإسْلامِ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم-: «الإسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم-، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ إنِ اسْتَطَعْتَ إلَيهِ سَبيلاً». قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإيمانِ؟

قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإحْسَانِ؟

قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإنَّهُ يَرَاكَ» قَال: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ؟

قَالَ: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بَأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا؟

قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الحفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ» قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيّاً ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ». أخرجه مسلم.

منزلة هذا الحديث عند أهل العقيدة

1- في كتاب مصعب بن عطا الله الحايك المعنون بالإلمام بدراسة الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، الصفحة (402) يقول: هذا الحديث الشريف أصل من أصول الدين، يتضمن أركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان الستة، وأركان الإخلاص لله وحده لا شريك له، والساعة وأشراطها وآدابًا ولطائف كثيرة، وتسمية الإيمان والإسلام والإحسان كلها دينًا.

2- قال القاضي عياض رحمه الله في شرحه لمسلم (1/204 ح8) : هذا حديث عظيم قد اشتمل على جميع وظائف الأعمال الظاهرة والباطنة، وعلوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه.

3- قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/53): هو حديث عظيم الشأن جدًّا، يشتمل على شرح الدين كله؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم))، بعد أن شرح درجة الإسلام، ودرجة الإيمان، ودرجة الإحسان، فجعل ذلك كله دينًا.

4- قال القرطبي – رحمه الله – في المفهم (1/153): فيصلح في هذا الحديث أن يقال فيه: إنه أم السنة؛ لما تضمنه من جمل علم السنة، كما سميت الفاتحة: أم القرآن؛ لما تضمنته من جمل معاني القرآن.

أقول : وهذه مقتطفات من أبرز ما قيل في هذا الحديث ، لبيان أهميته ومدى الاعتماد عليه في التأصيل للعقيدة الإسلامية ، وعليه فإن هذا الحديث هو الركيزة الأساسية التي استقى منها علماء العقيدة الأصول وصنفت فيها المصنفات وتفرقت عندها الفرق من حيث الحكم بالإسلام والإيمان والتكفير والتفسيق والتبديع ، ولذلك فهذا الحديث يعد منطقة علمية شديدة الحساسية والأهمية ينبغي دراستها بدقة ومراجعتها.

ومن خلال هذا البحث أحاول تلمس المفاهيم التي أنتجها هذا الحديث ومدى ملائمتها لحقيقته وتطابق تلك المفاهيم مع النص القرآني ،وسنجد تفاوتاً هاماً وخطيراً بين المفهوم الذي توصلنا إليه وبين المفهوم التقليدي وبرغم ضآلة الفرق فيما يراه القارئ إلا أنه يحمل تفاوتاً واسعاً للغاية يفرق بين المفهومين بفرق كبير للغاية ، فالمفهوم الأصولي حين يمتد مع المفهوم الأصولي الموازي فإنه كلما ابتعد عن مخرجه ومنبعه وبدأ تطبيقه عملياً في مناحي الحياة سيجد بأن تلك المسافة الضئيلة أصبحت انحرافاً شديداً ، فالمفهومين مقتربين من بعضهما هنا ولكنها متباعدان جداً هناك ، فنواتج كلا من المفهومين يختلفان مما يجعل الأمر مهماً للأمة في حاضرها ومستقبلها ، في الجانب الفردي والأسري والاجتماعي ، في المجالات السياسية والاقتصادية والحياتية المختلفة ، ولاحقاً سأستعرض مراتب الدين الثلاث مستقياً تفصيل وتأصيل تلك المفاهيم من موسوعة الدرر السنية التي اخترتها لإحاطتها بمعظم أقوال السلف والجمع بينها ، وبالتالي فما سنجده هو خلاصة عقيدة السلف تجاه مراتب الدين مع توجيه الأحاديث المختلفة التي تحيط بتلك المفاهيم وفق ذات الفهم والتأصيل.

الفرع الثاني : أقوال السلف في تأصيل مفهوم التراتب :

وهنا سنتعرض أعمق و أقدم ما نستطيع من مراجع لمن بدأ من السلف في فهم الإيمان والإسلام والإحسان كمراتب متمايزة بعضها فوق بعض أو أنها دوائر أوسعها الإسلام و الأضيق هو الإيمان والأخص و الأضيق منهما هو الإحسان فنقول :

1-  جاء في موسوعة الفقه الإسلامي :

مراتب الدين ثلاث:

الإسلام والإيمان والإحسان.

وكل مرتبة لها أركان، والإحسان أعلاها.

فالإسلام يمثل أعمال الجوارح.. والإيمان يمثل أعمال القلوب.. والإحسان إتقان تلك الأعمال، وحسن أدائها، مع كمال التوجه بها إلى الله.

وقد مضى الكلام في الإسلام والإيمان بحمد الله، وبقي الكلام في الإحسان.

الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

2- جاء في كتاب الإيمان لابن تيمية رحمه الله في الجزء الأول  ص8 :

وحديث جبرائيل يبين أن الإسلام المبني على خمس هو الإسلام نفسه ليس المبني غير المبني عليه، بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم الدين ثلاث درجات أعلاها: الإحسان، وأوسطها: الإيمان، ويليه: الإسلام، فكل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مؤمن محسناً، ولا كل مسلم مؤمنا، كما سيأتي بيانه إن شاء الله في سائر الأحاديث، كالحديث الذي رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أهل الشام، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ” أسلم تسلم “. قال: وما الإسلام؟ قال: ” أن تسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك “. قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: ” الإيمان “. قال: وما الإيمان؟ قال: ” أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، وبالبعث بعد الموت “. قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: ” الهجرة “. قال: وما الهجرة؟ قال: ” أن تهجر السوء “. قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: ” الجهاد “. قال: وما الجهاد؟ قال: ” أن تجاهد، أو تقاتل الكفار إذا لقيتهم، ولا تَغْلُل، ولا تَجْبُن “. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” عملان هما أفضل الأعمال، إلا من عمل بمثلهما قالها ثلاثا حجة مبرورة، أو عمرة ” رواه أحمد، ومحمد بن نصر المروزي.

 

أقول : فقرر رحمه الله وصف تلك المصطلحات بالدرجات التي يعلو أحدها الآخر ، وهكذا كان فهمه رحمه الله لحديث جبريل.

3-أصول الدين الإسلامي مع قواعده الأربع للشيخ محمد بن سليمان التميمي رحمه الله ، جاء في الصفحة 14 سؤال : مالدليل من السنة على مراتب الدين الثلاثة ، فأجاب بحديث جبريل المشهور .

4-وقد فصل الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله في كتابه (معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول) في الصفحة 595 تفصيل مراتب الدين بهذه الصورة وفق فهم السلف الصالح بالتراتب والتفاضل كما سبق.

5- يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب “الضوء المنير على التفسير” صفحة 107 ما نصه ” وجعل النبي صلى الله عليه وسلم إحسان العبودية أعلى مراتب الدين وهو الإحسان . فقال في حديث جبريل – وقد سأله عن الإحسان – : (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). ا.هـ وهكذا يقرر رحمه الله التراتب والتفاضل بين الإسلام والإيمان والإحسان على الوجه الذي قرره علماء السلف وكذلك علماء التصوف على حد سواء كما سيأتي في استشهادات المتصوفة بهذا المفهوم على عقائدهم.

الفرع الثالث : مجمل مفهوم مراتب الدين من خلال موسوعة الدرر السنية:

وفي هذا الفرع نعرض جملة التأصيل المؤصل لمفاهيم مراتب الدين (الإسلام والإيمان والإحسان) حيث نرى بوضوح تبيان طبيعة العلاقة التي يعتقدونها بين تلك المراتب الثلاثة وهذه العلاقة التراتبية هي موضع الخلاف الذي أعتقده ودفعني لكتابة هذا البحث ، وفيما يلي تفصيل هذا التاصيل:

 

مرتبة الإسلام

الإسلام لغة: هو الانقياد والخضوع والذل. يقال: أسلم واستسلم، أي انقاد .

الإسلام شرعا: له معنيان:

الأول: الانقياد والاستسلام لأمر الله الكوني القدري طوعا وكرها.

وهذا لا ثواب فيه. قال تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [ آل عمران: 83]. أي خضع وانقاد  .

الثاني: إخلاص العبادة لله – عز وجل – وحده لا شريك له.

وهذا الإسلام هو الذي يحمد عليه العبد ويثاب  .

وقد عرفه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – بقوله: (هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله)  .

والإسلام بالمعنى الثاني ينقسم إلى عام وخاص:

العام: هو الدين الذي جاء به الأنبياء جميعا. وهو عبادة الله وحده لا شريك له.

والخاص: هو ما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (لفظ الإسلام يجمع معنيين: أحدهما: الانقياد والاستسلام. والثاني: إخلاص ذلك، وإفراده.. وعنوانه قول: لا إله إلا الله. وله معنيان: أحدهما: الدين المشترك وهو عبادة الله وحده لا شريك له، الذي بعث به جميع الأنبياء، كما دل على اتحاد دينهم نصوص الكتاب والسنة.

والثاني: ما اختص به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين، والشرعة، والمنهاج.. وله مرتبتان:

إحداهما: الظاهر من القول والعمل. وهي المباني الخمسة (اركان الإسلام) .

والثانية: أن يكون ذلك الظاهر مطابقا للباطن  .

فالحاصل أن الإسلام في شريعتنا لإطلاقه حالتان:

الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان. فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله، كقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ [ آل عمران: 19] وقوله: وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [ المائدة: 3].

وقوله: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ آل عمران: 85]. ونحو ذلك من الآيات.

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء))  .

وفي مسند الإمام أحمد من حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك. قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان. قلت: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قلت: فأي الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة. قلت: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء. قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد))   .

ففي هذا الحديث فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام بما فسر به الإيمان، وجعل الإيمان من الإسلام وهو أفضله.

الحالة الثانية: أن يكون مقترنا بالإيمان. فيراد به حينئذ الأعمال والأقوال الظاهرة. كقوله تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ الحجرات: 14].

وكقوله صلى الله عليه وسلم لما قال له سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: يا رسول الله، مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا. فقال صلى الله عليه وسلم: ((أو مسلما)) ثلاث مرات  .

وكحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه السابق، حيث جعل الإسلام الأقوال والأعمال الظاهرة. والإيمان أقوال وأعمال القلوب الباطنة.

وغير ذلك من الآيات والأحاديث  .

وإنما سمى الله سبحانه وتعالى الأعمال الظاهرة إسلاما؛ لما فيها من الاستسلام لله والخضوع والانقياد لأمره ونهيه، والالتزام بطاعته، والوقوف عند حدوده .

أركان الإسلام:

جاء في حديث جبريل … أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الإسلام بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل. وأول ذلك: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهو عمل اللسان، ثم إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، وهي منقسمة إلى عمل بدني: كالصلاة، والصوم، وإلى عمل مالي: وهو إيتاء الزكاة، وإلى ما هو مركب منهما: كالحج   .

وإنما ذكر هاهنا أصول أعمال الإسلام التي ينبني عليها، كما دل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج وصوم رمضان))   .

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: (والمراد من هذا الحديث أن الإسلام مبني على هذه الخمس كالأركان والدعائم لبنيانه.. والمقصود تمثيل الإسلام بنيانه، ودعائم البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان، فإذا فقد منها شيء، نقص البنيان وهو قائم لا ينقض بنقص ذلك، بخلاف نقض هذه الدعائم الخمس؛ فإن الإسلام يزول بفقدها جميعها بغير إشكال، وكذلك يزول بفقد الشهادتين، والمراد بالشهادتين الإيمان بالله ورسوله. وقد جاء في رواية البخاري تعليقا: ((بني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله))   وذكر بقية الحديث. وفي رواية لمسلم: ((على خمس: على أن يوحد الله)) وفي رواية له: ((على أن يعبد الله ويكفر بما دونه)) .

وبهذا يعلم أن الإيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام.

وأما إقام الصلاة، فقد وردت أحاديث متعددة تدل على أن من تركها فقد خرج من الإسلام، ففي صحيح مسلم عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة))   .

وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف وذهبت طائفة منهم إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمسة عمدا أنه كافر بذلك)   .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام هو الخمس))   يريد أن هذا كله واجب داخل في الإسلام، فليس للإنسان أن يكتفي بالإقرار بالشهادتين، وكذلك الإيمان يجب أن يكون على هذا الوجه المفصل، لا يكتفي فيه بالإيمان المجمل، ولهذا وصف الإسلام بهذا.

وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر، وأما الأعمال الأربعة فاختلفوا في تكفير تاركها، ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب. وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور. وعن أحمد في ذلك نزاع، وإحدى الروايات عنه أنه يكفر من ترك واحدة منها وعنه رواية ثانية: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة فقط. ورواية ثالثة: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها. ورابعة: لا يكفر إلا بترك الصلاة. وخامسة: لا يكفر بترك شيء منهن. وهذه أقوال معروفة للسلف.

ومما يوضح ذلك أن جبريل لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان كان في آخر الأمر بعد فرض الحج، والحج فرض سنة تسع أو عشر .

سبب اختصاص هذه الأركان الخمسة بكونها أركان الإسلام دون غيرها من الواجبات:

إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من هذه الخمس؛ فلما خصت هذه الخمس بكونها هي الإسلام، وعليها بني، دون غيرها من الواجبات؟

والجواب: لأن هذه الأركان الخمسة هي أظهر شعائر الإسلام، وبقيام العبد بها يتم استسلامه، ولهذا كانت واجبة على الأعيان دون سواها.

قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله: (وحكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم، لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله)  .

وقد بسط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الجواب على هذا السؤال حيث عقد له فصلا في كتابه الإيمان. قال فيه:

(قد أجاب بعض الناس أن هذه أظهر شعائر الإسلام وأعظمها. وبقيام العبد بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد القيادة.

والتحقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدين الذي هو استسلام العبد لربه مطلقا، الذي يجب لله عبادة محضة على الأعيان، فيجب على كل من كان قادرا عليه أن يعبد الله بها مخلصا له الدين، وهذه هي الخمس. وما سوى ذلك فإنما يجب بأسباب المصالح، فلا يعم وجوبها جميع الناس، بل إما:

1) أن يكون فرضا على الكفاية كالجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما يتبع ذلك من إمارة، وحكم وفتيا، وإقراء وتحديث، وغير ذلك.

2) وإما أن يجب بسبب حق للآدميين. يختص به من وجب له وعليه، وقد يسقط بإسقاطه، وإذا حصلت المصلحة، أو الإبراء، إما بإبرائه، وإما بحصول المصلحة. فحقوق العباد مثل قضاء الديون، ورد المغصوب، والعواري، والودائع، والإنصاف من المظالم من الدماء والأموال والأعراض، إنما هي حقوق الآدميين، وإذا أبرئوا منها سقطت، وتجب على شخص دون شخص، في حال دون حال. لم تجب عبادة محضة لله على كل عبد قادر، ولهذا يشترك فيها المسلمون واليهود والنصارى، بخلاف الخمسة فإنها من خصائص المسلمين.

وكذلك ما يجب من صلة الأرحام، وحقوق الزوجة، والأولاد، والجيران، والشركاء، والفقراء، وما يجب من أداء الشهادة، والفتيا، والإمارة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد كل ذلك يجب بأسباب عارضة على بعض الناس دون بعض لجلب منافع ودفع مضار، لو حصلت بدون فعل الإنسان لم تجب. فما كان مشتركا فهو واجب على الكفاية، وما كان مختصا فإنما يجب على زيد دون عمرو. لا يشترك الناس في وجوب عمل بعينه على كل أحد قادر سوى الخمس. فإن زوجة زيد وأقاربه ليست زوجة عمرو وأقاربه. فليس الواجب على هذا، مثل الواجب على هذا، بخلاف صوم رمضان، وحج البيت، والصلوات الخمس، والزكاة، فإن الزكاة وإن كانت حقا ماليا فإنها واجبة لله. ولهذا وجب فيها النية. ولم يجز أن يفعلها الغير عنه بلا إذنه. ولم تطلب من الكفار. وحقوق العباد لا يشترط لها النية، ولو أداها غيره عنه بغير إذنه برئت ذمته. ويطالب بها الكفار) . انتهى الاستشهاد بالموسوعة.

التعليق على ما تقدم : نقول وبالله التوفيق إن التفصيل بهذه الصورة من تخصيص وتعميم ، وتقرير حالات الإسلام الاثنتان واجتماع الألفاظ وافتراقهما واختلاف المعنى في كل حالة ، أقول كل ذلك هو فهم أولئك الأفاضل فإن خالفناهم في ذلك لم نخالف معصوم ولم نقدح في عقيدة ولم نسيء لهم في شيء ، وهناك من المبررات والمسوغات والاعتراضات ما يجب النظر إليه وقياسه ، ونرى كيف اختلف في تكفير تارك شيء من الأركان على اربعة أقوال لدى السلف فكيف ببقية الطوائف والمذاهب ؟؟.

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (1)

مَرَاتِبُ الدِّيْن ، مَفَاهِيْمُهَا فِيْ ضَوْءِ القُرْآنِ الكَريْم وَ السُّنّة المُطهَّرة (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده                                أما بعد

لا يخفى على كل مسلم بأن أول ما تلقاه في دراسته المبكرة أو في حِلَقِ الذكر وتعليم القرآن هو مراتب الدين ، وما سمي بأصول الدين وهي مفاهيم أساسية لها نصوص مرجعية في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، قرأها علماؤنا الأجلاء و استنتجوا منها قواعد كلية تشرح معاني الإيمان والإسلام والإحسان والفرق بين كل مفهوم منها ويردون شروحهم لفهمهم للنص القرآني ، وألفوا المؤلفات وصنفوا المصنفات وحبّروا الصفحات تأسيساً على هذا الفهم البشري للإيمان والإسلام والإحسان حتى بات ذلك المفهوم هو الأصل والأساس في تعليم النشء وتأسيسهم في سنيّ تعليمهم الأولى .

وينقسم بحثي إلى ثلاثة مطالب:

المطلب الأول : معالم الدين ومراتبه وأصوله لدى أهل السنة والجماعة وعرض لأقوال العلماء رحمهم الله في مفاهيم الإسلام والإيمان والإحسان عرضا مجردا وهو المفهوم السائد الأوسع الذي يشمل معظم طوائف المسلمين ويتكون هذا المطلب من ثلاثة فروع ، الأول عرض مراتب الدين الثلاث وأصلها الشرعي المستند عليه وهو حديث جبريل عليه السلام وكذلك منزلة هذا الحديث عند أهل العقيدة ، والفرع الثاني ويعرض أقوال السلف في تأصيل مفهوم التراتب على الوجه الذي نقوله من خلال مصنفاتهم وشروحاتها ، ومن ثم تفصيل كامل لهذا التأصيل في الفرع الثالث من خلال نقل كامل لما احتوته موسوعة الدرر السنية لمراتب الدين.

المطلب الثاني : أوجه الخلل في المفاهيم التقليدية للإيمان والإسلام والإحسان ونقاط التلاقي والافتراق عن حقيقة الإسلام وفق التنزيل الحكيم ، وهنا تطرح أسئلة كبيرة تعكس حجم التناقض بين  تلك المفاهيم وبين الحقائق القرآنية ، ويشمل هذا المطلب بيان قدسية هذا المفهوم لدى طوائف الصوفية وكيف ان هذا التراتب هو أصل هام عندهم لتبرير رفع الأولياء لمقامات تفوق من هم سواهم ، وكيف أن الناس مصنفين عندهم الى عوام وخواص واولياء بناء على هذا التراتب.

المطلب الثالث : حقيقة الدين وأصوله ، وهو تصور آخر لتلك المفاهيم يمكن من خلاله تحقيق التوافق مع التعاريف القرآنية للإسلام والإيمان والتصور الذي يخلو من الخلل الذي يشكل على المفاهيم التقليدية ، وإجمالا يتحقق من خلال هذا المفهوم و التأصيل العقدي للاسلام والإيمان يحقق الأوامر الربانية ويتفق مع العقل الباطن والضمير الذي لا يواجه مع هذا التأصيل اي صورة من صور التناقض الضارة.

وعندما راجعت تلك المفاهيم والتعريفات التقليدية ، وتلك النصوص والصفحات عجبت كيف أننا على مدى مئات السنين نتلقى هذا التقعيد جيلاً يتلوه جيل لم نلتفت إليه ولم نراجع هذا الفهم ولم ندرك جوانب الخطأ فيه ؟ ، كيف استقبل المسلمين هذا الفهم بالتسليم التام، والعلماء بالاستيعاب والقبول بلا مراجعة ولا فحص ولا تدقيق لما يُكْتَب ويُلَقّن لأجدادنا وآبائنا و لنا ولأبنائنا وأحفادنا ؟ ، فأردت أن اقتحم هذا الباب وأتناوله بالمراجعة على ضوء النص القرآني فوجدت الأعجب والأغرب ، وجدت أن أحد اهم أسباب تأخر الأمة وتخلفها و تشرذمها هي هذه الصفحات وهذه المفاهيم وسوف ينزعج القارئ الكريم من قولي هذا ولكني واثق تمام الثقة انه لو تجرد من العاطفة تماماً وتابع قراءة ما سأطرح بهدوء وبمنهج علمي فسوف يتفق مع ما سيقرأ والحقيقة أن الأمر جدُّ خطير لا يمكن تلمس آثاره وزواياه المختلفة من خلال مقال كهذا بل يحتاج للعديد من الدراسات والرسائل

العلمية التي تركز على جوانب مختلفة وتستعين بعد الله بمعطيات علمية واستنتاجات يستقيها الباحث من دراسات مسحية على عينات مختلفة من المسلمين وغير المسلمين وطلبة العلم فأرجو من الله تعالى أن يعينني حتى أتمكن من خلال هذا البحث أن اكسر القفل الذي أحكم هذا الباب ولعل سواي يتمكن من استجلاء المزيد النتائج والحقائق واستحضر قبل أن ابدأ أنني بشر يجوز علي الخطأ والسهو والنسيان والنقص والخلل كغيري من الخلق ولا عصمة لقولي ولا لقول غيري بل العصمة لمن عصمهم الله والله أعلى وأعلم يهدينا جميعاً لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه هو الهادي الوكيل.

يتبع

 

تابع مدلول الحروف المقطعة في بداية السور

بسم الله الرحمن الرحيم

وبالنظرة الدقيقة في مدلول الحروف (طه)،(يس)و(طس) نجد أن حرف الطاء هو مفتاح الاسم (لطيف) وإن كان اسم لطيف مبتدئاً باللام. وذلك لأن حرف الطاء مميز لم يرد به اسم آخر وحرف اللام موجود في كل الأسماء. وحرف الهاء هو مفتاح الاسم الهادي. وبالتالي يظهر مدلول هذين الحرفين باللطف والهدى أي بالرحمة. لقد أنزلت سورة واحدة مبتدئة بالحرفين “طه” وسميت بهما. وقد جاءت موضحة للرسول صلى الله عليه وسلم أن الله هو ألطف اللطيفين بعباده فلا يوجد ألطف منه  وبالتالي لم يكافئه أحد في لطفه. فأقسم له باسمه “الله اللطيف الهادي”  أنه لم ينزل عليه القرآن من أجل أن يشقيه به، وإنما أنزله لطفاً للعباد وهدىً لهم. ففي ذلك مواساة من رب العالمين لرسوله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الآية:{مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} {إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى}(2-3) طـه.  كما أوضح له أن هذا هو حال كل رسله السابقين. ولهذا  قص عليه قصة سيدنا موسى وأبينا آدم ليعلم أن الرسالات هي لطف وهدىً من رب العالمين لقوله تعالى:{كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا}(99) طـه   فتسمية السورة  بنفس الحروف طه هي دلالة على موضوعها وهو اللطف والهدى أي الرحمة. ولهذا يكون الله قد أقسم باسمه(الله اللطيف الهادي) لينفي عن القرآن صفتي الغلظة والمشقة وهما صفتان متضادتان لصفاته. ويمكن أن يكون الحرفان “طه” مكونان لاسم من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في رأي بعض العلماء والله أعلم.

وكذلك الحرفين (يس). فقد سبق تحليل الحرف (ي) على أنه حرف  يرمز للاسم الشفع الحي القيوم الذي يدل على قيام الله ليل نهار لحفظ هذا الكون دون أن تأخذه سنة ولا نوم . أما الحرف سين فهو مفتاح للاسمين: ” السميع” و”السلام”.  ومدلول هذين الاسمين هو ” السمع الذي يعني العلم بالشيء والسلام يعني السلم  والأمان إذاً يكون مدلول لحرفين الياء والسينهو الأمن والسلم. لقد افتتحت سورة يس وحدها بالحرفين (ي س). وقد جاءت الآيات التي تلي الحرفين كالآتي:{وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ}{إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}{عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}{تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ}{لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ}{لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}(2-7) يــس. الأمر الذي يشير إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ابتأس نتيجة استنكار الكفار لرسالته ونبذهم لها لعدم تصديقهم له بأنه رسول من عند الله. فأقسم الله له باسم رحمته التيلا يكافئه فيها أحد وبالقرآن إنه من المرسلين. وأن الرسالة قد أنزلها عليه هو “العزيز الرحيم” لينذر قومه ويهديهم ولكن الكثيرين منهم كافرون بها. وفي ذلك تخيف لرسوله صلى الله عليه وسلم وتثبيت للذين آمنوا معه. حيث أوضح الله لنبيه أن الكفار لا رجاء منهم وإنما الهدى للذين آمنوا كما جاء في الآية: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}(11) يــس. وهو نفس معاني كل السور التي ابتدئت بالحروف المقطعة. فجاءت سورة يس مركزة على حقيقة أن من يستمع لنداء الدعوة إلى الله وأحكامها ويعلم بها ويتيقن منها يسلم من عذاب الله وينال رحمته وهذا ما أوضحته قصة الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يدعو القوم ليستمعوا للهدى ويتبعوا رسلهم. حيث أخبرت أن الرجل الذي أعلن إيمانه للكفار قد سلم من العذاب وكرّمه الله وهلك من لم يستمع ويستجب للنداء. والآيات هي:{وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} {اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُم أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ}{وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}{أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ}{إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}{إِنِّي آمَنتُ برَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ}{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ}{بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}(20-27) يــس    فأكدت السورة بذلك حقيقة تلازم السلم والسمع. حيث أن الذين استمعوا للهدى وصدقوه يقيناً أدخلوا الجنة وقيل لهم “سلام قولاً من رب رحيم”. لما ورد في الآيات: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ}{هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ}{لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ}{سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}(55-58) يــس. فربما أقسم الله بأحد الاسمين: ” الله الحي القيوم السلام السميع ” أو “الله الحي القيوم السميع السلام” وأقسم بالقرآن العظيم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم مرسل من عنده. فاسمي “الحي القيوم” و”السميع السلام” مرتبطان ببعضهما البعض. أي أن قيام الله المطلق الذي لايعتريه نعاس ولا نوم يكفل السمع والعلم المطلقين اللذين نتيجتهما السلم والأمن والرحمة  هذا وربما كان اسم  يس هو أحد أسماء النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في رأي بعض السلف الصالح. وعند التفكر في الحرفين “طس” نجد أن الطاء هي مفتاح اسم لطيف كما سبق ذكره والسين مفتاح الاسمين: السلام والسميع. ومدلولهم هو اللطف والرحمة والأمن والسلم. هذان الحرفان قد ابتدأت بهما سورة واحدة وهي سورة النمل، والتي جاء اسمها دال على الموضوع الذي ركزت عليه السورة والذي أقسم به المولى عز وجل. وموضوع السورة توضحه قصة سيدنا سليمان مع النملة التي سردها الله عز وجل في الآيات:{حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}{فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}(18-19) النمل. ولهذا يمكن أن يكون الله قد أقسم باسمه (الله”اللطيف السميع”) أو (الله اللطيف السلام)،أو (الله اللطيف السميع السلام) فكل هذه الأسماء تدل على أن الله لا يكافئه احد في لطفه بخلقه عندما يستمعون إلى نداء ربهم ويطيعونه ويخافون من عذابه كما استمع سيدنا سليمان إلى خوف النملة منه ومن جنوده فلطف بالنمل فسلمت ومن معها. فإذا أمد الله سيدنا سليمان بجزء يسير من سمعه وقد سمع به خوف النملة فلطف بالنمل نتيجة ذلك السمع اليسير، فما بال سمع الله ولطفه وسلمه اللا محدودين إذا سمع عبده خائفاً منه؟ إن هذا يؤكد ما سبق ذكره من أن السمع والسلم واللطف مرتبطات ببعضهم البعض والله أعلم. أما الحروف “طسم” فقد سبق الحديث عن الحرفين(طس) في تحليل سورة النمل. أما الحرف (م) فهو مفتاح الأسماء التي مفتاحها ” الم” وقد حذفت منها الألف. واللام. إذاً مدلول الأسماء التي مفتاحها طسم هو الرحمة مع الملك والمقدرة المطلقة. وهو نفس مدلول الأسماء التي مفتاحها “حم” حيث ابتدئت سورتان بهذه الحروف وهما سورة الشعراء وسورة القصص. وتحليلهما سيؤدي لمعرفة مدلولهما. لقد جاءت الآيات الأوائل من سورة الشعراء كالآتي:{طسَمَ}{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}{لَعَلّكَ بَاخِعٌ نّفْسَكَ أَلاّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }1-3  الشعراء بنفس معاني كل الآيات التي جاءت بعد الحروف المقطعة في السور التي افتتحت بها. مما يؤكد أن الحروف المقطعة قسم بشيء عظيم وجليل من أجل توكيد وحدانية الله وصدق الرسالة تثبيتاً لرسوله الكريم وتثبيتاً للذين آمنوا معه. ثم قال تعالى: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} (4) الشعراء  والآيات التالية تتحدث عن عناد الكفار وعدم تصديقهم لأي هدىً وذكر من الله وتوضح كيف كان صبر الله وحلمه عليهم لحين عذابهم في الوقت المحدد، والآيات هي: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ}{فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} 5-6  الشعراء. وبنفس نهج السور التي افتتحت بالحروف المقطعة سرد الله قصة سيدنا موسى وفرعون وقصة سيدنا إبراهيم مع قومه وأبيه، بعد توضيح موقف الكفار من الرسالات وعدم تصديقهم للقرآن. عليه سوف يتم تحليل القصتين لمعرفة الموضوع الذي ركزت عليه السورة.

ففي قصة سيدنا موسى كانت بدايتها حوار دار بين رب العزة وسيدنا موسى أوضحته الآيات: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}{قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ}{قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ}{وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ}{وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ}{قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ} 10-15 الشعراء. لقد أكد الله لسيدنا موسى عليه السلام سلامته هو وأخوه هارون من قوم فرعون. فبماذا كفل لهما السلامة؟ ألم يكن باستماعه لهما حيث قال لهما: “كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ” أي أن المولى عز وجل سيسمع لكل شيء لأن سمعه مطلق، وبالتالي يعلم بكل شيء. فعندما يسمع ويعلم أنهم في ضيق سيكفل لهما السلامة من فرعون وملائه. وقد أكدت ذلك آيتا السورة (61 – 65) اللتان أوضحتا أن سيدنا موسى كان واثقاً من أن الله سينجيه ومن معه حين تبعه فرعون وقومه فخاف من آمن معه فطمأنهم موسى لقوله تعالىعلى لسان رسوله الكريم وأصحابه:{فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}{قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} (61-62) الشعراء. وبالفعل خاطب الله سيدنا موسى ووجهه بأن يضرب البحر بعصاه. فانفلق البحر وسلم رسول الله وقومه من فرعون وأتباعه الكافرين لما ورد في الآيتين:{ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}{وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ}{وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ}{ثمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ}63-66 الشعراء  إن التركيز في هذه القصة كان على أهمية السمع للسلامة والنجاة. حيث كان الله مستمعاً لما يدور بين سيدنا موسى وأخيه هارون وبين وفرعون وقومه فنجى الله رسله  تماماً  كما نجا النمل من سيدنا سليمان عندما سمع قول النملة. ولله المثل الأعلى. وفي ذلك إشارة لمقدرة الله المطلقة وهيمنته على كل شيء. بذا تستنبط الأسماء الآتية المكونة من الحروف طسم على وزن البسملة، والتي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها لرسوله. وهي:(الله اللطيف السميع)، (الله اللطيف السلام) و(الله السميع السلام) و(الله السميع المقتدر) و(الله السلام المنتقم) أو أن يكون الله قد أقسم باسم واحد مكون من تلك الأسماء مثل (الله اللطيف السميع السلام المقتدر المنتقم) وهو اسم صفة المفاضلة الذي يعني أن الله خير من يكفل النجاة والسلامة وأقدر القادرين على الانتقام والله أعلم.. وثانياً توضح قصة سيدنا إبراهيم مع أبيه وقومه الآيات:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ}{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ}{قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ}{قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ}{أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ}69-73 الشعراء. فالحوار الذي دار بين سيدنا إبراهيم وأبيه وقومه يؤكد أن السمع هو الأداة التي عن طريقها إما ينتفع المرء أو يتضرر. فمن يستمع للهدى ويعبد الله وحده ويتضرع إليه بالدعاء والخوف من عذابه يستمع الله إليه وينجيه من عذابه. أما من يعبد غير الله لن ينجو من عذاب الله لأن الذي يملك السمع المطلق هو الله وحده وهو وحده المقتدر على نجاة المؤمنين الذين يدعوه، وأنه وحده المقتدر على الانتقام من الكفار الذين يدعون غيره. ومن هذا الحوار تستنبط نفس الأسماء التي استنبطت من قصة سيدنا موسى وأخيه هارون مع فرعون وقومه. والأسماء هي:(الله اللطيف السميع السلام) و(الله المقتدر المنتقم) أو أن يكون الله قد أقسم باسم واحد مكون من تلك الأسماء مثل (الله اللطيف السميع السلام المقتدر المنتقم)

واسم السورة “الشعراء” له صلة واضحة بالمعنى الذي ركزت عليه السورة. حيث أن الشعراء يستمع إليهم الغاوون فيتبعونهم. فالسمع إما أن يذهب بأهله للهلاك حسب المستمع إليه، وإما أن يذهب بهم للنجاة والسلامة من الهلاك.  فمن يستمع لكتاب الله ورسوله سلم ونجا من العذاب ومن استمع لغيره هلك ووقع في العذاب. وبنفس الطريقة يتم تحليل سورة القصص. لقد تلت الآيتان:{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}{نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} 2-3 الحروف “طسم”. وهما تشيران إلى أن الله قد خفف بهما على رسوله لما كان يشعر به من ألم وضيق لعدم تصديق بعض قومه لرسالته.  فبعد أن أقسم الله له أن الآيات هي آيات الكتاب الواضح الذي هو منزل من عنده هدىً للناس،  بدأ يسرد له قصة سيدنا موسى وفرعون.  وأول ما جاء في قصة موسى عليه السلام هو استماع أم موسى لأمر ربها وطاعته فسلم ابنها من فرعون كما في الآيتين: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ}{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ

فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} (7-8) القصص. ولكن الله أرجع موسى لأمه كما في الآية: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}13 القصص.  ثم بينت القصة بعد ذلك كيف أسمع سيدنا موسى خوفه من ربه لأنه ظلم نفسه، وكيف أن الله قد غفر له. لقوله تعالى على لسان سيدنا موسى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم}16 القصص  فهذه الآية توكيد إلى أن الله قد سمع دعاء سيدنا موسى فاستجاب له. أما الآية: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (21) القصص التي توضح أن سيدنا موسى قد استمع للرجل الذي جاء من أقصى المدينة ونصحه بأن يخرج من المدينة لأن القوم يأتمرون به أن يقتلوه. فخرج سيدنا موسى من المدينة وهو خائف يترقب. ولكنه عندما أسمع ربه خوفه من القوم وأنه لجأ لخير المنجينقَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” سمع الله دعاءه ونجاه منهم. ثم واصلت سورة القصص سرد قصص الأمم السابقة في الآيات الآتية: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ}{وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ}53-55 القصص.  والآية التالية أكثر توضيحاً لأهمية السمع: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ} (71) القصص

     عليه تكون خلاصة آيات سورتي الشعراء والقصص كالآتي: أن من أسمع الله خوفه من عذابه وغضبه وأسمعه حبه والإيمان والخضوع له، ضمن النجاة من النار وسلم منها وضمن الراحة الأبدية في الجنة. ومن أسمعه معصيته وعدم الخوف منه، لم ولن ينج من انتقام الله بالخلود في النار. لذا احسب أن الأسماء التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها في بداية سورة القصص هي نفس الأسماء التي استنبطت من آيات سورة الشعراء وهي:(الله اللطيف السميع السلام) و(الله المقتدر المنتقم) أو أن يكون الله قد أقسم باسم واحد مكون من تلك الأسماء مثل (الله اللطيف السميع السلام المقتدر المنتقم) الذي هو اسم صفة المفاضلة الله ألطف اللطيفين وخير السامعين وأحسن المنجين من العذاب. فالميم إذاً هي مفتاح الاسم ” الله المقتدر المنتقم” في هاتين السورتين. حيث تبلورت فيهما مقدرة الله على الانتقام من الأمم التي أرهقت كاهل رسلها ولم تستمع لرسالاتهم. فركزت آيات السورتين على حاسة السمع وأثرها في السلم والنجاة من الهلاك. وبالرغم من تركيز السور على توكيد لطف الله وسمعه وسلمه إلا أنها احتوت كسابقاتها على كل ما ورد في تفصيل سور القرآن أي ما ورد في سورة هود.وأخيراً  يتم التفكر في البحث عن مدلول الحروف الرباعية وهي: “المر” و”المص”. فإذا بحثنا في أسماء الله الحسنى التي أعلمنا الله بها في كتابه لا نجد اسماً مفتاحه الحروف “المر”. ولكن إذا تم فصل هذه الحروف نجدها تجمع بين الحروف “الم” و”الر” المذكورات سابقاً. فأحسب أنها جاءت بهذه الصورة لأن الألف واللام مشتركة. أي أنها حروف لتكوين أسماء الله الحسنى التي تدل على ملكه المطلق لهذا الكون ومقدرته على كل شيء وفي نفس الوقت أنه أرحم الراحمين. فهي إذاً الصفات التي لا يكافئ فيها الله مخلوق. فيتضح من الآيتين: {المر، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}{اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}(1-2) الرعد، أن الكفار قد شكوا في أن الرحمة “أي آيات الكتاب” قد أنزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم من رب العالمين. فأقسم الله تصديقاً وتثبيتاً وتخفيفاً لرسوله الكريم وتثبيتاً أيضاً للذين آمنوا معه أن الكتاب قد أنزل من عنده بالحق. ثم ركزت الآيات بعد ذلك على كل ما يدل على مقدرة الله المطلقة على الخلق وعلى كل ما في هذا الكون من نعم للعباد. فأوضحت الآيات خلقه للسموات والأرض وأنه الملك على عرشه وكيف أنه سخر الشمس والقمر لأجل مسمى. فهو الملك الذي له ميقات يوم معلوم لنهاية مخلوقاته كالشمس والقمر والليل والنهار. ثم أوضح الله بعد ذلك أنه هو الذي جعل في الأرض جنات من أعناب وزرع ونخيل ..وكل الخيرات والنعم التي في الأرض كما في الآيات:{وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} {وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَات ٌوَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُل إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} 3-4) الرعد. وبالرغم من كل هذه النعم التي أوضحها تفسير الآيات “3-4” الآتي، أنكر الكفار آيات الكتاب لشكهم في مقدرة الله على البعث ولقائه. ونتيجة لاستنكارهم هذا استعجلوا الرسول صلى الله عليه وسلم يوم حسابهم لعدم تصديقهم به وعدم توحيد الله. والآية التالية تنص على ذلك:{وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ}{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ}(5-6) الرعد. كما إنها تنص على أن الله ذو مغفرة وفي نفس الوقت ذو انتقام.  فسورة الرعد جاءت مزيجاً من طابع السور التي ابتدأت بها (الم) وهو المقدرة المطلقة ومن تلك السور التي ابتدأت بها (الر) التي طابعها الرحمة. والآيات التالية هي توكيد للمعنى الذي ركزت عليه السورة وهو أن بالرعد قوة تخيف الناس ومنه رزق ورحمة يطمع فيهما الناس! والآيات هي: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ}{وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} (12-13) الرعد. فمن هذه الآيات يستنبط أن الله قد أقسم بأسماء صفاته التي لا يكافئه فيها أحد أي أنه لا يوجد أقدر منه على الانتقام ولا أرحم منه.  وأسماء صفته المستنبطة من الآيات والتي على وزن البسملة ومكونة من الحروف المر هي: (الله المقتدر المنتقم) و( الله الرشيد الرحيم).  عليه أحسب أن الله قد أقسم بهذين الاسمين أو أقسم باسم واحد هو (الله المقتدر المنتقم الرشيد الرحيم).  وبنفس المعنى جاءت الحروف “المص” أي مزيج من معاني الحروف السابقة الذكر. فقد سبق ذكر أسماء الله الحسنى التي مفتاحها الحروف “الم” والاسمين اللذين مفتاحهما الحرف “ص”. مما يشير إلى ان مدلول الأسماء المركبة من هذه الأسماء المختلفة هي أسماء ملك ومقدرة مطلقة مع الوحدانية الحق والصبر المطلق الذي لا حدود له. ولكننا نجد في نفس الوقت أن الحروف “المص” هي مفتاح الاسم المصور. وتحليل السورة التي افتتحت بها تلك الحروف هو الذي سيقود إلى معرفة المقصود بالحروف هل هو الاسم المصورأم المزيج من الحروف. إن سورة الأعراف هي السورة الوحيدة التي افتتحت بالحروف ” المص”. والآيات الأوائل منها هي: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}{اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}(2-3) الأعراف. هذه الآيات فيها مواساة للرسول صلى الله عليه وسلم حتى لا يضيق صدره من الكفار والمنافقين لعدم تصديقهم لدعوته. وأن الكتاب قد أنزل أساساً هدىً ورحمة للمؤمنين. فيستنبط أن الله قد أقسم بأسماء صفاته التي لا يكافئه فيها أحد والمكونة من الحروف “المص” أن الكتاب قد أنزل بالحق على رسوله. لقد احتوت السورة كسابقاتها على قصتين: قصة أبينا آدم وإبليس وقصة أصحاب السبت. ومن أجل معرفة الموضوع الذي ركزت عليه السورة لاستنباط الأسماء التي يمكن أن يكون الله قد أقسم بها يتم تحليل هاتين القصتين.فقد سرد علينا المولى عزّ وجل القصة التالية:{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ}{قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }{قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ}{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}{ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}{قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} 10-18 الأعراف.    لقد بدأت هذه القصة بالحديث عن تكريم أبينا آدم وتصويره وسجود الملائكة له إلا إبليس الذي عصى ربه ورفض السجود لأبينا آدم فطرد من الجنة. ثم أوضحت بعد ذلك الحوار الذي دار بين المولى عز وجل وبين إبليس اللعين الذي كان نهايته طرده من الجنة وتوعده لربه بأن يغوي بني آدم لأنهم السبب في إغوائه. ثم جاءت الآية التالية موضحة تكريم أبوينا آدم وحواء بالجنة ونعيمها وهي: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}(19)الأعراف. وبعد دخول أبوينا الجنة بدأت قصتهما مع إبليس حيث فتنهما بارتكاب معصية ربهما كما أوضحته الآيات التالية:{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}{وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}{فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ}{قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}{قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} (20-24) الأعراف. لقد أخبرنا الله أن أبوينا قد اتبعا إبليس عدوهما وعدو الله فأكلا من الشجرة فكانت عاقبة أمرهما خسرا كما أوضحته الآية التالية: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (22) الأعراف   فما يستفاد من هذه القصة هو: أن الله الواحد الأحد الذي هو أقدر المقتدرين على خلق البشر وتصويرهم كيف يشاء هو أصبر الصابرين على جحودهم لنعمه وعصيانه وطاعة غيره. ومن مغزى هذه القصة يستنبط اسم صفة المفاضلة “الله الملك الصمد المصور الصبور” المكون من الحروف “المص” على وزن البسملة. أي أنه الملك الذي لم يلد ولم يولد وهو أصبر الصابرين على خلقه الذين صورهم فعصوه والله أعلم. وأصحاب السبت هم الذين ابتلاهم الله بأن لا يصطادون الحيتان يوم السبت. فكانت تأتيهم حيتانهم يوم يسبتون ويوم لا يسبتون لا تأتيهم. والقصة تسردها الآية التالية:{واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}163 الأعراف. هذه القصة تحكي عن فريق من القرية قد اعتدى على حدود الله وتحايل على صيد الحيتان يوم السبت بأن حفروا حفرة تأتي فيها الحيتان وهو فريق الكفار”الظالم لنفسه”. ونصحهم فريق من أهل القرية أيضاً بأن لا يصطادوا السمك يوم السبت لأن فيه اعتداء على حدود الله، وهو الفريق ” الذي أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر” أي فريق المؤمنين “السابق للخيرات”. أما الفريق الذي “لم يعتد ولم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر” فهو فريق الأعراف الذي لم يكتسب حسنة عن طريق النصح ولم يرتكب ذنباً بالصيد. فلم يزد حسنة ولم يكسب سيئة. لقد جاء الحوار التالي بين “الذين نصحوا المعتدين” وبين “الذين لم يصطادوا ولم ينصحوا” وهو: {وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (164) الأعراف. وما يستفاد من هذه القصة هو: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤديان للتقوى ويكسبان المؤمن درجة. والآيات التالية توضح موقف كل فريق: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ }{فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ } {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}(165-167) الأعراف  ومما يستفاد من هذه القصة أيضاً هو أن الله الذي صور البشر وأنعم عليهم بنعمه سيصبر على الذين اتبعوا ابليس وتعدوا حدوده وعصوا أمره وهو أصبر الصابرين عليهم وأقدر المقتدرين على الانتقام منهم. وإذا تفكرنا في نهاية الآية 167 هي صفات الله التي لا يكافئه فيها أحد. فمنها يمكن الوصول لأسماء نفس الصفات المكونة من الحروف “المص” وهي “الله الملك الصمد ” و”الله المصور الصبور” أو (الله المنتقم الصبور). كما إن اسم السورة الأعراف والآيات التي وردت في السورة يدلون على أن القسم كان بمقدرة الله المطلقة على تصوير البشر وتكريمهم ثم بعد ذلك كله يصبر على معصيتهم وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أي أنه ذو مقدرة على عقابهم وذو مقدرة على الصبر عليهم وعلى رحمة المتقين منهم . والله أعلم.

 

وبهذا نكون قد أثبتنا أن الحروف المقطعة هي حروف تكونت منها أسماءالله الحسنى على وزن البسملة وقد أقسم الله بها لتثبيت رسوله والذين آمنوا معه . كما أثبتنا أن الحروف من متشابهات أخبار الوحدانية ولهذا كن متشابهات في المعنى مع اختلافهن وبالله التوفيق والله أعلم من قبل ومن بعد